الصفحة 24
صلى الله عليه وسلم: نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (1).

قال: ورواه الهيثمي في مجمعه (1)، والمحب الطبري في الذخائر (2).

وهكذا ثبت بالنص والإجماع: أن أهل البيت إنما هم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسيدة فاطمة الزهراء والإمام علي والحسن والحسين، عليهم السلام، ثبت بالنص - كما رأينا في الأحاديث النبوية الشريفة التي سبق أن ذكرنا بعضاً منها آنفاً - كما ثبت بالإجماع، ذلك لأن الأمة قد اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذ أطلق، إنما ينصرف إلى الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وذريتهما، ولو لم يكن فيه إلا شهرته فيهم، لكفى.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدة نقاط، منها (أولاً): أن هناك من قسم أهل بيت النبي إلى ثلاثة دوائر، الدائرة الخاصة: وهم ذرية فاطمة وعلي إلى يوم القيامة من الحسن والحسين، وهم أهل الكساء والمباهلة، ويسمون كذلك خاصة الخاصة، والدائرة الثانية: هم بنو هاشم والمطلب، ومن ألحق بهم نصاً، وهم الذين تحرم عليهم الزكاة، والدائرة الثالثة: هم الزوجات الطاهرات، أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم.

ومنها (ثانياً) أنه مهما اختلف المسلمون في فرقهم، فإن كلمتهم واحدة في أن شجرة النسب النبوي الشريف إنما تنحصر في أبناء فاطمة الزهراء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعقب إلا من ولدها.

وأما بنو علي - من غير السيدة فاطمة - وبنو عقيل وجعفر والعباس، فإنهم من بني هاشم، جدهم وجد النبي معاً، ولكنهم ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن نسبهم لا ينتهي إليه صلى الله عليه وسلم.

____________

(2) مجمع الزوائد 9 / 167.

(3) ذخائر العقبى ص 24.

الصفحة 25
ومنا (ثالثاً) أن لقب الشريف أو السيد إنما يطلق على من ينتسب - عن طريق أبيه - إلى ذرية الإمام الحسن أو الإمام الحسين، وقد أخطأ البعض حين نسبوا هذا اللقب إلى كل من ينتسب إلى بني هاشم الكرام.

صحيح أن بني هاشم في الذروة من قريش، بنص الحديث الشريف، الذي رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة، والقاضي عياض في الشفاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتاني جبريل عليه السلام، فقال: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أر رجلاً أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم (1).

ولكنه صحيح كذلك أن شرف الحسن والحسين عليهما السلام مستمد من سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فهما بالتالي بضعة من بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى ابن شهرآشوب في مناقبه أن الإمام أبا حنيفة جاء ليسمع من الإمام جعفر الصادق فخرج إليه الإمام جعفر يتوكأ على عصا، فقال أبو حنيفة يا ابن رسول الله، لم تبلغ من السن ما تحتاج معه إلى العصا، قال: هو كذلك، ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت التبرك بها، فوثب أبو حنيفة وقال: أقبلها يا ابن رسول الله.

فحسر أبو عبد الله جعفر الصادق عن ذراعيه وقال له: والله، لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من شعره، فلم لا تقبله، وتقبل العصا.

وهذا يعني أن ذرية الحسن والحسين، إنما هم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشرف ولد آدم قاطبة - وليس أشرف بني هاشم فحسب - كما جاء في الأحاديث

____________

(1) القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 166، أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ص 25 - 26، الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 628 - 629، البيهقي: دلائل النبوة 1 / 137، السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 38.

الصفحة 26
النبوية الشريفة، فلقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار (1).

وبعد:

فالله أسأل أن يجنبنا الزلل، وأن يشملنا برحمته وغفرانه، وأن يعفو عنا - إن أخطأنا - أن يجعل في هذه الدراسة في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين بأجزائها التي امتدت حتى أصبح هذا الجزء إنما يمثل فيها الجزء العاشر.

أسأل الله تعالى أن يجعل فيها بعض النفع، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وما توفيقي إلا بالله توكلت وإليه أنيب.

وصلى الله على سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المكرمين.

