الصفحة 222
عن الإطالة في هذا المقام، والله ولي التوفيق(1).

فصل


على أنه لو ثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله لأوجب عصمة أبي بكر وعمر من الآثام، وقضى لهما بالكمال، ونفى السهو والغلط عنهما على كل حال، وذلك أن فرض الاقتداء بهما يوجب صواب الفاعل له عند الله تعالى، وأن علمه في ذلك واقع موقع الرضا، فلو لم يكونا معصومين من الخطأ لا يؤمن منهما وقوعه، وكان المقتدي بهما فيه ضالا عن الصراط، وموقعا من الفعل ما ليس بصواب عند الله تعالى، ولا موافق لرضاه، كما أن الله تعالى لما فرض طاعة نبيه صلى الله عليه وآله وأمر بالاقتداء به، كما أمره بالاقتداء بمن تقدم من أنبيائه عليهم السلام، حيث يقول: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده }(2) أوجب عصمته صلى الله عليه وآله كما أوجب عصمة من تقدم من الأنبياء عليه السلام، ولم يجز في حكمته فرض الاقتداء بمن ذكرناه مع ارتفاع العصمة منهم لما بيناه.

وفي الاجماع أن أبا بكر وعمر لم يكونا معصومين عن الخطأ، وإقرارهما على أنفسهما بذلك أظهر حجة على اختلاف الخبر وفساده كما ذكرناه.

____________

(1) أنظر الشافي 2: 306 - 311، تلخيص الشافي 3: 32، الصراط المستقيم 3: 144 - 146.

(2) سورة الأنعام 6: 90.


الصفحة 223

فصل آخر


مع أن التباين بين أبي بكر وعمر في كثير من الأحكام يمنع من فرض الاقتداء بهما على كل حال، لاستحالة اتباعهما فيما اختلفا فيه، ووجوب خلاف أحدهما في وفاق صاحبه، وخلاف صاحبه في اتباعه.

وقد ثبت أن الله تعالى لا يكلف عباده المحال، ولا يشرع ذلك منه صلى الله عليه وآله، وإذا بطل وجوب الاقتداء بهما في العموم لما بيناه، لم يبق - إن سلم الحديث - إلا وجوبه في الخصوص، وذلك غير موجب للفضل فيهما، ولا مانع من ضلالهما ونقصهما، وهو حاصل في مثل ذلك من أهل الكتاب، ولو فاق المسلمين لهم في خاص من الأقوال مع كفرهم وضلالهم بالإجماع، فبان بما وصفناه سقوط الحديث وفساد معانيه على ما قدمناه.

فصل آخر


على أن أصحاب الحديث قد رووه بلفظين مختلفين، على وجهين من الأعراب متباينين: أحدهما الخفض، وقد سلف قولنا بما بيناه، والآخر النصب، وله معنى غير ما ذهب إليه أهل الخلاف.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما دعا الأمة إلى التمسك بكتاب الله تعالى، وبعترته عليه وعليهم السلام، حيث يقول: " إني مخلف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "(1). وكان عالما بما أوحى الله تعالى إليه، أن أول

____________

(1) حديث الثقلين من الأحاديث الصحيحة المتواترة، تنتهي سلسلة أسانيده إلى جماعة من.

أجلة الصحابة، رواه في صحيح مسلم 4: 1883 / 36 و 37، سنن الترمذي 5: 662 / 3786 و 663 / 3788، سنن الدارمي 2: 431، سنن البيهقي 2: 148 و 7: 30 و 10: 114، مسند أحمد 3: 14 و 17 و 26 و 59 و 4: 366 و 371، مستدرك الحاكم 3: 109 و 148.


الصفحة 224
ناقض لأمره في ذلك وعادل عنه هذان الرجلان، فأراد عليه السلام تأكيد الحجة عليهما، بتخصيصهما بالأمر باتباع الكتاب. والعترة بعد عمومها به، ودخولهما في جملة المخاطبين من سائر الناس، فناداهما على التخصيص لما قدمناه من التوكيد في الحجة عليهما، فقال: " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر " وكانا هما المناديين بالاتباع دون أن يكون النداء إليهما على ما شرحناه.

