مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

 

فهرس الكتاب



اغاثته المظلوم

ثمّ الدفع عن المظلوم وإغاثة الملهوف، قال: ذكر الكوفيّون أن سعيد بن القيس الهمداني رآه يوماً في شدّة الحرّ في فناء حائط، فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟ قال(عليه السلام): ما خرجت إلاّ لاُعين مظلوماً، أو اُغيث ملهوفاً، فبينا هو كذلك إذ أتته امرأة قد خلع قلبها لا تدري أين تأخذ من الدنيا، حتّى وقفت عليه، فقالت: يا أمير المؤمنين ظلمني زوجي وتعدّى علىّ وحلف ليضربني فاذهب معي إليه، فطأطأ رأسه، ثمّ رفعه وهو يقول: لا والله حتّى يؤخذ للمظلوم حقّه غير متعتع وأين منزلك؟ قالت: في موضع كذا كذا، فانطلق معها حتّى انتهت الى منزلها، فقالت: هذا منزلي.

قال: فسلّم فخرج شاب عليه إزار ملوّنة، فقال(عليه السلام): اتّق الله، فقد أخفت زوجتك، فقال: وما أنت وذاك؟ والله لاُحرقنّها بالنار لكلامك. قال: وكان(عليه السلام)إذا ذهب إلى مكان أخذ الدرّة بيده، والسيف معلّق تحت يده، فمن حلّ عليه حكمٌ بالدرّة ضربه، ومن حلّ عليه حكم بالسيف عاجله، فلم يعلم الشاب إلاّ وقد اُصلت السيف، وقال له: آمرك بالمعروف، وأنهاك عن المنكر وتردّ المعروف؟! تب وإلاّ قتلتك!

قال: وأقبل الناس من السكك يسألون عن أمير المؤمنين(عليه السلام) حتّى وقفوا عليه، قال: فاُسقط في يد الشاب ـ أي: ندم على فعله ـ وقال: يا أمير المؤمنين! اعف عنّي عفا الله عنك، والله لاكونن أرضاً تطأني، فأمرها بالدخول إلى منزلها، وانكفأ وهو يقول: لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس، الحمد لله الذي أصلح بي بين مرأة وزوجها، يقول الله تبارك وتعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)النساء: 114.

ثم المروءة وعفة البطن والفرج وإصلاح المال، فهل رأيتم أحداً ضرب الجبال بالمعاول فخرج منها مثل أعناق الجزُر كلما خرجت عنق قال: بشّر الوارث، ثم يبدو له فيجعلها صدقة بتلة.

ثم ترك الوهن والاستكانة أنه انصرف(عليه السلام) من اُحد وبه ثمانون جراحة، يدخل الفتائل من موضع ويخرج من موضع، فدخل عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عائداً، وهو مثل المضغة على نطع، فلمّا رآه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بكى فقال له: إنّ رجلاً يصيبه هذا في الله لحقّ على الله أن يفعل به ويفعل، فقال(عليه السلام) مجيباً له وبكى: بأبي أنت واُمّي، الحمد الله الذي لم يرني ولّيت عنك ولا فررت، بأبي واُمّي كيف حرمت الشهادة؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّها من ورائك إن شاء الله.

قال: فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أبا سفيان قد أرسل موعدة بيننا وبينهم حمراء الاسد، فقال(عليه السلام): بأبي أنت واُمّي والله لو حملت على أيدي الرجال ما تخلّفت عنك، قال: فنزل القرآن (وكأيّن من نبيّ قاتل معه ربّيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصابرين)آل عمران: 145 ونزلت الاية فيه قبلها (وما كان لنفس أن تموت إلاّ باذن الله كتاباً مؤجّلاً ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين)آل عمران: 144.

 

تركه(عليه السلام) الشكاية في ألم الجراحة

شكت المرأتان ـ اللتان كانتا تتصدّيان معالجة الجرحى في الغزوات ـ إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مايلقى(عليه السلام)، وقالتا: يا رسول الله قد خشينا عليه ممّا تدخل الفتائل في موضع الجراحات من موضع إلى موضع، وكتمانه ما يجد من الالم، قال: فعُدّ ما به من أثر الجراحات عند خروجه من الدنيا، فكانت ألف جراحة، من قرنه إلى قدمه صلوات الله عليه.

 

أمره(عليه السلام) بالمعروف ونهيه عن المنكر

قال: خطب الناس، وقال: أيّها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فإنّ الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقرّب أجلاً، ولا يؤخّر رزقاً.

وذكروا أنه توضّأ مع الناس في ميضأة المسجد، فزحمه رجل فرمى به، فأخذ الدرّة فضربه، ثم قال له: ليس هذا لما صنعت بي، ولكن يجيء من هو أضعف منّي فتفعل به مثل هذا فتضمن.

ثمّ إقامته الحدود ولو على نفسه وولده، وقد أحجم الناس عن غير واحد من أهل الشرف والنباهة، وأقدم هو عليهم باقامة الحدود، فهل سمع أحد أنّ شريفاً أقام عليه أحد حدّاً غيره؟ منهم: عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، ومنهم: قدامة بن مظعون، ومنهم: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، شربوا الخمر فأحجم الناس عنهم وانصرفوا، وضربهم بيده حيث خشي أن تعطّل الحدود .

ثم ترك الكتمان على ابنته اُم كلثوم أهدى بعض الاُمراء لابنته اُمّ كلثوم عنبراً، فصعد(عليه السلام) المنبر، فقال: أيّها الناس، إنّ اُمّ كلثوم بنت علي خانتكم عنبراً، وايم الله لو كانت سرقته لقطعتها من حيث أقطع نساءكم.

