تمهيد

هل معرفة الصحابة وتمييزهم بحاجة إلى ميزان ، أم لا ؟

 

فقد قال أهل التسنّن بعدم الحاجة إلى ذلك، وأن جميع الصحابة من أهل العدالة، واستدلّوا على مدّعاهم ببعض الآيات من الكتاب الكريم.

فمنها : قول الله تبارك وتعالى : (والسَّابِقُونَ اْلأَوَّلُونَ مِنَ اْلمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري£ تَحْتَهَا اْلأَنْهَارُ خالِدِينَ فيهَا أَبَداً ذَلِكَ اْلفَوْزُ اْلعَظِيمُ)(1).

بتقريب أنّ لفظة « من» في الآية لبيان الجنس ، أي رضي الله عن السّابقين الأوّلين من هذا الجنس ، فرضا الله عنهم دالّ على عدالتهم ، لأنّهم لولم يكونوا عدولاً فكيف يرضى الله عنهم؟ وأنّ المراد بالسبق في الآية ؛ إمّا السبق إلى الإيمان أو السبق إلى الهجرة والنصرة . وأن المراد بالسابقين ؛ إمّا مَنْ آمن في أوائل الدعوة ، أو أهل بيعة العقبة ، أو أهل بدر ، أو أهل بيعة الرضوان . ولكلّ قول منها قائل .

وأجيب ؛ أوّلاً : بعدم تسليم القول ببيانيّة لفظة « من» ، وأنّها في الآية للتبعيض . بل حتى لو سلّمنا بكونها لبيان الجنس فالتوصيف بالسبق والأوّلية يُبعّض ذلك الجنس ، وأنّ المراد بالسبق هو السبق إلى الشهادة ، فيكون المعنى : رضي الله عن خصوص السابقين الأوّلين إلى الشهادة من هذا الجنس .

وثانياً : لو سلّمنا أنّها لبيان الجنس ، وأنّ الله قد رضي عن ذلك الجنس ، فلا نسلّم أنّ رضاه كان على إطلاقه ، بل نقول : إنّ رضا الله في الآية مشروط ببقائهم على عهد الله وعدم انحرافهم عن سبيله إلى آخر حياتهم ؛ لأنّنا نعلم بارتداد بعض السابقين الأوّلين عن الإسلام ، حتى في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فمثلاً : عبد الله بن جحش كان من السابقين في الهجرة إلى الحبشة ، ومع ذلك ارتدّ عن الاسلام والتحق بالنصرانيّة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح الّذي كان يكتب الوحي ، ارتدّ عن الاسلام ، ورجع إلى مشركي قريش يستهزئ بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ، فأهدر دمه ، وأخفاه عثمان بن عفّان ، ثم أَلَحَّ على النبيّ (صلى الله عليه وآله) في عفوه ، ورجال بن عنفوة بن نهشل ؛ ارتدّ عن الإسلام وشارك مسيلمة الكذّاب في عداوة الإسلام . فهذا أدلّ دليل على أنّ رضا الله عنهم لم يكن على إطلاقه ، بل كان مقيّداً باستمرار الاستقامة .

وثالثاً : أنّ الآية لا تدلّ على أنّهم صاروا بسبب ذلك معصومين من الذنوب ؛ بحيث لا يمكن أن يصدر منهم ما يزيل العدالة ، كلا ، لا دليل على ذلك ; لا في الكتاب ولا في السنّة ، بل على العكس من ذلك ، وردت آثار متواترة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه تنبّأ بارتداد جماعة كبيرة من أصحابه بعده . حتى جاء في ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة : أنّه (صلى الله عليه وآله) قال : « . . . فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم»(2).

ولا منافاة بين رضا الله عن أحدٍ إذا حصلت منه موجبات ذلك ، وبين سخطه عليه ، وحبط جميع أعماله وإبطال جميع آثارها الّتي من بينها رضا الله تعالى ، إذا صدر منه ما يستوجب ذلك ، كما لا منافاة بين الإيمان الّذي يستحقّ المرء بسببه الرضا من الله ، وبين الارتداد الّذي يستوجب سخط الله وحبط أعمال صاحبه ، ولا وجود للارتداد من دون وجود الإيمان .

فإن قلت : نحن نسلّم بورود آثار متواترة في ارتداد أُناسٍ بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، إلاّ أنّنا لا نقبل أنّهم كانوا من الصحابة ، بل هؤلاء الّذين أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بارتدادهم هم الّذين قاتلهم الخليفة الأوّل من أهل الردّة ؛ من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ويشعر بذلك قول النبيّ (صلى الله عليه وآله) في بعض تلك الروايات : « أُصَيْحابي أُصَيْحابي» . فلو كان المراد بذلك أصحابه لما قال أُصَيْحابي .

قلت : إنّ الادّعاء بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يقصد الصحابة بتلك الآثار ، مخالفٌ لقولـه صلوات الله عليه وآله ؛ فإنّه قال بأنّ هؤلاء المرتدّين يكونون من أصحابه ، كما جاء في روايات كلّ من : عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وحذيفة وأبي هريرة و أبي الدرداء وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعريّ وأبي بكرة وسمرة بن جندب وأُمّ سلمة ؛ فإنّ المذكور في رواياتهم لفظ « أصحابي» .

وأمّا روايات عائشة وأسماء وإحدى روايات أنس وأُمّ سلمة ، فتدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) خاطب الأصحاب ، وقال بأنّ هذه الحادثة ستقع فيهم(3).

نعم إنّ كلمة « أُصَيْحابي» وإن وردت في لفظٍ للبخاري من حديث ابن عبّاس ، إلاّ أنّ البخاري رواه عنه بأربعة ألفاظ أخرى في صحيحه ، وجاءت في الجميع كلمة « أصحابي» . هذا ، مع أنّ المذكور في روايات كلّ من الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبّان والطبراني والحاكم وأبي إسماعيل الأنصاري عن ابن عبّاس هو لفظ « أصحابي»(4).

وكذلك حديث أنس بن مالك ؛ فإنّه وإن جاءت في لفظ مسلم كلمة « أُصَيْحابي» إلاّ أنّ المذكور في روايات كلّ من ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وعبد بن حميد وأبي يعلى وأبي إسماعيل هو لفظ « أصحابي» . وأمّا لفظ البخاري عن أنس ؛ فهو متضمن لكلّ واحد منهما ؛ « أصحابي» و« أصيحابي»(5).

