بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد


الصفحة 6
والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الابحاث العقائدية
فارس الحسّون   


الصفحة 7

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين.

تبيّن إلى الان أنّ الامامة نيابة عن النبوة، والامام نائب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكما أنّ النبوّة والرسالة تثبت للنبي والرسول من قبل الله سبحانه وتعالى، كذلك الامامة، فإنّها خلافة ونيابة عن النبوّة والرسالة، فنحن إذن بحاجة إلى جعل إلهي، إلى تعريف من الله سبحانه وتعالى، إلى تعيين من قبله بالنصّ، ليكون الشخص نبيّاً ورسولاً، أو ليكون إماماً بعد الرسول، والنص إمّا من الكتاب وإمّا من السنّة القطعيّة، ولو رجعنا إلى العقل، فالعقل يعطينا الملاك، ويقبّح تقديم المفضول على الفاضل، وعن هذا الطريق أيضاً يستدلّ للامامة والولاية والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وثبت إلى الان أن لا طريق لتعيين الامام إلاّ النص، وأن بيعة


الصفحة 8
شخص أو شخصين أو أشخاص وأمثال ذلك، هذه البيعة لا تثبت الامامة للمبايع له، وعن طريق النص والافضليّة أثبتنا إمامة أمير المؤمنين والائمّة الاطهار أيضاً من بعده.

وتبقى نظرية ربّما تطرح في بعض الكتب وفي بعض الاوساط العلميّة والفكريّة، وهي نظرية الشورى، بأن تثبت الامامة لشخص عن طريق الشورى.

وموضوع الشورى موضوع بحثنا في هذه الليلة، لنرى ما إذا كان لهذه النظرية مستند ودليل من الكتاب والسنّة وسيرة رسول الله، أوأنّها نظرية لا سند لها من ذلك.

وبحثنا موضوعه الشورى في الامامة أو الامامة في الشورى.

وأمّا الشورى والمشورة والتشاور في الاُمور، وفي القضايا الخاصّة أو العامّة، والاُمور الاجتماعيّة، وفي حلّ المشاكل، فذلك أمر مستحسن مندوب شرعاً وعقلاً وعقلاءاً، لانّ من شاور الناس فقد شاركهم في عقولهم، والانسان إذا احتاج إلى رأي أحد احتاج إلى مشورة من عاقل، ففي القضايا الشخصية لابدّ وأن يبادر ويشاور، وهذه سيرة جميع العقلاء، وكلامنا في الشورى في الامامة، أو فقل الامامة في الشورى:


الصفحة 9

الامامة بيد الله سبحانه وتعالى

إنّه وإنْ أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ثبوت الامامة لامير المؤمنين سلام الله عليه قبل هذا العالَم، أخبرنا بأنّ الامامة والوصاية والخلافة من بعده ثابتة لعلي، هذا الثبوت قبل هذا العالم كان لامير المؤمنين، كما ثبتت النبوة والرسالة لرسول الله قبل هذا العالم... أخبرنا رسول الله عن هذا الموضوع في حديث النور، هذا الحديث في بعض ألفاظه: «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله آدم، قسّم ذلك النور جزئين، فجزءٌ أنا وجزء علي».

هذا الحديث من رواته:

1 ـ أحمد بن حنبل، في كتاب المناقب.

2 ـ أبو حاتم الرازي.

3 ـ ابن مردويه الاصفهاني.


الصفحة 10
4 ـ أبو نعيم الاصفهاني.

5 ـ ابن عبد البر القرطبي.

6 ـ الخطيب البغدادي.

7 ـ ابن عساكر الدمشقي.

8 ـ عبد الكريم الرافعي القزويني، الامام الكبير عندهم.

9 ـ شيخ الاسلام ابن حجر العسقلاني.

وجماعة غير هؤلاء، يروون هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بواسطة عدّة من الصحابة، وبأسانيد بعضها صحيح(1) .

وقد اشتمل بعض ألفاظ هذا الحديث على قوله: «فجعل فيّ النبوّة وفي علي الخلافة»(2) ، وفي بعضها: «فجعل فيّ الرسالة وفي علي الوصاية»(3) .

____________

(1) مناقب علي لاحمد بن حنبل، وعنه المحبّ الطبري في الرياض النضرة 2 / 217، وسبط ابن الجوزي في التذكرة: 46، ورواه الحافظ الكنجي في الكفاية: 314 عن ابن عساكر والخطيب البغدادي، وانظر: ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق 1 / 135، ونظم درر السمطين: 78 ـ 79، وفرائد السمطين 1 / 39 ـ 44، والمناقب للخوارزمي: 88، والمناقب لابن المغازلي 87 ـ 89.

(2) رواه الديلمي في فردوس الاخبار، وابن المغازلي في المناقب، وغيرهما من الاعلام.

(3) رواه جماعة، منهم: ابن المغازلي في المناقب.


الصفحة 11
لكن كلامنا في هذا العالم، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن أنّ الامامة إنّما هي بيد الله سبحانه وتعالى، الامامة حكمها حكم الرسالة والنبوّة كما ذكرنا، ففي أصعب الظروف وأشدّ الاحوال التي كان عليها رسول الله في بدء الدعوة الاسلاميّة، عندما خوطب من قبل الله سبحانه وتعالى بقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ)(1) جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرض نفسه على القبائل العربية، ففي أحد المواقف حيث عرض نفسه على بعض القبائل العربيّة ودعاهم إلى الاسلام، طلبوا منه واشترطوا عليه أنّهم إنْ بايعوه وعاونوه وتابعوه أن يكون الامر من بعده لهم، ورسول الله بأشدّ الحاجة حتى إلى المعين الواحد، حتّى إلى المساعد الواحد، فكيف وقبيلة عربيّة فيها رجال، أبطال، عدد وعُدّة، في مثل تلك الظروف لمّا قيل له ذلك قال: «الامر إلى الله...» ولقد كان بإمكانه أن يعطيهم شبه وعد، ويساومهم بشكل من الاشكال، لاحظوا هذا الخبر:

يقول ابن إسحاق صاحب السيرة ـ وهذا الخبر موجود في سيرة ابن هشام، هذا الكتاب الذي هو تهذيب أو تلخيص لسيرة ابن إسحاق ـ: إنّه ـ أي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم

____________

(1) سورة الحجر: 94.