ثمّ القرآن وما يوجد فيه من مغازي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا نزل من القرآن وفضائله، وما يحدث الناس مما قام به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من مناقبه التي لا تحصى.

ثمّ أجمعوا أنـّه لم يرد على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلمة قطّ، ولم يكعّ عن موضع بعثه، وكان يخدمه في أسفاره ويملا رواياه وقربه، ويضرب خباءه، ويقوم على رأسه بالسيف حتّى يأمره بالقعود والانصراف، ولقد بعث غير واحد في استعذاب ماء من الجحفة، وغلظ عليهم الماء فانصرفوا ولم يأتوا بشيء، ثمّ توجّه هو بالراوية، فأتاه بماء مثل الزلال واستقبله أرواح، فأعلم بذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: ذلك جبرئيل في ألف، وميكائيل في ألف، ويتلوه إسرافيل في ألف.

قال السيّد الحميري:

ذاك الذي سلّم في ليلة     عليه ميكال وجبريل

ميكال في ألف وجبريل في     ألف ويتلوهم سرافيل

ثم قال: دخل الناس عليه قبل أن يستشهد بيوم، فشهدوا جميعاً أنـّه قد وفّر فيئهم، وظلف عن دنياهم، ولم يرتش في إجراء أحكامهم، ولم يتناول من بيت مال المسلمين ما يساوي عقالاً، ولم يأكل من مال نفسه إلاّ قدر البلغة، وشهدوا جميعاً أنّ أبعد الناس منهم بمنزلة أقربهم منه.

هذا آخر كتاب ابن دأب والحمد لله والمنّة وصلّى الله على محمّد وآله.

 

كونه(عليه السلام) سبباً لاسلام جمع من أحبار اليهود

قد ذكرنا أيّها القارئ الكريم فيما مضى أنـّه كم من يهودي أسلم بسببه(عليه السلام)، فإليكم ما اقتطفناه من عدّة من كتب أعلام المؤرّخين وجهابذة العلماء المصنّفين مما دلّ على سعة علمه(عليه السلام) في دقائق العلوم وخفايا الاُمور بما لا يدانيه أحد فضلاً عن أن يقارنه، واعتراف جمع من أعدى أعداء الاسلام والمسلمين من أحبار اليهود وإقرارهم أيضاً بأولويّة علي(عليه السلام) بالخلافة، وأحقيّته بالقيام في مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من بعده، دون غيره من القرابة والصحابة، كما شهد بذلك أيضاً كتابهم المقدس وهو التوراة.

ذكر المجاهد الكبير والشيخ الجليل عبد الحسين أحمد الاميني في كتابه القيّم الغدير 6: 148 نقلاً عن الثعلبي المتوفى سنة (427) في كتابه العرائس ص413 ـ 419 الطبعة الرابعة دار الرائد العربي بيروت.

لمّا ولي أمير المؤمنين عمر الخلافة، أتاه قوم من أحبار اليهود، فقالوا: يا عمر، أنت وليّ الامر بعد محمّد وصاحبه، وإنّا نريد أن نسألك عن خصال، إن أخبرتنا بها علمنا أنّ الاسلام حقّ وأنّ محمّداً كان نبياً، وإن لم تخبرنا علمنا أنّ الاسلام باطل وأنّ محمّداً لم يكن نبيّاً فقال: سلوا عمّا بدا لكم.

قالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي؟ وأخبرنا عن مفاتيح السماوات ما هي؟ وأخبرنا عن قبر سار بصاحبه ما هو؟ وأخبرنا عمّن أنذر قومه لا هو من الجنّ ولا هو من الانس؟ وأخبرنا عن خمسة أشياء مشوا على وجه الارض ولم يخلقوا في الارحام؟ وأخبرنا ما يقول الدرّاج في صياحه؟ وما يقول الديك في صراخه؟ وما يقول الفرس في صهيله؟ وما يقول الضفدع في نقيقه؟ وما يقول الحمار في نهيقه؟ وما يقول القنبر في صفيره؟

قال: فنكس عمر رأسه في الارض، ثمّ قال: لا عيب بعمر إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن يسأل عمّا لا يعلم، فوثبت اليهود، وقالوا: نشهد أنّ محمّداً لم يكن نبيّاً، وأنّ الاسلام باطل.

فوثب سلمان الفارسي، وقال لليهود: قفوا قليلاً، ثمّ توجّه نحو علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حتّى دخل عليه، فقال: يا أبا الحسن، أغث الاسلام، فقال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فاقبل(عليه السلام) يرفل في بردة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا نظر إليه عمر وثب قائماً فاعتنقه، وقال: يا أبا الحسن، أنت لكلّ معضلة وشدّه تدعى، فدعا علي كرّم الله وجهه اليهود، فقال: سلوا عمّا بدا لكم، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) علّمني ألف باب من العلم، فتشعّب لي من كلّ باب ألف باب، فسألوه عنها، فقال علي كرّم الله وجهه: إنّ لي عليكم شريطة، إذا أخبرتكم كما في توراتكم دخلتم في ديننا وآمنتم؟ فقالوا: نعم، فقال: سلوا عن خصلة خصلة.

قالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي؟ قال(عليه السلام): أقفال السماوات الشرك بالله; لانّ العبد والامة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما عمل.

قالوا: فأخبرنا عن مفاتيح السماوات ما هي؟ قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، قال: فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويقولون: صدق الفتى.

قالوا: فأخبرنا عن قبر سار بصاحبه؟ فقال: ذاك الحوت الذي التقم يونس بن متى فسار به في البحار السبع.

فقالوا: أخبرنا عمّن أنذر قومه لا هو من الجنّ ولا هو من الانس؟ قال: هي نملة سليمان بن داود، قالت: «يا أيّها النمل ادخلُوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون».