وليس بمنكر أن يبتدئ بالأمر بلفظ الجمع لاثنين، أو بلفظ الاثنين للجمع اتساعا، كما يعبر عن الواحد وليس فيه من معاني الجمع قليل ولا كثير بلفظ الاثنين أو الجمع، قال الله عز وجل: { هذان خصمان اختصموا في ربهم }(1).

وقال { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب - إلى قوله - خصمان بغى بعضنا على بعض }(2).

وإذا كان الأمر على ما وصفناه فقد سقط ما تعلق به الناصبة من الحديث، ولم يبق فيه شبهة، والحمد لله.

____________

(1) سورة الحج 22: 19.

(2) سوره ص 38: 21، 22.


الصفحة 225

سؤال


فإن قالوا: فإنا نجد الأمة قد وصفت أبا بكر بالصديق، ونعتت عمر بالفاروق، ووسمت عثمان بذي النورين، وشاع ذلك فيهم واستفاض حتى لم يخف على أحد من الناس، وهذا من أوضح الدليل على أن القوم من أهل الثواب، وأنهم كانوا في أمرهم على محض الحق والصواب، ولو لم يكونوا كذلك لما شاع هذا المدح وذاع.

جواب

قيل لهم: لا معتبر لانتشار الصفات، ولا يعتمد ذلك عاقل على حال، لأنه قد يوصف بالمدح بها من لا يستحق ذلك للعصبية والضلال، كما يوصف بذلك من يستحقه(1) بصحيح الاعتبار، لا سيما الدولة والمملكة في استفاضة ذلك من أوكد الأسباب، وإن لم يكن ثابتا بحجة تظهر أو بيان.

ألا ترى أن نعت الأصنام بالألوهية قد كان مستفيضا في

____________

(1) في أ: كما ينفق في المدح بها غير المستحق.


الصفحة 226
الجاهلية قبل الإسلام، وإن كنا نعلم بطلانه، ووجود من يعتقد خلافه في تلك الأزمان، وأن الوصف بالربوبية قد شاع فيما سلف لكثير من ملوك الزمان مع ثبوت خلاف أهل الحق وتيقنهم(1) في ترك إظهار الخلاف.

وقد استفاض من أوصاف ملوك بني العباس ما يقتضي جليل المدحة، كما شاع وانتشر لمنازعيهم في الإمامة الطالبيين مثل ذلك حتى صاروا فيه على حد سواء، ولم يجب بذلك اجتماع الفريقين في الصواب، ولا اتفاقهم في الاستحقاق.

وكان وصف أبي جعفر بالمنصور كوصف محمد بن عبد الله بن الحسن بالمهدي، ووصف القائم بعد أبي جعفر المنصور بالمهدي، وابنه بالهادي، وابن ابنه بالرشيد كوصف من ذكرناه من الطبقة الأخرى بالناصر والهادي والرشيد والمنصور أيضا والمعز والعزيز.

وإذا كانت الاستفاضة في أوصاف من سميناه على طريقة واحدة استحال انتظام الحق لجميعها، لما يدخل ذلك من الخلل، ويلحقه من التناقض، وبطل ما تعلق به الخصوم في تسمية العامة المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام كل ما يفيد المدحة لهم في الدين، ولم يجب باشتهاره ثبوت إمامتهم على اليقين.

ثم يقال للمعتزلة والخوارج وأهل العدل والمرجئة وعقلاء أصحاب الحديث: أنتم تعلمون أنه قد شاع لمعاوية بن أبي سفيان

____________

(1) في ب، ح، م: ونفيهم، والظاهر أنها تصحيف: وتقيتهم.


