مقدمة المؤلف

 

الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين ، والسلام على أصحابه المتّقين المخلصين .

إنّ أهل التحقيق يواجهون في طريقهم عدّة طوائف من الّذين ينتسبون إلى الإسلام ; فبينهم طائفة قد أغلقوا على أنفسهم جميع الأبواب ، وقالوا : إنّ الحقّ هو ما ألفينا عليه آباءنا وأسلافنا ، وليس لهم أيّ قصد في تتبّع الحقيقة والحصول عليها . فهذه الطائفة كالبهائم ، ليست لها أيّة قيمة في عالم الأفكار والحقائق .

وطائفة منهم فتحوا لأنفسهم الأبواب المأنوسة لهم ، وأغلقوا عليها غيرها ، فاكتفوا بما وجدوا عليه أسلافهم . فهذه الطائفة على صنفين :

الصنف الأوّل : هم الّذين غلبهم الشيطان فوسوس إليهم : أن ما ورثتم من أسلافكم هو الحقّ ، لا غير ، فانخدعوا بهذه الوسوسة ، وظنّوا أنّ التعصّب لذلك حماسة دينيّة ، فقاموا بالدفاع عنه وطرح جميع ما خالفه من دون أن يكون في أيديهم أيّ سند من الشارع ، فأغلقوا بذلك جميع الطُّرق الموصلة إلى الحقيقة أمامهم ، ولا يعلم هؤلاء المساكين أنّ التعصّب في مسألة لم تكن عليها حجّة شرعية ليست حماسة دينية ، بل حميّة جاهلية ، وحماقة نفسانية .

والصنف الثاني : هم الّذين ليس لهم أيّ هدف لإحقاق الحقّ وكشف القناع عن الواقع ، وكان جميع همومهم في أن يطير صيتهم بين الناس ، ويشتهر أمرهم بين العوامّ من بني قومهم ، ويقولوا فيه : إنّ فلانا كان أعلم المدافعين وأقواهم . فهذه الطائفة وإن كانوا قد زعموا أنّهم فتحوا لأنفسهم الأبواب الأّخرى غير الباب الموروث ، إلاّ أنّهم بسب وضعهم للأغشية على أعينهم غير قادرين على رؤية الحقائق; فإنّهم عزموا على أنفسهم في بادئ الأمر أن لا يقبلوا إلاّ ما وافق آراءهم .

والطائفة الأخيرة هم الّذين فتحوا أعينهم ، وأطلقوا مشاعرهم ، وعزموا على التحرّر من نير العصبيّة والتقليد الأعمى ، وأرادوا أن يفتحوا أمامهم جميع أبوابِ ما يحتمل أن يوصلهم إلى هدفهم ويطلعهم على ضالّتهم . فكان جميع أمل الأُمّة الإسلامية في هذه الطائفة.

ولكن قد أُلقِيَت في طريق هذه الطائفة الحرّة عقبة جديّة ومشكلة أساسية ، وذلك أنّهم عندما يحاورون أيّة فرقة من فرق المسلمين يواجهون لديها مقداراً كبيرًا من الأخبار مروية عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، مؤيّدة لآرائها ، وصحيحة من طرقها ومنافية تمام المنافاة لما كان عند الفرقة الأخرى من الأخبار الّتي تدّعي هي بدورها صحّتها أيضاً ، والحال أنّه لا يشكّ أحد في أنّ الحقّ واحد لا يتعدد ، وأنّ اجتماع الضدّين كاجتماع النقيضين محال ، ممّا يخبر عن حتميّة كذب طائفة من تلك الأخبار ووضعها من قبل المنافقين الّذين لا يعرفهم أصحابها ؛ فيرونهم من الثقات ، ويعتمدون على رواياتهم ، من دون أن يعلموا بواقعهم وهويّتهم .

وهذا يدلّ على أنّ هناك باباً مغلقاً أمام المسلمين ، لا يمكن لفرقة أن تفتحها بمفتاحها الخاصّ ، بل يحتاج فتحه إلى مفتاح يتّفق عليه الجميع ويرتضوا به ، ولأجل ذلك عزمت أن أحمل عبء ذلك على عاتقي ، وأهيّئ لهذه الطائفة ذلك المفتاح المشترك ، وأُزيل عن طريقهم مؤذيات السفر ، فأُقدّم إليهم كتابي هذا ، نتيجةً لمشقّات ومتاعب كثيرة ، عسى أن يفتح الله أمامهم بوسيلته أبواباً أُخرى ، ويجعله لهم ميزاناً ومصباحاً يستضيئون به في محالك الطرق .