الصفحة 12
إلى الله عزّوجلّ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم ويقال له بحيرة بن فراس قال: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب، ثمّ قال: أرأيت إنْ نحن بايعناك على أمرك، ثمّ أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: «الامرُ إلى الله يضعه حيث يشاء»، فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه(1) .

وفي السيرة الحلبية: وعرض على بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة فقال له رجل منهم: أرأيت إنْ نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ فقال: «الامر إلى الله يضعه حيث شاء»، فقال له: أنقاتل العرب دونك، وفي رواية: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، أي نجعل نحورنا هدفاً لنبالهم، فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه(2) .

هذا، والرسول ـ كما أشرت ـ في أصعب الاحوال وأشدّ الظروف، وكلّ العرب وعلى رأسهم قريش يحاربونه ويؤذونه

____________

(1) سيرة ابن هشام 1/424.

(2) السيرة الحلبيّة 2/154.


الصفحة 13
بشتّى أنواع الاذى، يقول: «الامر إلى الله يضعه حيث يشاء»، وهذا معنى قوله تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(1) .

ولو راجعتم الايات الكريمة الواردة في نصب الانبياء، غالباً ما تكون بعنوان «الجعل» وما يشابه هذه الكلمة، لاحظوا قوله تعالى: (إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(2) هذا في خطاب لابراهيم (عليه السلام)، وفي خطاب لداود: (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ)(3) .

ومن هذه الاية يستفاد أنّ الحكم بين الناس حكم من أحكام النبوّة والرسالة (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُمْ) الحكم من أحكام الخلافة، وليست الخلافة هي الحكومة، وقد أشرت إلى هذا من قبل في بعض البحوث، الخلافة ليست الحكومة، وإنّما الحكومة شأن من شؤون الخليفة، تثبت الخلافة لشخص ولا يتمكّن من الحكومة على الناس ولا يكون مبسوط اليد ولا يكون نافذ الكلمة، إلاّ أنّ خلافته محفوظة.

وإذا كانت الايات دالّة على أنّ النبوّة والامامة إنّما تكون بجعل

____________

(1) سورة الانعام: 124.

(2) سورة البقرة: 124.

(3) سورة ص: 26.


الصفحة 14
من الله سبحانه وتعالى، فهناك بعض الايات تنفي أن تكون النبوّة والامامة بيد الناس، كقوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(1) ، وذيل الاية ربّما يؤيّد هذا المعنى، إنّ القول باشتراك الناس وبمساهمتهم وبدخلهم في تعيين النبوّة لاحد أو تعيين الامامة لشخص، هذا نوع من الشرك، وإلى الان نرى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يصرّح بأنّ الامر بيد الله، أي ليس بيد النبي، فضلاً عن أن يكون بيد أحد أو طائفة من الناس.

حتّى إذا أُمر بإنذار عشيرته بقوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ)(2) فجمع أقطابهم، فهناك أبلغ الناس بأن الجعل بيد الله، وأخبرهم بالذي حصل الجعل له من الله من بعده(3) .

وهكذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصّ على علي، وإلى آخر لحظة من حياته المباركة.

ولم نجد، لا في الكتاب ولا في سنّة رسول الله دليلاً ولا تلميحاً وإشارةً إلى كون الامامة بيد الناس، بأن ينصبوا أحداً عن طريق الشورى مثلاً، أو عن طريق البيعة والاختيار، ولا يوجد أيّ

____________

(1) سورة القصص: 68.

(2) سورة الشعراء: 214.

(3) تقدّم الكلام على حديث الدار.


الصفحة 15
دليل على ثبوت الامامة بغير النصّ.

إمامة أبي بكر لم تكن بالشورى

توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل أمر الخلافة والامامة إلى ما آل إليه، تفرّق الناس بعد رسول الله، وبدأ الاختلاف والافتراق بين الاُمّة.

توفي رسول الله وجنازته على الارض، طائفة من المهاجرين والانصار في بيوتهم، بعضهم مع علي حول جنازة رسول الله، وبعض الانصار اجتمعوا في سقيفتهم، ثمّ التحق بهم عدد قليل من المهاجرين، فوقع هناك ما وقع، وكان ما كان، وأسفرت القضيّة عن البيعة لابي بكر، ولم يدّع أحد أنّ هذه البيعة كانت عن طريق الشورى، ولم يكن هناك ـ في السقيفة ـ أيّ شورى، بل كان الصياح والسبّ والشتم، والتدافع والتنازع، حتّى كاد سعد بن عبادة ـ وهو مسجّى ـ بينهم يموت أو يقتل بين أرجلهم.


الصفحة 16
وحينئذ جاء عنوان البيعة إلى جنب عنوان النص، فإذا راجعتم الكتب الكلاميّة عند القوم قالوا: بأنّ الامامة تثبت إمّا بالنص وإمّا بالبيعة والاختيار. عندما تحقّق هذا الشيء وبهذا الشكل، جعلوا الاختيار والبيعة طريقاً لتعيين الامام كالنص.

أمّا عنوان الشورى فلم يتحقّق في السقيفة أصلاً، ولم نسمع من أحد أن يدّعي أنّ القضيّة كانت عن طريق الشورى، وأنّ إمامة أبي بكر ثبتت عن طريق الشورى، لا يقوله أحد ولو قاله لما تمكّن من إقامة الدليل والبرهان على ما يقول.