وكذلك حديث عبد الله بن مسعود ؛ فإنّه وإن كان المذكور في لفظٍ لأحمد وابن ماجة وفي لفظين للشاشي هي كلمة « أُصَيْحابي» ، إلاّ أنّ أحمد رواه بستة ألفاظ ، والشاشي بأربعة ألفاظ أخرى ، والبزّار بثلاثة ألفاظ ، والبخاري بلفظين ، ومسلم والطبراني وأبو إسماعيل ، والمذكور في جميعها هي كلمة « أصحابي»(6).

وحـديث أبي بكـرة رواه أحمد بلـفـظين ؛ فـذكـر فـي أحـدهما كلـمـة « أُصَيْحابي» ، ووردت في لفظه الآخر - وكذا في لفظ ابن أبي شيبة وأبي إسماعيل الأنصاري - كلمة « أصحابي»(7).

وكذلك حديث سمرة ؛ فإنّ الطبراني رواه في المعجم الأوسط بلفظ « أُصَيْحابي» ، ورواه في الكبير بلفظ « أصحابي» والسند واحد(8).

والحاصل : أنّ مجئ لفظ « أُصَيْحابي» في بعض الروايات لايستوجب إخراج الروايات المتواترة عن مضمونها ، بل هذا اللفظ أيضاً يدلّ على أنّ هؤلاء من أصحابه ، وإن جاء بصيغة التصغير الدالّة على الترحم في المقام ، فتغيّرُ الصيغ لا يخرج المادةَ عن معناها اللغوي ، بل وفي بعض تلك الروايات من القرائن ما يدلّ على ذلك ، فلاحظ :

أخرج مسلم عن أنس ، : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : « ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني ، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني ، فلأقولنّ : أي ربّ ، أُصَيْحابي أُصَيْحابي ، فليقالنّ لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» .

وأخرج أحمد بن حنبل في المسند عن أبي بكرة نحوه ، وجاء في لفظه : « رجال ممّن صحبني ورآني» .

فهاتان الروايتان صريحتان في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول بأنّ هؤلاء كانوا ممّن صاحبه ، كما في لفظ أنس ، أو صحبه ، كما في لفظ أبي بكرة .

وفي لفظ الشاشي من حديث ابن مسعود : « وليرفعنّ لي رجال منكم . . . فأقول : ياربّ ، أُصَيْحابي أُصَيْحابي» ، فهذا اللفظ صريح في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) خاطب أصحابه وأخبر بأنّ هذه الحادثة ستقع فيهم .

وفي لفظ الطبراني عن سمرة بن جندب : « يرد عليّ قوم ممّن كانوا معي . . . فأقول : ياربّ أُصَيْحابي أُصَيْحابي» ، فهذا صريح في أنّ المختلجين هم الّذين كانوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) .

هذا ، وقد روى البخاري في لفظه المشترك عن جماعة من الصحابة هكذا : « ثم يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي ، فيحلؤون عنه ، فأقول : يا ربّ ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ؛ إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى . .» (9).

وقد كان أكابر الصحابة يفهمون من تلك الأحاديث غير ما يفهمه هذا القائل ؛ فإنّهم يفهمون أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يريد بقوله ذلك الموجودين فيما بينهم أنفسهم ، كما تدلّ عليه الرواية الآتية :

أخرج أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والبزّار وأبو يعلى والطبراني وابن طهمان عن أُمّ سلمة ؛ أنّ عبد الرحمن بن عوف دخل عليها ، فقال : يا أُمّه ، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي ؛ أنا أكثر قريش مالاً ! قالت : يا بنيّ فأنفق ، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : « إنّ مِنْ أصحابي مَنْ لايراني بعد أن أُفارقه» . فخرج عبد الرّحمن بن عوف فلقي عمر ، فأخبره بالّذي أخبرته أُمّ سلمة ، فدخل عليها عمر ، فقال : بالله أَمِنْهُمْ أنا ؟ فقالت : لا ، ولن أُبرّئ أحداً بعدك .

وأورده الهيثمي بألفاظ متقاربة في مجمعه ؛ فقال في موضع : رواه البزّار ، ورجاله رجال الصحيح . وقال بالنسبة لروايةٍ لأحمد و أبي يعلى : وفيه عاصم بن بهدلة ، وهو ثقة يخطئ . ونسب لفظاً ثالثاً لأحمد وأبي يعلى والطبراني في الكبير . وقال المعلّق على مسند ابن راهويه : صحيح ، رجاله ثقات كلّهم(10)

فتحريض أُمّ سلمة لعبد الرحمن بن عوف على الإنفاق ، كي لا يكون مشمولاً في تلك الأحاديث ، وذهاب عمر واستفساره عن حاله من أُمّ سلمة ، يدلّ على أنّهم قد فهموا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يقصد بذلك غيرهم ، بل في قول أُمّ سلمة لعمر : (ولن أُبرّئ أحداً بعدك) إشعار بأنّها عالمة بأسمائهم .

وأمّا دعوى ؛ أنّهم كانوا من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم فهي أيضاً مخالفة للأحاديث ؛ لأنّه جاء فيها : إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فلو لم يكن هناك إيمان فكيف يحصل الارتداد؟! والبعديّة تدلّ على أنّ ما يحصل فيما بعد مغاير لما كان عليه من قبل .

هذا ، ولو قبلتم إيمانهم ولو في أواخر عهد الرسالة لكان كافياً لحصول المطلوب ، ويكون إبطالاً لقاعدتكم القائلة بعدالة جميع الصحابة الّذين قلتم بأنّهم من رأى النبّيَّ أو رآه النبيُّ وهو مؤمن . مع أنّه قد ثبت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه خاطب أصحابه بما يدلّ على ذلك في يوم أُحد أيضاً .

فقد قال الواقدي في المغازي : وكان طلحة بن عبيد الله وابن عبّاس وجابر ابن عبد الله يقولون : صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قتلى أُحد ، وقال : « أنا على هؤلاء شهيد» ، فقال أبو بكر : أليس إخواننا أسلموا كما أسلمنا ، وجاهدوا كما جاهدنا ؟ قال : « بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أُجورهم شيئاً ، ولا أدري ما تحدثون بعدي» ، فبكى أبو بكر ، وقال : إنّا لكائنون بعدك .!

ورواه الإمام مالك بن أنس في [ الموطأ] عن أبي نضر مولى عمر بن عبيد الله مرسلاً(11).

هذا كلّه ، مع أنّه قد جاء في بعض الرّوايات أنّ المراد بالسابقين الأوّلين في الآية هم ستّة نفر ؛ عليّ بن أبي طالب وحمزة وعمّار وأبوذرّ وسلمان والمقداد(12).

* * *

ومن الآيات الّتي استدلوا بها على عدالة الصحابة قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ اْلمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ماَ فى£ قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ٭ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(13) .