قالوا: فأخبرنا عن خمسة مشوا على الارض ولم يخلقوا في الارحام؟ قال: ذلكم آدم، وحوّاء، وناقة صالح، وكبش ابراهيم، وعصا موسى.

قالوا: فأخبرنا ما يقول الدرّاج في صياحه؟ قال: يقول الرحمن على العرش استوى.

قالوا: فأخبرنا ما يقول الديك في صراخه؟ قال: يقول اذكروا الله يا غافلين.

قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله؟ قال: يقول: إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين للجهاد: اللهمّ انصر عبادك المؤمنين على الكافرين.

قالوا: فأخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه؟ قال: لعن الله العشار وينهق في أعين الشياطين.

قالوا: فأخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه؟ قال: يقول: سبحان ربّي المعبود، المسبّح في لجج البحار.

قالوا: فأخبرنا ما يقول القنبر في صفيره؟ قال: يقول: اللهمّ العن مبغضي محمّد وآل محمّد.

وكان اليهود ثلاثة نفر، قال اثنان منهم: نشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.

فوثب الحبر الثالث، وقال: يا علي، لقد وقع في قلوب أصحابي من الايمان والتصديق، وقد بقي خصلة واحدة أسالك عنها، فقال: سل عمّا بدا لك، فقال: أخبرني عن قوم في أوّل الزمان، ماتوا ثلاثمائة وتسع سنين ثمّ أحياهم الله، فما كان من قصّتهم؟ قال علي(رضي الله عنه): يا يهودي هؤلاء اصحاب الكهف، وقد أنزل الله على نبيّنا قرآناً فيه قصّتهم، وإن شئت قرأت عليك قصّتهم.

قال اليهودي: ما أكثر ما سمعنا قراءتكم، إن كنت عالماً، فأخبرني بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وأسماء مدينتهم، واسم ملكهم، واسم كلبهم، واسم جبلهم، واسم كهفهم، وقصّتهم من أوّلها إلى آخرها.

فاحتبى علي ببردة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال: يا أخا العرب حدّثني حبيبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أنـّه كانت بأرض روميّة مدينة، يقال لها «أفسوس» ويقال هي «طرسوس»، وكان اسمها في الجاهليّة أنسوس، فلمّا جاء الاسلام سموها «طرسوس» قال: وكان لهم ملك صالح، فمات ملكهم، وانتشر أمرهم، فسمع بهم ملك من ملوك فارس يقال له «دقيانوس» وكان جبّاراً كافراً، فأقبل في عساكر حتّى دخل «أفسوس» فاتّخذها دار ملكه وبنى فيها قصراً.

فوثب اليهودي، وقال: ان كنت عالماً، فصف لي ذلك القصر ومجالسه، فقال: يا أخا اليهود! ابتنى فيها قصراً من الرخام، طوله فرسخ، وعرضه فرسخ، واتّخذ فيها أربعة آلاف اسطوانة من الذهب وألف قنديل من الذهب لها سلسلة من اللجين، تسرج في كلّ ليلة بالادهان الطيّبة، واتّخذ لشرقي المجلس مائة وثمانين كوّة، ولغربيه كذلك، وكانت الشمس من حين تطلع إلى أن تغرب تدور في المجلس كيفما دارت، واتّخذ فيه سريراً من الذهب طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً مرصّعاً بالجواهر، ونصب على يمين السرير ثمانين كرسيّاً من الذهب، فأجلس عليها بطارقته، واتّخذ أيضاً ثمانين كرسيّاً من الذهب عن يساره، فأجلس فيها هراقلته، ثمّ جلس هو على السرير ووضع التاج على رأسه.

فوثب اليهودي، وقال: يا علي إن كنت عالماً، فاخبرني ممّ كان تاجه؟ فقال: يا أخا اليهود، كان تاجه من الذهب السبيك، له تسعة أركان، على كلّ ركن لؤلؤة تضيء كما يضيء المصباح في الليلة الظلماء، واتّخذ خمسين غلاماً من أبناء البطارقة، فمنطقهم بمناطق من الديباج الاحمر، وسرولهم بسراويل القزّ الاخضر، وتوّجهم ودملجهم وخلخلهم وأعطاهم عمد الذهب وأقامهم على رأسه، واصطنع ستّة غلمان من أولاد العلماء وجعلهم وزراءه، فما يقطع أمراً دونهم، وأقام منهم ثلاثة منهم عن يمينه، وثلاثة منهم عن يساره.

فوثب اليهودي، وقال: يا علي إن كنت صادقاً، فأخبرني ما كانت أسماء الستة؟ فقال علي كرّم الله وجهه: حدّثني حبيبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الذين كانوا عن يمينه أسماؤهم: «تمليخا، ومكسلمينا، ومحسلمينا» وأمّا الذين كانوا عن يساره «فمرطليوس، وكشطوس، وسادنيوس» وكان يستشيرهم في جميع اُموره، وكان إذا جلس كلّ يوم في صحن داره، واجتمع الناس عنده، دخل من باب الدار ثلاثة غلمة، في يد أحدهم جام من الذهب مملوء من المسك، وفي يد الثاني جام من الفضّة مملوء من ماء الورد، وفي يد الثالث طائر، فيصيح به، فيطير الطائر حتّى يقع في جام ماء الورد، فيتمرّغ فيه، فينشف ما فيه بريشه وجناحيه، ثمّ يصيح به ثانياً، فيطير فيقع في جام المسك، فيتمرغ فيه، فينشف ما فيه بريشه وجناحيه، فيصيح به ثالثاً، فيطير فيقع على تاج الملك، فينفض ريشه وجناحيه على رأس الملك بما فيه من المسك وماء الورد، فمكث الملك ثلاثين سنة من غير أن يصيبه صداع ولا وجع ولا حمّى ولا لعاب ولا بصاق ولا مخاط، فلمّا رأى ذلك من نفسه، عتا وطغى وتجبرّ واستعصى، وادّعى الربوبيّة من دون الله تعالى، ودعا إليه وجوه قومه، فكلّ من أجابه أعطاه وحباه، وخلع عليه، ومن لا يجبه ويتابعه قتله، فأجابوه بأجمعهم، فأقاموا في ملكه زماناً يعبدونه من دون الله.

