الفصل السادس

في أنّ عليّاً (عليه السلام) ميزان لمعرفة الملازم

لدين الله تعالى من المفارق

 

 

ــ من فارق عليّاً (عليه السلام) فقد فارق الله تعالى

ــ إبادة الحقائق لصيانة المذهب

ــ المؤيّدات لما تقدّم

 

من فارق عليّاً فقد فارق الله تعالى

 

قال الله تبارك وتعالى : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن ماَتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقبِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّكِرِينَ)(1) .

[أحمد بن حنبل] : ثنا ابن نمير ، ثنا عامر بن السبط ، ثني أبو الجحاف ، عن معاوية بن ثعلبة ، عن أبي ذرّ ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » يا عليّ ، إنه من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك فقد فارقني« .

وأخرجه ابن المغازلي من طريقين عن أحمد بن حنبل ، فذكر سنده المذكور ، إلاّ أنّه قال في كليهما : [عامر بن السمّط] . وأخرجه ابن عساكر من طريقين عن عبد الله بن نمير . وذكره الطبري في الرياض ، وقال : أخرجه أحمد في المناقب والنقّاش(2).

[البزّار] : ثنا علي بن المنذر وإبراهيم بن زياد ، قالا : نا عبد الله بن نمير ، عن عامر بن السبط ، عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف ، عن معاوية بن ثعلبة ، عن أبي ذرّ(رض) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ : » يا عليّ ، من فارقني فارقه الله ، ومن فارقك - يا عليّ - فارقني« .

وأورده الهيثمي في المجمع ، وقال : رواه البزّار ، ورجاله ثقات(3).

[الحاكم] : ثنا أبو العبّاس محمّد بن أحمد بن يعقوب ، ثنا الحسن بن علي بن عفّان العامري ، ثنا عبد الله بن نمير . (ح) و[ابن المغازلي] : أنا أحمد بن محمّد ، أنا عمر بن عبد الله بن عمر بن شوذب ، ثنا أحمد بن عيسى بن الهيثم ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا أبي . وأخبرنا أحمد ابن محمّد بن طاوان ، أنا أبو أحمد عمر بن عبد الله بن شوذب ، ثنا أحمد ابن الحسن ، ثنا عليّ بن المنذر ، قالا : ثنا عبد الله بن نمير ، ثنا عامر بن السمّط ، عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف ، عن معاوية بن ثعلبة ، عن أبي ذرّ(رض) ، قال : قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : » يا عليّ ، من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك [يا عليّ ، ك] فقد فارقني« .

ثمّ قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وتعقّبه الذّهبي قائلاً : بل منكر .

الحمد لله على أنّ الذّهبي لم يعثر في السند على من يجعله هدفاً لسهامه ، ويضعّف الحديث به ، ولذا لجأ إلى الحكم بالنكارة ، فهذا من عاداته ، ولابدّ أن يحكم بذلك ؛ لأنّ الحديث مخالف لرأيه ، ووارد في فضل عليّ (عليه السلام) ! ورحم الله الغماري ؛ حيث قال : إنّ النكارة عند الذّهبي هي فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) (4).

[الحاكم] : أخبرني أبو سعيد النخعي ، ثنا عبدان الأهوازي ، ثنا محمّد بن عبد الله بن نمير ، أنا عامر بن السري ، عن أبي الجحاف ، عن معاوية بن ثعلبة ، عن أبي ذرّ(رض) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ : » من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك فقد فارقني«(5) .

[الطبراني] : ثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي . (ح) و[الإسماعيلي] : ثنا أحمد بن صبيح الكوفي ، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي . (ح) و[ابن المغازلي] : أنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن الوهّاب ابن طاوان ، أنا أبو أحمد عمر بن عبد الله بن شوذب ، ثني عيسى بن محمّد ابن جريح - وهو الطوماري - ثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان ، ثنا أحمد ابن صبيح الأسدي ، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي ، عن عمران بن عمّار ، عن أبي إدريس [مؤذّن بني أفصى وإمامهم ثلاثين سنة ، لي ، مغ] ثني مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : »من فارق عليّاً فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق الله (عز وجل) «(6) .

[الطبراني] : ثنا محمّد بن عبد الرحمن بن منصور الحارثي ، ثنا أبي ، ثنا حسين الأشقر ، ثنا زيد بن أبي الحسن ، ثنا أبو عامر المرّي ، عن أبي إسحاق ، عن ابن بُرَيْدة ، عن أبيه ، قال : بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً أميراً على اليمن ، وبعث خالد بن الوليد على الجبل ، فقال : » إن اجتمعتما فعليّ على الناس« . فالتقوا ، وأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثله ، وأخذ عليّ جارية من الخمس ، فدعا خالد بن الوليد بريدة ، فقال : اغتنمها ، فأخبِرْ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بما صنع ، فقدمت المدينة ، ودخلت المسجد ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في منزله ، وناس من أصحابه على بابه ، فقالوا : ما الخبر ، يا بريدة؟ فقلت : خيراً ؛ فتح الله على المسلمين . فقالوا : ما أقدمك ؟ قلت : جارية أخذها عليّ من الخمس ، فجئت لأُخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) . فقالوا : فأخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فإنّه يسقط من عين رسول الله ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسمع الكلام ، فخرج مغضباً ، فقال : » ما بال أقوام ينتقصون عليّاً؟ من ينتقص عليّاً فقد تنقّصني ، ومن فارق عليّاً فقد فارقني ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، خلق من طينتي وخُلقت من طينة إبراهيم ، وأنا أفضل من إبراهيم ، ( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(7) .