فالآية تدلّ على أنّ الله رضي عن المؤمنين الّذين بايعوا النبيّ (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة ، الّذين كان تعدادهم ألفاً وأربعمائة شخص ،كما في أكثر الروايات ، فرضاه عزّوجلّ يدلّ على عدالتهم ، كما تقدّم في الآية السابقة .

ويجاب بأنّ رضا الله كان بخصوص الّذين يصدق عليهم وصف الإيمان على كماله وتمامه ، أي المؤمنين الّذين وصفهم الله بقوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الََّذِينَ ءَامَنُوْا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوْا وَجَاهَدُوْا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )(14) . فبعد عِلْمنا بوقوع بعض الصحابة بُعَيد ذلك في الشكّ والريب - فمثلاً : قد ورد في الصحيح أنّ الخليفة الثاني قال : (والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ) (15) أي يوم صلح الحديبيّة - نفهم أنّ الله (عز وجل) لم يُرد بالآية عمومَ الصحابة ، بل أراد منها مَنْ وَصَفهم في الآية المذكورة .

ويمكن ردّ ذلك بأنّ ظاهر الآية العموم ، فالاستثناء بحاجة إلى الدليل ، وليس هناك ما يصلح لأن يكون مخصّصاً لعمومها ، وإرادة أعلى رتبة الإيمان في آية لا تنافي إرادة الإيمان الأعمّ في آية أُخرى ، وقد ذكر الله الإيمان في عدّة مواضع من كتابه وأراد به ما يعمّ جميع مراتب الإيمان .

ويجاب : بأنّه لو سُلّم ذلك ، فلا يلزم منه وصولهم إلى درجة العصمة ; بحيث يستحيل صدور ما ينافي العدالة منهم ، وليس هناك أيّ تناف بين رضا الله تعالى عند وجود سببه ، وبين سخطه عند صدور موجبه ، ولو على مورد واحد ، كما لا تنافي بين الإيمان والارتداد من شخص واحد . وقد أشار الله (عز وجل) إلى ذلك بُعيد ذكره لفضيلة تلك البيعة مباشرة بقوله : ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) (16).

هذا ، وقد كان فيما بين الّذين بايعوا تحت الشجرة مَن نصب في مقابل عليّ (عليه السلام) الحرب والعداوة بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وسيأتي في الأحاديث المتواترة : أنّ عدوّ عليّ (عليه السلام) عدوّ لله تبارك وتعالى .

وقد كان فيما بين هؤلاء مَن صرّح النبيّ (صلى الله عليه وآله) بكونه من أهل النار ، كأبي الغادية قاتل عمّار بن ياسر ؛ حيث جاء في الحديث الصحيح : « قاتل عمّار وسالبه في النار» .

وجاء في الحديث الحسن : « من عادى عمّاراً عاداه الله ومن أبغض عمّاراً أبغضه الله» .

وقد ورد في ذلك عن جماعة من الصحابة ، منهم : عثمان بن عفان ، وعمرو بن العاص ، وعبد الله بن عمرو ، وأسامة بن زيد ، وخالد بن الوليد ، وأم سلمة (17).

وسيأتي ما رواه البخاري وغيره من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : « ويح عمّار ! تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النار»(18).

ورغم جميع تلك النصوص فإنّ ابن حزم - بعد أن حكم أنّ عليّاً (عليه السلام) كان على الحقّ ، وأنّ له أجرين ، وبعد أن اعترف بكون قتاله مع هؤلاء البغاة كان فرضاً من الله بنصّ القرآن ، وبعد أن اعترف بصحّة حديث : « تقتل عماراً الفئة الباغية» - قال : {وعمّار قتله أبو الغادية يسّار بن سبع السلمي ، شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له ؛ بأنّه علم ما في قلبه ، وأنزل السكينة عليه ، ورضي عنه . فأبو الغادية متأوّل مجتهد ، مخطئ فيه ، باغ عليه ، مأجور أجراً واحداً . وليس هذا كقتلة عثمان (رض) لأنّهم لا مجال للاجتهاد في قتله ، لأنّه لم يقتل أحداً ، ولا حارب ، ولا قاتل ، ولا دافع ، ولا زنى بعد إحصان ، ولا ارتدّ ؛ فيسوغ المحاربة تأويلاً . بل هم فساق ، محاربون ، سافكون دماً حراماً عمداً ، بلا تأويل ، على سبيل الظلم والعدوان ، فهم فسّاق ملعونون} (19).

وقد يُسأل ابن حزم : إنّ تلك الصفات الّتي نفيتها عن عثمان ، وادعيت بأنّها قد تفتح المجال للتأويل والاجتهاد في القتل ، هل كانت موجودة في عمّار بن ياسر ، كي يسوغ الاجتهاد في قتله ؟ اللّهمّ الا القتال الّتي حكمت أنت بوجوبها عليهم ، واستحقاقهم بسببه لأجرين !!

ويُسأل أيضاً : إذا كان قتلة عثمان فسّاقاً ملعونين ، فما بالك تدّعي بكون جميع أهل بيعة الرضوان من أهل الجنّة ؟ وقد كان من بين قتلته - بل من رؤسائهم - مَن بايع تحت الشجرة ، وهو عبد الرحمن بن عديس البلوي (20).

وبالجملة ؛ إنّنا لو حكمنا بعدم دخول أهل بيعة الرضوان النار بصورة عامّة لدخل تحت ذلك العموم مَن كان مِن قتلة عثمان أيضاً . مضافاً إلى أنّ الاجتهاد في قتال عمّار وقتله كان في مقابل النصّ المتّفق عليه بين الفريقين ، وهذا بخلافه بالنسبة إلى قتل عثمان بن عفّان ؛ لعدم وجود نصّ متّفق عليه ؛ لا بين الصحابة ، ولا بين أهل السنّة والشيعة .

ثم إنّ قبول مثل ذلك الحكم بعمومه مشكل جدّاً ، وذلك للمنافاة الصريحة بينه وبين النصوص الصحيحة - بل المتواترة - المشار إليها . مع أنّ ما ورد في المقام - وإن حكم الترمذي بصحّته - إلا أنّه مضّطرب سنداً ومتناً ، ممّا يمنعنا من التمسّك به .

فقد جاء في رواية الترمذي وغيره : عن الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، رفعه : « لا يدخل النار أحد ممّن بايع تحت الشجرة» (21).

وفي رواية مسلم وغيره : عن ابن جريج عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أمّ مبشر ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد ؛ الّذين بايعوا تحته» (22).