الصفحة 227
واستفاض أنه (خال المؤمنين) و (كاتب وحي رب العالمين) كما شاع واستفاض لأبي بكر أنه (صديق) ولعمر أنه (فاروق) ولم يجب بذلك عندكم أن يكون خال المؤمنين على التحقيق، ولا مستحقا لكتابة الوحي والتنزيل.

فما أنكرتم أن يكون الشائع لأبي بكر وعمر مما ذكرتموه لا يجب لهما به حق في الدين؟! وهذا مما لا فرق لهم فيه.

فصل


ثم يقال للمعتزلة: ليس يمكنكم دفاع ما قد شاع لكم من لقبكم بالقدرية، كما شاع من لقب أصحاب المخلوق بالجبر، والمحكمة بالخارجية، وشيعة علي عليه السلام بالرافضة، وأصحاب الحديث بالحشوية، ولم يجب بذلك عندكم ولا عند فريق ممن سميناه استحقاقهم الشائع مما وصفناه، ولا خروجهم به من الدين كما ذكرناه، فما أنكرتم أن يكون المشتهر في العامة لأبي بكر وعمر من لفظ المدحة لا يوجب لهما فضلا، ولا يخرجهما عن نقص، وذلك مما لا تجدون إلى دفعه(1) سبيلا.

____________

(1) في أ: وإلا فهلموا فضلا، وذلك ما لا يجدون إليه بدل (وذلك مما.. دفعه).


الصفحة 228

الصفحة 229

سؤال


فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون العقد لأبي بكر وعمر الإمامة، وتقدمهما على الكافة في الرئاسة، يدل على فضلهما في الإسلام، وعلوهما في الديانة، وإن كنا لا نحيط علما بذلك الفضل، ولم يتصل بنا من جهة الأثر والنقل.

وذلك أنهما لم يكونا من أشرف القوم نسبا فيدعو ذلك إلى تقديمهما، لأن بني عبد مناف أشرف منهما، ولا كانا من أكثرهم ما لا فيطمع العاقدون لهما في نيل أموالهما، ولا كانا أعزهم عشيرة فيخافون عشيرتهما.

فلم يبق إلا أن المتقدمين لهما على أمير المؤمنين عليه السلام والعباس بن عبد المطلب وسائر المهاجرين والأنصار إنما قدموهما لفضل عرفوه لهما، وإلا فما السبب الموجب لاتباع العقلاء المخلصين لأمرهما، ونصبهما إمامين لجماعتهم ورئيسين لكافتهم لولا الذي ادعيناه؟

جواب

قيل لهم: لو كان للرجلين فضل حسب ما ادعيتموه، وكان ذلك

الصفحة 230
معروفا عند أهل زمانهما كما ذكرتموه، لوجب أن تأتي به الأخبار وترويه نقلة السير والآثار، بل وجب أن يظهر على حد يوجب علم اليقين والاضطرار، ويزيل الريب فيه حتى لا يختلف في صحته اثنان، لأن جميع الدواعي إلى انتشار فضائل الرجال متوفرة، في نقل ما كان لهذين الرجلين مما يقتضي التعظيم، لمن وجد لهما، والأخبار بها.

ألا ترى أنهما كانا أميري الناس، وحصلت لهما القدرة على الكافة والسلطان، وكان المظهر لولايتهما في زمانهما ومن بعد إلى هذه الحال هو الظاهر على عدوه، المتوصل به إلى ما يصلح به الأحوال، والمظهر لعداوتهما مهدور الدم، أو خائف مطرود عن البلاد، والمظنون به من الافصاح ببغضهما مبعد عن الدنيا، مستخف باعتقاده عند الجمهور، متوقع منهم ما يخافه ويحذره، حتى صار القتل مسنونا لمن أظهر ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وإن كان مظهرا لمحبة أبي بكر وعمر، متدينا بها على الاعتقاد، وحتى جعل بنو أمية الامتحان بالبراءة من أمير المؤمنين عليه السلام طريقا إلى استبراء الناس في اعتقاد إمامة من تقدمه، وكل من امتنع من البراءة حكموا عليه بعداوة الشيخين، والبراءة من عثمان، ومن تبرأ من أمير المؤمنين عليه السلام حكموا له باعتقاد السنة، وولاية أبي بكر وعمر وعثمان.

