الفصل العاشر

في أنّ عليّاً (عليه السلام) ميزان لمعرفة الحقّ

من الباطل

 

ــ عليّ (عليه السلام) محور الحقّ

ــ عليّ (عليه السلام) يفرّق بين الحقّ والباطل

ــ الأسلوب غير المباشر لبيان الحقّ

 

 

عليّ (عليه السلام) محور الحقّ

 

قال الله عزّوجلّ : ( قُلْ يا اَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ اْلحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَاِنَّما يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَاِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا اَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ )(1) .

[البزّار] : ثنا عمرو بن علي ، ثنا أبو داود ، ثنا سعد بن شعيب النهمي ، عن محمد بن إبراهيم التيمي : أنّ فلاناً(2)دخل المدينة حاجّاً ، فأتاه الناس يسلّمون عليه ، فدخل سعد ، فسلّم ، فقال : وهذا لم يُعِنّا على حقّنا على باطل غيرنا . قال : فسكت عنه ساعة ، فقال : مالك لا تتكلّم ؟ فقال : هاجت فتنة وظلمة ، فقلت لبعيري : إخ إخ ، فأناخت حتى انجلت ، فقال الرّجل : إنّي قرأت كتاب الله من أوّله إلى آخره فلم أر فيه [إخ إخ] . قال : فغضب سعد ، فقال : أمّا إذ قلت ذلك ، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ حيث كان« .

قال : من سمع ذلك معك؟ قال : قاله في بيت أُمّ سلمة . قال : فأرسل إلى أُمّ سلمة ، فسألها ، فقالت : قد قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيتي . فقال الرّجل لسعد : ما كنت عندي قطّ ألوم منك الآن ، فقال : ولم ؟ قال : لو سمعت هذا من النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم أزل خادماً لعليّ حتى أموت .

قال الهيثمي : رواه البزار ، وفيه سعد بن شعيب ، ولم أعرفه ، وبقيّة رجاله رجال الصحيح(3).

[أبو يعلى] : ثنا محمّد بن عبّاد المكّي . (ح) و[الآجري] : ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي ، ثنا محمّد بن عبّاد المكّي . (ح) و[ابن المغازلي] : أنا أبو طالب محمّد بن أحمد بن عثمان ، أنا أبو الحسن عليّ بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ المعدّل - إذناً - ثنا أبو عبد الله محمّد بن عبّاد المكّي ، ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، عن صدقة بن الربيع ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الرّحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، قال : كنّا عند بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) في نفر من المهاجرين والأنصار ، فخرج علينا - يعني النبيّ (صلى الله عليه وآله) - فقال : » ألا أُخبركم بخياركم ؟ « قلنا : بلى ، قال : » خياركم الموفون المطيبون ، إنّ الله عزّوجلّ يحبّ الحفيّ التقيّ« ، قال : ومرّ عليّ ابن أبي طالب (رض) ، فقال : » الحقّ مع ذا ، الحقّ مع ذا« .

وأخرجه ابن عساكر في التاريخ من طريق أبي يعلى ، وأورده الهيثمي في المجمع ، وقال : رواه أبو يعلى ، ورجاله ثقات(4).

[الحاكم] : أنا أحمد بن كامل القاضي ، ثنا أبو قلابة ، ثنا أبو عتاب سهل ابن حمّاد ، ثنا المختار بن نافع التميمي ، ثنا أبو حيّان التيمي ، عن أبيه ، عن عليّ (رض) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » رحم الله عليّاً ، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار« .

وأخرجه الحموئي من طريق البيهقي ، عن الحاكم . ثمّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . وتعقّب الذهبي قائلاً : ومختار ساقط ، قال النسائي وغيره : ليس بثقة(5).

أقول : مختار بن نافع التيميّ أو التميمي ؛ وثّقه العجلي أيضاً ، وعن النسائي : أنّه ليس بثقة ، وأمّا الآخرون ؛ فحكموا بنكارة أحاديثه ، ولعلّها هي المنشأ الأساسي لما حُكي عن النسائي أيضاً ، فقد روي عنه أنّه قال : منكر الحديث(6).

[ابن المغازلي] : بسنده المذكور في الفصل الأوّل عن أبي الطفيل - في حديث المناشدة - أنّ عليّاً (عليه السلام) قال لأصحاب الشورى : فأُنشدكم بالله ، أتعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : » الحقّ مع عليّ ، وعليّ مع الحقّ ، يزول الحقّ مع عليّ حيث زال«؟ قالوا : اللّهمّ نعم(7).

[الخطيب] : أني الحسن بن عليّ بن عبد الله المقرئ ، ثنا أحمد بن الفرج ابن منصور الورّاق ، أنا يوسف بن محمّد بن علي المكتّب - سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة - ثنا الحسن بن أحمد بن سليمان السرّاج ، ثنا عبد السلام بن صالح ، ثنا علي بن هاشم بن البريد ، عن أبيه ، عن أبي سعيد التميمي ، عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ ، قال : دخلت على أُمّ سلمة ، فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً ، وقالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة« .

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق الخطيب(8).

[الطبراني] : ثنا عبّاد بن عيسى الجعفي الكوفي ، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي البهلول الكوفي ، ثنا صالح بن أبي الأسود ، عن هاشم بن بريد . (ح) و[الحاكم] : أنا أبو بكر محمّد بن عبد الله الحفيد ، ثنا أحمد بن محمّد بن نصر ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد الثقة المأمون ، ثنا عليّ بن هاشم بن البريد ، عن أبيه ، عن أبي سعيد التيمي ، عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ ، قال : كنت مع عليّ (رض) يوم الجمل ، فلمّا رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس ، فكشف الله عنّي ذلك عند صلاة الظهر ، فقاتلت مع أمير المؤمنين ، فلمّا فرغ ، ذهبت إلى المدينة ، فأتيت أُمّ سلمة ، فقلت : إنّي والله ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ، ولكنّي مولى لأبي ذرّ ، فقالت : مرحباً ، فقصصت عليها قصّتي ، فقالت : أين كنت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قلت : إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس ، قالت : أحسنت ، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لن يتفرّقا حتى يردا عليَّ الحوض« . هذا لفظ الحاكم .