وقال : » يا بريدة ، أما علمتَ أنّ لعليّ أكثرَ من الجارية الّتي أخذ ، وأنّه وليّكم من بعدي« . فقلت : يا رسول الله ، بالصحبة ألا بسطت يدك حتى أبايعك على الإسلام جديداً . قال : فما فارقته حتى بايعته على الإسلام .

لا يروى هذا الحديث عن أبي إسحاق إلاّ بهذا الإسناد ، تفرّد به حسين الأشقر(8).

ذكر ابن حبّان الحسين بن الحسن الأشقر في الثقات . وقال البخاري وأبوزرعة : منكر الحديث . وقال الحافظ في التقريب : صدوق ، يهم ، ويغلو في التشيع . وحكى العقيلي عن الأثرم أنّه قال : قلت لأبي عبد الله : حسين الأشقر تحدّث عنه ؟ قال : لم يكن عندي ممّن يكذب في الحديث ، وذكر عنه التشيّع ، فقال له العبّاس بن عبد العظيم : حدَّثَ في أبي بكر وعمر ! فقلت له : يا أبا عبد الله ، صنّف باباً فيه معايب أبي بكر وعمر! فقال : ما هذا بأهل أن يُحدَّث عنه ، فقال له العبّاس : حدَّثَ بحديث فيه ذكر الجوالقين ، يعني أبا بكر وعمر ، فقال : ما هو بأهل أن يحدّث عنه(9).

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ المراد بمفارقة الله هي مفارقة دينه الحنيف ، فمن هذا الحديث الصحيح نعلم أنّ من فارق عليّاً فقد فارق الله (عز وجل) .

وإنْ جعَلَ طالبُ الحقيقة هذا الحديثَ ميزاناً لتحقيقاته ، وتتبّع في قضايا التاريخ على ضوئه فسيقف على كثير مِمّن فارق الله ورسولَه (صلى الله عليه وآله) بمفارقتهم أميرَ المؤمنين (عليه السلام) ، ومع الأسف ؛ نرى أنّ المسلمين يأخذون دينهم عن هؤلاء المفارقين ، ويعتمدون على مرويّاتهم ! ممّا كان سبباً لالتباس الحقّ بالباطل .

ولكن على الباحث أن يفكّر في بادئ الأمر في كيفيّة المفارقة ، وفي إمكان حصولها بصور مختلفة ، وتحت ذرائع متعدّدة ، وبعد أن يقف على أشخاص حصلت منهم المفارقة ، يلزمه أن يتدبّر في أنّه هل كان هناك مجوّز شرعيّ لمفارقة هؤلاء ، أم لا ؟ وهل استثنى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) من الحكم حالات أو أشخاصاً ، أم لا ؟

 

* * *

 

 

إبادة الحقائق لصيانة المذهب

 

وقد لاحظت في محكيّ كلام العقيلي أنّ حسين الأشقر لم يكن من أهل الكذب في نظر أحمد بن حنبل سابقاً ، وبعد إخبار الأثرم والعبّاس عن روايته لمعايب الشيخين حكم بعدم أهليّته للتحديث عنه .

هذه هي الطريقة الرائجة بين المحدّثين والمؤرّخين من أهل السنّة ، فيحكمون على الأفراد من ناحية أحاديثهم ، ثمّ يحكمون على أحاديثهم من زاوية حكمهم الأوّل ؛ فعندما يرون إكثار شخص لرواية فضائل عليّ (عليه السلام) أو مطاعن غيره يحكمون عليه بالرفض والغلوّ في التشيّع ، ويطرحون مرويّاته ، ويتهجّمون على الّذين يذكرونها في كتبهم ، ويتّهمونهم ، ويسخرون منهم ، ويجوّزون - لأجل القضاء على تلك الروايات - السرقة والخيانة ، ممّا كان سبباً لفقدان مقدار كثير من كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله) خاصّة في المناقب والمثالب ، وبالتالي صار سبباً لفقدان معيار مهمّ لمعرفة الأشخاص .

ولو أنّ هؤلاء الأعلام اكتفوا بالحكم على تلك الأحاديث بالنكارة ، بدل طرحها وكتمانها وإحراقها لكان أنسب للعدالة ، وأقرب للتقوى ، ولكان أنفع للمسلمين في كشف الحقائق المستورة ، وفهم المسائل المحجوبة ، لأنّ الأشخاص متفاوتون في الفهم والإدراك ، فقد يفهم المتأخّرون ما لم يدركه القدماء .

ولأجل أنّ أهميّة المسألة تستدعي بحثاً أوسع ، كي تتّضح لدى القرّاء بشكل أكمل اخترنا ما أورده أبو بكر الخلال في كتاب [السنّة] تحت عنوان : [التغليظ على من كتب الأحاديث الّتي فيها طعن على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ] ، فنورد كلامه بكامله ، ونأتي بما حكم به المحقّق الدكتور عطيّة الزهراني حول كلّ رواية بعد ذكرها مباشرة ، وندخله بين القوسين ، مصدِّراً له برمز (عط) .

[الخلال] : أخبرنا أبو بكر المروذي ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : إنّ قوماً يكتبون هذه الأحاديث الرديئة في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وقد حكوا عنك : أنّك قلت : أنا لا أنكر أن يكون صاحب حديث يكتب هذه الأحاديث يعرفها ، فغضب وأنكره إنكاراً شديداً ، وقال : باطل ، معاذ الله ! أنا لا أنكر هذا ؟ لو كان هذا في أفناء الناس لأنكرته ، فكيف في أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله) ؟ وقال : أنا لم أكتب هذه الأحاديث ، قلت لأبي عبد الله : فمن عرفته يكتب هذه الأحاديث الرديئة ويجمعها ، أيهجر؟ قال : نعم ، يستأهل صاحب هذه الأحاديث الرديئة الرجمَ ، وقال : أبو عبد الله : جاءني عبد الرحمن بن صالح ، فقلت له : تحدّث بهذه الأحاديث؟ فجعل يقول : قد حدّث بها فلان ، وحدّث بها فلان ، وأنا أرفق به ، وهو يحتجّ ، فرأيته بعد فأعرضت عنه ، ولم أكلمه . (عط : إسناده صحيح) .