وكما ذكرت في البحوث السابقة، حتّى في قضيّة أبي بكر، عندما فشل القوم ولم يتمكّنوا من إثبات إمامته عن طريق البيعة والاختيار، حيث ادّعوا الاجماع على إمامته ولم يتمكّنوا من إثبات ذلك، عادوا واستدلّوا لامامة أبي بكر بالنص، وقد قرأنا بعض الاحاديث وآية أو آيتين، يستدلّون بها على إمامة أبي بكر، مع الجواب عنها تفصيلاً.

وحينئذ يظهر أنّ البيعة والاختيار أيضاً لا يمكن أن يكون دليلاً على ثبوت إمامة وتعيين إمام.


الصفحة 17

إمامة عمر لم تكن بالشورى

ثمّ أراد أبو بكر أنْ ينصب من بعده عمر بن الخطّاب، وإلى آخر أيّام أبي بكر، لم يكن عنوان الشورى مطروحاً عند أحد، ولم نسمع، حتّى إذا أوصى أبو بكر بعمر بن الخطّاب من بعده، كما يروي القاضي أبو يوسف الفقيه الكبير في كتاب الخراج(1) يقول: لمّا حضرت الوفاة أبا بكر، أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: أتستخلف علينا فظّاً غليظاً، لو قد ملكنا كان أفظ وأغلظ، فماذا تقول لربّك إذا لقيته ولقد استخلفت علينا عمر ؟ قال: أتخوّفوني ربّي ! أقول: اللهمّ أمّرت خير أهلك.

هذا النصّ يفيدنا أمرين:

الامر الاوّل: إنّ إمامة عمر بعد أبي بكر لم تكن بشورى، ولا

____________

(1) كتاب الخراج: 11.


الصفحة 18
بنص، ولم تكن باختيار، وأقصد من النص النص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

إذن، لم يكن لامامة عمر نص من رسول الله، ولم تكن شورى من المسلمين، وإنّما يدّعي أبو بكر الافضليّة لعمر، يقول للمعترضين: أقول: اللهمّ أمّرت خير أهلك، والافضليّة طريق ثبوت الامام، فهذا النص الذي قرأناه لا دلالة فيه على تحقّق الشورى فحسب، بل يدلّ على مخالفة الناس ومعارضتهم لهذا الذي فعله أبو بكر وهو الامر الثاني.

وهذا النص بعينه موجود في: المصنَّف لابن أبي شيبة، وفي الطبقات الكبرى(1) ، وغيرهما(2) .

أمّا لو راجعنا المصادر لوجدنا في بعضها بدل كلمة: الناس، جملة: معشر المهاجرين.

ففي كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، وكتاب الفائق في غريب الحديث للزمخشري، وكذا في غيرهما: عن عبد الرحمن بن عوف قال: دخلت على أبي بكر في علّته التي مات فيها، فقلت: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله ؟ فقال: أمّا إنّي على ذلك لشديد الوجع،

____________

(1) الطبقات لابن سعد 3 / 199، 274.

(2) تاريخ الطبري 2 / 617 ـ 620، الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة 1 / 237.


الصفحة 19
وما لقيتُ منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عَلَيّ من وجعي ! إنّي ولّيت أُموركم خيركم في نفسي، فكلّكم ورم أنفه أن يكون له الامر من دونه، والله لتتخذنّ نضائد الديباج وستور الحرير... إلى آخر الخبر(1) .

أي إنّكم يا معاشر المهاجرين تريدون الخلافة، وكلّ منكم يريدها لنفسه، لاجل الدنيا، ويخاطب بهذا أبو بكر المهاجرين، بدل كلمة الناس في النص السابق.

فقال له عبد الرحمن: خفّض عليك يا خليفة رسول الله، ولقد تخلّيت بالامر وحدك، فما رأيت إلاّ خيراً.

من هذا الكلام نفهم أمرين أيضاً:

الامر الاوّل: إنّه كان هذا الشيء من أبي بكر وحده، فقد تخلّيت بالامر وحدك.

الامر الثاني: أنّ عبدالرحمن بن عوف موافق لما فعله أبو بكر.

ثمّ جاء في بعض الروايات اسم علي وطلحة بالخصوص، لاحظوا: قالت عائشة: لمّا حضرت أبا بكر الوفاة، استخلف عمر، فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت ؟ قال: عمر، قالا:

____________

(1) إعجاز القرآن للباقلاني ـ هامش الاتقان ـ: 184، الفائق في غريب الحديث 1 / 45، أساس البلاغة، النهاية في غريب الحديث، لسان العرب، في مادة «ورم».


الصفحة 20
فماذا أنت قائل لربّك ؟ قال: أقول استخلفت عليهم خير أهلك.

ففي نصّ كلمة: الناس، وفي نصّ كلمة: معشر المهاجرين، وفي نصّ: علي وطلحة، هذا النص في الطبقات(1) .

لكن بعضهم ينقل نفس الخبر ويحذف الاسمين، ويضع بدلهما فلان وفلان، والخبر أيضاً بسند آخر في الطبقات.

وفي رواية أُخرى: سمع بعض أصحاب النبي بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به، فدخلوا على أبي بكر فقال قائل منهم... إلى آخر الخبر.

ونفهم من هذا النص أمرين:

الامر الاول: إنّ أبا بكر لم يشاور أحداً في هذا الامر، ولم يعاونه أحد ولم يساعده ويوافقه أحد، إلاّ عبد الرحمن بن عوف وعثمان فقط.

الامر الثاني: إنّ بعض الاصحاب ـ بدون اسم ـ دخلوا حين كان قد اختلا بهما ـ بعبد الرحمن وبعثمان ـ قال قائلهم له: ماذا تقول لربّك... إلى آخر الخبر.

فالمستفاد من هذه النصوص أُمور، من أهمّها أمران:

____________

(1) الطبقات الكبرى 3/274.


الصفحة 21
الامر الاوّل: إنّه كان لعبد الرحمن بن عوف وعثمان ضلع في تعيين عمر بعد أبي بكر، وإنْ شئتم التفصيل فراجعوا تاريخ الطبري(1) حتّى تجدوا كيف أشار عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر، وكيف كتب عثمان وصيّة أبي بكر لعمر بن الخطّاب.