ولفظ الطبراني : عن أُمّ سلمة ، قالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ مع القرآن ، والقرآن معه ، لا يتفرّقان حتى يردا عليَّ الحوض« .

ثمّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء ، ثقة ، مأمون ، ولم يخرجاه . وأقرّه الذهبي .

وأخرجه الحموئي من طريق الحاكم . وأورده السيوطي في الصغير ، والعاصمي في سمط النجوم ، والمتّقي في الكنز ، عن الحاكم في المستدرك ، والطبراني في الأوسط(9).

وقد أخطأ الطبراني فيما قال : {لا يُروى عن أُمّ سلمة إلاّ بهذا الإسناد ، تفرّد به صالح بن أبي الأسود} . وذلك لعدم تفرد صالح بروايته ، كما لاحظت متابعته من قبل عمرو بن طلحة ، وعدم انحصار روايته بهذا الإسناد ، فلاحظ :

[الموفق بن أحمد] : أني سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه ابن شهردار الديلمي - فيما كتب إليّ من همدان - أنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني - كتابة - عن الشريف أبي طالب المفضّل بن محمّد بن طاهر الجعفري بأصبهان ، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه بن فورك الأصبهاني ، ثنا محمّد بن الحسين الدقّاق البغدادي ، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا إبراهيم بن الحسن التغلبي ، ثنا يحيى بن يعلى ، ثنا عمر بن يزيد ، ثنا عبد الله بن حنظلة ، ثني شهر بن حوشب ، قال : كنت عند أُمّ سلمة رضي الله عنها ، فسلّم رجل ، فقيل : من أنت ؟ قال : أنا أبو ثابت مولى أبي ذرّ ، قالت : مرحباً بأبي ثابت ، ادخل ، فدخل ، فرحّبت به ، فقالت : أين طار قلبك حين طارت القلوب مطايرها ؟ قال : مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، قالت : وفقت والّذي نفس أُمّ سلمة بيده ، لسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ مع القرآن والقران مع عليّ ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض« ، ولقد بعثت ابني عمر وابن أخي عبد الله - أبي أميّة - وأمرتهما أن يقاتلا مع عليّ من قاتله ، ولولا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرنا أن نقرّ في حجالنا - أو في بيوتنا - لخرجت حتى أقف في صفّ عليّ(10).

[ابن عقدة] : من طريق عروة بن خارجة عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، قالت : سمعت أبي (صلى الله عليه وآله) في مرضه الّذي قبض فيه يقول - وقد امتلأت الحجرة من أصحابه - : » أيّها الناس ، يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً ، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب ربّي عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي« . ثمّ أخذ بيد عليّ ، فقال : » هذا عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض ، فأسألكم ما تخلّفوني فيهما«(11) .

[ابن أبي شيبة] : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال في مرض موته : » أيّها الناس ، يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً ، فينطلق بي ، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّف فيكم الثقلين ؛ كتاب الله عزّوجلّ ، وعترتي أهل بيتي« . ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها ، فقال : » هذا عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان ، حتى يردا عليّ الحوض ، فأسألهما ما خلّفت فيهما«(12) .

[الحاكم] : ثنى أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي من أصل كتابه ، ثنا الحسن بن عليّ بن شبيب المعمري ، ثنا عبدالله بن صالح الأزدي ، ثني محمّد بن سليمان بن الأصبهاني ، عن سعيد بن مسلم المكّي ، عن عمرة بنت عبد الرّحمن ، قالت : لمّا سار عليّ إلى البصرة دخل على أُمّ سلمة زوج النبيّ (صلى الله عليه وآله) يودّعها ، فقالت : سر في حفظ الله وفي كنفه فوالله إنّك لعلى الحقّ ، والحقّ معك ، ولولا أنّي أكره أن أعصي الله ورسوله - ؛ فإنّه (صلى الله عليه وآله) أمرنا أن نقرّ في بيوتنا - لسرت معك ، ولكن والله لأرسلن معك مَنْ هو أفضل عندي وأعزّ عليَّ مِنْ نفسي ؛ ابنى عمر .

ثمّ قال الحاكم : هذه الأحاديث الثلاثة كلّها صحيحة على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه(13).

وقد تقدّم في الفصل الأوّل من حديث أمّ سلمة وعائشة : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لعائشة : » والله لا يبغضه - يعني عليّاً (عليه السلام) - أحد من أهل بيتي وغيرهم إلاّ خرج من الإيمان ، وإنّه مع الحقّ ، والحقّ معه « (14).

[الطبراني] : ثنا فضيل بن محمّد الملطي ، ثنا أبو نعيم ، ثنا موسى بن قيس ، عن سلمة بن كهيل . (ح) و[أيضاً] : ثنا الأسفاطي ، ثنا عبد العزيز بن الخطاب ، ثنا عليّ بن غراب ، عن موسى بن قيس الحضرمي ، عن سلمة بن كهيل . (ح) و[ابن عساكر] : أنا أبو غالب أحمد بن الحسن ، أنا أبو الغنائم ابن المأمون ، أنا أبو الحسن الدارقطني ، نا أبو صالح الأصبهاني عبد الرّحمن ابن سعيد بن هارون ، أنا أبو مسعود أحمد بن الفرات ، أنا الحسن بن أبي يحيى ، نا عمرو بن أبي قيس ، عن شعيب بن خالد ، عن سلمة بن كهيل ، عن مالك بن جعونة ، قال : سمعت أُمّ سلمة تقول : (كان عليّ على الحقّ ، من اتّبعه اتّبع الحقّ ، ومن تركه ترك الحقّ ، عهداً معهوداً ، قبل يومه هذا ) . هذا لفظ الملطي .

ولفظ الأسفاطي : سمعت أُمّ سلمة تقول : ( عليّ على الحقّ ؛ فمن اتّبعه اتّبع الحقّ ، ومن تركه ترك الحقّ ، عهد معهود قبل موته ) .