فأقول : لا شكّ في أنّ معرفة الدّين الإلهي متوقّفة على معرفة الّذين جاءوا به ، فالإنسان تابع في دينه لمن اقتبسه منه ; فإن أخذ دينه من المؤمنين ، فيكون تابعاً لهم ، وإن أخذه من المنافقين ومرضى القلوب فهو تابع لهم وإن خُيّل له أنّه تابع لدين الله الأصيل .

ولذا يكون البحث في ميزان الحقّ بحثاً عن معرفة أهل الحقّ وعلامات حقيّتهم ، ومعرفة أهل الباطل وأمارات بطلانهم وضلالتهم . وقد تكلّم علماء الحديث في ذلك ، وجعلوه مورداً للبحث والاهتمام ، وذكروا شروطاً لتمييز المقبول من غيره ، مثل : العدالة والضبط وغيرهما ، إلاّ أنّهم غفلوا عمّا هو أهمّ من جميع ذلك ; غفلوا عن شرطٍ نصَّ الله تبارك وتعالى على اعتباره ، فكانت نتيجة ذلك الحكم على أشخاص بالضعف وعدم الوثاقة بمحض جرحه من قِبَل بعض أئمّة الجرح والتعديل ؛ فمثلاً : إذا حكم أحمد بن حنبل أو يحيى بن معين أو ابن أبي حاتم أو غيرهم بضعف راوٍ يكون ذلك سبباً لسقوط مرويّاته عن درجة الاعتبار . ولكن مع الأسف ترى الّذين حكم الله (عز وجل) بنفاقهم وعداوتهم له تبارك وتعالى على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله) غير ساقطين عن درجة الاعتبار ، بل جُعِلت مرويّاتهم أساساً وسنّة يُتديّن بها ! ممّا كان سبباً لاشتباه الحقّ بالباطل ، ووقوع المسلمين في اللبس والحيرة بالنسبة للإسلام الحقيقي .

ولذلك يدور كلامنا في هذا الكتاب حول أهمّ ميزان للحقّ والحقيقة ، وبما أنّ لكل طائفة وجهةً وتأويلاً حول كل آية من القرآن ، فلا يمكن أن يُجعل حجّة لإحدى الفِرَق على الأُخرى في المقام ، فأستدلّ فيه بما اتّفق عليه الفريقان ؛ من سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وأقتصر على ما ورد من طريق أهل السنّة ، ولا أتعرّض لما رواه الشيعة في كتبهم ، كي لا تكون الإطالة سبباً للملل والسآمة ، وأعرضها ضمن فصول ، وأبتدئ في كلّ فصل بما اعتُرف بصحّته من قِبَل أهل السنّة ، ثم أقوم بعرض ما ورد في المسألة من الآثار ؛ ممّا يصلح لتأييد ذلك ، وعندما أقف على حديث رُوِيَ من عدّة طرق ، أذكرها ، لأنّ كثرة الطرق لحديث ، تكون سبباً - على الأقلّ - للقول بحسنه عند الجميع ، فإنّ تعاضد الطُّرق يكون موجباً لقوّة درجة الحديث .

 

فائدة في معرفة الرموز والمصطلحات

 

ولأجل التسهيل على القارئ الكريم والتجنّب من التطويل ، كنت - حسب الإمكان - أدمج الروايات المتماثلة بعضها في بعض ، وأستفيد من الرّموز بصورة مستمرّة ، وذلك كالتالي :

(ح) للانتقال من طريق إلى آخر ، هذا بعد التوقّف على اسم أوّل شخص من الأشخاص المشتركين في السّند . و(ثنا) لقول الرّاوي : حدّثنا ، و(أنا) لأخبرنا ، و(نا) لأنبأنا ، و(ثني) لحدّثني ، و(أني) لأخبرني .