الامر الثاني المهم: إنّ خلافة عمر بعد أبي بكر لم تكن بنصّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا برضا من أعلام الصحابة، بل إنّهم أبدوا معارضتهم واستيائهم من ذلك، وإنّما كانت خلافته بوصيّة من أبي بكر فقط.

وإلى الان، لم نجد ما يفيد طريقيّة الشورى لتعيين الامام والامامة، مع ذلك لو تراجعون بعض الكتب المؤلّفة أخيراً، من هؤلاء الذين يُصوّرون أنفسهم مفكّرين وعلماء ومحققين، وهكذا تصوّر في حقّهم بعض الناس والتبس عليهم أمرهم تجدون هذه الدعوى:

يقول أحدهم في كتاب فقه السيرة: فشاور أبو بكر قبيل وفاته طائفة من المتقدّمين، ذو النظر والمشورة من أصحاب رسول الله، فاتّفقت كلمتهم على أنْ يعهد بالخلافة إلى عمر بن الخطّاب.

____________

(1) تاريخ الطبري 2 / 617.


الصفحة 22
وقد رأيتم من أهمّ مصادرهم، راجعوا طبقات ابن سعد، راجعوا تاريخ الطبري، وراجعوا سائر الكتب، لتروا أنْ لم يكن لاحد دخل ورأي في هذا الموضوع، بل الكل مخالفون، وإنّما عبد الرحمن بن عوف وعثمان.

وسنرى من خلال الاخبار ومجريات الحوادث أنّ هناك تواطئاً وتفاهماً على أن يكون عثمان بعد عمر، وعلى أن يكون عبد الرحمن بعد عثمان، ويؤكّد هذا الذي قلته النص التالي، فلاحظوا:

إنّ سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده [ سعيد بن العاص تعرفونه، هذا من بني أُميّة، ومن أقرباء عثمان القريبين، الذي ولاّه على بعض القضايا، وصدر منه بعض الاشياء ] في داره التي بالبلاط، وخطّط أعمامه مع رسول الله، فقال عمر: صلّ معي الغداة وغبّش، ثمّ أذكرني حاجتك، قال: ففعلت، حتّى إذا هو انصرف، قلت: يا أمير المؤمنين الحاجة التي أمرتني أن أذكرها لك، قال: فوثب معي ثمّ قال: امض نحو دارك حتّى انتهيت إليها، فزادني وخطّ لي برجله، فقلت: يا أمير المؤمنين، زدني، فإنّه نبتت لي نابتة من ولد وأهل، فقال: حسبك وخبّئ عندك أن سيلي الامر بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك، قال: فمكثت خلافة عمر بن الخطّاب، حتّى استخلف عثمان، فوصلني وأحسن وأقضى


الصفحة 23
حاجتي وأشركني في إمامته... إلى آخر النصّ.

وهذا أيضاً في الطبقات(1) . يقول عمر لسعيد بن العاص أن انتظر سيعطيك ما تريد الذي سيلي الامر من بعدي، واختبئ عندك هذا الخبر، فليكن عندك السر.

____________

(1) طبقات الكبرى 5/31.


الصفحة 24

الصفحة 25

متى طرحت فكرة الشورى

إذن، متى جاء ذكر الشورى ؟ ومتى طرحت هذه الفكرة ؟ في أيّ تاريخ ؟ ولماذا ؟ وحتّى عمر أيضاً لم تكن عنده هذه الفكرة، وإنّه كان مخالفاً لهذه الفكرة، وإنّما كان قائلاً بالنص:

منها: قوله: لو كان أبو عبيدة حياً لولّيته(1) .

ومنها: قوله: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته(2) .

ومنها: قوله: لو كان معاذ بن جبل حيّاً لولّيته(3) .

إذن، ما الذي حدث ؟ ولماذا طرحت هذه الفكرة فكرة الشورى ؟

هذه الفكرة طرحت وحدثت بسبب، سأقرؤه الان عليكم من

____________

(1) مسند أحمد 1 / 18، سير أعلام النبلاء: الجزء الاول، وغيرهما.

(2) الطبقات الكبرى 3 / 343.

(3) مسند أحمد، الطبقات، سير أعلام النبلاء: بترجمة معاذ.


الصفحة 26
صحيح البخاري، وهو أيضاً في: سيرة ابن هشام، وأيضاً في تاريخ الطبري، وأيضاً في مصارد اُخرى، وهناك فوارق بين العبارات، والنص تجدونه قد تلاعبوا به، لا أتعرّض لتلك الناحية، ولا أبحث عن التلاعب الذي حدث منهم في نقل القصة، وإنّما أقرأ لكم النص في صحيح البخاري، لتروا كيف طرحت فكرة الشورى من قبل عمر في سنة 23 هـ، وأرجوكم أن تنتظروا إلى آخر النص، لان النص طويل، وتأمّلوا في ألفاظه وسأقرؤه بهدوء وسكينة:

حدّثنا عبد العزيز بن عبدالله، حدّثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب [ وهو الزهري ] عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت [ ابن عباس يقول، والقضية أيضاً فيها عبد الرحمن بن عوف كما سترون ] أُقرىء رجالاً من المهاجرين [ اُقرؤهم يعني القرآن ] منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى [ القضيّة في الحج، وفي منى بالذات، وفي سنة 23 من الهجرة ] وهو عند عمر بن الخطاب [ أي: عبد الرحمن بن عوف كان عند عمر بن الخطاب ] في آخر حجّة حجّها، إذ رجع إليّ عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول: لو


الصفحة 27
قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلته فتمّت، فغضب عمر ثمّ قال: إنّي إنْ شاء الله لقائم العشيّة في الناس، فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أُمورهم.