ولفظ الدارقطني : عن أُمّ سلمة ، قالت : ( والله إنّ عليّاً على الحقّ قبل اليوم ، وبعد اليوم ، عهداً معهوداً ، وقضاءً مقضياً ) .

قلت : أنت سمعته من أُمّ المؤمنين؟ فقال : إي والله الّذي لا إله إلاّ هو - ثلاث مرّات - فسألت عنه ؛ فإذا هم يحسنون عليه الثناء .

ثمّ قال الدارقطني : هذا حديث غريب ، من حديث شعيب بن خالد عن سلمة بن كهيل ، تفرّد به عمرو بن أبي قيس عنه .

وأورده الهيثمي في المجمع ، وقال : رواه الطبراني ، وفيه مالك بن جعونة ، ولم أعرفه ، وبقيّة أحد الإسنادين ثقات(15).

أقول : إنّ ما ذكره الدارقطني عن سلمة بن كهل توثيق لمالك بن جعونة . وقد لاحظت عدم تفرّد شعيب بن خالد وعمرو بن أبي قيس بالتحديث عن سلمة بن كهيل .

[الطبراني] : ثنا إبراهيم بن متوية الأصبهاني ، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، ثنا صالح بن بديل ، ثنا عبد الله بن جعفر المدني ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن أبيه ، عن كعب بن عجرة ، قال : كنّا جلوساً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فمرّ بنا رجل متقنّع ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » يكون بين الناس فرقة واختلاف ، فيكون هذا وأصحابه على الحقّ « .

قال كعب : فأدركته ، فنظرت إليه ، حتى عرفته ، وكنّا نسأل كعباً : من الرجل ؟ فيأبى يخبرنا ، حتى خرج كعب مع عليّ إلى الكوفة ، فـلم يزل حتى مات . فكأنّا أن عرفنا أن ذلك الرّجل عليّ(16).

[الموفّق بن أحمد] : أني أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي - هذا فيما كتب إليّ من همدان - أنا عبدوس - هذا كتابة - عن شريف أبي طالب المفضّل بن محمّد بن طاهر الجعفري بأصبهان ، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الأصبهاني ، ثني محمّد بن عبد الله بن الحسين ، ثنا عليّ بن الحسين بن إسماعيل ، ثنا محمّد ابن الوليد العقيلي ، ثني قثم بن أبي قتادة الحرّاني ، ثنا وكيع ، عن خالد النوّاء ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : لمّا أن أُصيب زيد بن صوحان يوم الجمل ، أتاه عليّ وبه رمق ، فوقف عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فهمّ لما به ، فقال : رحمك الله يا زيد ، فو الله ما عرفناك إلاّ خفيف المؤنة ، كثير المعونة ، قال : فرفع إليه رأسه ، فقال : وأنت يرحمك الله ، فو الله ما عرفتك إلاّ بالله عالماً ، وبآياته عارفاً ، والله ما قاتلت معك من جهل ، ولكنّي سمعت حذيفة بن اليمان يقول : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ أمير البررة ، وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، ألا وإنّ الحقّ معه ، ألا وإنّ الحقّ معه يتّبعه ، ألا فميلوا معه «(17) .

[البزّار] : ثنا أحمد بن يحيى الكوفي ، ثنا أبو غسّان ، أنا عمرو بن حريث ، عن طارق بن عبد الرّحمن ، عن زيد بن وهب ، قال : بينما نحن حول حذيفة ، إذ قال : كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيّكم في فئتين; يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف؟! فقلنا : يا أبا عبد الله ، وأنّ ذلك لكائن؟ قال : إي والّذي بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) بالحقّ إنّ ذلك لكائن . فقال بعض أصحابه : يا أبا عبد الله ، فكيف نصنع ، إن أدركنا ذلك الزمان؟ قال : انظروا الفرقة الّتي تدعو إلى أمر عليّ (رض) ، فألزموها ، فإنّها على الهدى .

وأورده الهيثمي في المجمع ، والعسقلاني في زوائد البزّار ، وقالا : رجاله ثقات(18).

[الحسكاني] : أنا أبو الحسن المعادني ، ثنا أبو جعفر محمّد بن عليّ الفقيه ، ثنا أحمد بن الحسن القطّان ، ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، ثنا هارون بن إسحاق ، ثني عبدة بن سليمان ، ثنا كامل بن العلاء ، ثنا حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب : » أنت الطريق الواضح ، وأنت الصراط المستقيم ، وأنت يعسوب المؤمنين« .

وأخبرنا أيضاً أبو جعفر ، عن محمّد بن عليّ العلوّي ، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم ، عن محمّد بن عليّ الكوفي ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضّل ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » إنّ الله جعل عليّاً وزوجته وأبناءه حجج الله على خلقه ، وهم أبواب العلم في أُمّتي ، من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم«(19) .

[الحموئي] : بسنده عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » الحقّ مع عليّ بن أبي طالب حيث دار«(20) .

قال فخر الرازي في تفسيره : ومن اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى ، والدليل عليه قوله (عليه السلام) : » اللّهمّ ادر الحقّ مع عليّ حيث دار« .

وقال في موضع آخر : ومن اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه(21).

وروى ابن عساكر ؛ عن أحمد بن حنبل أنّه قال : لم يزل عليّ بن أبي طالب مع الحقّ ، والحقّ معه حيث كان(22).