وكتب إليّ أحمد بن الحسين ، قال : ثنا بكر بن محمّد ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله ، وسأله عن الرجل يروي الحديث فيه على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيءٌ ؛ يقول أرويه كما سمعته؟ قال : ما يعجبني أن يروي الرجل حديثاً فيه على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيءٌ ، قال : وإنّي لأضرب على غير حديث ؛ ممّا فيه على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيءٌ . (عط : إسناده صحيح) .

أخبرني العبّاس بن محمّد الدوري ، ثنا إبراهيم أخو أبان بن صالح ، قال : كنت رفيق أحمد بن حنبل ، عند عبد الرزاق ، قال : فجعلنا نسمع ، فلمّا جاءت تلك الأحاديث الّتي فيها بعض ما فيها قام أحمد بن حنبل فاعتزل ناحية ، وقال : ما أصنع بهذه؟ فلمّا انقطعت تلك الأحاديث فجاء ، فجعل يسمع . (عط : في إسناده إبراهيم لم أجد ترجمته) .

وأخبرنا مقاتل بن صالح الأنماطي ، قال : سمعت عبّاس الدوري يقول : كنّا إذا اجتمعنا مع أحمد بن حنبل نسمع الحديث ، فجاءت هذه الأحاديث في المثالب اعتزل أحمد بن حنبل ، حتى تفرغ ، فإذا فرغ المحدّث رجع فسمع ، قال مقاتل : وسمعت غير شيخ يحكي عن أحمد بن حنبل هذا . (عط : في إسناده مقاتل بن صالح مجهول الحال) .

وأخبرني العبّاس بن محمّد بن إبراهيم ، قال : سمعت جعفر الطيالسي يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : كانوا عند عبد الرزاق أحمد وخلف ورجل آخر ، فلمّا مرت أحاديث المثالب وضع أحمد بن حنبل إصبعيه في أذنيه طويلاً ، حتى مرّ بعض الأحاديث ، ثمّ أخرجهما ، ثمّ ردهما حتى مضت الأحاديث كلّها . أو كما قال . (عط : في إسناده العبّاس بن محمّد) .

سمعت محمّد بن عبيد الله بن يزيد المنادي ، يحكي عن أحمد بن حنبل فلم أحفظه ، ولم أكتبه ، فأخبرني محمّد بن أبي هارون ، قال : سمعت ابن المنادي ، قال : كنت عند أحمد بن حنبل فجاء أحمد بن إبراهيم الموصلي الّذي كان يحدّث ومعه ابن له ، فأخرج الموصلي من كم ابنه دفتراً ، فدفعه إلى أبي عبد الله ، فنظر أحمد في الكتاب ، وجعل يتغيّر لونه كأنّه ينتقص ، فلمّا فرغ أحمد من النظر في الدفتر ، قال : قال (عز وجل) : (لاَ تَرْْفَعُوا اَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِاْلقَوْلِ) الآية(10)، أما يخاف الّذي حدّث بهذه أن يحبط عمله وهو لا يشعر ، ثمّ قال أحمد - بعد أن مضى الموصلي - : تدري من يحدّث بهذه ؟ قلت : لا ، قال : هذا جارك ، يعني خلف . (عط : إسناده حسن) .

وأخبرنا أبو بكر المروذي ، قال : سألت أبا عبد الله عن خلف المخرمي ، فقال : خرج معي إلى طرسوس وكُتُبه على عنقه ، خرجنا مشاة ، فما بلغنا رحبة طوق(11)حتى أزحف بي ، قال : وخرجنا في اللقاط - يعني بطرسوس - وما كنت أعرفه ، إلاّ عفيف البطن والفرج ، قال أبو عبد الله : فلمّا كان بعد ذهبت إلى منزل عمّي بالمخرم ، فرأيته فأعرضت عنه ، ثمّ قال : وأيش أنكر الناس على خلف إلاّ هذه الأحاديث الرديئة ، لقد كان عند غندر ورقة - أو قال رقعة - فخلا به خلف ويحيى ، فسمعوها ، فبلغ يحيى القطّان ، فتكلّم بكلام شديد . (عط : إسناده صحيح) .

أخبرنا محمّد بن عليّ ، ثنا مهنّى قال : سألت أحمد عن خلف بن سالم ، فلم يحمد ، ولم ير أن يكتب عنه .(عط : إسناده صحيح) .

وأخبرني محمّد بن عليّ ، ثنا مهنّى ، قال : سألت أحمد عن عبيد الله بن موسى العبسي ، فقال : كوفي ، فقلت : فكيف هو؟ قال : كما شاء الله ، قلت : كيف هو ، يا أبا عبد الله؟ قال : لا يعجبني أن أحدّث عنه ، قلت : لم؟ قال : يحدّث بأحاديث ؛ فيها تنقص لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) . (عط : إسناده صحيح) .

سمعت محمّد بن عبيد الله بن يزيد المنادي يقول : كنّا بمكّة في سنة تسع ، وكان معنا عبيد الله بن موسى ، فحدّث في الطريق فمرّ حديث لمعاوية ، فلعن معاوية ، ولعن من لا يلعنه . قال ابن المنادي : فأخبرت أحمد بن حنبل ، فقال : متّعدي ، يا أبا جعفر! فأخبرني محمّد بن أبي هارون أنّ حبيش بن سندي حدّثهم أنّ أبا عبد الله ذكر له حديث عبيد الله بن موسى ، فقال : ما أحسب هو بأهل أن يحدّث عنه ، وضع الطعن على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولقد حدّثني منذ أيّام رجل من أصحابنا - أرجو أن يكون صدوقا - أنّه كان معه في طريق مكّة ، فحدّث بحديث لعن فيه معاوية ، فقال : نعم ، لعنه الله ولعن من لا يلعنه ، فهذا أهل يحدّث عنه؟ على الإنكار من أبي عبد الله ، أي إنّه ليس بأهل يحدّث عنه . (عط : إسناده حسن) .