وفي رواية أحمد وغيره : عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن أمّ مبشر ، عن حفصة ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « إنّي لأرجو أن لا يدخل النار أحد - إن شاء الله - ممّن شهد بدراً والحديبية» (23).

فأنت تلاحظ أنّ لفظ الترمذي وغيره مختصر من لفظ أحمد وابن راهوية وغيرهما من القدماء ، وتلاحظ أنّ جابر بن عبد الله وأمّ مبشر لم يسمعا من النبيّ (صلى الله عليه وآله) مباشرة ، بل بواسطة حفصة بنت عمر بن الخطاب ، فبإسقاط اسمي حفصة وأم مبشر من الإسناد وبحذف جملتي : «إنّي لأرجو» و« إن شاء الله» من متن الحديث أوقعوا المسلمين في اللبس والحيرة . فبإرجاع جميع ما سُرق من الحديث إلى محلّه تنحلّ المشكلة ، وتزول المنافاة بإذن الله تعالى .

* * *

ومن الآيات الّتي استدلّوا بها على عدالة الصحابة قوله تعالى : ( لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النبَِّيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَاْلأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فى£ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تبَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(24) .

أي إنّ الله قَبِل توبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الإذن للمنافقين في التخلّف عن الجهاد في يوم تبوك ، وقَبِل توبة المهاجرين والأنصار عن تثاقلهم حينما قيل لهم : انفروا في سبيل الله بالمسير إلى غزوة تبوك ، فالله (عز وجل) جعل مسيرهم في ذلك السفر الشاقّ كفّارةً لذنوبِهم ، وسبباً لقبول توبتهم وعلوّ درجاتِهم ، والّذين وسوس إليهم الشيطان في الطريق وهمّوا بالانصراف ، فقد قبل الله توبتهم أيضًا(25).

نعم ، إنّ هذه منقبة عظيمة ومفخرة جليلة للمهاجرين والأنصار ، ولكنها لا تكون سبباً لعصمتهم ، وعدم اقترافهم للسيّئات الّتي تكون موجبة لفقدان العدالة ؛ فلو كان قبول الله لتوبة عباده سبباً لعدالتهم للزم أن نقول بعدالة كلّ مذنب تاب عن ذنبه ؛ من الّذين قطع الله على نفسه أن يتوب عليهم إذا حصلت منهم التوبة . وليس في الآية ما يدلّ على أنّ الله تعالى تاب على جميع ذنوبِهم ; ما تقدّم وما تأخّر ، وإن كان من الممكن استفادة قبول توبتهم بالنسبة إلى ذنوبِهم المتقدّمة منها وإناطته ببقائهم واستمرارهم على ما كانوا عليه ؛ من الاستقامة والديانة حينذاك إلى آخر حياتهم .

هذا ، مع أنّ الآية لا تعمّ جميع من كان مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في تلك الساعة الّتي ثبّط الله المنافقين فيها ، وقيل : اقعدوا مع القاعدين ، بل قد ورد من طرق صحيحة : أنّ جماعة ممّن كانوا معه (صلى الله عليه وآله) في تلك الساعة أرادوا أن ينفّروا بناقته فيطرحوه من العقبة ، وأقوام سبقوا النبيّ إلى الماء ، وقد أمرهم بقوله : « إنّ الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد» ، فخالفوا أمره ، فلعنهم(26).

ثمّ إنّ الأمر المهمّ الّذي ينبغي أن يلتفت إليه طالب الحقيقة هو : أنّ جميع هذه الآيات وردت في فضل المهاجرين والأنصار ، وإشراك غيرهم فيها لا دليل عليه ، واستنتاج عدالة جميع الصحابة منها غير صحيح ، فلزم إخراج الّذين لم يسلموا إلاّ في أواخر عهد الرّسالة من مشموليتها; أمثال معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهم . ولا شكّ أنّ هؤلاء كانوا مع المشركين حينما رضي الله عن المؤمنين ، بل كان سبب رضاه عنهم مبايعتهم تحت الشجرة على قتال هؤلاء وعدم الفرار . فحتى لو قلنا بثبوت عدالة الصحابة بِهذه الآيات ، فلا يمكن أن يُتَمسَّك بِها لثبوت عدالة أمثال هؤلاء ، لأَنَّهم خارجون منها قطعاً .

فإن قلت : نستطيع أن نثبت ذلك بالآية المائة من سورة التوبة; حيث جاء في ذيلها : (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) ، فمعاوية وغيره من متأخّري الصحابة كانوا تابعين للمهاجرين والأنصار ، فيشملهم ما يشمل هؤلاء الصحابة من الرّضا وقبول التوبة .

قلت : كما أنّ الاستدلال بصدر الآية أخصّ من المدّعى - مثل الاستدلال بسائر الآيات - فكذلك الاستدلال بذيلها أعمّ من المدّعى ؛ فإنّ جميع من آمن وسيؤمن إلى يوم القيامة تابعون للمهاجرين والأنصار .

مضافاً إلى أنّ رضا الله عن تابعيهم مشروط بأن تكون المتابعة بالإحسان ، فلزم إثبات الإحسان والعدالة فيهم أوّلاً ، ثمّ تطبيق الآية عليهم في المرتبة الثانية ، فشمول الآية لهم متوقّفة على ثبوت الإحسان ، فلو توقّف ثبوت الإحسان على شمول الآية لهم لدار .

هذا ، مع أنّه قد ورد من طرق صحيحة عند الجمهور ما يدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يطلق عنوان الصحابة إلاّ على طبقة خاصّة ممّن كانوا معه (صلى الله عليه وآله) .

فقد جاء فيما رواه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد عن أبي سعيد - واللفظ لمسلم - أنّه قال : كان بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد شيء ، فسبّه خالد ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :« لا تسبّوا أحداً من أصحابي ، فإنّ أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» .

وفي رواية أنس وأبي هريرة : « دعوا لي أصحابي . . . » .

وفي رواية سلمة : «يا خالد ، ذروا لي أصحابي . . . » (27).

ويستفاد من الخطاب النبويّ لخالد وأمثاله أنّه (صلى الله عليه وآله) ميّز بينهم وبين أصحابه ، وبـيّن أنّ مراده من ذلك العنوان طبقة خاصة من المسلمين ، وأمّا مَن هم المراد من تلك الطبقة ؛ هل المراد بها هم المهاجرون الأولون؟ أو المراد بها أهل بدر ؟ أو أهل بيعة الرضوان ؟ فالحديث مجمل من هذه الناحية . والقدر المتيقّن في الحديث هو إخراج من أسلم بعد الحديبية - كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان - من تحت عنوان الصحابة .