فبينما هو ذات يوم جالس في عيد له على سريره والتاج على رأسه، إذ أتى أحد بطارقته فأخبره أن عساكر الفرس قد غشيته يريدون قتله، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً حتّى سقط التاج من رأسه، وسقط هو عن سريره، فنظر أحد فتيته الثلاثة الذين كانوا عن يمينه إلى ذلك، وكان عاقلاً يقال له: تمليخا، فتفكّر وتذكّر في نفسه، وقال: لو كان دقيانوس هذا إلهاً كما يزعم، لما حزن، ولما كان ينام، ولما كان يبول ويتغوّط، وليست هذه الافعال من صفات الاله، وكانت الفتية الستّة يكونون كلّ يوم عند واحد منهم، وكان ذلك اليوم نوبة تمليخا، فاجتمعوا عنده، فأكلوا وشربوا ولم يأكل تمليخا ولم يشرب، فقالوا: يا تمليخا مالك لا تأكل ولا تشرب؟

فقال: يا إخوتي قد وقع في قلبي شيء منعني عن الطعام والشراب والمنام، فقالوا: وما هو يا تمليخا؟ فقال: أطلت فكري في السماء، فقلت: من رفعها سقفاً محفوظاً بلا علاقة من فوقها، ولا دعامة من تحتها؟ ومَنْ أجرى فيها شمسها وقمرها؟ ومن زيّنها بالنجوم؟ ثمّ أطلت فكري في هذه الارض، من سطحها على ظهر اليمّ الزاخر، ومن حبسها وربطها بالجبال الرواسي لئلاّ تميد؟ ثمّ أطلت فكري في نفسي، فقلت: من أخرجني جنيناً من بطن اُمّي؟ ومن غذاني وربّاني؟ إنّ لهذا صانعاً ومدبّراً سوى دقيانوس الملك.

فانكبت الفتية على رجليه يقبّلونهما، وقالوا: يا تمليخا لقد وقع في قلوبنا ما وقع في قلبك، فأشر علينا، فقال: يا إخواني ما أجد لي ولكم حيلة إلاّ الهرب من هذا الجبّار الى ملك السماوات والارض، فقالوا: الرأي ما رأيت. فوثب تمليخا فابتاع تمراً بثلاثة دراهم، وصرّها في ردائه، وركبوا خيولهم وخرجوا.

فلمّا ساروا قدر ثلاثة أميال من المدينة، قال لهم تمليخا: يا إخوتاه، قد ذهب عنّا ملك الدنيا، وزال عنا أمره فانزلوا عن خيولكم، وامشوا على أرجلكم لعلّ الله يجعل من أمركم فرجاً ومخرجاً، فنزلوا عن خيولهم، ومشوا على أرجلهم سبع فراسخ، حتّى صارت أرجلهم تقطر دماً; لانّهم لا يعتادون المشي على أرجلهم، فاستقبلهم رجل راع، فقالوا: أيّها الراعي أو عندك شربة ماء أو لبن؟ قال: عندي ما تحبّون ولكنّي أرى وجوهكم وجوه الملوك، وما أراكم إلاّ هاربين فأخبروني بقصّتكم، فقالوا: يا هذا: إنّا دخلنا في دين لا يحلّ لنا الكذب، أفينجينا الصدق؟ قال: نعم، فأخبروه بقصّتهم، فانكبّ الراعي على أرجلهم يقبّلها ويقول، قد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم، فقفوا اليّ هاهنا حتّى أردّ الاغنام إلى أربابها وأعود إليكم، فوقفوا له حتّى ردّها، وأقبل يسعى، فتبعه كلب له.

فوثب اليهودي قائماً، وقال: يا علي إن كنت عالماً، فأخبرنا ما كان لون الكلب واسمه؟ فقال: يا أخا اليهود، حدّثني حبيبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الكلب كان أبلق بسواد، وكان اسمه قطمير.

قال: فلمّا نظر الفتية إلى الكلب، قال بعضهم: إنّا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنبيحه، فألحّوا عليه طرداً بالحجارة، فلمّا نظر إليهم الكلب وقد ألحّوا عليه بالحجارة والطرد أقعى على رجليه وتمطّى وقال بلسان طلق ذلق: يا قوم لم تطردونني وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، دعوني أحرسكم من عدوّكم، وأتقرّب بذلك إلى الله سبحانه وتعالى، فتركوه ومضوا، فصعد بهم الراعي جبلاً، وانحطّ بهم أعلى كهف.

فوثب اليهودي، وقال: يا علي ما اسم ذلك الجبل؟ وما اسم الكهف؟ قال أمير المؤمنين: يا أخا اليهود اسم الجبل ناجلوس، واسم الكهف الوصيد، وقيل: خيرم.

قال: وإذا بفناء الكهف أشجار مثمرة، وعين غزيرة، فأكلوا من الثمار، وشربوا من الماء، وجنّهم الليل، فآووا إلى الكهف، وربض الكلب على باب الكهف ومدّ يديه عليه، وأمر الله ملك الموت بقبض أرواحهم، ووكّل الله بكّل رجل منهم ملكين من ذات اليمين إلى ذات الشمال، ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين، قال: وأوحى الله إلى الشمس فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين إذا طلعت، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال.