 

* * *

 

عليّ (عليه السلام) يفرّق بين الحقّ والباطل

 

[البزّار] : ثنا عبّاد بن يعقوب العرزمي ، نا عليّ بن هاشم . (ح) و[الحاكم] : سمعت محمّد بن عليّ الاسفرائني ، ثنا أحمد بن محمّد بن إسماعيل ، ثنا مذكور بن سليمان ، ثنا أبو الصلت الهروي ، ثنا عليّ بن هاشم . (ح) و[ابن عساكر] : أنا خالي القاضي أبو المعالي محمّد بن يحيى القرشي ، أنا أبو الحسن عليّ بن الحسن بن الحسين ، أنا أبو العبّاس أحمد بن الحسين بن جعفر العطّار - قراءة عليه وأنا أسمع في سنة إحدى عشرة وأربعمائة - نا أبو محمّد الحسن بن رشيق العسكري ، نا أبو عبد الله محمّد بن رزين بن جامع المديني سنة تسع وتسعين ومائتين ، نا أبو الحسين سفيان بن بشر الأسدي الكوفي ، نا عليّ بن هاشم بن البريد ، نا محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جدّه أبي رافع ، عن أبي ذرّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لعليّ بن أبي طالب : » أنت أوّل من آمن بي ، وأنت أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وأنت الصدّيق الأكبر ، وأنت الفاروق - كر : الّذي يفرّق - تفرق بين الحقّ والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكفّار - ك : الظلمة -« .

وأخرجه ابن الجوزي من طريقي البزّار والحاكم مثله ، ثمّ قال : {هذا حديث موضوع ؛ أمّا الطريق الأوّل ، ففيه عبّاد بن يعقوب ، قال ابن حبّان : يروي المناكير عن المشاهير ، فاستحقّ الترك . وفيه عليّ بن هاشم ، قال ابن حبّان : يروي عن المشاهير المناكير ، وكان غالياً في التشيّع . وأمّا الطريق الثاني ، ففيه أبو الصلت الهروي ، وكان كذّاباً رافضياً . . .} (23).

وقد تلاحظ أنّ مستمسك ابن الجوزي في طرح كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وفي حكمه القطعي عليه بالوضع ، هو كلام ابن حبّان الّذي لايتّقي الله في ما يخرج من رأسه من الكلام حول مَنْ روى فضائل عليّ (عليه السلام) . وكأنّ كلام ابن حبّان جاء من عند الله بطريقةٍ قطعيّةٍ سنداً ودلالةً ، فيطرح ابن الجوزيّ بواسطته كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فأمّا عبّاد بن يعقوب ، فمع عدم انفراده بالحديث - كما تلاحظ - قد روى له البخاري في صحيحه مقروناً بغيره ، والترمذي وابن ماجة وأبو حاتم والبزّار وعليّ بن سعيد وابن خزيمة وآخرون . قال الحاكم : كان ابن خزيمة يقول : حدّثنا الثقة في روايته المتّهم في دينه ؛ عبّاد بن يعقوب . وقال أبو حاتم : شيخ ، ثقة . وقال الدارقطني : شيعيّ صدوق . وقال إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة : لولا الرجلان من الشيعة ما صحّ لهم حديث ؛ عبّاد بن يعقوب وإبراهيم بن محمّد بن ميمون . وقال الخطيب : إنّ ابن خزيمة ترك الرواية عنه . وقال ابن عديّ : معروف في أهل الكوفة ، وفيه غلوّ في التشيّع ، روى أحاديث اُنكرت عليه في فضائل أهل البيت ، وفي مثالب غيرهم . وترجمه البخاري في الكبير من دون جرح . وقال الذّهبي : صادق في الحديث . وقال الحافظ في التقريب : صدوق ، رافضيّ حديثه في البخاري مقرون ، بالغ ابن حبّان ؛ فقال : يستحقّ الترك(24).

أقول : إنّ حديثه الّذي يحسبه ابن عديّ وابن حبّان منكراً في فضل أهل البيت (عليهم السلام) ، هو هذا الحديث . وأمّا حديثه المنكر في مثالب الغير ، فهو ما رواه ، عن شريك ، عن عاصم بن زرّ ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » إذا رأيتم معاوية على منبري ، فاقتلوه« . ولم ينفرد عبّاد بن يعقوب بهذا الحديث أيضاً .

ولا شكّ أنّ هذا الأسلوب في الحكم على الأشخاص مخالف للعدالة ؛ فيَرِدُ حديث في فضل بعض ، ويستبعده من لا يرى بلوغ ذلك البعض إلى تلك المرتبة ، أويرد في ذمّ شخص ويستبعده المقدِّسُ لذلك الشخص ، أويرد حول واقعة أومسألة ، ويستبعده البعض لعدم تلاؤمه مع عقله ، فينتخب مِنْ بين الرّواة مَنْ كان أقلّ مؤنة ، ويتّهمه به . ومتى كان الاستبعاد الشخصي كاشفاً الحقيقة ؟ أولا يمكن أن يكون المفتري شخصاً آخر من رجال السند غير المنتخَب ؟ أولا يمكن أن يكون الحديث صحيحاً ، ويكون الاستبعاد الشخصي باطلاً ؟ .

وأمّا عليّ بن هاشم ، فاتّهامه بالوضع من عجائب الدّهر ، لأنّه من رجال الصحيح ؛ روى له مسلم في صحيحه ، والبخاري في الأدب ، والأربعة في سننهم . وروى عنه أحمد بن حنبل وعثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة ويحيى ابن معين وجماعة آخرون . قال ابن معين وابن المديني وأبو حاتم والسدوسي والعجلي وابن شاهين وغيرهم : ثقة . وقال أحمد والنسائي : ليس به بأس . وقال ابن المديني أيضاً : كان صدوقاً ، يتشيّع . وقال أبو زرعة : صدوق . وقال أبو حاتم مرّة أُخرى : كان يتشيّع ، ويكتب حديثه . وقال الجوزقاني : كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما . وقال عيسى بن يونس : أهل بيت تشيّع ، وليس ثَمَّ كذب . وقال أبوداود : ثبت ، يتشيّع . وقال ابن سعد : كان صالح الحديث ، صدوقاً . وقال ابن عديّ : يروي في فضائل عليّ أشياء ، لايرويها غيره ، وقد حدّث عنه جماعة من الأئمة ، وهو إن شاء الله صدوق في روايته . وذكره البخاري في الكبير من دون إبداء قدح في حقّه ، وذكره ابن حبّان في الثقات . نعم ، وقد ذكره في المجروحين أيضاً ، وقال - كعادته الدّائمة - مقالته المذكورة . مات عليّ بن هاشم سنة تسع وثمانين ومائة ، أو إحدى وثمانين ومائة(25).

