الصفحة 199

قال: رجل علوي، تقول الرافضة، بإمامته، ويريد المتوكل قتله.

فقلت في نفسي: لن أبرح، حتى أنظر إليه، ولم يمض أمد من الوقت، حتى أقبل راكبا على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون إليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي، ودعوت له في نفسي أن يدفع الله عنه شر المتوكل.

وأقبل الإمام الهادي يسير بين الناس، لا ينظر يمنة ولا يسرة، وأنا أكرر في نفسي الدعاء، فلما صار بإزائي، أقبل بوجهه علي، وقال لي: قد استجاب الله دعاءك، وطول عمرك، وكثر مالك وولدك.

قال عبد الرحمن: فارتعدت من هيبته، ووقعت بين أصحابي، فسألوني:

ما شأنك، فقلت: خيرا، ولم أخبر بذلك مخلوقا، فانصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان، ففتح الله علي بدعائه، حتى أنا اليوم أغلق بابي على ألف ألف درهم، سوى أموالي التي خارج الدار، ورزقت عشرة من الأولاد، وقد بلغت الآن نيفا وسبعين سنة (1).

وفي إثبات الوصية: أن الخليفة المتوكل كان قد أوكل الهادي، وهو غلام، إلى معلم عرف بالنصب والعداوة لآل البيت الطاهرين لينشئه بعيدا عن معتقدات الشيعة، كما أمر بإبعاده عن الشيعة، وإبعاد الشيعة عنه، غير أن هذا المعلم سرعان ما تصيبه الدهشة والعجب لهذا الغلام، الذي مات أبوه، وهو ابن ست سنين، ونشأ بين الجواري السود، ثم يظهر من العلم والفقه، ما جعل المعلم نفسه يتأدب ويتعلم عليه، ثم يتشيع، ويفسر الشيعة ذلك بالعلم الحضوري، والنور الجلي، والسر الخفي، من لدن رب العالمين (2).

____________

(1) الشيعة في الميزان ص 247 - 248.

(2) المسعودي: إثبات الوصية ص 222 - 223، أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية ص 393.

الصفحة 200

4 - من مرويات الإمام الهادي: -

حدث محمد الفرج بمدينة جرجان في المحلة المعروفة باسم " بئر أبي عنان " قال: حدثني أبو دعامة قال: أتيت علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم، عائدا في علته التي كانت وفاته منها في هذه السنة، فلما هممت بالإنصراف قال لي: يا أبا دعامة، قد وجب حقك، أفلا أحدثك بحديث تسر به؟

قال: فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يا ابن رسول الله:

قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن موسى، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال:

حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، قال:

رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أكتب يا علي، قال: قلت: وما أكتب؟ قال لي: بسم الله الرحمن الرحيم، الإيمان ما وقرته القلوب، وصدقته الأعمال، والإسلام ما جرى به اللسان، وحلت به المناكحة ".

قال أبو دعامة: فقلت: يا ابن رسول الله، ما أدري والله أيهما أحسن الحديث أم الإسناد؟

فقال: إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب، بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نتوارثها صاغرا عن كابر (1).

5 - من أقوال الهادي:

قال الإمام: إن المحق السفيه، يكاد يطفئ نور حقه بسفهه.

وقال: من أطاع الخالق، لم يبال بسخط المخلوق.

____________

(1) مروج الذهب 2 / 546 - 547

الصفحة 201
وقال: من رضي عن نفسه، كثر عليه الساخطون.

وقال: بئس العبد، عبد يكون ذا وجهين، وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا، ويأكله غائبا.

وقال: أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترك الحرام.

وقال: رياضة الجاهل، ورد المعتاد عن عادته، كالمعجز.

وقال: من كان على بينة من ربه، هانت عليه مصائب الدنيا، ولو قرض ونشر (1).

وقال: إن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، فأنى أن يوصف من تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطوات أن تحسده، والأبصار أن تحيط به، جل عما يوصف الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى، في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد.