فلمّا رجع الملك دقيانوس من عيده سأل عن الفتية، فقيل له: إنّهم اتّخذوا إلها غيرك، وخرجوا هاربين منك، فركب في ثمانين ألف فارس، وجعل يقفو آثارهم، حتّى صعد الجبل وشارف الكهف، فنظر إليهم مضطجعين، فظنّ أنّهم نيام، فقال لاصحابه: لو أردت أن اُعاقبهم بشيء ما عاقبتهم بأكثر ممّا عاقبوا به أنفسهم، فأتوني بالبنّائين! فاُتي بهم، فردموا عليهم باب الكهف بالجبس والحجارة، ثمّ قال لاصحابه: قولوا لهم ليقولوا لالههم الذي في السماء: إن كانوا صادقين يخرجهم من هذا الموضع.

فمكثوا ثلاثمائة وتسع سنين، فنفخ الله فيهم الروح، وهموا من رقدتهم لمّا بزغت الشمس، فقال بعضهم لبعض: لقد غفلنا هذه الليلة عن عبادة الله تعالى، قوموا بنا إلى العين، فإذا بالعين قد غارت، والاشجار قد جفّت، فقال بعضهم لبعض: إنّا من أمرنا هذا لفي عجب، مثل هذه العين قد غارت في ليلة واحدة؟ ومثل هذه الاشجار قد جفت في ليلة واحدة؟

فألقى الله عليهم الجوع، فقالوا: أيّكم يذهب بورقكم هذه إلى المدينة؟ فليأتنا بطعام منها، ولينظر أن لا يكون من الطعام الذي يعجن بشحم الخنازير، وذلك قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيّها ازكى طعاماً) أي: أحلّ وأجود وأطيب. فقال تمليخا: يا إخوتي لا يأتيكم أحد بالطعام غيري، ولكن أيّها الراعي ادفع لي ثيابك وخذ ثوبي، فلبس ثياب الراعي ومرّ وكان يمرّ بمواضع لا يعرفها وطريق ينكرها، حتّى أتى باب المدينة، فإذا فيه علم أخضر مكتوب عليه لا اله إلاّ الله عيسى روح الله. «صلّى الله على نبيّنا وعليه وسلّم».

فطفق الفتى ينظر إليه ويمسح عينيه، ويقول: أراني نائماً، فلمّا طال عليه ذلك دخل المدينة، فمرّ بأقوام يقرؤون الانجيل، واستقبله قوم لا يعرفهم حتّى انتهى إلى السوق، فإذا هو بخبّاز، فقال له: يا خبّاز ما اسم مدينتكم هذه؟ قال: أفسوس. قال وما اسم ملككم؟ قال: عبد الرحمن، قال تمليخا: ان كنت صادقاً فأمري عجيب، ادفع اليّ بهذه الدراهم طعاماً، وكانت دراهم ذلك الزمان الاول ثقالاً كباراً، فعجب الخبّاز من تلك الدراهم.

فوثب اليهودي، وقال: يا علي إن كنت عالماً فأخبرني كم وزن الدرهم منها؟ فقال: يا أخا اليهود، أخبرني حبيبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم): وزن كلّ درهم عشرة دراهم وثلثا درهم. فقال له الخباز يا هذا انّك قد أصبت كنزاً فأعطني بعضه، وإلاّ ذهبت بك إلى الملك. فقال تمليخا: ما اصبت كنزاً، وإنّما هذا ثمن تمربعته منذ ثلاثة أيّام، وقد خرجت من هذه المدينة وهم يعبدون دقيانوس الملك، فغضب الخبّاز، وقال: ألم ترض أن أصبت كنزاً أن تعطيني بعضه؟ حتّى تذكر رجلاً جبّاراً يدّعي الربوبيّة؟ قد مات قبل ثلاثمئة سنة وتسخر بي؟ ثمّ أمسكه واجتمع الناس، ثمّ أتوا به إلى الملك وكان عاقلاً عادلاً، فقال لهم: ما قصّة هذا الفتى؟ قالوا: أصاب كنزاً، فقال له الملك: لا تخف فإنّ نبيّنا عسى(عليه السلام) أمرنا أن لا نأخذ من الكنوز إلاّ خمسها.

فادفع إليّ خمس هذا الكنز وامضِ سالماً.

فقال: أيّها الملك تثبّت في أمري، ما أصبت كنزاً وأنا من أهل هذه المدينة، فقال له: أنت من أهلها؟ قال: نعم. قال: أفتعرف فيها أحداً؟ قال: نعم. قال الملك: فسمّ لنا. فسمّى له نحواً من ألف رجل، فلم يعرفوا منهم رجلاً واحداً، قالوا: يا هذا! ما نعرف هذه الاسماء، وليست هي من أهل زماننا، ولكن هل لك في هذه المدينة دار؟ قال: نعم أيّها الملك، فابعث أحداً معي. فبعث معه الملك جماعة حتّى أتى بهم داراً هي أرفع دار في المدينة، وقال: هذه داري، فقرع الباب، فخرج لهم شيخ كبير، قد استرخا حاجباه من الكبر على عينيه، وهو فزع مرعوب مذعور، وقال: أيّها الناس ما بالكم؟ فقال له رسول الملك: إنّ هذا الغلام يزعم أنّ هذه الدار داره، فغضب الشيخ والتفت إلى تمليخا وتبينه وقال له: ما اسمك؟ قال: تمليخا بن فلسين. قال أعد عليّ، فاعاد عليه، فانكبّ الشيخ على رجليه وقبّلهما، وقال: هذا جدّي وربّ الكعبة، وهو أحد الفتية الذين هربوا من دقيانوس الملك الجبّار إلى جبّار السماوات والارض، ولقد كان عيسى أخبرنا بقصّتهم، وانّهم سيَحْيَون.