ورغم جميع هذا الثناء الوارد عن أئمّة ابن الجوزيّ في حقّ عليّ بن هاشم ، فإنّه لمّا واجه حديثه في فضل عليّ (عليه السلام) ، طرح جميع ذلك وراءه ، واستند إلى فرية ابن حبّان ، من دون أن يتذكّر أنّ صاحب الفرية ، وثّقه في موضع آخر .

نعم ، ذكر ابن حجر العسقلاني في آخر ترجمته من التهذيب أنّ الدارقطني ضعّفه ، ولكن بعد المراجعة في الكتب الرجالية للدارقطني لم أقف على ما يخبر عن صحّة ذلك ، بل هناك ما يدلّ على وثاقته عند الدارقطني أيضاً ؛ فإنّه قال في جواب سؤالات البرقاني عن عليّ بن هاشم : {قال أحمد : هو أوّل من كتبنا عنه} . وروى عنه في سننه ، وذكره في العلل والمؤتلف من دون ذكر أيّ جرح في حقّه . ولو فرض صحّة ما ادّعاه ابن حجر فلا يبعد أن يكون الدارقطني مقلّداً لشيخه ابن حبّان في ذلك(26).

وأمّا محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع ؛ فقد ذكره ابن حبّان في الثقات . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال ابن عديّ : هو في عداد شيعة الكوفة ، ويروي في الفضائل أشياء لايتابع عليها . وعن ابن خزيمة أنّه أخرج له حديث (طنين الأذن) في صحيحه ، والبيهقي ضعّفه في الدعوات ، والنووي احتجّ به في الأذكار ، والجزري روى له في [الحصن الحصين] ، وقد قال في أوّله : أرجو أن يكون جميع ما فيه صحيحاً(27).

فيظهر من هذا أنّ ذنب هؤلاء الأبرياء ، مركّب من الاتّهام بالتشيّع ، والحكم بنكارة الحديث . أمّا الاتّهام بالتشيّع ، فشيء عادي بالنسبة لكلّ من روى فضائل عليّ (عليه السلام) ، وقد ذكرنا أنّ الإمام الشافعي نفسه لم يحرم من هذه التحفة . ولو سُلّم ذلك ، فهل هناك سند من الشريعة على أنّ التشيّع ذنب ومذمّة ؟ فإذا لم يجعله الشارع المقدّس ذنباً ، فلماذا تأخذون بأيديكم طابعة الكذب ، وتضغطون بها على اسم كلّ مَنْ تتّهمونه بالرفض ، عندما تقفون على رواياته في فضل أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) ! وقد يكون بين من اتّهمتموه وبين التشيّع فراسخ ؟ أو بالعكس نرى أنّ الشارع المقدّس قد عدّ التشيّع لأهل بيت النبوّة صلوات الله عليهم فضيلة جليلة ومفخرة عظيمة ، كما ورد ذلك في روايات كثيرة ، وقد أشرنا إلى بعضها في [الهجرة إلى الثقلين] .

وأمّا الحكم بنكارة الحديث ، فأيضاً مردود ؛ وذلك لأنّه لو كانت لهؤلاء رواياتٌ في فضل أهل البيت (عليهم السلام) ، ولم يَرَ ابنُ عديّ وأقرانُه أنّها قد توبع مِنْ قِبَل ثقاتهم ، فالذنب حينئذ لهؤلاء الثقات ؛ لأنّهم بسبب مقاربتهم لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) واختلاطهم بالسلاطين ، كانوا سبباً لأن يحذر منهم أئمّةُ أهل البيت (عليهم السلام) وأصحابُهم ، ويكتموا أسرارهم عنهم ، ويكشفوها لأمثال عباد بن يعقوب ومحمّد بن عبيد وعليّ بن هاشم وغيرهم من الأتقياء والصلحاء . وهم بهذه المقاربة قد أغلقوا على أنفسهم أبوابَ ما يرد عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وما قاله النبيّ (صلى الله عليه وآله) في فضلهم ، وبالتالي كان هذا سبباً لأن تصير فضائلهم منكرة في أعين هؤلاء ، وغريبة لديهم . هذا أوّلاً .

وثانياً : إنّ هؤلاء يعاملون بهذه المعاملة تجاه كلّ من تابع على رواية تلك الأحاديث ؛ فلو ورد هذا الحديث من عشرين طريقاً آخر ، فسينتخب ابن عديّ وابن حبّان وابن الجوزيّ وأقرانهم من كلّ طريق شخصاً يتّهمونه به ، ويطرحون الحديث من زاويته . فكم انقلب الثقة الثبت بسبب رواية فضائل أهل البيت (عليهم السلام) إلى الرافضيّ الكذّاب !!

وثالثاً : إنّه ليست في الحديث أيّة مخالفة للواقع ، ولا أيّة مناقضة للصحاح الواردة في المقام ، بل الحديث ملائم تمام الملائمة لغيره من الأحاديث ، مع أنه قد ورد عن أبي ذرّ من غير هذا الوجه ، وهو بهذا السياق مرويّ عن جماعة من الصحابة ، وهم : أبوذرّ الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن عبّاس ، وأبو ليلى الغفاري ، وحذيفة بن اليمان . فلاحظ :

[البلاذري] : ثني الوليد بن صالح ، عن يونس بن أرقم ، عن وهب بن أبي دبي ، عن أبي سخيلة ، قال : مررت أنا وسلمان بالربذة على أبي ذرّ ، فقال : إنّه ستكون فتنة ، فإن أدركتموها ، فعليكم بكتاب الله وعليّ بن أبي طالب ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : »عليّ أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو يعسوب المؤمنين«(28) .