نعم ، قد يمكن أن يستفاد من الآية التالية أنّ المراد بتلك الطبقة هو جميع من حضر الحديبية .

ثمّ إنّه لا منافاة بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتواترة المتقدّمة القائلة بارتداد أقوام من الصحابة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وذلك لأنّ الجمع بين العام والخاصّ طريقة عرفيّة عقلائيّة .

وقد جاء مضمون الحديث المذكور مصرّحاً به في كلام بعض أعلام التابعين ، فلاحظ .

[الخلال] : قرئ على عبد الله بن أحمد ، قال : حدّثني أبي ، قال : ثنا سفيان ، ثنا منصور بن عبد الرحمن ، قال : قال الشعبي : لم يشهد الجمل من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) غير عليّ وعمّار وطلحة والزبير ، فإن جاوزوا بخامس فأنا كذّاب .

قال الدكتور عطيّة الزهراني : إسناده صحيح(28).

ولا ريب أنّ مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وغيرهما من متأخّري المسلمين وأبناء الصحابة كانوا حاضرين في تلك المعركة ، وكلام الشعبي صريح في عدم كون هؤلاء من الصحابة .

* * *

نعم ، بقيت هناك آية تدلّ بظاهرها على فضيلة عموم من كان مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وهي قولـه تعالى : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى اْلكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَريـهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيماهُمْ فىِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى اْلإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اْلكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً)(29) .

إلاّ أنّ هذه الآية أيضًا نزلت في السنة السادسة من الهجرة عند منصرف النبيّ (صلى الله عليه وآله) من الحديبيّة ، ولم يكن معه آنذاك إلاّ الّذين بايعوه تحت الشجرة ، ومعاوية وغيره ممّن أشرنا إليهم كانوا مع أعدائه (صلى الله عليه وآله) .

هذا ، مع أنّ الله بيّن في الآية نفسها أنّ الفضيلة والأجر والمغفرة كانت لخصوص المؤمنين ؛ حيث قال : ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) .

وقد اُستدلّ لعدالة جميع الصحابة ببعض الأخبار ، ممّا تتوقّف حجّيتها على وثاقة رواتِها ، وعدالة الصحابة الّذين جاءوا بِها ، فلو توقّفت عدالة الصحابة على حجّيتها لدار .

هذا ، مع أنّ علماء الشيعة يقولون : إنّ هذه الأخبار موضوعات أمويّة ، بثّوها على أَلْسنة مرتزقتهم ، ونسبوها إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) زورًا و بهتانًا ؛ لأنّ بني أُميّة عندما رأوا أنّ الله اختصّ عليًّا (عليه السلام) بفضيلة ، أوأنّه حاز منقبة على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله) ، حاولوا أن يضعوا على أَلْسنة المتقرّبين إليهم مثلَ ذلك في حقّ غيره من الصحابة ، كي لا ينفرد عليّ (عليه السلام) بفضيلة دونهم .

 

* * *

 

نظريّة الشيعة في المسألة

 

وأمّا الإماميّة فيرون أنّ معرفة الصحابة أيضاً بحاجة إلى ميزان يوزن به درجاتهم ، ويعرف به ثقاتهم ، لأنّ الّذين كانوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) على ثلاث طوائف ; طائفة الثقات المخلصين ، وطائفة الضعفاء من المسلمين ، وطائفة المنافقين .

وقد جزم بعض من لا وقوف له أنّ جميع الصحابة كانوا على منوال واحد ، وأنّ التفريق كان شيعيًّا رافضيًّا ، من دون أن يقيم على ذلك أيّة حجّة .

ولو تدبّر في قولـه تعالى : (إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فىِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَدُونَ ٭ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ َلأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ اْلقَاعِدينَ ٭ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأََوْضَعُوْا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اْلفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَماَّعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(30) وبالخصوص في جملة (وفيكم سمّاعون لهم) لفهم أنّ التفريق ربّانيّ ، وليس رافضيًّا ; فإنّ ضمير الخطاب في قوله « فيكم» راجع إلى المؤمنين ، وضمير الغيبة في قوله « لهم» راجع إلى المنافقين ، فبيّن الله (عز وجل) أنّه توجد في ما بين المؤمنين طائفة ضعفاء القلوب سمّاعون لشائعات المنافقين ومتأثّرون بها ، فترى أنّ التثليث حصل من الله تعالى ، لا من الشيعة .

فإن قلت : إنّه قد جاء في بعض التفاسير أنّ المراد بالسمّاعين هم جواسيس المنافقين ، فيكون المعنى : وفي صفوفكم من يتجسّس للمنافقين ، فهؤلاء الجواسيس من صنف المنافقين ، وليسوا بصنف ثالث .

قلت : نعم ، هذا هو المنسوب إلى ابن عيينة والحسن ومجاهد وابن زيد . ولكن المنسوب إلى الجمهور هو أنّ المراد بهؤلاء هم بعض ضعفاء الإيمان الّذين يسمعون كلام المنافقين ، وينخدعون به ؛ ممّا يكون سبباً لضعف قلوبهم وفتور نياتهم عن القيام بأمر الجهاد .

قال فخر الدين الرازي : { فإن قيل : كيف يجوز ذلك على المؤمنين ، مع قوّة دينهم ونيّتهم في الجهاد ؟

قلنا : لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثّر قول المنافقين فيهم . ولا يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب ، فيؤثّر قولهم فيهم }(31).

وكذا لو فكّر في قوله تعالى : (يا أََيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْا مَا لَكُمْ إِذاَ قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوْا فى سَبِيلِ اللهِ اثّقَلْتُمْ إِلىَ اْلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيوةِ الدُّنْيَا مِنَ اْلاخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيوةِ الدُّنْيَا فِى اْلاخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ٭ إِلاَّ تَنْفِرُوْا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَل تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ)(32) وتذكّر أنّ الأمّة اتّفقت على أنّ المتثاقلين لم يكونوا جميع الصحابة ، لفهم أنّ الّذي فرّق المؤمنين إلى المتثاقلين والمطيعين هو ربّ الشيعة ، لا الشيعة .

وكذلك لو تأمّل في قوله تعالى : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَماَ نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَل يَكُونُوْا كَالَّذِينَ اُوتُوْا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطاَلَ عَلَيْهِمُ اْلأََمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (33)وتذكّر أنّ الأُمّة أجمعت على أنّ القاسية قلوبهم كانت طائفة من المؤمنين ، فعاتبهم الله على ذلك وأنّبهم ، لا جميع المؤمنين ، لعلم أنّ الله عزّوجلّ هو الّذي قسّم المؤمنين على قسمين; الخاشعين ، والقاسية قلوبهم .