أخبرني محمّد بن عليّ ، ثنا الأثرم ، قال : سمعت أبا عبد الله - وذكر
له حديث عقيل ؛ عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في عليّ والعبّاس (12). وعقيل ؛ عن الزهري أنّ أبا بكر أمر خالداً في عليّ(13)- فقال أبو عبد الله : كيف ؟ فلم عرفها(14)، فقال : ما يعجبني أن تكتب هذه الأحاديث . (عط : إسناد كلام أحمد صحيح ، والعبارة غير مستقيمة ، وهي هكذا في الأصل) .

وأخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعت هارون بن سفيان ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول - وذكر هذه الأحاديث الّتي فيها ذكر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) - فقال : هذه أحاديث الموتى . (عط : في إسناده سفيان مجهول الحال) .

أخبرني حمزة بن القاسم ، ثنا حنبل ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : أخرج إلينا غندر محمد بن جعفر كُتبَه عن شعبة ، فكتبنا منها ، كنت أنا وخلف بن سالم ، وكان فيها تلك الأحاديث ، فأمّا أنا فلم أكتبها ، وأمّا خلف فكتبها على الوجه كلّها ، قال أبو عبد الله : كنت أكتب الأسانيد وأدع الكلام ، قلت لأبي عبد الله : لم ؟ قال : لأعرف ما روى شعبة . قال أبو عبد الله : لا أحبّ لأحد أن يكتب هذه الأحاديث الّتي فيها ذكر أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ؛ لا حلال ، ولا حرام ، ولا سنن ، قلت : أكتبها ، قال : لا تنظر فيها ، وأيّ شيء في تلك من العلم ؟! عليكم بالسنن والفقه وما ينفعكم . (عط : إسناده صحيح) .

أخبرنا أبو بكر المروذي ، قال : قال لي أبو عبد الله : تعرف أبو سيّار ، - سمّاه - بلغني أنّه ردّ على أبي همام حديثاً حدّث به؟ قال أبو بكر : وحدّث أبو همام بحديث ؛ فيه شيء على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وظنّ أبو همام أنّه فضيلة ، فلمّا كان المجلس الثاني - ونحن حضور - فوثب جماعة وقالوا : يا أبا همام ، حدّثت بحديث رديء! فقال : قد أخطأت ، اضربوا عليه ، ولا تَحْكوه عنّي . قال أبو بكر : فدخلت على أبي عبد الله - وقد انصرفت من عند أبي همام - فقال أيش حدّثكم اليوم؟ فأخرجت إليه الكتاب فنظر ، فإذا فيه أحاديث رخصة من كان يركب الأرجوان(15)، فغضب ، وقال : هذا زمان يحدّث بمثل هذه الرخص؟ قال أبو بكر : وجاءوا بأحاديث كُتبت عن إبراهيم بن سعيد الجوهري فذهبوا إليه ، فقال : منها ما لم أحدّث به وإنّما كان هذا الرجل يشتري لي حوائج ، فكتب من كتابي ما لم أقرأ عليه ، ولكن أضرب عليها من كتابي ، ولا أحدّث منها بشيء ، وأنا أستغفر الله ، فأقول في هذا المجلس ، فقام في مجلسه ، فقال مثل هذا الكلام ، ثمّ تكلّم ابن الكردية في أن يأخذ الأحاديث الّتي عندي ، ولا يحدّث منها بشيء ، فجاء ابن الكردية مرّتين ، فقال : الله الله ، هات الأحاديث حتى نقطّعها ، ولا نحدّث منها بشيء ، ونضرب عليها بحضرتك ، فأخرجت الكتاب فجعل ابن الكردية يضرب عليها حديثاً حديثاً ، قال أبو بكر : فما علمت إبراهيم حدّث منها بشيء ، حتى مات . (عط : إسناده صحيح) .

سمعت عليّ بن إسماعيل البندنجي ، قال : جمعنا أحاديث فيما كان بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقلت لعليّ بن إسماعيل : المثالب ؟ قال : نعم ، قال : وأتينا بها سويد بن سعيد ، قال : فأبى أن يقرأها علينا ، فقال : كتب إليَّ أبو عبد الله أحمد بن حنبل ؛ يا أبا محمّد ، لا تحدّث بهذه الأحاديث . قال عليّ : فكان إذ مرّ منها بشيء لم أحدّث به . (عط : في إسناده عليّ بن إسماعيل) .

أخبرنا أبو بكر المروذي ، قال سمعت ابن نمير يقول : سمعت أبي يقول : سمعت الأعمش يقول : وذَكَر حديثه الّذي ينكرونه ، فقال : كنت أحدّثهم بأحاديث يقولها الرجل لأخيه في الغضب ، فاتّخذوها ديناً ، لا جرم لا أعود لها . (عط : إسناده صحيح) .

أخبرني عبد الملك الميموني ، قال : تذاكرنا حديث الأعمش وما يغلط فيه ، وما يرى من تلك الأشياء المظلمة ، قلت : يا أبا عبد الله ، مع هذا ؟ فقال لي : ها أي يثبت ، وقال لي أبو عبد الله ، ما ينبغي لك أن تسمعها ، لقد بلغ يحيى بن سعيد أنّ غندر حدّث بشيء عن شعبة من هذه القصّة ، فذهب إليه أصحابنا ، ولم أذهب أنا ، فقال يحيى : ما حملّه على أن يحدّث بها ؟ لعلّ رجلاً قد غلط في شيء ؛ فحدّث به ، يُحدَّث به عنه؟! (عط : إسناده صحيح) .