ونال أكثر أهل الدنيا مما تمنوه منها(1) من القضاء والشهادات

____________

(1) في ب، ح، م: تمناه منهم.


الصفحة 231
والإمارات، وحازوا الأموال، وقربت منازلهم من خلفاء بني أمية وبني العباس بالعصبية لأبي بكر وعمر وعثمان، والدعاء إلى إمامتهم، والتفضيل لهم على كافة الصحابة، والتخرص بما يضيفونه إليهم من الفضل الذي يمنع بالقرآن، وينفى بالسنة، ويستحيل في العقول، ويظهر فساده بيسير الاعتبار.

وإذا كان الأمر على ما وصفناه، ولم يمكن لعاقل رفع ما بيناه وشرحناه، بطل أن يكون العلم بفضل الرجلين والثالث أيضا على الحد الذي ذكرناه، مما يزول معه الارتياب لتوفير الدواعي(1) على موجبه لو كان، بل لم يقدر الخصم على ادعاء شئ في هذا الباب أقوى عنده مما حكيناه عنهم فيما سلف من هذا الكتاب، وأوضحنا عن وهن التعلق به وكشفناه، وبان بذلك جهل الناصبة فيما ادعوه لهما من الفضل المجهول على ما توهموه، كما وضح به فساد مقالهم فيما تعلقوا به من ذلك في تأويل المسطور، وتخرصوه من الخير المفتعل الموضوع، والمنة لله تعالى.

فصل


ثم يقال لهم: قد سبرنا أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام، فيما يقتضي لهم فضلا يوجب تقدمهم، فلم نجده على شئ من الوجوه، وذلك أن خصال الفضل معروفة، ووجوهه ظاهرة مشهورة، وهي: السبق

____________

(1) في أ: الرواة بدل (الدواعي).


الصفحة 232
إلى الإسلام، والجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، والعلم بالدين، والإنفاق في سبيل الله جل اسمه، والزهد في الدنيا.

أما السبق إلى الإسلام: فقد تقدم أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر باتفاق العلماء وإجماع الفقهاء(1)، وإن كان بعض أعدائه يزعم أنه لم يكن على يقين، وإنما كان منه لصغر سنه على جهة التعليم، وقد تقدمه أيضا بعد أمير المؤمنين عليه السلام زيد وجعفر وخباب رضي الله عنهم وغيرهم من المهاجرين، وجاء بذلك الثبت في الحديث.

فروى سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: كان أبو بكر أولكم إسلاما؟

قال: لا، قد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلا(2).

فأما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، فإنه لا يشتبه على أحد من أهل العلم أنهما ينزلان عن مرتبة التقدم على السابقين، وأنهما لم يكونا من الأولين في الإسلام، وقد تقدمهما جماعة من المسلمين.

____________

(1) في أ: الأمة بدل (الفقهاء).

قال الحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث: 22: لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أولهم إسلاما.

وحديث أن عليا عليه السلام أولهم إسلاما مروي في مصادر معتبرة كثيرة وبطرق ومتون شتى.

فرواه الترمذي في صحيحه 5: 640 / 3728، والحاكم في مستدركه على الصحيحين 3: 136، 183، 465، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1: 65، 66، والخطيب في تاريخ بغداد 2: 18 و 4: 233.

(2) تاريخ الطبري 2: 215، الأعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين عليه السلام: 409.