بل لو نظر في التاريخ بعين الإنصاف والحريّة ، لوقف فيه على ثلاث طوائف ، ولَوَجَد أنّ عدداً من الصحابة اقترفوا السيّئات وارتكبوا الكبائر من المحرّمات ، حتى على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فرُجم بسبب ذلك من رُجم ، وحُدّ من حُدّ (34).

بل لو لاحظ التاريخ لرأى من بين الطائفة المؤمنة - بل من سابقيهم - عدداً انحرفوا عن الإسلام و ارتدّوا على أعقابهم ، حتى في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) كما مرّ ذكرهم . ولَفَهم أنّ الشيطان لم يكن ليفارقهم بمفارقة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، بل إفساد الناس في غيبته أسهل على الشيطان من إفسادهم في حضوره .

ولعرف - نتيجة لذلك - أنّ الوحدة كانت أمويّةً ؛ فقد سعى هؤلاء الدُهاة لأن يجعلوا جميع من رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) - حتى الّذين قالوا : آمنّا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم - فرقةً واحدةً وصنفاً واحداً ، واستعملوا في سبيل ذلك الهدف المتملّقين للسلطنة والعابدين للمنفعة الدنيويّة ، فانخدع بِهم السذّج من المسلمين ؛ فجعلوا المجرمين الملعونين على لسان النبيّ (صلى الله عليه وآله) كالمسلمين ، وسوّوا بين من آمن وأنفق قبل الفتح ، وبين من جاء بعده من الطلقاء . ولا يخفى أنّ المنع من البحث والفحص عمّا شجر بين الصحابة كان من إدامة تلك الخدعة والمكيدة الشيطانيّة .

ولا نقول : إنّ جميع علماء أهل السنّة كانوا في هذا المضيق الفكري ، وإنّهم يعتنقون هذه النظريّة ، بل يوجد من بينهم من أهل الإدراك والمعرفة من يقول طبق ما يستفاد من النقل والعقل والتاريخ .

فقد جاء في شرح المقاصد للتفتازاني : إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المذكور المسطور في كتب
التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات ، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد
حاد عن طريق الحقّ ، وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث له
الحقد والعناد والحسد واللداد ، وطلب الملك والرئاسة ، والميل إلى الملذّات والشهوات ، إذ ليس كلّ صحابيّ معصومًا ، ولا كلّ مَنْ لقى النبيّ بالخير موسوما . . (35).

قال ابن حزم : { وقد كان في عصر الصحابة رضي الله عنهم منافقون ومرتدّون ، فلا يقبل حديثٌ قال راويه فيه « عن رجل من الصحابة» أو « حدّثني مَنْ صحب رسول الله» إلاّ حتى يسميّه ، ويكون معلوماً بالصحبة الفاضلة ؛ ممّن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى ، قال الله (عز وجل) : (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اْلأََعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ ل تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ)(36) . وقد ارتدّ قوم ممّن صحب النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الإسلام ؛ كعيينة بن حصين والأشعث بن قيس والرجال وعبد الله بن أبي سرح }(37) .

حتى لو قلنا بعدالة جميع الصحابة لكنّا أيضًا محتاجين إلى ميزان لمعرفة الصادقين من المنافقين ، لأنّه قد كان بين أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) عدد كثير من أهل النفاق ، ولم يكن جميع الصحابة عارفين بهم ، حتى ذهب الخليفة الثاني يستعلم عن حاله من صاحب سرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) حول المنافقين ؛ سائلاً عنه : هل عدّه النبيّ (صلى الله عليه وآله) منهم ؟

فلو كان حالهم بِهذه المثابة من الخفاء على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فما تنتظر من التابعين؟! بل يكون أخفى عليهم وعلى من يجيئون بعدهم ، وهم يحسبونهم من أهل الفضل والسبق ، ويعتمدون على ما رُوِي عنهم ، من دون أن يعلموا بواقعهم .

بل لاحظت أنّ الله تبارك وتعالى قال في كتابه الكريم : ( وَمِمَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اْلأََعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ ل تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ) .

قال فخر الدين الرازي : والمعنى أنّهم تمردّوا في حرفة النفاق ، فصاروا فيها أستاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم ، مع قوّة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك(38).

وقال ابن حزم : هذه الآية مبيّنة نصّ ما قلناه بياناً ، لايحلّ لأحد أن يخالفه ؛ من أنّ النبي (عليه السلام) لا يعلم المنافقين ؛ لا من الأعراب ولا من أهل المدينة ، ولكن الله تعالى يعلمهم .

وقال أيضاً : وأمّا المبطنون للكفر منهم ، فلا يعلمهم النبيّ (عليه السلام) ، ولا علمه أحد منهم ، إلاّ الله تعالى فقط(39).

قال الذهبيّ : كان جماعة في أيّام النبيّ (صلى الله عليه وآله) منتسبون إلى صحبته وإلى ملّته ، وهم في الباطن من مَرَدَةِ المنافقين ، قد لا يعرفهم نبيّ الله (صلى الله عليه وآله) ، ولا يعلم بهم ، قال الله تعالى : (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوْا عَلَى النِّفَاقِ ل تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ) . فإذا جاز على سيّد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين ، وهم معه في المدينة سنوات فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده على العلماء من أُمّته(40).

* * *

الهوامش:

(1) سورة التوبة : 100 .

(2) صحيح البخاري ، كتاب الرقاق ، باب الحوض : 4 / 206 - 207 ح : 6587.

(3) صحيح البخاري : 4 / 206 ح : 6585 ، 6586 ، صحيح مسلم : 1 / 133 ح : 247 ، سنن الترمذي : 321 ح : 3167 ، المصنف لابن أبي شيبة : 7 / 455 ح : 37177 ، مسند أحمد : 2 / 454 ح : 9856 ، 3 / 28 ح : 11236 ، 5 / 388 ، 393 ، 400 ، 412 ح : 23338 ، 23385 ، 23441 ، 23544 ، مصباح الزجاجة : 3 / 206 - 207 ، الجامع لمعمر بن راشد : 11 / 406 - 407 ، المعجم الأوسط : 1 / 125 ، 212 ح : 397 ، 687 ، المسند المستخرج : 1 / 308 ح : 579 ، البحر الزخّار : 8 / 149 ح : 3168 ، مسند ابن راهويه : 1 / 379 ح : 403 ، مسند الشاميين : 2 / 317 ح : 1413 ، الآحاد والمثاني : 5 / 351 ح : 2932 ، ذمّ الكلام وأهله : 5 / 24 - 41 ح : 1361 - 1372 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 3 / 444 - 445 ح : 5362 ، 4 / 367 ح : 7065 ، مسند عمر بن الخطاب : 1 / 86 ، الفتن لنعيم بن حمّاد : 1 / 87 ، 174 ح : 200 ، 460 ، الزهد لابن المبارك : 1 / 121 ح : 404 ، الترغيب والترهيب : 4 / 323 ح : 5304 ، وقد أوردنا رواياتهم مع ذكر مصادرها بشكل أوسع في [الهجرة إلى الثقلين] فراجع : 175 .