وأخبرني محمّد بن عليّ ، ثنا محمّد بن سعد الزهري ، قال : سمعت أحمد بن حنبل - وسُئل عن أبي عبد الرزّاق - قال : كان صالح الحديث ؛ فيما حدث عن وهب بن منبه ، قيل حديث مينا؟ قال : مَنْ مينا؟ ما فحصت حديث عبد الرزاق في عيب أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) (16) ، ترى مالك بن أنس ، سلم على الناس إلاّ بتركه هذه الأحاديث ؛ تورث الغلّ في القلب . (عط : في إسناده محمّد بن سعد الزهري) .

أخبرني محمّد بن جعفر : أنّ أبا الحارث حدّثهم قال : سألت أبا عبد الله ، قلت : هذه الأحاديث الّتي رُويت في أصحاب النّبيّ € ، ترى لأحد أن يكتبها ؟ قال : لا أرى لأحد أن يكتب منها شيئاً . قلت : فإذا رأينا الرجل يطلبها ويسأل عنها - فيها ذكر عثمان وعليّ ومعاوية وغيرهم من أصحاب النبيّ € - ؟ قال : إذا رأيتَ الرجل يطلب هذه ، ويجمعها ، فأخاف أن يكون له خبيئة سوء . (عط : في إسناده محمّد بن جعفر) .

أخبرني موسى بن حمدون ، ثنا حنبل ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : كان سلام بن أبي مطيع أخذ كتاب أبي عوانة الّذي فيه ذكر أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فأحرق أحاديث الأعمش تلك . (عط : إسناده صحيح) .

وأخبرني محمّد بن عليّ ، ثنا مهنّى : قال سألت أحمد ، قلت : حدّثني خالد ابن خدّاش ، قال : قال سلام . . وأخبرني محمّد بن عليّ ، قال : ثنا يحيى ، قال : سمعت خالد بن خدّاش ، قال : جاء سلام بن أبي مطيع إلى أبي عوانة ، فقال : هات هذه البدع الّتي قد جئتنا بها من الكوفة ، قال : فأخرج إليه أبو عوانة كتبه ، فألقاها في التنور ، فسألت خالداً ما كان فيها؟ قال : حديث الأعمش ، عن سالم ابن أبي الجعد ، عن ثوبان ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » استقيموا لقريش« وأشباهه ، قلت لخالد : وأيش؟ قال : حديث عليّ » أنا قسيم النار« ، قلت لخالد : حدّثكم به أبو عوانة عن الأعمش؟ قال : نعم . (عط : إسناده صحيح) .

وأخبرنا عبد الله بن أحمد ، قال : سمعت أبي يقول : سلام بن أبي مطيع من الثقات من أصحاب أيّوب ، وكان رجلاً صالحاً ، حدّثنا عنه عبد الرحمن ابن مهدي ، ثمّ قال أبي : كان أبو عوانة وضع كتاباً فيه معايب أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وفيه بلايا ، فجاء إليه سلام بن أبي مطيع ، فقال : يا أبا عوانة ، أعطني ذلك الكتاب ، فأعطاه ، فأخذه سلام ، فأحرقه . (عط : إسناده صحيح) .

أخبرنا أبو بكر المروزي ، قال : قلت لأبي عبد الله : استعرتُ من صاحب حديث كتاباً - يعني فيه الأحاديث الرديئة - ترى أن أحرقه أو أخرقه ؟ قال : نعم ، لقد استعار سلام بن أبي مطيع من أبي عوانة كتاباً ؛ فيه هذه الأحاديث ، فأحرق سلام الكتاب ، قلت : فأحرقه ؟ قال : نعم . (عط : إسناده صحيح).

أخبرنا الحسن بن عبد الوهّاب ، ثنا الفضل بن زياد ، قال : سمعت أبا عبد الله - ودفع إليه رجل كتاباً ، فيه أحاديث مجتمعة ؛ ما ينكر في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحوه - فنظر فيه ، ثمّ قال : ما يجمع هذه إلاّ رجل سوء ، وسمعت أبا عبد الله يقول : بلغني عن سلام بن أبي مطيع ؛ أنّه جاء إلى أبي عوانة ، فاستعار منه كتاباً ، كان عنده ، فيه بلايا ؛ ممّا رواه الأعمش ، فدفعه إلى أبو عوانة(17)، فذهب سلام به ، فأحرقه ، فقال رجل لأبي عبد الله : أرجو أنّ ذاك شيء إن شاء الله ، فقال أبو عبد الله : بل يؤجر عليه إن شاء الله . (عط : إسناده صحيح).

أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني ، قال : سألت إسحاق - يعني ابن راهويه – قلت : رجل سرق كتاباً من رجل فيه رأي جهم ، أو رأي القدر ؟ قال : يرمي به ، قلت: إنّه أخذ قبل أن يحرقه ، أو يرمي به ، هل عليه قطع ؟ قال: لا قطع عليه ، قلت لإسحاق: رجل عنده كتاب ؛ فيه رأي الإرجاء ، أو القدر ، أو بدعة ، فاستعرته منه ، فلمّا صار في يدي أحرقته ، أو مزقته ؟ قال : ليس عليك شيء . (عط: إسناده صحيح) .

أخبرنا أبو بكر المروزي ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : لا نقول في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ الحسنى . (عط : إسناده صحيح) .