فاُنهي ذلك إلى الملك، وأتى إليهم وحضرهم، ولمّا رأى الملك تمليخا نزل عن فرسه، وحمله على عاتقه، فجعل الناس يقبّلون يديه ورجليه، ويقولون: يا تمليخا ما فعل بأصحابك؟ فأخبرهم أنّهم في الكهف، وكانت المدينة قد وليها رجلان: ملك مسلم، وملك نصرانيّ، فركبا في أصحابهما وأخذا تمليخا، فلمّا صاروا قريباً من الكهف قال لهم تمليخا: يا قوم إنّي أخاف أنّ إخوتي يحسّون بوقع حوافر الخيل والدوابّ وصلصلة اللجم والسلاح، فيظنّون أنّ دقيانوس قد غشيهم فيموتون جميعاً، فقفوا قليلاً، حتّى أدخل إليهم فاُخبرهم.

فوقف الناس ودخل عليهم تمليخا، فوثب إليه الفتية واعتنقوه، وقالوا: الحمد لله الذي قد نجّاك من دقيانوس، قال: دعوني منكم ومن دقيانوس، كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، قال: بل لبثتم ثلاثمائة وتسع سنين، وقد مات دقيانوس، وانقرض قرن بعد قرن، وآمن أهل المدينة بالله العظيم، وقد جاؤوكم، قالوا: يا تمليخا تريد أن تصيّرنا فتنة للعالمين؟ قال: فماذا تريدون؟ قالوا: ارفع يدك ونرفع أيدينا، فرفعوا أيديهم وقالوا: اللهمّ بحق ما أريتنا من العجائب في أنفسنا، إلاّ قبضت أرواحنا ولم يطّلع علينا أحد.

فأمر الله ملك الموت فقبض أرواحهم وطمس الله باب الكهف، وأقبل الملكان يطوفان حول الكهف سبعة أيّام، فلا يجدان له باباً ولا منفذاً ولا مسلكاً، فأيقنا حينئذ بلطيف صنع الله الكريم، وانّ أحوالهم كانت عبرة أراهم الله إيّاها. فقال المسلم على ديني ماتوا، وأنا أبني على باب الكهف مسجداً، وقال النصراني، بل ماتوا على ديني، فأنا أبني على باب الكهف ديراً، فاقتتل الملكان، فغلب المسلم النصراني، فبنى على باب الكهف مسجداً.

فذلك قوله تعالى: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجداً)وذلك يا يهودي، أوافق هذا ما في توراتكم؟ فقال اليهودي: ما زِدت حرفاً ولا نقّصت حرفاً، يا أبا الحسن لا تسمّيني يهوديّاً، فإنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّك أعلم هذه الاُمّة.

 

مسائل الاحبار واليهود عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)

فهذا ما رواه الثعلبي في كتابه العرائس، فلنستأنف السير نحو هذا الموضوع إلى ما رواه الحافظ العاصمي في كتابه زين الفتى في شرح سورة هل أتى كما في نفس المصدر 6: 242:

قدم اُسقف نجران على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب في صدر خلافته، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أرضنا باردة شديدة المؤونة لا يحتمل الجيش، وأنا ضامن لخراج أرضي أحمله اليك في كلّ عام كملاً، قال: فضمّنه إيّاه، فكان يحمل المال ويقدم في كلّ سنة، ويكتب له عمر بالبراءة بذلك.

فقدم الاُسقف ذات مرّة ومعه جماعة، وكان شيخاً جميلاً مهيباً، فدعاه عمر إلى الله وإلى رسوله وكتابه، وذكر له أشياء من فضل الاسلام وما تصير إليه المسلمون من النعيم والكرامة.

فقال له الاسقف: يا عمر! أتقرؤون في كتابكم (وجنّة عرضها كعرض السماء والارض) فأين تكون النار؟ فسكت عمر وقال لعلي: أجبه أنت. فقال له علي: أنا اُجيبك يا أسقف، أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقال الاسقف: ما كنت أرى أن أحداً يجيبني عن هذه المسألة، من هذا الفتى يا عمر؟ فقال: علي بن أبي طالب ختن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وابن عمّه، وهو أبو الحسن والحسين.

فقال الاسقف: فأخبرني يا عمر عن بقعة من الارض طلع فيها الشمس مرّة واحدة، ثمّ لم تطلع قبلها ولا بعدها؟ فقال عمر: سل الفتى، فسأله، فقال: أنا اُجيبك، هو البحر حيث انفلق لبني اسرائيل، ووقعت فيه الشمس مرّة واحدة، لم تقع قبلها ولا بعدها.

فقال الاُسقف: أخبرني عن شيء في أيدي الناس شبه ثمار الجنّة؟ قال عمر: سل الفتى، فسأله، فقال علي: أنا اُجيبك، هو القرآن، يجتمع عليه أهل الدنيا، فيأخذون منه حاجاتهم، فلا ينقص منه شيء، فكذلك ثمار الجنّة، فقال الاُسقف: صدقت، وقال: أخبرني هل للسماوات من قفل؟ فقال علي: قفل السماوات الشرك بالله، فقال الاُسقف: وما مفتاح ذلك القفل؟ قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، لا يحجبها شيء دون العرش، فقال: صدقت.

قال: فأخبرني عن أوّل دم وقع على وجه الارض؟ فقال علي: أمّا نحن فلا نقول كما يقولون دم الخشّاف، ولكن أوّل دم وقع على وجه الارض مشيمة حوّاء حيث ولدت هابيل بن آدم، قال: صدقت.