وقال: في تفسير قوله تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) قال: إن الله قد جعل قلوب الأئمة منبع إرادته، فإن شاء شيئا شاءوه (2).

____________

(1) فضائل الإمام علي ص 240 - 241.

(2) أحمد صبحي المرجع السابق ص 393 - 394، إثبات الوصية ص 277، أنوار الإسلام في علم الإمام ص 2 (مخطوط).

الصفحة 202

(6) الإمام الحسن العسكري

1 - نسبه ومولده:

هو الإمام أبو محمد الحسن بن الإمام علي الهادي بن الإمام محمد الجواد، بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، عليهم السلام، وسيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم:

وأما أم الإمام فهي أم ولد، وتدعى " سوسن " وأما كنيته فأبو محمد، ولقبه العسكري. والسراج والخالص، وليس له ولد سوى محمد بن الحسن، وهو الحجة المنتظر.

هذا وقد ولد الإمام أبو محمد الحسن العسكري (1) في يوم الخميس في بعض شهور سنة 231 هـ - وقيل في سادس شهر ربيع الأول، وقيل الآخر سنة 232 هـ، وتوفي في يوم الجمعة - وقيل يوم الأربعاء - لثمان خلون من شهر ربيع الأول - وقيل جمادى الأولى - سنة 260 هـ في " سر من رأى "، ودفن إلى جانب قبر أبيه الإمام علي الهادي، وذلك في خلافة المعتمد (256 - 279 هـ)، وهو ابن تسع وعشرين سنة، وهو أبو المهدي المنتظر، وقد أقام مع أبيه الهادي 23 هـ سنة وأشهرا، وبقي بعده خمس سنين وأشهرا (2).

____________

(1) العسكري: نسبة إلى " سر من رأى " ذلك أن المعتصم لما بناها، وانتقل إليها بعسكره، قبل لها " العسكر " وإنما نسب الحسن إليها، لأن المتوكل أشخص أباه عليا الهادي إليها، وأقام بها عشرين سنة، وتسعة أشهر، ونسب هو ووالده إليها، أي نسب الإمام علي الهادي والإمام الحسن إلى مدينة العسكر، وهي " سر من رأى " وفيات الأعيان 2 / 94 - 95، الصواعق المحرقة ص 12. وتقع " سر من رأى " أو " سامراء " على الضفة اليسرى للدجلة، وعلى مبعدة 100 كيلا شمالي بغداد.

(2) وفيات الأعيان 942، الشيعة في الميزان ص 249، مروج الذهب 2 / 571.

الصفحة 203
ويروي الكليني في الكافي، عن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن جماعة من بني هاشم - منهم الحسن بن الحسن الأفطس - أنهم حضروا يوم وفاة الإمام محمد الجواد إلى أبي الحسن علي الهادي يعزونه قالوا: قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني هاشم وقريش مائة وخمسون رجلا، سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي، وقد جاء مشقوق الجيب، حتى قام عن يمينه، ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة، فقال: يا بني أحدث الله عز وجل شكرا، فقد أحدث فيه أمرا، فبكى الفتن، وحمد الله واسترجع، وقال: الحمد لله رب العالمين، وأنا سأل الله تمام نعمته لنا فيك، و (إنا لله وإنا إليه لراجعون)، فسألنا عنه، فقيل: هذا الحسن ابنه، وقدرناه له في ذلك الوقت عشرين سنة، أو أرجح، فيومئذ عرفناه، وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة، أقامه مقامه (1).

ويؤكد المفيد إمامة الحسن العسكري، ويقول: وكان الإمام بعد أبي الحسن علي ابنه أبا محمد الحسن بن علي، لاجتماع خلال الفضل فيه، وتقدمه على كافة أهل عصره، فيما يوجب له الإمامة، ويقتضي له الرياسة (2).

هذا وتذهب المصادر الإمامية إلى أنه لما توفي الإمام الحسن العسكري، خلفه ابنه المنتظر، وكان قد أخفى مولده، وستر أمره، لصعوبة الوقت، وشدة الطلب له، واجتهاده في البحث عن أمره، ولما شاع من مذهب الإمامية، وعرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، لذلك لم يره " إلا الخواص من شيعته " (3).