(4) صحيح البخاري : 2 / 459 ، 490 ح : 3349 ، 3447 ، 3 / 261 ، 226 - 227 ح : 4740 ، 4625 ، 4626 ، 4 / 196 ح : 6526 ، صحيح مسلم : 2 / 648 ح : 2860 ، صحيح ابن حبّان : 16 / 343 - 344 ح : 7347 ، المصنف لابن أبي شيبة : 7 / 86 - 87 ح : 34397 ، مسند أحمد : 1 / 235 ، 253 ح : 2096 ، 2281 ، سنن النسائي : 4 / 117 ح : 2087 ، السنن الكبرى له : 1 / 668 ح : 2214 ، 6 / 408 ح : 11337 ، مسند الطيالسي : 1 / 343 ح : 2638، سنن الترمذي : 4 / 615 ح : 2423 ، المعجم الأوسط : 3 / 186 ح : 2874 ، مسند عمر بن الخطاب : 1 / 89 ، 90 ، المستدرك على الصحيحين : 2 / 486 ح : 3673 ، ذمّ الكلام وأهله : 5 / 34 - 35 ح : 1366 .

(5) صحيح مسلم : 4 / 1800 ح : 2304 ، صحيح البخاري : 4 / 2406 ح : 6211 ، المصنف لابن أبي شيبة : 6 / 305 ح : 31655 ، مسند أحمد : 3 / 281 ح : 14023 ، مسند أبي يعلى : 7 / 34 - 35 ح : 3942 ، مسند عبد بن حميد : 1 / 365 ح : 1213 ، ذمّ الكلام وأهله : 5 / 41 - 44 ح : 1372 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 3 / 444 ح : 5361 .

(6) مسند أحمد : 1 / 384 ، 406 ، 407 ، 425 ، 439 ، 453 ، 455 ح : 3639 ، 3850 ، 3866 ، 4042 ، 4180 ، 4332 ، 4351 ، صحيح البخاري : 5 / 2404 ح : 6205 ، و6 / 2587 ح : 6642 ، صحيح مسلم : 4 / 1796 ح : 2297 ، سنن ابن ماجة : 2 / 1016 ح : 3057 ، مسند الشاشي : 2 / 40 - 42 ح : 516 - 522 ، البحر الزخّار : 5 / 106 ، 124 ، 164 ح : 1685 ، 1709 ، 1757 ، المعجم الكبير : 17 / 201 ح : 538 ، مسند أبي يعلى : 9 / 126 ح : 5199 ، ذمّ الكلام وأهله : 5 / 38 - 41 ح : 1371 .

(7) مسند أحمد : 5 / 48 ، 50 ، المصنف لابن أبي شيبة : 6 /310 - 311 ح : 31664 ، ذمّ الكلام وأهله : 5 / 36 - 37 ح : 1369 .

(8) المعجم الأوسط : 6 / 351 ح : 6598 ، المعجم الكبير : 7 / 207 ح : 6856.

(9) صحيح البخاري : 5 / 2407 ح : 6214 .

(10) مسند أحمد : 6 / 290 ، 298 ، 307 ، 312 ، 317 ح : 26532 ، 26591 ، 26663 ، 26701 ، 26736 ، مسند ابن راهويه : 4 / 140 ح : 1913 ، مسند أبي يعلى : 12 / 436 ح : 7003 ، مسند عمر بن الخطاب : 1 / 90 - 92 ، المعجم الكبير : 23 / 317 ، 319 ، 329 ، 394 ح : 719 ، 724 ، 755 ، 941 ، سير أعلام النبلاء : 1 / 82 ، مجمع الزوائد : 1 / 112 و 9 / 72 ، وعن مشيخة ابن طهمان (143).

(11) الموطّأ : 2 / 461 - 462 ح : 32 ، المغازي : 1 / 310 .

(12) شواهد التنزيل : 1/ 254 - 256 ، ح : 342 ، 343 ، 346 .

(13) سورة الفتح : 18 - 19 .

(14) سورة الحجرات : 15 .

(15) راجع الهجرة إلى الثقلين : 113 - 118 .

(16) سورة الفتح : 10 .

(17 مسند أحمد : 4 / 89 ، 90 ، 198 ، الآحاد والمثاني : 2 102 ح : 803 ، المستدرك : 3 / 391، 398 ، وفي طبع : 3 / 437 ح : 5661 ، الطبقات الكبرى : 3 / 261 ، وفي طبع : 3 / 253، المعجم الأوسط : 9 / 103 ح : 9252 ، مجمع الزوائد : 7 / 244 ، و 9 / 293 ، 297 ، الاصابة: 4 / 473 - 474 م : 5720 ، سير أعلام النبلاء : 1 / 415 ، 420 ، 425 ، 426 ، كنز العمّال :
11 / 721 ، 722 ، 724 ، 725 ، 726 ، 727 ح : 33522 ، 33534 ، 33544 ، 33545 ، 33547 ، 33549 ، 33552 - 33554 ، 33557 ، 33563 ، منهاج السنّة : 6 / 205 ، 333 و
7 / 55 - 56 .

(18) صحيح البخاري : 1 / 161 ح : 447 ، 2 / 309 ح : 2812 ، صحيح ابن حبّان : 15 / 553 - 555 ح : 7078 ، 7079 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 6 / 388 ح : 32237 مسند أحمد : 3 / 90 - 91، وفي طبع : 18 / 367 - 368 ح : 11861 ، المعجم الكبير : 12 / 301 ح : 13457 ، تاريخ دمشق : 43 / 46 ، 413 ، مجمع الزوائد : 7 / 243 ، دلائل النبوة للبيهقي : 2 / 546 - 552 ، سير أعلام النبلاء : 1 / 415 ، 419 - 421 .

(19) الفصل في الملل والنحل : 4 / 125 .