وبقيت مسألة واحدة، أخبرني أين الله؟ فغضب عمر، فقال علي: أنا اُجيبك وسل عمّا شئت، كنّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتاه ملك فسلّم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من أين اُرسلت؟ فقال: من السماء السابعة من عند ربّي، ثمّ أتاه آخر فسلّم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): من أين اُرسلت؟ فقال: اُرسلت من الارض السابعة من عند ربّي، فجاء ثالث من الشرق، ورابع من الغرب، فسألهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابا كذلك، فالله هاهنا وهاهنا، في السماء إله وفي الارض إله.

وأخرج الحافظ العاصمي أيضاً في كتابه المذكور على ما ذكره الاميني في غديره 6: 268 عن أبي طفيل، قال: شهدت الصلاة على أبي بكر الصدّيق، ثمّ اجتمعنا إلى عمر فبايعناه، وأقمنا أيّاماً نختلف إلى المسجد إليه، حتّى أسموه أمير المؤمنين، فبينما نحن عنده جلوس إذ أتاه يهوديّ من يهود المدينة، وهم يزعمون أنـّه من ولد هارون أخي موسى بن عمران(عليهما السلام)، حتّى وقف على عمر، فقال له: يا عمر أيّكم أعلم بنبيّكم وبكتاب نبيّكم حتّى أسأله عمّا اُريد، فأشار عمر إلى علي بن أبي طالب، فقال: هذا أعلم بنبيّنا وبكتاب نبيّنا.

قال اليهودي: أكذلك أنت يا علي؟ قال: سل عمّا تريد. فقال: إنّي سائلك عن ثلاث وثلاث وواحدة. فقال له علي: ولم لا تقول إنّي سائلك عن سبع؟ قال له اليهودي: أسالك عن ثلاث، فإن أصبت فيهنّ أسألك عن الواحدة، وإن أخطأت في الثلاث الاول لم اسألك عن شيء، فقال له علي: وما يدريك إذا سألتني فأجبتك أخطأت أم أصبت؟

قال: فضرب بيده على كمّه فاستخرج كتاباً عتيقاً، فقال: هذا كتاب ورثته عن آبائي وأجدادي باملاء موسى وخطّ هارون، وفيه هذه الخصال التي اُريد أن أسالك عنها، فقال علي: والله عليك إن أجبتك فيهنّ بالصواب أن تسلم؟ قال له: والله لئن أجبتني فيهنّ بالصواب لاسلمنّ الساعة على يديك، قال له علي: سل.

قال: أخبرني عن أوّل حجر وضع على وجه الارض. وأخبرني عن أوّل شجرة نبتت على وجه الارض، وأخبرني عن أوّل عين نبعت على وجه الارض. قال له علي: يا يهودي إنّ أوّل حجر وضع على وجه الارض، فإنّ اليهود يزعمون انـّه صخرة بيت المقدس، كذبوا لكنّه الحجر الاسود نزل به آدم معه من الجنّة، فوضعه في ركن البيت، فالناس يمسحونه ويقبلونه ويجدّدون العهد والميثاق فيما بينهم وبين الله. قال اليهود: أشهد بالله لقد صدقت.

قال له علي: وأمّا أوّل شجرة نبتت على وجه الارض، فإنّ اليهود يزعمون أنـّها الزيتونة وكذبوا ولكنّها نخلة العجوة، نزل بها معه آدم من الجنّة، فأصل التمر كلّه من العجوة، قال له اليهودي: أشهد بالله لقد صدقت.

قال علي: وأمّا أوّل عين نبعت على وجه الارض، فإنّ اليهود يزعمون أنـّها العين التي تحت صخرة بيت المقدس، وكذبوا ولكنّها عين الحياة، التي نسي عندها صاحب موسى السمكة المالحة، فلمّا اصابها ماء العين عاشت وسمرت، فأتبعها موسى وصاحبه فأتيا الخضر، فقال اليهودي: أشهد بالله لقد صدقت.

قال له علي: سل. قال: أخبرني عن منزل محمّد أين هو في الجنّة؟ قال علي: ومنزل محمّد من الجنّة، جنّة عدن في وسط الجنّة، أقربه من عرش الرحمن عزّوجلّ، وقال اليهودي: أشهد بالله لقد صدقت.

قال له علي: سل، قال أخبرني عن وصيّ محمّد في أهله كم يعيش بعده، وهل يموت أو يقتل؟ قال علي: يا يهودي يعيش بعده ثلاثين سنة. ويخضب هذه من هذه، وأشار إلى رأسه، قال: فوثب اليهودي، وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله.

 

جوابه(عليه السلام) عن مسائل ملك الروم

وقد عقد العاصمي أيضاً في كتابه المذكور، وسبط إبن الجوزي في كتابه تذكرة خواصّ الاُمّةص87 ما أخرجه إمام الحنابلة في الفضائل، كما ذكره الاميني في غديره 6: 247.

قال: حدّثنا عبد الله القواريري، حدّثنا مؤمّل، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيّب، قال: كان عمر بن الخطّاب يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن قال إبن المسيّب: ولهذا القول سبب، وهو : أنّ ملك الروم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل، فعرضها على الصحابة، فلم يجد عندهم جواباً، فعرضها على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأجابها في أسرع وقت بأحسن جواب.