[ابن عساكر] : أنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنا أبو الحسين عاصم بن الحسن ، أنا أبو عمر بن مهدي ، أنا أبو العبّاس بن عقدة ، نا محمّد بن أحمد بن الحسن القطواني ، نا مخلّد بن شدّاد ، نا محمّد بن عبيد الله ، عن أبي سخيلة ، قال : حججت أنا وسلمان ، فنزلنا بأبي ذرّ ، فكنّا عنده ما شاء الله ، فلمّا حان منّا حفوف ، قلت : يا أبا ذرّ ، إنّي أرى أُموراً قد حدثت ، وإنّي خائف أن يكون في الناس اختلاف ، فإن كان ذلك فما تأمرني؟ قال : ألزم كتاب الله (عز وجل) وعليّ بن أبي طالب ؛ فأشهد أنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » عليّ أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو الفاروق ؛ يفرق بين الحقّ والباطل«(29) .

وفي لفظ آخر عن أبي ذرّ ، أورده العاصمي في [سمط النجوم] وعزاه للحاكمي أنّه قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعليّ : » أنت الصدّيق الأكبر ، وأنت الفاروق الّذي يفرق بين الحقّ والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين« . وفي رواية : » الدّين«(30) .

[الطبراني] : ثنا عليّ بن إسحاق الوزير الأصبهاني ، ثنا إسماعيل بن موسى السدّي . (ح) و[ابن عساكر] : أنا أبو بكر محمّد بن الحسين ، أنا أبو الحسين بن المهتدي ، أنا علي بن عمر بن محمّد الحربي ، نا أبو حبيب العبّاس بن محمّد بن أحمد بن محمّد البري ، نا ابن بنت السدي - يعني إسماعيل بن موسى - ثنا عمرو بن سعيد البصري ، عن فضيل بن مرزوق ، عن أبي سخيلة ، عن أبي ذرّ وسلمان ، قالا : أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد عليّ ، فقال : » [ألا ،كر] إنّ هذا أوّل من آمن بي ، وهذا أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأُمّة ؛ يفرق بين الحقّ والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظالمين« .

وقد سلم هذا الحديث من هجوم ابن الجوزيّ ، وأورده الهيثمي في المجمع ، وقال : رواه الطبراني . . . وفيه عمرو بن سعيد المصري ، وهو ضعيف . وذكره المتّقي في الكنز من حديث سلمان وأبي ذرّ عند الطبراني ، ومن حديث حذيفة عند البيهقي في السنن وابن عديّ في الكامل(31).

[الحاكم] : ثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب بن يوسف . (ح) و[أبو نعيم] : أنا محمّد بن يعقوب - فيما كتب إليّ - . (ح) و[ابن عساكر] : من طريق بن مندة ، عن محمّد بن يعقوب . (ح) و[الكنجي] : من طريق محمّد بن إسحاق ، عن محمّد بن يعقوب ، ثنا إبراهيم بن سليمان بن عليّ الحمصي الخزاز الفهيمي ، ثنا إسحاق بن بشر الأسدي ، ثنا خالد بن الحارث ، عن عوف ، عن الحسن ، عن أبي ليلى الغفاري ، قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ؛ فإنّه أوّل من يراني ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، [وهو معي في السماء الأعلى ، يم ، كر] وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق [هذه الأُمّة ، يفرق ، ك] بين الحقّ والباطل ، [وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين ، ك]« .

وذكره ابن أثير في [أُسد الغابة] ، وابن عبد البرّ في الاستيعاب ، وابن حجر في الإصابة ، وعزاه لأبي أحمد وابن مندة وغيرهما ، وقال بأنّ إسحاق ابن بشر الأسدي من المتروكين . وأورده السيوطي في اللآلي عن الحاكم ، وقال : قال الحاكم : إسناده غير صحيح . وذكره الذّهبي في الميزان ، قائلاً : وروى الأصمّ ، عن إبراهيم بن سليمان الحمصي . . . فذكر نحوه . . (32)

[العقيلي] : و[ابن عديّ] : ثنا عليّ بن سعيد الرازي ، ثني - عد : ثنا - عبد الله بن داهر بن يحيى الرازي ، ثني - عد : ثنا - أبي ، عن الأعمش ، عن عباية الأسدي ، عن ابن عبّاس ، قال : ستكون فتنة ، فإذا أدركها أحد منكم ، فعليه بخصلتين ؛ كتاب الله وعليّ بن أبي طالب ، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول – وهو آخذ بيد عليّ - : » هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو فاروق هذا الأُمّة ؛ يفرق بين الحقّ والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الّذي أُوتى منه ، وهو خليفتي من بعدي « .

وأخرجه ابن عساكر من طريقي العقيلي وابن عديّ معاً ، والكنجي وابن الجوزي من طريق ابن عديّ(33).

 

* * *

 

 

الأُسلوب غير المباشر لبيان الحقّ

 

إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمّا رأى أنّ قلوب بعض الناس امتلأت حقداً وحسدًا تجاه عليّ (عليه السلام) ، وأنّ الإعلان عن كون الحقّ معه لا يزيدهم إلاّ بعداً عنه واشمئزازاً منه ، فالتجأ إلى الاستفادة من الأُسلوب اللامباشر ، كي تتمّ الحجّة على هؤلاء من كلّ جهة ، فبيّنه من طريق الملازمين لعليّ (عليه السلام) .

فقال (صلى الله عليه وآله) : » إذا اختلف الناس بينهم ، كان ابن سميّة على الحقّ ، وما خُيِّرَ ابن سميّة بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما «(34) .

هكذا ذكره الدارقطني في العلل من حديث ابن مسعود ، وذكر طرقه إليه ، فراجع . وذكره غيُرُه بصورة مقطّعة ؛ فقد ذكر بعضهم الفقرة الأُولى منه فقط ، وبعضهم ذكر الفقرة الثانية ، فلاحظ :

[الطبراني] : ثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا ضرار بن صرد ، ثنا عليّ ابن هاشم ، عن عمّار الدُّهْني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، قال : »إذا اختلف الناس ، كان ابن سميّة مع الحقّ « .

و[أيضاً] : ثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا أبوكريب ، ثنا معاوية بن هشام ، عن عمّار الدُّهْني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن عبد الله ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، مثله . ولم يذكر علقمة(35).