والحمد لله حمداً يليق بجلاله، ويقربنا إلى مرضاته سبحانه، فيقبلنا - بمنه وكرمه - في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عباداً لله قانتين، ولسيدنا رسول الله تابعين، وبهديه وخلقه مقتدين، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، رب العالمين.

بولكلي - رمل الإسكندرية في

الثامن من رجب عام 1413 هـ‍

الأول من يناير عام 1993 م.


دكتور محمد بيومي مهران       
الأستاذ بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية

____________

(1) صحيح مسلم 15 / 36، صحيح الترمذي 4 / 292، القسطلاني: المواهب اللدنية 1 / 13، القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 166، البيهقي: دلائل النبوة 1 / 108 - 109، ابن كثير: السيرة النبوية 1 / 191.

الصفحة 27

الباب الأول

أولاً: الإمامة

الإمامة لغة: التقدم، تقول: أم القوم: تقدمهم، ومنه: أممت القوم، فأنا أؤمهم أما وإمامة، إذا كنت إمامهم، ومنه قول الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام، * (إني جاعلك للناس إماماً) * (1)، إني مصيرك تؤم من بعدك، من أهل الإيمان بي وبرسلي، تتقدمهم أنت، ويتبعون هديك، ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك، ووحيي إليك (2).

والإمام: القدوة، وهو ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره، هادياً كان أو ضالاً (3).

وإمام: من أم ومعناها في الأصل: الرئيس، وخاصة الدليل الذي يقود القافلة، وهي ترادف الهادي، ومنها كل شخص أو شئ يتخذ دليلاً أو قدوة، مثال ذلك إمام الغلام في الكتاب (المكتب)، وهو ما يتعلم منه كل يوم (4).

وترد في القرآن الكريم بمعنى المثل والدليل والقدوة والمشابه (5)، ومنذ ظهور الإسلام تطلق هذه الكلمة على الرجل الذي يصلي بالناس، وكان الإمام - أول الأمر - هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو من ينيبه عنه في غيبته، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حل محله في الإمامة أحد الخلفاء، أو عمالهم، وأصبحت الإمامة في الصلاة إحدى

____________

(1) سورة البقرة: آية 124.

(2) تفسير الطبري 3 / 18 (ط دار المعارف).

(3) علي أحمد السالوس: عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية - القاهرة 1987 ص 8.

(4) دائرة المعارف الإسلامية 4 / 391 (كتاب الشعب - القاهرة 1970)، لسان العرب 14 / 291، القاموس المحيط 4 / 77 - 78 (القاهرة 1952).

(5) أنظر: سورة البقرة: آية 124، سورة الحجر: آية 79، سورة الفرقان: آية 74، سورة يس: آية 12.

الصفحة 28
المهام الأساسية للحاكم، وإسناد السلطة إلى عمال الأقاليم يظهر في صورة واضحة للجميع، عندما يؤم نائب الخليفة الناس في الصلاة.

هذا ويخلع فقهاء المسلمين لقب الإمام على رأس الجماعة الإسلامية، وهو زعيم الأمة في الدين والدنيا، ويسمى عادة الخليفة لأنه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، ويتزعم الإمام المسلمين في أمور الدين، وبيده أزمة الجماعة التي يرأسها، ويطلق على هذا المنصب الإمامة الكبرى تمييزاً له عن الإمامة الصغرى، وهي وظيفة من يؤم الناس في الصلاة (1).

فالإمامة أو الخلافة إذن: هي النظام الذي جعله الإسلام أساساً للحكم بين الناس، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين - قدر الطاقة - لتجتمع حوله كلمة الأمة، وتتحد به صفوفها، وتقام به أحكام الشريعة، وفي ذلك يقول البيضاوي (عبد الله بن عمر، ت 685 / 1286 م): الإمامة: عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة.

ويقول عبد الرحمن بن خلدون (732 - 808 هـ‍/ 1332 - 1406 م) في مقدمته: الخلافة حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها (2).

ويقول الشيخ عبد السلام اللقاني (971 - 1078 هـ‍/ 1564 - 1668 م) - شارح الجوهرة في التوحيد، والتي ألفها أبوه - الخلافة: رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).