الصفحة 233
وأما الجهاد: فإنه لا قدم لأحدهم فيه، فلا يمكن لعاقل دعوى ذلك على شئ من الوجوه وقد ذكر من كان منه ذلك سواهم، فلم يذكر هم أحد، ولا تجاسر على القول بارزوا وقتا من الأوقات قرنا، ولا سفكوا لمشرك دما، ولا جرحوا في الحرب كافرا، ولا نازلوا من القوم إنسانا، فالريب في هذا الباب معدوم، والعلم بما ذكرناه حاصل موجود.

وأما العلم بالدين: فقد ظهر من عجزهم فيه، ونقصهم عن مرتبة أهل العلم في الضرورة إلى غيرهم من الفقهاء، أحوال إماراتهم ما أغنى عن نصب الدلائل عليه.

وقد كان رسول صلى الله عليه وآله حكم لجماعة من أصحابه بأحكام فيه، فما حكم لأحد من الثلاثة بشئ منه، فقال صلى الله عليه وآله: " أقرأكم أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم علي "(1).

فكان صلى الله عليه وآله ناحلا لكل من سميناه سهما من العلم، وجامعا سائره لأمير المؤمنين عليه السلام، بما حكم له بالقضاء الذي يحتاج صاحبه إلى جميع من سماه من العلوم، وأخرج أبا بكر وعمر وعثمان من ذلك كله، ولم يجعل لهم فيه حظا كما ذكرناه، وهذا مما لا إشكال فيه على ذوي العقول.

وأما الإنفاق: فقد قلنا فيما تقدم فيه قولا يغني عن إعادته

____________

(1) سنن الترمذي 5: 664 / 3790 و 3791، سنن ابن ماجة 1: 55 / 154، مسند أحمد 3: 281، مصابيح السنة 4: 179 / 4787، مستدرك الحاكم 3: 422.


الصفحة 234
ها هنا، وعمر بن الخطاب من بين الثلاثة صفر منه بالاتفاق، أما عثمان فقد كان له ذلك، وإن كان بلا فضل، فإن خلو القرآن من مديح له على ما كان منه، دليل على أنه لا فصل له فيه، ولو حصل له به قسط من الفضل لكان كسهم غيره من المنفقين الذين لم يجب لهم التقدم بذلك في إمامة المسلمين.

وأما الزهد في الدنيا: فقد قضى بتعرية الثلاثة منه مثابرتهم على الإمارة، ومضاربتهم الأنصار على الرئاسة، ومسابقتهم إلى الحلية في التظاهر باسم الإمامة، وتر كوا رسول الله صلى الله عليه وآله مسجى بين أظهرهم، لم يقضوا له بذلك في مصابه حقا، ولا حضروا له غسلا وتجهيزا، ولا صلاة ولا تشييعا ولا دفنا، وتوفروا على مخاصمة من سبقهم إلى السقيفة طمعا في العاجل، وزهدا في الآجل، وسيعا في حوز الشهوات، وتناولا للذات، وتطاولا على الناس بالرئاسات، ولم يخرجها الأول منهم عن نفسه حتى أيقن بهلاكه، فجعلها حينئذ في صاحبه ضنا بها على سائر الناس، وغبطة لهم.

وكان من أمر الثاني في الشورى ما أوجب تحققه بها بعد وفاته، وتحمل من أوزارها ما كان غنيا عنه لو سنحت بها نفسه إلى مستحقها، وظهر بعده من الثالث ما استحل به أصحاب رسول الله صلى عليه وآله دمه، من إطراح الدين، والانقطاع إلى الدنيا، وقضاء الذمامات بأموال الله تبارك وتعالى، وتقليد الفجار من بني أمية ومروان رقاب أهل الأديان، ولما طولب بنزعها عنه ليقوم بها من سلك طرق الدين، امتنع من ذلك

الصفحة 235
حبا للدنيا، وتأكد طمعه فيها، إلى أن سفك القوم دمه على الاستحلال له، ورفع الحظر والتحريم.