وأخبرني محمّد بن جعفر ومحمّد بن أبي هارون : أنّ أبا الحارث قال : جاءنا عدد ومعهم رقعة ، ذكروا أنّهم من الرقّة ، فوجهنا بها إلى أبي عبد الله ، ما تـقول فيمن زعم أنّه مباح لـه أن يتكلم في مساوئ أصحـاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال أبو عبد الله : هذا كلام سوء رديء يجانبون هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، ويبيّن أمرهم للناس . (عط : إسناده صحيح) (18).

أخبرنا أبو بكر المروزي ، حدثني أبو بكر بن أبي طالب ، قال : جاء عبد الرحمن بن صالح إلى أبي معمّر فذكر بعض الأحاديث الرديئة ، فقال أبو معمّر : خذوا برجله وجرّوه وأخرجوه من المسجد ، فجرّ برجليه ، وأخرج من المسجد . (عط : في إسناده أبو بكر بن أبي طالب ، لم أجد ترجمته) .

أخبرنا العبّاس بن محمّد الدوري ، قال : سمعت محاضر ، ورأيت في كتبه أحاديث مضروب عليها ، فقلت : ما هذه الأحاديث المضروب عليها ؟ فقال : هذه العقارب ، نهاني ابن أبي شيبة أن أحدّث بها . (عط : إسناده حسن) .

أخبرنا أبو يحيى الناقد رحمه الله ، ثنا زكريّا بن يحيى ، ثنا الحسن - يعني ابن عبد العزيز الجروي - حدّثني يحيى بن حسّان - وتذاكروا ما كان بين أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وما جرى من الكلام بينهم - فقال : ليس لنا أن نقول فيهم ما قالوا في أنفسهم ، ثمّ قال : قال حمّاد بن زيد : كيف بحديث شهاب ابن خرّاش عن عمّه : تذاكروا محاسن أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، كي تأتلف عليهم قلوب الناس ، ولا تذكّروا مساوئهم . (عط : إسناده ضعيف ، لأنّ فيه شهاب ، صدوق ، يخطئ) .

وأخبرنا الحسن بن أحمد الكرماني ، ثنا أبو الربيع ، ثنا حمّاد بن زيد ، ثنا شهاب بن خرّاش عن عمّه العوام بن حوشب ، قال : اذكروا محاسن أصحاب محمّد (عليه السلام) ، تأتلف عليه القلوب ، ولا تذكّروا مساويهم ؛ فتحرشوا الناس عليهم . (عط : في إسناده ضعف) .

أخبرنا أبو بكر المروذي ، ثنا أبو عمران الوركاني ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن عبيدة - يعني ابن أبي رايطة - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » الله الله ، في أصحابي ؛ لا تتخذوهم غرضاً ، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله عزّ وجلّ يوشك أن يخذله« . (عط : إسناده ضعيف) .

أخبرنا أبو بكر السمسار ، ثنا أبو الفتح السمسار ، قال : سمعت بشر بن الحارث رحمه الله يذكر عن إبراهيم بن سعد ، عن عبيدة بن أبي رايطة ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) . . . فذكر نحو حديث الوركاني . (عط : إسناده ضعيف) .

أخبرني محمّد بن عليّ ، ثنا مهنّى ، قال : قلت لأحمد : حدّثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا عبيد بن أبي رايطة ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الحديث . قال : وحدّثني أحمد ابن حنبل ، ثنا يزيد بن هارون ، عن عبيدة بن أبي رايطة ، عن عبد الرحمن ابن زياد . وقال لي أحمد بن حنبل حدّثنا به سعد بن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الرحمن بن زياد . (عط : إسناده ضعيف) .

أخبرنا محمّد بن سعيد القطّان ، ثنا عليّ بن يزيد الصدائي ، ثنا أبو شيبة الجوهري ، عن أنس ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، قال : » من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله له صرفاً ولا عدلاً يوم القيامة« . (عط : إسناده ضعيف) .

أخبرنا يعقوب بن سفيان ، ثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا محمّد بن طلحة بن الطويل التيمي ، ثنا عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : » إنّ الله تبارك وتعالى اختارني ، واختار لي أصحاباً ، فجعل منهم أصهاراً وأنصاراً ووزراء ، فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله عزّوجلّ منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً« . (عط : إسناده ضعيف) .

وأحمد بن عليّ الأبّار ، قال : سألت سفيان بن وكيع ؛ فقلت : هذه الأحاديث الرديئة نكتبها ؟ فقال : ما طلبها إنسان فأفلح . قال : وسألت أبا همام ، فقال : لا تكتبها ، وسألت مجاهد بن موسى ، فقال : لأيش تكتبها ؟ قلت : نعرفها ، قال : تعرف الشرّ ؟ (عط : إسناده ضعيف) (19).

وها أنت قد لاحظت - قارئ الكريم - أنّ تلك الأحاديث قد وصلت إلى زمان أحمد بن حنبل وابن معين وابن راهويه وسلام بن أبي مطيع وأقرانهم ، ثم صار الدفاع المذهبي سدّاً محكماً دون وصولها إلى مَنْ بعد هؤلاء ، فكلّ حديث فيه تأييد لمذهب الشيعة أو طَعْن على أحد من الصحابة لم يتجاوز ذلك السدّ المنيع ، خاصّة إذا كان الراوي من أهل الكوفة ، فيُستهزأ به ويُسخر منه ويتّهم بالوضع ، ثمّ تطرح أحاديثه على أنّها كذب وافتراء .