[ لاحظوا القضيّة: عبد الرحمن كان عند عمر بن الخطاب في منى، فجاء رجل وأخبر عمر أنّ بعض الناس كانوا مجتمعين وتحدّثوا، فقال أحدهم: لو قد مات عمر لبايعنا فلاناً فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة، في البخاري فلان، وسأذكر لكم الاسم، وهذا دأبهم، يضعون كلمة فلان في مكان الاسماء الصريحة، فقال قائل من القوم: والله لو قد مات عمر لبايعت فلاناً. القائل من ؟ وفلان الذي سيبايعه من ؟ لبايعت فلاناً، يقول هذا القائل: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمّت، لكن سننتظر موت عمر، لنبايع فلاناً، لمّا سمع عمر هذا المعنى غضب، وأراد أن يقوم ويخطب ].

قال عبد الرحمن فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنّ الموسم يجمع رعاء الناس وغوغائهم، فإنّهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيّرها عنك كلّ مطيّر، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتّى تقدم المدينة، فإنّها دار الهجرة والسنّة،


الصفحة 28
فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكّناً، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما والله إنْ شاء الله لاقومنّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة.

[ فتفاهما على أن تبقى القضيّة إلى أن يرجعوا إلى المدينة المنوّرة ].

قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة، فلمّا كان يوم الجمعة عجّلنا الرواح حين زاغت الشمس، حتّى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمسّ ركبتي ركبته، فلم أنشب أنْ خرج عمر بن الخطّاب، فلمّا رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولنّ العشيّة مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر عَلَيّ ـ سعيد بن زيد ـ وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله ؟ فجلس عمر على المنبر، فلمّا سكت المؤذّنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال:

أمّا بعد، فإنّي قائل لكم مقالة، قد قدّر لي أن أقولها، لا أدري لعلّها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أُحلّ لاحد أنْ يكذب عَلَيّ، إنّ الله بعث محمّداً (صلى الله عليه وسلم) بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل آية الرّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله


الصفحة 29
ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ثمّ إنّا كنّا نقرأ في ما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم [ هذا كان يقرؤه في كتاب الله عمر بن الخطّاب، وهذا ليس الان في القرآن المجيد، فيكون دليلاً من أدلّة تحريف القرآن ونقصانه، إلاّ أنْ يحمل على بعض المحامل، وعليكم أن تراجعوا كتاب التحقيق في نفي التحريف ] ثمّ يقول عمر بن الخطّاب: ثمّ إنّ رسول الله قال: لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا عبد الله ورسوله.

ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك ولكنّ الله وقى شرّها، وليس منكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر. من بايع رجلاً [ اسمعوا هذه الكلمة ] من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أنْ يقتلا.

وإنّه قد كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه (صلى الله عليه وسلم) أنّ الانصار


الصفحة 30
خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف علينا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لابي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الانصار، فانطلقنا نريدهم، فلمّا دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالا عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الانصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم أخذوا أمركم، فقلت: والله لنأتينّهم، فانطلقنا حتّى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا ؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له ؟ قالوا: يوعك، فلمّا جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال:

أمّا بعد، فنحن أنصار الله، وكتيبة الاسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفّت دافّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلها، وأن يحضوننا من الامر.

فلمّا سكت أردت أن أتكلّم، وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أُريد أنْ أُقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحد، فلمّا أردت أن أتكلّم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أُغضبه، فتكلّم أبو بكر، فكان هو أحلم منّي وأوقر، والله ما ترك


الصفحة 31
من كلمة أعجبتني في تزوير إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل منها، حتّى سكت، فقال:

ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الامر إلاّ لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين [ يعني أبو عبيدة وعمر ] فبايعوا أيّهما شئتم، فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله لان أُقدم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهمّ إلاّ أن تسوّل إليّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الان.

فقال قائل من الانصار: أنا جذيله المحكك وعذيقها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللّغط وارتفعت الاصوات، حتّى فرقت من الاختلاف.

فقلت: أُبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايعته الانصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.

قال عمر: وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا


الصفحة 32
رجلاً منهم بعدنا، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإمّا نخالفهم فيكون فساد.

فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.

هذه خطبة عمر بن الخطاب التي أراد أن يخطب بها في منى، فمنعه عبد الرحمن بن عوف، فوصل إلى المدينة، وفي أوّل جمعة خطبها، ولماذا في أوائل الخطبة تعرّض إلى قضيّة الرجم ؟ هذا غير واضح عندي الان، أمّا فيما يتعلّق ببحثنا، فالتهديد بالقتل للمبايع والمبايع له مكرّر، فقد جاء في أوّل الخطبة وفي آخرها بكلّ صراحة ووضوح: من بايع بغير مشورة من المسلمين هو والذي بايعه يقتلان كلاهما.

أمّا من فلان المبايع ؟ وفلان المبايع له ؟ وما الذي دعا عمر بن الخطّاب أن يطرح فكرة الشورى، وقد كان قد قرّر أن يكون من بعده عثمان كما قرأنا ؟

الحقيقة: إنّ أمير المؤمنين وطلحة والزبير وعمّار وجماعة معهم كانوا في منى، وكانوا مجتمعين فيما بينهم يتداولون الحديث، وهناك طرحت هذه الفكرة أن لو مات عمر لبايعنا فلاناً، ينتظرون


الصفحة 33
موت عمر حتّى يبايعوا فلاناً، اصبروا حتّى نعرف من فلان ؟ ثمّ أضافوا أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فأولئك الجالسون هناك، الذين كانوا يتداولون الحديث فيما بينهم قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً، يريدون أنّ تلك الفرصة مضت، وإنّا قد ضيّعنا تلك الفرصة، وخرج الامر من أيدينا، لكن ننتظر فرصة موت عمر فنبايع فلاناً، قالوا هذا الكلام وفي المجلس من يسمعه، فأبلغ الكلام إلى عمر، وغضب عمر وأراد أن يقوم هناك ويخطب، فمنعه عبد الرحمن بن عوف.