وقد كان عادة بعض الحفّاظ - للفرار من تهمة التدليس - تكرار لفظة » قال« حين الإسناد ، مثلاً : يقول النسائي : أخبرنا محمّد بن المثنّى ، قال : حدّثني يحيى بن حمّاد ، قال : حدّثنا أبوعوانة . فأختصره بهذا الشكل : [النسائي] : أنا محمّد بن المثنّى ، ثني يحيى بن حمّاد ، ثنا أبوعوانة ، مكتفياً بالرّمز مع حذف لفظة » قال« ، وإنْ كنت قد تمنّيت أن أرمز لها أيضاً ، إلاّ أنّ هذه الفكرة ، كانت قد بدت لي بعد أن وصلتُ في الكتاب إلى نصفه ، أو أكثر ، وكثرة المصادر وتراكم الأعمال منعتني من الرّجوع والنظر في المصادر ، وتمييز المزبور من غيره مرّة أخرى .

و(عب) لعبد الرزّاق ، و(حم) لأحمد بن حنبل ، و(ش) لابن أبي شيبة ، و(سع) لابن سعد ، و(خ) للبخاري ، و(م) لمسلم ، و(د) لأبي داود ، و(ت) للترمذي ، و(ن) للنسائي ، و(جه) لابن ماجة ، و(بذ) للبلاذري ، و(يا) للروياني ، و(يع) لأبي يعلى ، و(ط) للطبراني ، و(بز) للبزّار ، و(عم) لعبد الله ابن أحمد ، و(شا) لأبي بكر الشافعي ، و(حب) لابن حبّان ، و(ج) لابن جرير ، و(آج) للآجري ، و(عد) لابن عديّ ، و(يم) لأبي نعيم ، و(عق) للعقيلي ، و(بك) لابن أخي تبوك ، و(قع) للقطيعي ، و(غ) للبغوي ، و(ثم) للهيثم بن كليب الشاشي ، و(ده) لابن مندة ، و(لي) للإسماعيلي و(قط) للدارقطني ، و(ك) للحاكم ، و(خط) للخطيب ، و(أع) لابن الأعرابي ، و(ق) للبيهقي ، و(ض) للضياء المقدسي ، و(ثع) للثعلبي ، و(دي) للواحدي ، و(كر) لابن عساكر ، و(مغ) لابن المغازلي ، و(حس) للحاكم الحسكاني ، و(مي) للموفّق بن أحمد الخوارزمي ، و(ئي) للحموئي .

وعندما أرى أنّ بعض متأخّري المحدّثين - كابن عساكر - يخرج الحديث بأسانيد متعدّدة ؛ فإن كان قد أخرج واحداً منها من طريق أحد أئمة الحديث القدماء - كأبي يعلى ، مثلاً - فسأذكر رمزه لتمييزه من الطُّرق الأُخرى .

وإذا وقف القارئ في العبارة على مثل : [أهل بيتي ، ن] فمعناه أنّ مابين المعقوفتين زيادة من النسائي ، أو غيره ممن آتي برمزه بعد الزيادة . وإذا وقف على مثل : الأعمش عن - ك : ثنا - حبيب ، فالمقصود أنّ الحاكم ، أو غيره ممّن أضع رمزه قُبَيل العبارة الواقعة بين الشارحتين ، قال بدل [عن] : [حدثنا] . والبقيّة بهذا المنوال .

هذا ، إذا لم يكن التفاوت بين الألفاظ بحو كبير ، وإلاّ فأذكر لفظ كلّ واحد على حدة . وأحياناً عندما أرى أنّ التفاوت بصورة طفيفة ؛ بحيث لا يكون سبباً لتغيير مفاد الكلام ، كأن جاء في لفظ أحمد : » وقال« وفي لفظ الآجري : » فقال« ، فاكتفى بلفظ من كان أدقّ ، من دون إشارة إلى ذلك التفاوت اليسير ، تحاشياً للتشويش .

والغرض من اختيار هذا الأسلوب الّذي قد يكون موجباً لشيء من الصعوبة والغموض على القارئ هو أن يكون الكتاب حاوياً لألفاظ جميع أئمة الحديث مع رعاية التقليل من حجم الكتاب ما أمكن .

وأرجو من الله (عز وجل) أن يوفّقني للمزيد ممّا يحبّ ويرضى ، ويجعل كتابي هذا وسيلة القرب إليه ، وينفع به المسلمين ، ويطلعني ويطلعهم على الحقيقة في كلّ مقام ، وعليه الاتّكال ، وبه الاعتماد ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

محمّد الآمدي