2 - من مناقب الإمام العسكري:

اشتهر الإمام الحسن العسكري بأن أخلاقه كانت قبسا من أخلاق جده

____________

(1) الكليني: الكافي 1 / 326.

(2) المفيد: الإرشاد ص 334 - 238، نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق 288.

(3) المفيد: الإرشاد ص 345، الطبرسي: إعلام الورى ص 360، نبيلة عبد المنعم: المرجع السابق ص 8248.

الصفحة 204
المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، في هديه وسكونه، وعفافه ونبله وكرمه، وكان - على صغر سنه - مقدما على العلماء والرؤساء، معظما عند سائر الناس (1).

وفي درر الأصداف ونور الأبصار والصواعق المحرقة: وقع لبهلول (2) معه، أنه رآه - وهو صبي - يبكي، والصبيان يلعبون، فظن أنه يتحسر على ما في أيديهم، فقال: اشتري لك ما تعلب به؟ فقال: يا قليل العقل، ما للعب خلقنا، فقال له: فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة، فقال له: من أين لك ذلك؟ قال: من قول الله عز وجل (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون) (3).

ثم سأله أن يعظه، فوعظه بأبيات، ثم خر الحسن مغشيا عليه، فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير، لا ذنب لك؟ فقال: إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا تتقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم (4).

وروي أن الخليفة العباسي سجنه عند رجل يدعى " صالح بن وصيف " فوكل به رجلين من الأشرار بقصد إيذائه والتضييق عليه، وأصبحا بمعاشرة الإمام من الصلحاء الأبرار.

فقال لهما صالح: ويحكما ما شأنكما في هذا الرجل؟ قالا: ما تقول في رجل يصوم نهاره، ويقوم ليله، كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، وإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، ودخلنا ما لا نملكه من أنفسنا.

____________

(1) الشيعة في الميزان ص 249.

(2) هو أبو وهيب بهلول بن عمرو الصيرفي أو الصوفي المجنون، نشأ في الكوفة، ثم دعاه هارون الرشيد إلى بغداد، وكان شاعرا زاهدا، وقصاصا، وكان يتشيع، وأهم آثاره " القصيدة البهلولية "، وأهم مصادر ترجمته (البيان والتبيين للجاحظ 2 / 230 - 231، الرجال للطوسي ص 160، لسان الميزان لابن حجر 2 / 68، أعيان الشيعة 14 / 146 - 163، الأعلام للزركلي 2 / 56، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 4 / 107 - 108).

(3) سورة المؤمنون آية 115.

(4) الصواعق المحرقة ص 313 - 314، نور الأبصار ص 166.

الصفحة 205
سبحانك ربي جل جلالك: أسير لا يملك حولا ولا قوة، ينظر إلى آسره فيرتعد خوفا وفزعا، ولا تفسير لذلك، إلا هيبة الإمام، وإلا الرياسة الحقة التي تفرض نفسها على الناس أجمعين.

هكذا فإن من ينقطع إلى الله - سبحانه وتعالى - تهابه الملوك والجبابرة، وقد جاء في الحديث الشريف: " إن المؤمن يخشع له كل شئ، وأن من يخاف الله يخاف منه كل شئ، حتى هوام الأرض وسباعها، وطيور السماء) (1).

3 - من تفسيره للقرآن الكريم:

قال الإمام العسكري في تفسيره لقول الله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا، وأنتم تعلمون) (2).

قال: إن معنى جعل الأرض فراشا، أنها ملائمة لطباعكم، موافقة لأجسادكم، ولم يجعلها شديدة الحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا قوية الريح فتصدع هامكم، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في الحرث والبناء والحفر، ولكنه - سبحانه وتعالى - جعلها من المتانة ما تنتفعون به، وجعل فيها من اللين ما تنقاد لحرثكم، وكثير من منافعكم.

وأما معنى السماء بناء، فهو حفظها بالشمس والقمر والنجوم، وانتفاع الناس بها.