وفي المدينة اضطرّ الرجل إلى أن يذكر لنا بعض وقائع داخل السقيفة، وإلاّ فمن أين كنّا نقف على ما وقع في داخل السقيفة، وهم جماعة من الانصار وأربعة أو ثلاثة من المهاجرين، ولابد أن يحكي لنا ما وقع في داخل السقيفة أحد الحاضرين، والله سبحانه وتعالى أجرى على لسان عمر، وجاء في صحيح البخاري بعض ما وقع في قضيّة السقيفة، وإلاّ فمن كان يحدّثنا عمّا وقع ؟.

يقول عمر: إرتفعت الاصوات، كثر اللّغط، حتّى نزونا على سعد بن عبادة، هذا بمقدار الذي أفصح عنه عمر، أمّا ما كان أكثر من هذا، فالله أعلم به، ما عندنا طريق لمعرفة كلّ ما وقع في داخل


الصفحة 34
السقيفة، والقضية قبل قرون وقرون، ومن يبلّغنا ويحدّثنا، لكن الخبر بهذا القدر أيضاً لو لم يكن في صحيح البخاري فلابدّ وأنّهم كانوا يكذّبون القضيّة.

ثمّ إنّ عمر أيّد قول القائلين إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، وهذا أيضاً أيّدهم فيه، لكنْ يريد الامر لمن ؟ يريده لعثمان من بعده، فهل يتركهم أن يبايعوا بمجرّد موته غير عثمان، فلابدّ وأن يهدّد، فهدّدهم وجاءت الكلمة: فلان وفلان، وليس هناك تصريح في الاسم كما في كثير من المواضع.


الصفحة 35

بعض جزئيات طرح فكرة الشورى

فلنراجع إلى المصادر ـ كما هو دأبنا ـ ونحاول أن نعثر على جزئيات القضايا وخصوصياتها، من الشروح والحواشي، وإلاّ فهم لا يذكرون، فبعد قرون يأتي محدّث، يأتي مورّخ، ويفتح لنا بعض الالغاز، ويكشف لنا بعض الحقائق وبعض الاسرار.

هذا الخبر في صحيح البخاري، في كتاب الحدود، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

والعجيب أن يوضع هذا الخبر تحت هذا العنوان، صحيح أنّ في مقدّمة الخبر ذكر عمر قضيّة رجم الحبلى، ولم أعرف إلى الان ـ على اليقين ـ وجه ذكر هذه القضيّة أو هذا الحكم أو هذه الاية من القرآن التي ليست موجودةً الان في القرآن الكريم، إلاّ أنّ الخبر كان يقتضي أن يعنونه البخاري بعنوان خاص، أن يجعل له عنواناً بارزاً


الصفحة 36
يخصّه ويجلب النظر إلى القضيّة، وأمّا أنّ هذا الخبر يأتي تحت هذا العنوان فمن الذي يطلع عليه ؟ وهذا أيضاً من جملة ما يفعله المحدّثون(1) .

هذا في الصفحة 585 إلى 588 من الجزء الثامن من طبعة البخاري، هذه الطبعة التي هي بشرح وتحقيق الشيخ قاسم الشمّاعي الرفاعي، هذه الطبعة الموجودة عندي والله أعلم.

لنرجع إلى الشروح، فما السبب الذي دعا عمر لانْ يطرح فكرة الشورى ـ ولا أستبعد أن يكون لعبد الرحمن بن عوف ضلع في أصل الفكرة، كما كان في كيفيّة طرحها كما في صريح الخبر ـ وهذه الفكرة لم تكن لا في الكتاب، ولا في السنّة، ولا في سيرة رسول الله، ولا في سيرة أبي بكر، وحتّى في سيرة عمر نفسه، وحتّى سنة 23 هـ، إلى قضيّة منى، نريد أن نعرف من هؤلاء القائلون ؟

____________

(1) نعم، هذا من جملة أساليبهم، إذا حاولوا عدم اطلاع الناس وعدم انتشار الخبر، أمّا لو أرادوا إذاعته فإنّهم يكرّرون ذكره تحت عناوين مختلفة، وهذا موجود عند البخاري خاصّة في موارد، منها هذا المورد، فقارنوا بين كيفية إيراده في كتابه وبين كيفية إيراده ـ مثلاً ـ خبر خطبة أمير المؤمنين بنت أبي جهل الموضوع المكذوب، ليظهر لكم جانب آخر من جوانب ظلمهم لاهل البيت وتصرفاتهم في السنة النبوية وحقائق الدين وتاريخ الاسلام.


الصفحة 37
لاحظوا، هذا كتاب مقدمة فتح الباري، فابن حجر العسقلاني له مقدمة لشرحه فتح الباري، في مجلَّد ضخم، في هذه المقدّمة أبواب وفصول، أحد فصولها لتعيين المبهمات، يعني الموارد التي فيها كلمة فلان وفلان، يحاول ابن حجر العسقلاني أن يعيّن مَن فلان، فاستمعوا إليه يقول:

لم يُسمّ القائل [ فقال قائل منهم ] ولا الناقل [ لاحظوا نصّ العبارة: ] ثمّ وجدته في الانساب للبلاذري، بإسناد قوي، من رواية هشام بن يوسف، عن معمَر، عن الزهري بالاسناد المذكور في الاصل [ أي في البخاري نفسه ] ولفظه قال عمر: بلغني أنّ الزبير قال: لو قد مات عمر بايعنا عليّاً.

هذا الزبير نفسه الذي كان في قضيّة السقيفة في بيت الزهراء، وخرج مصلتاً سيفه، وأحاطوا به، وأخذوا السيف من يده، ينتظر الفرصة، فهو لم يتمكّن في ذلك الوقت أن يفعل شيئاً لصالح أمير المؤمنين وما يزال ينتظر الفرصة.