ثم فأي زهد حصل لهم مع ما وصفناه، وأي شبهة تبقى على مخالف في خروجهم عن خصال الفضل كلها مع ما ذكرناه، لولا أن العصبية ترين على القلوب؟!

فصل


وأما سؤالهم عن علة تقديم الناس لهم مع ما ذكروه من أحوالهم في النزول عن الشرف، وقلة العشيرة والمال، فلذلك غير علة:

إحداها: أنهم قصدوا إلى من ليس بأشرفهم فقدموه، ليكون ذلك ذريعة إلى نيل جماعاتهم الإمامة، مع اختلافهم في منازل الشرف، ولا يمنع أحدا منهم انحطاطه عن أعلى الرتب في النسب من التقدم إلى من هو أشرف منه، ولو حصروها في أعلى القوم نسبا وأكرمهم حسبا لاختصت بفريق، وحصل الباقون منها أصفارا، ثم لو جعلوها فيمن كان غيره أكثر منه مالا لطمع الفقراء كلهم بذلك فيها، وتقدير هم حوز الأفعال، ولم يحصروها في أعزهم عشيرة مخافة أن يتغير عليهم، فلا يتمكنون من إخراجها منه، ولامتنع عنهم(1) بعشيرته فلا يبلغون منه المراد.

____________

(1) في أ، ب، ح: وبفقرهم، بدل: (ولامتنع عنهم).


الصفحة 236
والثانية: أن الذي قدموه كان متعريا، مما أوجب عندهم تأخيره(1)، فلم يك على حال من الفضل يبعث على الحسد، فيحول ذلك بينه وبين التقديم.

والثالثة: أن الأكثر كانوا إلى الرجل أسكن منهم إلى غيره، لبعده عن عداوتهم، وخروجه عن آصارهم، بوتر من وترهم في الدين.

والرابعة: ملاءمة العاقدين للمعقود له في الباطن، واجتماعهم على السر من أمرهم والظاهر، فتشابهت لذلك منهم القلوب.

والخامسة: استحكام طمع الاتباع في النيل من المتقدمين مراداتهم في الرئاسات، والسيرة فيهم بما يؤثرونه من الأحكام المخالفة للمفترضات والمسنونات، والتجاوز لهم عن العثرات والزلات، وهذا أيضا من الأسباب الداعية إلى إخراج الحق عن أهله بلا اختلاف.

والسادسة: الاتفاق الذي لا يرجع فيه إلى أصل ثابت ولا نتيجة نظر، وقد جرت به العادات، وقضت بوجود أمثاله الشهادات.

ألا ترى إلى اجتماع أهل الجاهلية على عبادة الأوثان، وهي جمادات لا تنفع أحدا ولا تضره، ولا تجلب إليه خيرا ولا تدفع عنه شرا، مع انصرافهم عن عبادة الله الذي خلقهم، وأراهم في أنفسهم وغيرهم الآيات.

وكذلك كانت حال من تقدمهم في عبادة الأصنام(2)، مع تقريع

____________

(1) في ب، ح، م، زيادة: من أخرجوه.

(2) في ب، ح، م، الأصنام وعبادتها بدل (عبادة الأصنام).


الصفحة 237
الأنبياء لهم وتوبيخ الحكماء.

وكذلك كانت حال قوم موسى عليه السلام حين خالفوا نبيهم في عبادة العجل واتبعوا السامري، فتركوا(1) هارون نبي الله، ولم يصغوا إلى وعظه، ولا التفتوا إلى قوله، ولا اعتنوا بحجته، ولم يكن السامري أكثر القوم مالا، ولا أشرفهم نسبا، ولا أعزهم عشيرة.

وقد اتبع كثير من العرب مسيلمة الكذاب، مع ظهور نقصه وعجزه وحماقته، واشتهار كذبه وسخفه، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله مع ظهور فضله وكمال عقله، واشتهار صدقه فيهم، وأما منته، وشرف أصله وكرم فرعه، وبرهان أمره ووضوح حجته وعجيب آياته، ولم يك مسيلمة أعزهم عشيرة، ولا أكثرهم مالا، ولا أشرفهم نسبا، بل كان بالضد من هذه الصفات كلها، ولم يمنع ذلك من الضلال به، وتقديم أتباعه له، وارتداد جماعة ممن كان قد أسلم عن دينه واللحوق به.