قال ابن المسيّب: كتب ملك الروم إلى عمر(رضي الله عنه) عنه: من قيصر ملك بني الاصفر إلى عمر خليفة المؤمنين ـ المسلمين ـ أمّا بعد، فإنّي سائلك عن مسائل فأخبرني عنها: ما شيء لم يخلقه الله؟ وما شيء لم يعلمه الله؟ وما شيء ليس عند الله؟ وما شيء كلّه فم؟ وما شيء كلّه رجل؟ وما شيء كلّه عين؟ وما شيء كلّه جناح؟ وعن رجل لا عشيرة له؟ وعن أربعة لم تحمل بهم رحم؟ وعن شيء يتنفّس وليس فيه روح؟ وعن صوت الناقوس ماذا يقول؟ وعن ظاعن ظعن مرّة واحدة؟ وعن شجرة يسير الراكب في ظلّها مئه عام لا يقطعها، ما مثلها في الدنيا؟ وعن مكان لم تطلع فيه الشمس الاّ مرّة واحدة؟ وعن شجرة نبتت من غير ماء؟ وعن أهل الجنّة فإنّهم يأكلون ويشربون ولا يتغوّطون ولا يبولون، ما مثلهم في الدنيا؟ وعن موائد الجنّة، فإنّ عليها القصاع في كلّ قصعة ألوان لا يخلط بعضها ببعض، ما مثلها في الدنيا؟ وعن جارية تخرج من تفّاحة في الجنّة ولا ينقص منها شيء؟ وعن جارية تكون في الدنيا لرجلين وهي في الاخرة لواحد؟ وعن مفاتيح الجنّة ما هي؟

فقرأ علي(عليه السلام) الكتاب، وكتب في الحال خلفه: بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد فقد وقفت على كتابك أيّها الملك، وأنا اُجيبك بعون الله وقوّته وبركته، وبركة نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

أمّا الشيء الذي لم يخلقه الله تعالى، فالقرآن لانـّه كلامه وصفته، وكذا كتب الله المنزلة، والحقّ سبحانه قديم وكذا صفاته. وأمّا الذي لا يعلمه الله فقولكم: له ولد وصاحبة وشريك، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، لم يلد ولم يولد. وأمّا الذي ليس عند الله، فالظلم، وما الله بظلاّم للعبيد. وأمّا الذي كلّه فم، فالنار تأكل ما يلقى فيها. وأمّا الذي كلّه رجل، فالماء. وأمّا الذي كلّه عين فالشمس. وأمّا الذي كلّه جناح، فالريح. وأمّا الذي لا عشيرة له، فآدم(عليه السلام). وأمّا الذين لم يحمل بهم رحم، فعصا موسى، وكبش ابراهيم، وآدم وحوّاء. وأمّا الذي تنفّس من غير روح، فالصبح إذا تنفّس.

وأمّا الناقوس، فإنّه يقول: طقّاً طقّاً حقاً حقاً مهلاً مهلاً عدلاً عدلاً صدقاً صدقاً، إنّ الدنيا قد غرّتنا واستهوتنا، تمضي الدنيا قرناً قرناً، ما من يوم يمضي عنّا إلاّ أوهى منّا ركناً، إنّ الموت قد أخبرنا أنـّا نرحل فاستوطنا. اما الظاعن، فطور سيناء، لمّا عصت بنو اسرائيل وكان بينه وبين الارض المقدّسة أيّام، فقلع الله منه قطعة، وجعل لها جناحين من نور، فنتقه عليهم، فذلك قوله (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنـّه ظلّة وظنّوا أنـّه واقع بهم)الاعراف: 171 وقال لبني إسرائيل: إن لم تؤمنوا وإلاّ أوقعته عليكم، فلمّا تابوا ردّه إلى مكانه.

وأمّا الشجرة التي يسير الراكب في ظلّها مئة عام، فشجرة طوبى وهي سدرة المنتهى في السماء السابعة، إليها تنتهي أعمال بني آدم، وهي من أشجار الجنّة ليس في الجنّة قصر ولا بيت إلاّ وفيه غصن من أغصانها، ومثلها في الدنيا الشمس أصلها واحد، وضوءها في كلّ مكان. وأمّا الشجرة التي تنبت بغير ماء، فشجرة يونس وكان ذلك معجزة له لقوله تعالى (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين)الصافّات: 146.

وأمّا غذاء أهل الجنّة، فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن اُمّه، فإنّه يتغذّى من سرته ولا يبول ولا يتغوّط. وأمّا الالوان في القصعة الواحدة، فمثله في الدنيا: البيضة فيها لونان، بين أبيض وأصفر لا يختلطان. وأمّا الجارية التي تخرج من تفّاحة فمثلها في الدنيا الدودة. تخرج من التفّاحة ولا تتغيّر، وأمّا الجارية بين اثنين: فالنخلة التي تكون في الدنيا لمؤمن مثلي، ولكافر مثلك، وهي لي في الاخرة دونك، لانّها في الجنّة وأنت لا تدخلها، وأمّا مفاتيح الجنّة: فلا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله.

قال ابن المسيّب: فلمّا قرأ قيصر الكتاب، قال: ما خرج هذا الكلام إلاّ من أهل بيت النبوّة، ثمّ سأل عن المجيب، فقيل له: هذا جواب ابن عمّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكتب إليه:

سلام عليك، أمّا بعد: فقد وقفت على جوابك، وعلمت أنّك من أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، وأنت موصوف بالشجاعة والعلم، واُوثر أن تكشف لي عن مذهبكم والروح التي ذكرها الله في كتابكم في قوله تعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)الاسراء: 85.

فكتب إليه أمير المؤمنين: أمّا بعد، فالروح نكته لطيفة، ولمعة شريفة، من صنعة باريها، وقدرة منشأها، أخرجها من خزائن ملكه، وأسكنها في ملكه، فهي عنده لك سبب، وله عندك وديعة، فإذا أخذت مالك عنده أخذ ماله عندك، والسلام.

فهذا ممّا وفّقنا إلى تسجيله، وممّا منّ به عَلينَا بفَضلِه وإفضاله،

فهوَ وليّ التوفيق والهداية،

ومنتهى الامال والغاية،

وله جزيل الحمد.