لاحظوا، هنا أقوال أُخرى في المراد من فلان وفلان، لكن السند القوي الذي وافق عليه ابن حجر العسقلاني وأيّده هذا، لكن لاحظوا، هناك أقوال أُخرى، وأنا أيضاً لا أنفي الاقوال الاُخرى، لانّ الزبير وعليّاً لم يكونا وحدهما في منى، وإنّما كانت هناك


الصفحة 38
جلسة، وهؤلاء مجتمعون، فكان مع الزبير ومع علي غيرهما من عيون الصحابة وأعيان الاصحاب.

لاحظوا الاقوال الاُخرى أقرأ لكم نصّ العبارة، يقول ابن حجر العسقلاني:

وقد كرّر في هذا الفصل حديث ابن عباس عن عمر في قصّة السقيفة فيه، فقال عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين هل لك [ إذن، عندنا كلمة: رجلاً ]ثمّ هل لك في فلان [ هذا صار اثنين ] يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً.

صار ثلاثة: رجل، فلان، فلان. من هم ؟

يقول: في مسند البزّار، والجعديات، بإسناد ضعيف أنّ المراد بالذي يبايع له طلحة بن عبيدالله.

إذن، طلحة أيضاً بحسب هذه الرواية كان ممّن ينتظر فرصة موت عمر لان يبايع له.

لاحظوا كلام ابن حجر: ولم يسمّ القائل ولا الناقل، ثمّ وجدته بالاسناد المذكور في الاصل ولفظه قال عمر: بلغني أنّ الزبير قال لو قد مات عمر بايعنا عليّاً... يقول: فهذا أصح.

وفيه: فلمّا دنونا منهم لقينا رجلان صالحان، هما عوين بن


الصفحة 39
ساعدة ومعد بن عدي، سمّاهما المصنّف ـ أي البخاري ـ في غزوة بدر، وكذا رواه البزّار في مسند عمر، وفيه ردّ على من زعم كذا.

ثمّ يقول: وأمّا القائل: قتلتم سعداً فقيل أو قال قائل: قتلتم سعداً، فلم أعرفه، لم أعرف من القائل قتلتم سعداً.

هذا في مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري(1) .

وفي بعض المصادر: أنّ القائل عمّار بدل الزبير، هذا راجعوا فيه الطبري وابن الاثير.

أمّا ابن حجر نفسه، ففي شرح البخاري، في فتح الباري، الجزء الثاني عشر، حيث يشرح الحديث ـ تلك كانت المقدمة أمّا حيث يشرح الحديث ـ لا يصرّح بما ذكره في المقدّمة، ولا أعلم ما السبب ؟ لماذا لم يصرّح البخاري في المتن وفي أصل الكتاب، ولا ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث، بما صرّح به في المقدّمة.

ثمّ إنّه يشرح جملة: هل لك في فلان، يقول: لم أقف على اسمه أيضاً، ووقع في رواية ابن إسحاق أنّ من قال ذلك كان أكثر من واحد.

وهذا ما ذكرته لكم من أنّ القول ليس قول شخص واحد، بل

____________

(1) مقدمة فتح الباري: 337.


الصفحة 40
أكثر من واحد، لانّهم كانوا جماعة جالسين جلسةً فيما بينهم، وطرحت هذه النظريّة والفكرة في تلك الجلسة، ولذا غضب عمر.

قوله لقد بايعت فلاناً هو طلحة بن عبيدالله أخرجه البزّار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه. إنتهى.

أمّا خبر البلاذري الذي هو أصحّ وقد روي بسند قوي، فلا يذكره في شرح الحديث، فراجعوا(1) .

لكن عندما نراجع القسطلاني في شرح الحديث، نجده يذكر ما ذكره ابن حجر في المقدمة في شرح الحديث، في الجزء العاشر من إرشاد الساري، لاحظوا هناك يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً: قال في المقدمة يعني قال ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري: في مسند البزّار والجعديات بإسناد ضعيف: إنّ المراد... قال ثمّ وجدته في الانساب للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشام ابن يوسف عن معمَر عن الزهري بالاسناد المذكور في الاصل ولفظه: قال عمر بلغني إنّ الزبير قال: لو قد مات عمر لبايعنا عليّاً... الحديث، وهذا أصحّ(2) .

ويقول القسطلاني: وقال في الشرح قوله: لقد بايعت فلاناً هو

____________

(1) فتح الباري في شرح البخاري 12 / 121.

(2) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 10 / 19.


الصفحة 41
طلحة بن عبيدالله، أخرجه البزّار، قرأنا هذا من شرح البخاري لابن حجر، ثمّ ذكر قال بعض الناس لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً، يعنون طلحة بن عبيدالله، ونقل ابن بطّال عن المهلّب أنّ الذي عنوا أنّهم يبايعونه رجل من الانصار، ولم يذكر مستنده وهذه إضافة في شرح القسطلاني.

وأمّا إذا راجعتم شرح الكرماني، فلم يتعرّض لشيء من هذه القضايا أصلاً، وإنّما ذكر أنّ كلمة «لو» حرف يجب أن تدخل على فعل فلماذا دخلت لو على حرف آخر «لو قد مات»، لماذا كلمة «لو» التي هي حرف دخلت على «قد» التي هي حرف ؟ «لو» يجب أن تدخل على فعل، فلماذا دخلت على حرف ؟ هذا ما ذكره الكرماني في شرح الحديث، وكأنّه ليس هناك شيء أبداً.