وقد ظهر من اتباع الجمهور لأراذل الناس وانصرافهم عن أفاضلهم على مرور(2) الأوقات ما لا يمكن دفعه، ولم يك ذلك لعز عشيرة، ولا لشرف نسب، ولا كثرة مال، بل كان بتمام حيلة وجد في الدنيا واتفاق، حتى ساست النساء الرجال، وتقدم الأطفال على العقلاء، واسترق العبيد الأحرار، واستعبد الأوضاع الأشراف، وحكم الجهال على العلماء.

____________

(1) في أ: فشكوا بدل (فتركوا).

(2) في بـ زيادة: الأيام و.


الصفحة 238
وقد قال الله عز وجل: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين }(1).

وقال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا }(2).

وكان الجمهور في زمان أكثر الأنبياء أتباع المجرمين، فضل بهم أكثر أممهم وغيروا شرائعهم، وصدوا عن سبيلهم، ودعوا إلى غير دينهم، ولم يدعهم إلى ذلك شرف المضلين، ولا عزهم في عشائرهم، ولا كثرة أموالهم، وإنما دعاهم إليه ما ذكرناه من الداعي إلى تقديم من سميناه.

ولو ذهبنا إلى تتبع هذا المعنى وتعداد من حصل له وشرح الأمر فيه، لطال الخطاب، وفي الجملة أن الأغلب في حصول الدنيا لأهلها، والأكثر فيها تمام الرئاسة لأهل الجهل، والمعهود في ملكها والغلبة عليها لأهل الضلال والكفر، وإنما يخرج عن هذا العهد إلى أهل الإيمان وذوي الفضل والكمال في النادر الشاذ، ومن دفع ما وصفناه، وأنكر ما شرحناه، كان جاهلا أو مرتكبا للعناد.

فصل


ثم يقال لهم: لسنا ننكر أن تقديم المفضول على الفاضل مخالف لأحكام العقول، وأن سياسة الناقص الكامل من الحكم المعكوس

____________

(1) سورة الفرقان 25: 31.

(2) سورة الأنعام 6: 112.


الصفحة 239
المرذول، لكنه غير بدع عند أهل الضلال، ولا عجب من اختيارهم فيما سلف من الأزمان والأحوال، وأن تقديم تيم وعدي على بني هاشم وعبد مناف إنما هو كتقديم العبيد على السادات، وتغلب أبي بكر بن أبي قحافة على مقام رسول الله صلى الله عليه وآله، ودفع أخيه ووصيه وصهره ووزيره ووارثه وخليفته في أهله وأحب الخلق إلى الله تعالى وإليه لعجيب، تكاد النفوس منه تذوب، لكنا إذا وكلنا الأمر إلى ما قدمناه من ذكر أمثاله في البدائع من الأمور فيما سلف، سلت لذلك القلوب.

وقد قال الشاعر:


أجاء نبي الحق من آل هاشم لتملك تيم دونهم عقدة الأمر؟!
وتصرف عن قوم بهم تم أمرها ويملكها بالصفر منهم أبو بكر
أفي حكم من هذا فنعرف حكمه لقد صار عرف الدين نكرا إلى نكر(1)!

وقال أيضا رحمه الله:


أترى صهاكا وابنها وابن ابنها وأبا قحافة آكل الذبان
كانوا يرون، وفي الأمور عجائب يأتي بهن تصرف الأزمان
أن الخلافة من وارثة هاشم فيهم تصير وهيبة السلطان(2)

____________

(1) الصراط المستقيم 2: 306 قال: من أحسن ما روته العباسة من شعر أبيها السيد الحميري. وذكر الأبيات.