ويقول الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدين،

____________

(1) دائرة المعارف الإسلامية 4 / 391.

(2) مقدمة ابن خلدون ص 191 (ط دار القلم - بيروت 1981).

(3) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989).

الصفحة 29
وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم (1).

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 - 478 هـ‍/ 1028 - 1085 م) - من أبرز أئمة الأشعرية - الإمامة: رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة من مهمات الدين والدنيا، مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين (2).

____________

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1982 ص 5.

(2) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغيائي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـ‍ص 22.

الصفحة 30

ثانياً: حكم الإمامة

وحكم الإمامة أو الخلافة (1) في الإسلام الوجوب، قال الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة في نهج البلاغة: وإنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه.

وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا بالله، رد عليها سيدها الإمام علي عليه السلام، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر (2).

____________

(1) الخلافة: لغة مصدر خلف، يقال: خلفه خلافة، كان خليفته وبقي بعده، والجمع خلائف وخلفاء (القاموس المحيط 3 / 142 - القاهرة 1952)، وفي تفسير النسفي: الخليفة من يخلف غيره - على وزن فعيلة بمعنى فاعلة، وزيدت للمبالغة، وفي تفسير قوله تعالى: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * المعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريته، ولم يقل خلائف أو خلفاء، لأنه أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم، أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك، أو خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي، قال تعالى: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) * (تفسير النفسي 1 / 40).

(2) شرح نهج البلاغة 2 / 307.

الصفحة 31
وقال الإمام أحمد بن سليمان في كتاب حقائق المعرفة: إعلم أنه لما كانت النبوة لا تحصل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى قد ختم به الرسل، وكان الناس محتاجين إلى من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ينفذ الأحكام، ويحل الحلال، ويحرم الحرام، ويكفل الضعفاء والأيتام، وينصف المظلوم، ويدعو إلى عز الإسلام، ونيل المكارم، ويدفع كل خائن وغاشم، ويدعو إلى الجهاد في سبيل رب العالمين، ويعز المؤمنين، ويذل الفاسقين، فإن العقل يحكم بوجوب قيام إمام من المؤمنين لصلاح الإسلام والمسلمين.

ويحكم العقل إنه لم يقم، فإن الإسلام يضعف، وأن الكفر يقوى، وأن الفساد يلحق جميع الناس، فوجب قيام الإمام، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا مات الإمام أو قتل، يجب قيام إمام بعده، ويحكم العقل بأن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن لا يكون في الأمة من هو أجمع منه للمحامد.

ويجب على كل المسلمين في كل عصر، إعانة من يصلح لها، من أجل حفظ بيضة الإسلام، ودفع التظالم، وإنصاف المظلومين، وإقامة الحدود، ولا يختص بذلك وقت، دون وقت (1).

ويقول إمام الحرمين الجويني: وأما نصب الإمام عند الإمكان فواجب، وقد ذهب عبد الرحمن بن كيسان (2) إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافاً (أي مختلفين)، يلتطمون ائتلافاً واختلافاً، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات

____________

(1) أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 42 - 43 (الإسكندرية 1981).

عبد الرحمن بن كيسان - الأصم المعتزلي - غير حاتم الأصم الصوفي، وقد ذكره السيد (علي بن محمد 740 - 816 هـ‍/ 1339 - 1413 م) في شرح المواقف بلقب أبي بكر، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى (ت 1039 هـ‍/ 1930 م) بين اسمه ولقبه فقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (محمد عمارة: المرجع السابق ص 238، وانظر كتاب: المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ص 32 - ط حيدر آباد 1316 هـ‍)، وكان عبد الرحمن بن كيسان - الملقب بالأصم - يعرف أيضاً بتلميذ العلاف (تاريخ بغداد 2 / 192، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1 / 448).

الصفحة 32
رأيهم رابط، وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الإنسلال عن ربقة الإجماع، والحيد عن سنن الاتباع.

وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة. أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا البدار إلى نصب الإمام حقا، فتركوا لسبب التشاغل به، تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة. ولا يرتاب من معه مسكة من عقل، أن الذب عن الحوزة، والنضال دون حفظ البيضة محتوم شرعاً، ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع، ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء، وتفرق الأهواء، لانتشر النظام، وهلك العظام، وتوثبت الطغام والعوام، وتحزبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراة الناس، وفضت المجامع، واتسع الخرق على الراقع، وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات (أي أهل الشراسة والقسوة)، وتبددت الجماعات، ولا حاجة إلى الإطناب بعد حصول البيان، وما يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن (1).

ويقول الأستاذ محمد جواد مغنية: اختلف المسلمون في وجوب نصب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم وجوبه، وافترقوا في ذلك إلى فرق.

قالت الشيعة: يجب على الله تعالى أن ينصب إماماً للناس، وقالت السنة:

لا يجب ذلك على الله، ولكن يجب على الناس، وقالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام مطلقاً، لا على الله، ولا على الناس.

وقال القوشجي (ت 879 هـ‍) - من علماء السنة - في كتاب شرع التجريد: استدل أهل السنة على قولهم بإجماع الصحابة - وهو العمدة - حتى

____________

(1) الجويني: الغياثي ص 22 - 24.

الصفحة 33
جعلوا ذلك أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكذا عقيب موت كل إمام، روي أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، خطب أبو بكر فقال: يا أيها الناس، من كان يعبد محمداً، فإن محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد رب محمد، فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر من يقوم به، فانظروا، وهاتوا آراءكم، رحمكم الله، فبادروا من كل جانب، وقالوا: صدقت، لكننا ننظر في هذا الأمر، ولم يقل أحد أنه لا حاجة إلى إمام (1).

وقال البغدادي: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة، لأجل إقامة إمام، ينصب لهم القضاة والأمناء، ويضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم (2).

والوجوب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:

فأما الكتاب، فلقد قال الله تعالى: * (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) * (3) وقال تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) * (4) وقال تعالى: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق) * (5).

ويقول القرطبي في تفسيره لآية البقرة (30) * (وإذ قال ربك للملائكة إني

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 333 - 334.

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي - الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص 349 (دار المعرفة - بيروت).

(3) سورة البقرة: آية 30، وانظر: تفسير الطبري 1 / 439 - 480، تفسير ابن كثير 1 / 106 - 111، تفسير النسفي 1 / 40، تفسير المنار 1 / 210 - 218، تفسير القرطبي ص 223 - 234.

(4) سورة النور: آية 55.

(5) سورة ص: آية 26.

الصفحة 34
جاعل في الأرض خليفة) *: إن هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين، بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيها بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفئ والصدقات على أهلها، و أقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزاهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك.

ودليلنا على إقامة إمام، قول الله تعالى: * (إني جاعل في الأرض خليفة) * وقوله تعالى: * (يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة) *، وقوله تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) *، أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي (1).

ويقول ابن كثير: وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية (آية البقرة: 30) على وجوب نصب الإمام (الخليفة)، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها، إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب (2).

2 - وأما السنة: فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن محمد عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع - حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية - فقال: إطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم،

____________

(1) تفسير القرطبي 1 / 226.

(2) تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم - بيروت 1986) 1 / 110.

الصفحة 35
يقول: من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه، ويتقي، فإن أمر بتقوى الله عز وجل، وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره، كان عليه منه (2).

وروى الشوكاني (محمد بن علي بن محمد - ت 1255 هـ‍) في نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض، إلا أمروا عليهم أحدهم قال: رواه أحمد.

وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم - قال: رواه أبو داود، وله من حديث أبي هريرة مثله.

هذا وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد، قد أخرج نحوهما البزار بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب بلفظ إذا كنتم ثلاثة من سفر، فأمروا أحدكم، ذاك أمير، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج البزار أيضاً بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً، بلفظ إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم - وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني من حديث ابن مسعود، بإسناد صحيح، وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض (3).

____________

(1) صحيح مسلم بشرح النووي - دار الكتب العلمية - بيروت 1983) 12 / 240.

(2) صحيح مسلم 12 / 230.