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة ؛ عن وكيع ، والحاكم بسنده عن وكيع أيضاً ، عن سفيان ، عن عمّار بن معاوية الدُّهْني ، عن سالم بن أبي الجعد الأشجعي ، عن عبد الله بن مسعود - واللفظ لابن أبي شيبة - قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » ابن سميّة ما خُيِّرَ بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما« .

ثمّ قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين - إن كان سالم بن أبي الجعد سمع من عبد الله بن مسعود - ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي(36).

وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والخطيب بأسانيدهم عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عطاء بن يسار ، عن عائشة - واللفظ للترمذي والحاكم - قالت : فقال (صلى الله عليه وآله) : » ما خُيِّرَ عمّار بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما« .

وأورده المزّي في التحفة ، والتبريزي في المشكاة ، والألباني في الأحاديث الصحيحة ، ثمّ قال بالنسبة لعبد العزيز بن سياه : وهو ثقة من رجال الشيخين(37).

[أحمد] : ثنا أبو أحمد ، ثنا عبد الله بن حبيب ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عطاء بن يسار ، قال : جاء رجل ، فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة ، فقالت : أمّا عليّ ، فلست قائلة لك فيه شيئاً ، وأمّا عمّار ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : » لا يُخَيَّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما« .

وصحّحه حمزة أحمد الزين, وذكره الألباني في الأحاديث الصحيحة ، وقال بالنسبة لعبد الله بن حبيب :{وهو ثقة أيضاً من رجال مسلم ، فالإسناد صحيح ، لولا عنعنة حبيب ، فقد رمي بالتدليس ، ولكنّه صحيح قطعاً بما بعده}(38) .

وهذا قد يكون كافياً للإشارة إلى الأُسلوب غير المباشر للنبيّ (صلى الله عليه وآله) للإعلان عن الحقّ . وقد تفطّن بعض الصحابة لواقع الأمر ، فلاذ إلى استعمال هذا الأسلوب أيضاً .

[الطبراني] : عن سيّار أبي الحكم ، قال : قالت بنو عبس لحذيفة : إنّ أمير المؤمنين عثمان قد قتل ، فما تأمرنا ؟ قال : آمركم أن تلزموا عمّاراً . قالوا : إنّ عمّاراً لايفارق عليّاً ؟! قال : إنّ الحسد هو أهلك الجسد ، وإنّما ينفرّكم من عمّار قربه من عليّ ، فوالله لَعليّ أفضلُ من عمّار ، أبعد ما بين التراب والسحاب ، وإنّ عمّاراً لمن الأحباب ، وهو يعلم أنّهم إن لزموا عمّاراً كانوا مع عليّ .

أورده الهيثمي في المجمع ، وقال : رواه الطبراني ، ورجاله ثقات ، إلاّ أنّي لم أعرف الرجل المبهم(39).

وقد يتعجّب المرء من الحقد والحسد ، كيف يصل إلى درجة يغمض الشخص عينه فيها من الشمس ، فيستدلّ على طلوعها بوجود الظلّ ؟! .

* * *

 

الهوامش:

(1) سورة يونس : 108 .

(2) والمراد بالفلان الّذي يحذر الرواة من التصريح باسمه هو معاوية بن أبي سفيان ، كما في بعض الروايات .

(3) مختصر زوائد مسند البزار: 2/173 ـ 174 ح: 1638، مجمع الزوائد: 7/235 وفي طبع: 7/476 ـ 477 ح: 12031، وعن كشف الأستار (3282).

(4) مسند أبي يعلى : 2 / 318 ح : 1052 ، الشريعة : 3 / 255 - 256 ح : 1641 ، تاريخ دمشق : 42 / 449 ، مجمع الزوائد : 7 / 234 - 235 وفي طبع : 7 / 475 ح : 12027 ، المناقب لابن المغازلي : 244 ح : 291 .

(5) المستدرك : 3 / 124 - 125 ، فرائد السمطين : 1 / 176 ح : 138 .

(6) تهذيب التهذيب : 10 / 62 ـ 63 م : 6831 ، التاريخ الكبير : 7 / 386 م : 1679 ، الجرح والتعديل : 8 / 311 م : 1440 ، ميزان الاعتدال : 4 / 80 م : 8381 .

(7) المناقب لابن المغازلي : 112 - 118 ح : 155 .

(8) تاريخ بغداد : 14 / 321 م : 7643 ، وفي طبع : / 323 ، تاريخ دمشق : 42 / 449 .

(9) المستدرك : 3 / 124 ، وفي طبع : 3 / 134 ح : 4629 ، المعجم الصغير : 1 / 255 ، المعجم الأوسط : 5 / 455 ح : 4877 ، مجمع البحرين : 6 / 289 ح : 3724 ، كنز العمّال : 11 / 603 ح : 32912 ، سمط النجوم : 3 / 63 ح : 134 ، فرائد السمطين : 1 / 177 ح : 140 ، الجامع الصغير : 2 / 629 ح : 5619 قال فيه : ضعيف ، هذا في طبع دمشق. وأما في طبع مصر : 2 / 69 ودار الكتب العلمية : 2 / 364 ح : 5594 ، وفيض القدير : 4 / 470 ح : 5594 ففي الجميع : رمز (ح) للحديث الحسن.

(10) المناقب للخوارزمي : 176 - 177 ح : 214 .

(11) جواهر العقدين للسمهودي : 234 - 235 ، ينابيع المودة : 40 ، 447 .

(12) سمط النجوم : 3 / 63 - 64 ح : 136 .

(13) مستدرك الحاكم : 3 / 119 .

(14) المعيار والموازنة : 27 - 28 .

(15) المعجم الكبير : 23 / 329 - 330 ، 395 - 396 ح : 758 ، 946 ، تاريخ دمشق : 42 / 449 ، مجمع الزوائد : 9 / 134 - 135 .

(16) المعجم الكبير : 19 / 147 ح : 322 ، كنز العمّال : 11 / 621 ح : 33016 .

(17) المناقب للخوارزمي : 177 ح : 215 .