ثم أنزل المطر من علو، ليبلغ الجبال والتلال، والهضاب والوهاد، وفرقه رذاذا ووابلا وطلا، لتنتفع الأشجار والزرع والثمار، ثم رتب الله - سبحانه

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 249 - 250.

(2) سورة البقرة: آية 22:

الصفحة 206
وتعالى - على ذلك، وحدانيته وقدرته، ونفى الأنداد والأمثال (1).

وقال الإمام في تفسير قول الله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) (2)، إن الأمي هو المنسوب إلى أمه، أي هو لا يعرف شيئا، تماما كما خرج من بطن أمه (3).

4 - من كرامات الإمام العسكري:

روى صاحب نور الأبصار عن أبي هاشم داود بن قاسم الجعفري قال:

كنت في الحبس الذي في الجوسق - أنا والحسن بن محمد، ومحمد بن إبراهيم العمري، وفلان وفلان خمسة أو ستة - إذ دخل علينا أبو محمد الحسن بن علي العسكري، وأخوه جعفر، فخففنا بأبي محمد، وكان المتولي للحبس، صالح بن يوسف الحاجب، وكان معنا في الحبس رجل أعجمي، فالتفت إلينا الإمام أبو محمد الحسن العسكري، وقال لنا سرا: لولا أن هذا الرجل فيكم، أخبرتكم متى يفرج الله عنكم؟، وهذا الرجل قد كتب فيكم قصة إلى الخليفة، يخبره فيها بما تقولون فيه، وهي معه في ثيابه، يريد الحيلة في إيصالها إلى الخليفة، من حيث لا تعلمون، فاحذروا شره.

قال أبو هاشم: فما تمالكنا أن تحاملنا جميعا على الرجل، ففتشناه فوجدنا القصة مدسوسة معه في ثبابه، وهو يذكرنا فيها بكل سوء، فأخذناها منه وحذرناه، وكان الإمام الحسن يصوم في السجن، فإذا أفطر أكلنا معه من طعامه.

قال أبو هاشم: فكنت أصوم معه، فلما كان ذات يوم، ضعفت عن الصوم، فأمرت غلامي فجاء لي بكعك، فذهبت إلى مكان خال من الحبس،

____________

(1) محمد جواد مغنية: المرجع السابع ص 250.

(2) سورة البقرة: آية 78.

(3) الشيعة في الميزان ص 250.

الصفحة 207
فأكلت وشربت، ثم عدت إلى مجلسي مع الجماعة، ولم يشعر بي أحد، فلما رآني تبسم وقال: أفطرت، فخجلت، فقال: لا عليك يا أبا هاشم، إذا رأيت أنك ضعفت، وأردت القوة، فكل اللحم، فإن الكعك لا قوة فيه، وقال: عزمت عليك أن تفطر ثلاثا، فإن البنية إذا أنهكها الصوم، لا تتقوى إلا بعد ثلاث.

قال أبو هاشم: ثم لم تطل مدة الإمام أبي محمد بن علي في الحبس بسبب أن قحط الناس في " سر من رأى " (سامراء) قحطا شديدا، فأمر الخليفة المعتمد على الله بن المتوكل بخروج الناس إلى الاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام يستسقون، فلم يسقوا، فخرج " الجاثليق " في اليوم الرابع إلى الصحراء، وخرج معه النصارى والرهبان، وكان فيهم راهب، كلما مد يده إلى السماء هطلت بالمطر، ثم خرجوا في اليوم الثاني وفعلوا كفعلهم في أول يوم، فهطلت السماء بالمطر، فعجب الناس من ذلك، وداخل بعضهم الشك، وصبا بعضهم إلى دين النصرانية، فشق ذلك على الخليفة، فأنفذ إلى صالح بن يوسف أن أخرج أبا محمد من الحبس، وائتني به.

فما حضر الإمام أبو محمد الحسن عند الخليفة قال له: أدرك أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، فيما لحقهم من هذه النازلة العظيمة.

فقال الإمام أبو محمد: دعهم يخرجون غدا اليوم الثالث، فقال الخليفة:

لقد استغنى الناس عن المطر، فما فائدة خروجهم.