(3) محمد بن علي بن محمد الشوكاني: نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار 8 / 255 - 256 (دار الكتب العلمية - بيروت - نسخة قوبلت على طبعة المطبعة الأميرية القاهرة 1297 هـ‍).

الصفحة 36
هذا وقد سكت أبو داود والمنذري عن حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وكلاهما رجالهما رجال الصحيح، إلا علي بن بحر، وهو ثقة، ولفظ حديث أبي هريرة إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم، وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعداً، أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف، الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الخلاف، وتجتمع الكلمة.

وبديهي أنه إذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم، أولى وأحرى، ومن ثم ففي هذا دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام.

هذا وقد ذهب الأكثر إلى أن الإمامة واجبة، لكنهم اختلفوا: هل الوجوب عقلاً أم شرعاً؟ فعند العترة، وأكثر المعتزلة والأشعرية، تجب شرعاً، وعند الإمامية تجب عقلاً فقط، وعند الجاحظ، والبلخي، والحسن البصري، تجب عقلاً وشرعاً، وعند ضرار، والأصم، وهشام القوطي والنجدات لا تجب (1).

ويقول الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة في رده على الخوارج - كما أشرنا من قبل - أنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، أو يستراح في فاجر.

وقال: أما لإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي، إلى أن تنقطع مدته، وتدركه منيته (2).

____________

(1) نيل الأوطار 8 / 256.

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 307 (دار الفكر - بيروت - الطبعة الثالثة - 1973).

الصفحة 37
ويقول القرطبي: إن الإمام إنما نصب لدفع العدو، وحماية البيضة، وسد الخلل، واستخراج الحقوق وإقامة الحدود، وجباية الأموال لبيت المال، وقسمتها على أهلها (1).

ويقول ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس (2)، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرج ثلاثة من سفر، فليؤمروا أحدهم - رواه أبو داود عن نافع عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري - (3).

وروى أبو داود أيضاً عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم، قال نافع: فقلنا لأبي سلمة: فأنت أميرنا (4).

ومن ثم فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه - من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم - وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة.

ومن ثم فقد روى أن السلطان ظل الله في الأرض (5)، كما قيل: ستون

____________

(1) تفسير القرطبي ص 232.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 160 (مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - 1379 هـ‍/ 1960).

(3) سنن أبي داود 2 / 34 (ط الحلبي - القاهرة 1952).

(4) سنن أبي داود 2 / 34.

(5) يجب أن يكون واضحاً أن هذا لا يعني أبداً، أن الخلافة الإسلامية إنما كانت تمثل حكومة ثيوقراطية (دينية)، كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية (حكومة الخاصة) ولا حكومة ديمقراطية

=>


الصفحة 38
سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان (1).

ويقول ابن حزم الأندلسي (384 - 456 هـ‍/ 994 - 1064 م) - من أئمة الظاهرية - اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، التي أتى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاشا النجدات من الخوارج (أصحاب نجدة بن عامر الحروري - أحد بني حنيفة) (2)، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمام، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم،

____________

<=

(حكومة الشعب)، وإنما كانت حكومة شورى، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية أو الروحية، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين، ويستطيع باعتباره حامي الدين أن يعلن الحرب على الكفار، ويعاقب الخارجين على الدين، ويؤم الناس في الصلاة، ويلقي خطبة الجمعة، كما أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى، بل من الذين بايعوه، وقد انقضى نزول الوحي، منذ اختار الله رسوله إليه، وبقي كتاب الله بين المسلمين هدى لهم جميعاً وحجة عليهم جميعاً، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه، وهو دستور الحكم، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه، فإن فعل وجبت طاعته، وإلا فلا طاعة له على مسلم.