(18) البحر الزخّار : 7 / 236 ح : 2810 ، مجمع الزوائد : 7 / 236 وفي طبع : 7 / 477 ح : 12032، مختصر زوائد البزّار : 2 / 174 ح : 1639 ، فتح الباري : 13 / 55 ذيل حديث : 6686 وعن كشف الأستار (3283).

(19) شواهد التنزيل : 1 / 58 ح : 88 ، 89 .

(20) فرائد السمطين : 1 / 177 ح : 139 ب 36 .

(21) مفاتيح الغيب ، المسألة التاسعة ، الباب الرابع من تفسير سورة الفاتحة : 1 / 205 ، 207.

(22) تاريخ دمشق : 42 / 419 .

(23) البحر الزخّار : 9 / 342 ح : 3898 ، تاريخ دمشق : 42 / 41 - 42 ، مجمع الزوائد : 9 / 102 اللآلي المصنوعة : 1/ 297 ، الموضوعات : 1 / 257 258 ، وفي طبع : 1 / 346 - 347 ، وعن كشف الأستار : 3 / 183 ح : 2522 .

(24) تهذيب الكمال : 9 / 433 - 435 م : 3088 ، تهذيب التهذيب : 5 / 97 - 98 م : 3260 ، التاريخ الكبير : 6 / 44 م : 1645 ، الجرح والتعديل : 6 / 88 م: 447 ، المجروحين: 2 / 172 ، الكاشف : 1 / 532 م : 2581 ، ميزان الاعتدال : 2 / 379 - 380 م : 4149 ، تقريب التهذيب : 234 م : 3153 .

(25) رجال صحيح مسلم : 2 / 60 م : 1150 ، التاريخ الكبير : 6 / 300 م : 2465 ، الجرح والتعديل : 6 / 207 - 208 م : 1137 ، الثقات لابن حبّان : 7 / 213 ، المجروحين لابن حبّان : 2 / 110 ، تاريخ الثقات للعجلي : 351 م : 1201 ، تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين : 209 م : 734 ، الكامل لابن عديّ : 6 / 311 - 312 م : 1342 ، تاريخ بغداد : 12 / 115 - 117 م : 6561 ، تهذيب الكمال : 13 / 416 - 419 م : 4731 ، سير أعلام النبلاء : 8 / 342 - 345 م : 92 ، ميزان الاعتدال : 3 / 160 م : 5960 ، تهذيب التهذيب : 7 / 331 - 332 م : 4987 .

(26) فراجع سنن الدارقطني : 1 / 101 ، 137 ، 143 ، 211 ح : 27 ، 15 ، 34 ، 33 ، العلل : 3 / 278 س 404 ، و4 / 329 س 602 ، و 5 / 233 ، 284 ، س 843 ، 888، المؤتلف والمختلف : 1 / 177 ، سؤلات البرقاني للدارقطني : 52 س 362 .

(27) الثقات لابن حبّان : 7 / 400 ، التاريخ الكبير : 1 / 171 م : 512 ، الكامل لابن عديّ : 7 / 273 م : 1624 ، تهذيب الكمال : 17 / 19 م : 6021 ، تهذيب التهذيب : 9 / 277 م : 6392 ، لسان الميزان : 9 / 125 م : 14292 ، تنزيه الشريعة : 2 / 293 ح : 38 .

(28) أنساب الأشراف : 2 / 361 - 362 .

(29) تاريخ دمشق : 42 / 41 .

(30) سمط النجوم : 3 / 26 ح : 5 .

(31) المعجم الكبير : 6 / 269 ح : 6184 ، تاريخ دمشق : 42 / 41 ، مجمع الزوائد : 9 / 102 ، وفي طبع : 9 / 120 ح : 14597 ، كنز العمّال : 11 / 616 ح : 32990 .

(32) معرفة الصحابة : 6 / 3003 م : : 3411 ح : : 6974 ، تاريخ دمشق : 42 / 450 ، ميزان الاعتدال : 1 / 188 م : 740 ، لسان الميزان : 1 / 544 م : 1111 ، كنز العمّال : 11 / 612 ح : 32964 ، اللآلي المصنوعة : 1 / 298 ، كفاية الطالب : 188 ب 44 ، اسد الغابة : 5 / 287 ، الاستيعاب : 4 / 307 م : 3188 ، الإصابة : 7 / 294 م : 1048 .

(33) الضعفاء الكبير : 2 / 47 م : 477 ، الكامل لابن عديّ : 5 / 379 م : 1046 ، تاريخ دمشق : 42 / 43 ، الموضوعات : 1 / 257 - 258 ، اللآلي المصنوعة : 1 / 297 ، الفوائد المجموعة للشوكاني : 345 ح : 45 ، كفاية الطالب : 187 ب 44 .

(34) العلل للدارقطني : 5 / 233 - 234 س 843 .

(35) المعجم الكبير : 10 / 95 - 96 ح : 10071 ، 10072 ، مجمع الزوائد : 7 / 243 ، وفي طبع : 7 / 488 ح : 12059 .

(36) مسند أحمد : 1 / 389 ، 445 وفي طبع : 3 / 548 - 549 ح : 3693 ، وفي آخر : 6 / 220 ح : 3693 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 6 / 388 ح : : 32236 ، المستدرك: 3 / 388 وفي طبع : 4 / 476 ح : 5718 .

(37) الجامع الكبير : 6 / 133 ح : 3799 ، سنن ابن ماجه : 1 / 63 ح : 148 ، السنن الكبرى للنسائي : 5 / 75 ح : 8276 ، المستدرك : 3 / 388 ، وفي طبع : 4 / 476 - 477 ح : : 5719 ، تاريخ بغداد : 11 / 286 م : 6055 ، تحفة الأشراف : 12 / 242 ح : 17397 ، المسند الجامع : 20 / 341 ح : 17220 ، مشكاة المصابيح : 3 / 390 ح : 6236 ، سلسلة الأحاديث الصحيحة : 2 / 489 - 490 ح : 835 .

(38) مسند أحمد : 6 / 113 وفي طبع : 17 / 437 ح : 24701 ، سلسلة الأحاديث الصحيحة : 2 / 489 - 490 ح : 835 .

(39) مجمع الزوائد : 7 / 243 .