ومع هذا ، إذا قلت : إنّ هذا المذهب أمويّ الأصل ترى بعض الناس ينزعج من قولك ويصرخ في وجهك . ولست أدري ممّن تُنتظَر رواية هذا القبيل من الأحاديث ؟ هل تنتظر من أهل الشام ؟! ولا شكّ أنّهم كانوا من أعداء عليّ (عليه السلام) وشيعته ، وجزاء من روى ذلك معلوم ، والأئمّة من آل النبيّ صلوات الله عليه وعليهم لا يفشون أسرارهم لأعدائهم ، ولا يكتمونها عن شيعتهم ، وشيعتهم كانوا من أهل الكوفة ، وإذا كان كلّ شيعيّ متّهماً فيما رواه ؛ ممّا كان مخالفاً لأهواء الأمويين وأتباعهم ، فكيف يمكن أن تثبت لأتباع تلك المدرسة الحقائق التاريخية ؟ ولا أدري إلى متى يستمرّ هذا الوضع ؟!

والعجب من قول بعضهم - معلِّقاً على قول النبيّ (صلى الله عليه وآله) : » من كنت مولاه فعليّ مولاه« - : أما والله لو يعني بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمارة والسلطان لأفصح لهم - وما كان أحد أنصح للمسلمين من رسول الله (صلى الله عليه وآله) - لقال لهم : أيّها الناس ، إنّ هذا ولي أمركم والقائم لكم من بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا . . . (20)

ولاشكّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد صرّح بذلك مرّات عديدة وفي مجالات مختلفة ، بل وفي ذيل الحديث نفسه ، إلاّ أنّكم أدخلتم أصابع أحمد بن حنبل في آذانكم فلا تقدرون على سماعه . وسترى عن قريب كيف نسعى ونجهد لنجاة الشطر الثاني من الحديث - أي » اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه« - من أيدي المراقبين الّذين أحرقوا الأحاديث واتّهموا رواتها ، حتى قال بعضهم : هذه زيادة كوفيّة . فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة لهذا الشطر فما تقول في الشطر الثالث والرابع و . . .؟!

وأتذكّر أنّ بعضهم قال لي في محاورة : لو كانت الخلافة حقّاً شرعياً لعليّ (عليه السلام) فلماذا لم يصرّح بذلك - ولا أقل - في يوم الشورى ؟

نعم ، هذا سؤالٌ قد يخطر ببال كلّ أحد في بادئ الأمر ، ولكن عند الملاحظة في كتب الحديث والتاريخ يظهر أنّه (عليه السلام) قد أبدى بذلك عدّة مرات ، كما أعلن به في يوم الشورى أيضاً . إلا أنّ علماء أهل السنّة يستبعدون صدور ذلك من عليّ (عليه السلام) بسبب مخالفته لآرائهم . حتى قال الذهبي : وحاشا أمير المؤمنين من قول هذا . ولأجل ذلك يختارون من إسناد كلّ ما كان من هذا القبيل من الأحاديث شخصاً يتّهمونه بوضع ذلك (21).

الحاصل : إنّ الأسباب الرئيسيّة لفقدان الحقائق هي :

1 - منع الخلفاء من نشر الأحاديث وسجن مَن روى ذلك .

2 - امتناع أئمّة الحديث من روايتها وإخراجها في كتبهم .

3 - إهانة الّذين يروونها واتّهامهم من قبل علماء أهل السنّة .

4 - تحريف المتأخرين وحذفهم لما أخرجه القدماء في كتبهم .

ثمّ إنّك لاحظت أن أبا بكر الخلال ذكر لتأييد مذهبه ثلاث روايات عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أيضاً ؛ الأُولى عن عبد الله بن مغفّل ، والثانية عن أنس ، والثالثة عن عتبة بن عويم ، ورأيت أنّ الدكتور الزهراني حكم بضعفها جميعاً ، وعلماء الشيعة لا يرتابون في أنّ جميع ما كان من هذا القبيل من الأخبار أمويّة المنشأ .

هذا ، ولو سلّمت صحّتها فلا تنافي بينها وبين ما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ؛ من الطعن في بعض الصحابة ؛ فإنّ الجمع بين العامّ والخاصّ ، وكذلك بين المطلق والمقيّد طريقة عرفية شائعة سلكها جميع فقهاء الإسلام ، حتى قال بعضهم : ما من عامّ إلاّ وقد خصّ . وحتى لو سلّم أنّ في البين تنافياً ، فليس لأحد أن يحرق ويمحي أويحرّف أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فكما كان للمتقدّمين الحقّ في رؤية كلام نبيّهم (صلى الله عليه وآله) فكذلك لنا الحقّ في ذلك ، » وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه« .

* * *

 

المؤيّدات لما تقدّم

 

[ابن عساكر] : أنا أبو القاسم عليّ بن إبراهيم النسيب ، نا أبو بكر أحمد ابن عليّ الخطيب ، أني أبو الفرج الطناجري ، نا عمر بن أحمد الواعظ ، نا محمّد بن محمود الأنباري بالبصرة ، نا محمّد بن القاسم بن هاشم ، نا أبي ، نا عبد الصمد بن سعيد أبو عبد الرّحمن ، نا الفضل بن موسى ، عن وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) لعليّ : » جعلتك علماً فيما بيني وبين أُمّتي ، فمن لم يتّبعك ، فقد كفر«(22).

[الدارقطني] : عن ابن عبّاس ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : » عليّ بن أبي طالب باب حطّة ؛ من دخل منه كان مؤمناً ، ومن خرج منه كان كافراً« . أورده المتّقي في الكنز ، عن الدارقطني في الافراد(23).

[الحسكاني] : أنا أبو الحسن الفارسي ، أنا أبو بكر بن الجعابي ، أنا محمّد ابن الحرث ، أنا أحمد بن حجّاج ، أنا محمّد بن الصلت ، ثني أبي ، عن جعفر بن محمّد في قوله تعالى : (اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(24) ، قال : محمّد وعليّ .

[الحسكاني] : أنا أبو بكر محمّد بن الحسين بن صالح السبيعي ، أنا عليّ ابن محمّد الدهّان والحسين بن إبراهيم الجصّاص ، قالا : ثنا الحسين بن الحكم ، عن حسن بن حسين ، عن حبّان بن عليّ ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس ، في قوله تعالى : ( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، نزلت : في عليّ بن أبي طالب خاصّة .