وأمّا صاحبنا العيني ـ هذا العيني دائماً يتعقّب ابن حجر العسقلاني، لانّ العسقلاني شافعي، والعيني حنفي، وبين الشوافع والحنفيّة خاصّةً في المسائل الفقهيّة خلاف شديد ونزاعات كثيرة ـ يتعقّب العيني دائماً ابن حجر العسقلاني، ولكن ليس هنا أيّ تعقيب، وحتّى أنّه لم يتعرّض للحديث الذي ذكره ابن حجر العسقلاني، وإنّما ذكر رأي غيره فلم يذكر شيئاً عن ابن حجر العسقلاني أصلاً، وإنّما جاء في شرح العيني: قوله: لو قد مات


الصفحة 42
عمر، كلمة قد مقحمة، لانّ لو يدخل على الفعل، وقيل قد في تقدير الفعل، ومعناه لو تحقّق موت عمر. قوله لقد بايعت فلاناً، يعني طلحة بن عبيدالله، وقال الكرماني: هو رجل من الانصار، كذا نقله ابن بطّال عن المهلّب، لكن لم يذكر مستنده في ذلك. وهذا غاية ما ذكره العيني في شرح البخاري.

فإلى الان، عرفنا لماذا طرحت فكرة الشورى ؟ وكيف طرحت ؟ طرحت مع التهديد بالقتل، بقتل المبايع والمبايَع، وللكلام بقيّة.


الصفحة 43

تطبيق عمر لفكرة الشورى

بعد أن أعلن عمر عن هذه الفكرة، لابدّ وأنْ يطبّقها، إلاّ أنّه يريد عثمان من أوّل الامر، وقد بنى على أن يكون من بعده عثمان، غير أنّه من أجل التغلّب على الاخرين ومنعهم من تنفيذ مشروعهم، طرح فكرة الشورى وهدّدهم بالقتل لو بايعوا من يريدونه ولا يريد عمر.

إذن لا بدّ في مقام التطبيق من أن يطبّق الشورى، بحيث تنتهي إلى مقصده، وهي مع ذلك شورى !

فجعل الشورى بين ستّة عيّنهم هو، لا يزيدون ولا ينقصون، على أن يكون الخليفة المنتخب واحداً من هؤلاء فقط، ولو اتّفق أكثرهم على واحد منهم وعارضت الاقليّة ضربت أعناقهم، ولو اتّفق ثلاثة منهم على رجل وثلاثة على آخر كانت الكلمة لمن ؟ لعبد الرحمن بن عوف، ومن خالف قتل، ومدّة المشاورة ثلاثة


الصفحة 44
أيّام، فإن مضت ولم يعيّنوا أحداً قتلوهم عن آخرهم، وصهيب الرومي هو الرقيب عليهم، وهناك خمسون رجل واقفون بأسيافهم، ينتظرون أن يخالف أحدهم فيضربوا عنقه بأمر من عبد الرحمن بن عوف.

وفي التواريخ والمصادر كالطبقات وغير الطبقات، جعل الامر بيد عبد الرحمن بن عوف، لكن عبد الرحمن بن عوف لابدّ وأن يدبّر القضيّة بحيث تطبّق كما يريد عمر بن الخطّاب وكما اتفق معه عليه، إنّه يعلم رأي علي في خلافة الشيخين، ويعلم مخالفة علي لسيرة الشيخين، فجاء مع علمه بهذا، واقترح على علي أن يكون خليفة على أن يسير بالناس على الكتاب والسنّة وسيرة الشيخين، يعلم بأنّ عليّاً سوف لا يوافق، أمّا عثمان فسيوافق في أوّل لحظة، فطرح هذا الامر على علي، فأجاب علي بما كان يتوقّعه عبد الرحمن، من رفض الالتزام بسيرة الشيخين، وطرح الامر على عثمان فقبل عثمان، أعادها مرّةً، مرّتين، فأجابا بما أجابا أوّلاً.

فقال علي لعبد الرحمن: أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عنّي.

فبايع عبد الرحمن عثمان.

فقال علي لعبد الرحمن: والله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الامر إليك أو عليك.


الصفحة 45
فقال له: بايع وإلاّ ضربت عنقك.

فخرج علي من الدار.

فلحقه القوم وأرجعوه حتّى ألجأوه على البيعة.

وهكذا تمّت البيعة لعثمان طبق القرار، ولكن هل بقي عثمان على قراره مع عبد الرحمن ؟ إنّه أرادها لبني أُميّة، يتلقّفونها تلقّف الكرة، فثار ضدّ عثمان كلّ أُولئك الّذين كانوا في منى وعلى رأسهم طلحة والزبير، اللذين كانت لهما اليد الواسعة الكبيرة العالية في مقتل عثمان، لانّهما أيضاً كانا يريدان الامر، وقد قرأنا في بعض المصادر أنّ بعض القائلين قالوا لو مات عمر لبايعنا طلحة، وطلحة يريدها وعائشة أيضاً تريدها لطلحة، ولذا ساهمت في الثورة ضدّ عثمان.

أمّا عبد الرحمن بن عوف، فهجر عثمان وماتا متهاجرين، أي لا يكلّم أحدهما الاخر حتّى الموت، لانّ عثمان خالف القرار، وقد تعب له عبد الرحمن بأكثر ما أمكنه من التعب، وراجعوا المعارف لابن قتيبة، فيه عنوان المتهاجرون، أي الذين انقطعت بينهم الصلة وحدث بينهم الزَعَل بتعبيرنا، ومات عبد الرحمن بن عوف وهو مهاجر لعثمان.

وهكذا كانت الشورى، فكرة لحذف علي.


الصفحة 46
كما أنّ معاوية طالب بالشورى عند خلافة علي ومبايعة المهاجرين والانصار معه، طالب بالشورى، لماذا ؟ لحذف علي، أراد أن يدخل من نفس الباب الذي دخل منه عمر، ولكنّ عليّاً كتب إليه: إنّما الشورى للمهاجرين والانصار، وأنت لست من الانصار وهذا واضح، ولست من المهاجرين، لانّ الهجرة لمن هاجر قبل الفتح، ومعاوية من الطلقاء ولا هجرة بعد الفتح، فأراد معاوية أن يستفيد من نفس الاُسلوب لحذف علي، ولكنّه ما أفلح.

وكلّ من يطرح فكرة الشورى، يريد حذف النص، كلّ من يطرح الشورى في كتاب، في بحث، في مقالة، في خطابة، يريد حذف علي، لا أكثر ولا أقل.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.