وهكذا فحكومة الإسلام لم تعرف السلطان المطلق، ولم يكن للكهنة وجود فيها، ولا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون، وهي لم تكن حكومة أستقراطية، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار باختيار الخليفة من الأستقراطية في شئ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى، وهم إنما استأثروا بالأمر، صوناً للنظام القائم، ودفاعاً عنه: ثم إنهم كانوا طبقة مؤقتة تزول بزوال أفرادها، لا يرثها أحد، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى، كما أنها لم تكن حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب) لأن الشعب لا يملك أن يقرر ما يشاء، إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله، وسنة رسوله، ومن ثم فهي حكومة شورى بين المسلمين، الناس فيها سواسية كأسنان المشط، ورأسها الأعلى يعلن أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم (حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 429 د محمد حسين هيكل الصديق أبو بكر ص 335، 337).

(1) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 160 - 161.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق (أنظر عن النجدات ص 87 - 90).

الصفحة 39
وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي، القائم باليمامة (1).

ويقول ابن خلدون: أن نصب الإمام واجب، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند وفاته، بادروا إلى بيعة أبي بكر، رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً، دالاً على وجوب نصب الإمام.

وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل، وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه، قالوا: وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر، واستحالة حياتهم، ووجودهم منفردين، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض، فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم، مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية، وهذا المعنى هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوءات في البشر، وقد نبهنا على فساده، وأن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بسطوة الملك، وقهر أهل الشوكة، أو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس، وغيرهم ممن ليس له كتاب، أو لم تبلغه الدعوة.

أو نقول يكفي في دفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه، بحكم العقل، فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هنا، ونصب الإمام هنا غير صحيح، بل كما يكون بنصب الإمام، يكون بوجود الرؤساء وأهل الشوكة، أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم، فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة، فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع، وهو الإجماع الذي قدمناه.

____________

(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 106.

الصفحة 40
وقد شذ بعض الناس، فقال بعدم وجود هذا النصب رأساً، لا بالعقل ولا بالشرع، ومنهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم، والواجب عند هؤلاء، إنما هو إمضاء لحكم الشرع، فإذا تواطأت الأمة على العدل، وتنفيذ أحكام الله تعالى، لم يحتج إلى إمام، ولا يجب نصبه، وهؤلاء محجوجون بالإجماع (1).

هذا ويقول القلقشندي (756 - 821 هـ‍): اختلف العلماء في أصل وجوب الإمامة (2)، فذهب قوم إلى أن وجوبها ثابت بالعقل، لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم عند التنازع، ولو لا ذلك لكانوا فوضى مهملين، وقد قال الأفوه الأودي - وهو شاعر جاهلي -:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا (3)

وذهب آخرون إلى أنها إنما وجبت بالشرع، ولا أثر للعقل في ذلك، لأن الإمام إنما يقوم بأمور شرعية، كان يجوز في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجباً لها.

____________

(1) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 (دار القلم - بيروت 1981).

(2) القلقشندي: هو القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي، ولد في عام 756 هـ‍(1353 م) في قرية قلقشندة مركز قليوب بمحافظة القليوبية، واشتغل بالفقه وغيره، ومهر في الأدب، وبرع في العربية نظماً ونثراً وكتب في الإنشاء، وناب في الحكم، وعاش مفضالاً وقوراً، وكان متواضعاً، ذا مروءة، إلى أن توفي يوم السبت عاشر جمادى الآخرة سنة 821 هـ‍(1418 م)، وأما أشهر مؤلفاته فهي صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وقد أورد فيه ما يحتاجه الكاتب من الفنون والعلوم، فهو دائرة معارف تنتظم كل ما كان يعرفه معاصروه، وله قيمته الكبيرة فيما يتصل بتاريخ مصر والشام وجغرافيتهما، كما ألف القلقشندي أيضاً نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب ثم كتابه الذي نرجع إليه الآن في موضوع الخلافة وعنوانه مآثر الإنافة في معالم الخلافة، وقام بتحقيقه عبد الستار أحمد فراج، ونشرته وزارة الإرشاد الكويتية في ثلاثة أجزاء - عام 1964، وأما أصل القلقشندي فهو عربي من قبيلة فزارة من ذبيان من غطفان، وانظر عنه (عبد اللطيف حمزة: القلقشندي (رقم 12 من أعلام العرب)، شذرات الذهب 7 / 149، مقدمة كتبه).

(3) ديوان الأفوه: الطرائف الأدبية ص 12.