ورواه بإسناد آخر ؛ عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس : ( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، قال : مع عليّ وأصحاب عليّ . ورواه الحموئي في الفرائد أيضاً(25).

[الحسكاني] : أنا عقيل ، أنا عليّ ، أنا محمّد أنا أبو عليّ الحسن بن عثمان الفسوي بالبصرة ، أنا يعقوب بن سفيان الفسوي ، أنا ابن عقنب ، عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : ( اتّقُوا الله ) ، قال : أمر الله أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله) بأجمعهم أن يخافوا الله ، ثمّ قال لهم : ( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، يعني محمّداً وأهل بيته(26).

 

* * *

 

الهوامش:

(1) سورة آل عمران : 144 .

(2) فضائل الصحابة لأحمد : 2 / 570 ح : 962 ، تاريخ دمشق : 42 / 307 ، المناقب لابن المغازلي : 241 ، 278 - 279 ح : 288 ، 324 ، الرياض النضرة : 3 / 106 ح : 1322.

(3) البحر الزخّار : 9 / 455 ح : 4066 ، المستدرك : 3 / 123 - 124 ، كشف الأستار : 3 / 201
ح : 2565 ، مجمع الزوائد : 9 / 135 ، فيض القدير : 4 / 470.

(4) فتح الملك العليّ : 34.

(5) المستدرك : 3 / 146 ، المناقب لابن المغازلي : 241 ح : 288.

(6) المعجم الكبير : 12 / 323 ح : 13559 ، معجم الشيوخ للإسماعيلي : 3 / 800 ، المناقب لابن المغازلي : 240 ح : 287 . وليس في لفظ الطبراني كلمة (فقد).

(7) سورة آل عمران : 34.

(8) المعجم الأوسط : 7 / 49 - 50 ح : 6081 ، مجمع البحرين : 6 / 286 - 287 ح : 3721 ، مجمع الزوائد : 9 / 128.

(9) الضعفاء الكبير : 1 / 249 م : 297 ، تهذيب التهذيب : 2 / 305 - 306 م : 1389 ، الثقات لابن حبّان : 8 / 184 - 185 ، التاريخ الكبير : 2 / 385 م : 2862 ، الكامل لابن عدّي : 3 / 233 - 236 م : 490 ، تقريب التهذيب : 106 م : 1318 ، تهذيب الكمال : 4 / 460 - 461 م : 1289.

(10) سورة الحجرات : 2 .

(11) طوق : قال عط : هي رحبة مالك بن طوق على الفرات ، مراصد الاطلاع : 2 / 608 .

(12) والمراد به ما روي عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أقبل العباس وعلي ، فقال : » يا عائشة ، إنّ هذين يموتان على غير ملتي« .

وما روي عن عروة ، عن عائشة قالت : كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) إذ أقبل العباس وعلي ، فقال : » يا عائشة ، إن سرّك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا« ، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب . راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 4 / 63 – 64 .

(13) والمراد به ما روي من أنّ أبا بكر وعمر تآمرا على قتل علي (عليه السلام) ؛ فأمر أبو بكر خالد بن الوليد أن ينفذ ذلك ، فقال له : إذا أنا فرغت من صلاة الفجر وسلمت فاضرب عنق علي ، فلما صلّى بالناس في آخر صلاته ندم على ما كان منه ، فجلس في صلاته مفكّراً حتى كادت الشمس أن تطلع ، فقال : يا خالد ، لا تفعل ما أمرتك به ، ثم سلم . راجع بحار الأنوار : 28 / 305 - 306 و 29 / 126 - 127 ، 133 ، 136 - 137 و 30 / 306 - 307 و 47 / 356 .

(14) هكذا فيه ، والصحيح : فلم يعرفها .

(15) عط : الأرجوان : قال الخطابي : الأرجوان الأحمر ، وأراه أراد به المياثر الحمر ، وقد تتّخذ من ديباج وحرير ، نهي عنها ، لما في ذلك من السرف ، وليست من لباس الرجال ، معالم السنن : 4 / 324 . وجاء في الحديث »لا أركب الأرجوان ، ولا ألبس المعصفر«. رواه أبو داود في اللباس وأحمد : 4 / 442 .

(16) وسيأتي حديث مينا الّذي بسببه صار هدفاً لسهام القوم في الفصل الحادي عشر.

(17) هكذا في الأصل ، ولعل الصحيح : فدفعه إليه أبو عوانة ، أي دفعه أبو عوانة إلى سلام .

(18) وهذه الرواية موجودة في : 2 / 423 برقم : 638 من نفس الكتاب .

(19) السنّة للخلال : 3 / 501 - 514 ح : 799 - 835 .

(20) السنّة للخلال : 2 : 350 رقم 465 .

(21) وقد ذكرنا مناشدة عليّ (عليه السلام) في يوم الشورى من طرق أهل السنّة في كتابنا : [ الهجرة إلى الثقلين ] : 325 - 330 ، وأشرنا إلى ما كان أتمّ منه من طريق الشيعة ، وراجع أيضا الضعفاء الكبير: 1 / 211 – 212 م : 258 ، ميزان الاعتدال : 1 / 441 – 442 م : 1643 .

(22) تاريخ دمشق : 42 / 387 - 388

(23) كنز العمّال : 11 / 603 ح : 32910

(24) سورة التوبة : 119 .

(25) شواهد التنزيل : 1 / 260 ، 262 ح : 350 - 352 ، 356 ، فرائد السمطين : 1 / 369 - 370 ح: 299 ب 68 .

(26) شواهد التنزيل : 1 / 262 ح : 357 .