(20) السنّة لابن أبي عاصم : 2 / 581 م : 1308 ، الطبقات الكبرى : 3 / 71 و 7 / 509 ، معرفة الصحابة : 4 / 1852 - 1853 م : 1871 ، وعبارة أبي عمر في الاستيعاب : 3 / 469 م : 3358 هكذا : وشهد بيعة الرضوان ، وبايع فيها ، وكان أمير الجيش القادمين من مصر لحصر عثمان ابن عفان ، لما قتلوه . ونحوه عبارة الدارقطني في المؤتلف والمختلف : 3 / 1549 ، 1664 ، وكذلك عبارة الذهبي في تجريد أسماء الصحابة : 1 / 352 م : 3729 ، وقال الذهبي في المشتبه : 2 / 448 : له صحبة وزلّة . الاصابة : 4 / 281 - 282 م : 5179 ، الإكمال : 6 / 150 ، 292 ، توضيح المشتبه : 6 / 199 - 200 ، معجم البلدان : 2 / 158 م : الجليل .

(21) سنن الترمذي : 6 / 168 ح : 3860 ، مسند أحمد : 3 / 350 ، سنن أبي داود : 2 / 624 ح : 4653 ، السنن الكبرى للنسائي : 6 / 464 ح : 11508 ، صحيح ابن حبّان : 11 / 127 ح : 4802 .

(22) صحيح مسلم : 2 / 490 ح : 2496 ، السنن الكبرى للنسائي : 6 / 395 ح : 11321 ، مسند أحمد : 6 / 420 ، المعجم الكبير : 25 / 103 ح : 269 الآحاد والمثاني : 6 / 102 ح : 3317 .

(23) مسند أحمد : 6 / 285 ، مسند إسحاق بن راهوية : 1 / 189 - 190 ، مسند أبي يعلى : 12 / 472 ح : 7044 ، المعجم الكبير : 23 / 206 ، 208 ح : 358 ، 363 ، مجمع الزوائد : 6 / 106 - 107 ، و 9 / 161 .

(24) سورة التوبة : 117 .

(25) هذا أقرب الوجوه في تفسير الآية ، وأمّا محاولة بعض المفسّرين - كفخر الدين الرازي - لإثبات أنّ المراد بالذنب الّذي تاب الله عليه هو ذنب الوسوسة في أثناء الطريق ، فليس في محلّه ، وبعيد عن ظاهر الآية ، ولا يساعده تكرار لفظة «تاب» في الآية ، وتقديم الأُولى على ذكر الوسوسة ، وإدخال النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيما بين الّذين تاب الله عليهم ، وإن كان ذلك ليس ممتنعًا بل من الجائز أن يكون ذكره (صلى الله عليه وآله) فيما بينهم لمحض علوّ الدرجة ، مع أنّ المتثاقلين لم يكونوا جميع الصحابة.

ثم إنّ ذنب النبيّ الّذي تاب الله عليه ليس مثل ذنب غير المعصوم; فقد يعدّ الله عملاً ذنباً في حقّ الأنبياء في حين أنّه لا يعدّه مكروها في حقّ غيرهم. ففي المقام كان على النبيّ أن لا يلين للمنافقين ، ويخالف طبيعته الّتي كانت حلمًا ورأفة ، ولا يأذنَ لهم في التخلّف ، كي يتبيّن الصادق من الكاذب ، وإذنه (صلى الله عليه وآله) لهم كان سبباً لفوت تلك المنفعة ، فعفا الله عن نبيه ، واستدرك ما فات من المنفعة ، وبيّنه بقولـه : ( لا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ ) الآية. [سورة التوبة : 44 - 45].

(26) صحيح مسلم ، كتاب صفات المنافقين : 2 / 618 وفي طبع : 4 / 2144 ح : 2779 ، مسند أحمد : 5 / 453 - 454 ، المعجم الأوسط : 4 / 496 - 497 ح : 3843 و 9 / 44 - 45 ح : 8096 ، البحر الزّخار للبزّار : 7 / 227 ، 309 ، 350 ح : 2800 ، 2907 ، 2947 ، مجمع
الزوائد : 1 / 109 - 112 ، مجمع البحرين : 1 / 160 - 161 ح : 148 ، 149 ، كنز العمّال : 14 / 86 - 87 ح : 38011 .

(27) صحيح البخاري : 2 / 522 ح : 3673 ، صحيح مسلم : 2 / 506 ح : 2541 ، صحيح ابن حبّان : 15 / 455 ح : 6994 ، الأحاديث المختارة : 6 / 66 - 67 ح : 2046 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 6 / 404 ح : 32404 ، مسند أحمد : 3 / 11 ، 54 ، 63 ، مسند الطيالسي : 290
ح : 2183 ، مسند ابن الجعد : 120 ، 356 ح : 738 ، 2460 ، مسند أبي يعلى : 2 / 342 ، 396 ح : 1087 ، 1171 ، سنن الترمذي : 6 / 168 ح : 3861 ، سنن أبي داود : 2 / 626
ح : 4658 ، سنن ابن ماجة : 1 / 57 ح : 161 ، السنن الكبرى للنسائي : 5 / 84 ح : 8308 ، 8309 ، السنن الكبرى للبيهقي : 10 / 209 ، المعجم الأوسط : 1 / 393 ح : 691 و 7 / 296 ح : 6563 المعجم الصغير : 2 / 176 ح : 982 ، مجمع الزوائد : 10 / 15 ، فتح الباري:
7 / 386 ح : 3673 ، كنز العمّال : 11 / 528 ، 542 ، 716 ح : 32463 ، 32543 ، 33497 .

(28) السنّة للخلال : 2 / 466 م : 729 ، ورواه البلاذري في أنساب الأشراف : 2 / 61 .

(29) سورة الفتح : 29 .

(30) سورة التوبة : 45 - 47 .

(31) مفاتيح الغيب : 16 / 82 ، البحر المحيط : 5 / 430 ، تفسير الصافي : 2 / 347 .

(32) سورة التوبة : 38 - 39 .

(33) سورة الحديد : 16 .

(34) حتى كان من بين هؤلاء من أهل بدر أيضاً ، كقدامة بن مظعون ، فلاحظ : الاستيعاب : 4 / 340 - 341 م : 2132 ، أسد الغابة : 4 / 375 – 376 م : 4283 ، الاصابة : 5 / 322 323 م : 7103 عون المعبود : 12 / 120 في شرح حديث : 4470 ، ذكر فيه أنّ أحداً من أهل بدر شرب الخمر ، ولم يقم الخليفة عمر عليه الحدّ .

(35) شرح المقاصد : 5 / 310 - 311 .

(36) سورة التوبة : 101 .

(37) الإحكام في أصول الأحكام : 1 / 146 .

(38) مفاتيح الغيب : 16 / 173

(39) المحلى لابن حزم : 13 / 78 م : 2203 .

(40) سير أعلام النبلاء : 14 / 343 م : 205 .