(2) ديوان السيد الحميري: 792.


الصفحة 240

الصفحة 241

فصل


إعلموا - رحمكم الله - أنه لولا ما اتفق لهؤلاء الثلاثة من التقدم على آل محمد عليهم السلام والتسلط على الخلق بسلطانهم، والترؤس بالغطرسة عليهم، لما سل بين المسلمين سفيان، ولا اختلف في الشريعة اثنان، ولا استحل أتباع الجمل وأهل الشام والنهروان دماء أهل الإيمان،، ولا سفك دم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جهلا على التدين به والاستحلال، ولا قتل الحسنان عليهم السلام، ولا استحلت حرمات العترة وأريقت دماؤهم، كما يستباح ذلك من أهل الردة عن الإسلام.

لكنهم أصلوا ذلك بدفعهم عليا أمير المؤمنين عليه السلام، عن مقامه، وسنوه باستخفافهم بحقه، وأوجبوه باستهانتهم بأمره، وسهلوه بوضعهم من قدره، وسجلوه بحطهم له عن محله، وأباحوه بما أظهروا من عداوته ومقته، فباءوا لذلك بإثمه، وتحملوا أوزاره وأوزار من ضل بهم عن الحق بأسره، كما قال الله تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون }(1).


الصفحة 242
ولقد أحسن شاعر آل محمد عليهم السلام في جملة ما فصلناه في هذا المقام حيث يقول:


تبيت النشاوى من أمية نوما وفي الطف قتلى ما ينام حميمها
وما ضيع الإسلام إلا عصابة تأمر نوكاها(1) فدام نعيمها
فأضحت قناة الدين في كف ظالم إذا اعوج منها جانب لا يقيمها(2)

وقال الآخر في ذلك:


لعمري لئن جارت أمية واعتدت لأول من سن الضلالة أجور

وقال الكميت بن زيد رحمه الله وقد ذكر مقتل الحسين عليه السلام:


يصيب به الرامون عن قوس وترهم(3) فيا آخرا يبدي(4) له الغي أول(5)

وقد أثبت في هذا الكتاب - والله المحمود - جميع ما يتعلق به أهل الخلاف في إمامة أئمتهم من تأويل القرآن والاجماع، والعمد لهم في الأخبار على ما يتفقون عليه من الاجماع دون ما يختلفون فيه، لشذوذه ودخوله في باب الهذيان، وبينت عن وجوه ذلك بواضح البيان، وكشفت عن الحقيقة فيه بجلي البرهان.

____________

(1) أي الحمقى. أنظر الصحاح 4: 1612 - نوك -.

(2) أمالي المرتضى 1: 118، مقتل الحسين للخوارزمي 2: 191، معجم البلدان 4: 36، والأبيات لأبي دهبل الجمحي.

(3) في ح نسخة بدل وفي المصدرين: غيرهم.

(4) في شرح الهاشميات: سدى. وفي الأغاني: أسدى. وهو الأنسب.

(5) شرح هاشميات الكميت لأبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي: 168، الأغاني 17:

31.


الصفحة 243
وأنا - بمشيته وعونه تعالى - أفرد فيما تعتمده الشيعة في إمامه أمير المؤمنين عليه السلام من آيات القرآن المحكمات، والأخبار الصادقة بحجج التواتر والقرآن من البينات كتابا، أشبع فيه معاني الكلام(1)، ليضاف إلى هذا الكتاب، وتكمل به الفوائد في هذه الأبواب، والله - تعالى اسمه - هو الموفق والهادي إلى الصواب.


*  *  *

إلى هنا تم كتاب (الافصاح) للشيخ السديد المفيد، أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان بن سعيد العكبري البغدادي قدس سره السعيد.

____________

(1) عد تلميذه الشيخ أبو العباس النجاشي في رجاله: 400 من كتب أستاذه كتابا في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من القرآن.




***