قال الإمام: لأزيل الشك عن الناس، وما وقعوا فيه.

فأمر الخليفة الجاثليق والرهبان أن يخرجوا أيضا في اليوم الثالث، على جاري عادتهم، وأن يخرج الناس، فخرج النصارى، وخرج معهم الإمام أبو محمد الحسن، ومعه خلق من المسلمين، فوقف النصارى، على جاري عادتهم يستسقون، وخرج راهب معهم، ومد يده إلى السماء، ورفعت النصارى والرهبان أيديهم أيضا كعادتهم، فغيمت السماء في الوقت، ونزل المطر.


الصفحة 208
فأمر الإمام أبو محمد الحسن بالقبض على يد الراهب، وأخذ ما فيها، فإذا بين أصابعه عظم آدمي، فأخذه الإمام أبو محمد الحسن، ولفه في خرقة، وقال لهم: استسقوا فانقشع الغيم، وطلعت الشمس، فتعجب الناس من ذلك.

فقال الخليفة: ما هذا يا أبا محمد، فقال الإمام: هذا عظم نبي من الأنبياء، ظفر به هؤلاء من قبور الأنبياء، وما كشف عن عظم نبي من الأنبياء تحت السماء، إلا هطلت بالمطر، فاستحسنوا ذلك، وامتحنوه، فوجدوه كما قال.

فرجع الإمام أبو محمد الحسن إلى داره في " سر من رأى "، وقد أزال عن الناس هذه الشبهة، وسر الخليفة والمسلمون من أجله، وأقام الإمام أبو محمد الحسن بمنزله معظما مكرما، وصلات الخليفة وإنعاماته تصل إليه في كل وقت (1).

وعن علي بن إبراهيم بن هشام عن عيسى بن الفتح قال: لما دخل علينا أبو محمد الحسن الحبس قال لي: يا عيسى لك من العمر خمس وستون، وشهر ويومان، قال: وكان معي كتاب فيه تاريخ ولادتي، فنظرت فيه، فكان كما قال، ثم قال: هل رزقت ولدا؟ قلت: لا، قال: اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا، فنعم العضد الولد، ثم أنشد:

من كان ذا عضد يدرك ظلامته * إن الذليل الذي ليست له عضد

فقلت: يا سيدي، وأنت لك ولد؟ إني والله سيكون لي ولد، يملأ الأرض قسطا وعدلا، وأما الآن فلا (3).

____________

(1) سيد الشبلنجي: كتاب نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ص 166 - 167 (ط مكتبة الجمهورية العربية).

(2) نور الأبصار ص 167.

الصفحة 209
وعن إسماعيل بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - رضي الله عنهم - قال: قعدت لأبي محمد الحسن على باب داره، حتى خرج، فقمت في وجهه، وشكوت إليه الحاجة والضرورة، وأقسمت أني لا أملك الدرهم الواحد، فما فوقه.

وقال: تقسم، وقد دفنت مائتي دينار، وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية، إعطه يا غلام، ما معك، فأعطاني مائة دينار، فشكرت له ووليت.

فقال: ما أخوفني أن تنفقد المائتي دينار، أحوج ما تكون إليها، فذهبت إليها، فافتقدتها فإذا هي في مكانها، فنقلتها إلى موضع آخر، ولم يطلع عليها أحد، ثم قعدت مدة طويلة، فاضطررت إليها، فجئت أطلبها في مكانها، فلم أجدها، فحزنت وشق ذلك علي، فوجدت ابنا لي قد عرف مكانها، وقد أخذها وأنفذها ولم أحصل فيها على شئ، وكان كما قال.

وعن محمد بن حمزة الدوري قال: كنت على يد أبي هاشم داود بن القاسم - وكان مؤاخيا لأبي محمد الحسن العسكري - أسأله أن يدعو الله لي بالغنى، وكنت قد أملقت، وخفت الفضيحة، فجزع الجواب على يده: أبشر فقد أتاك الغنى من الله تعالى، مات ابن عمك " يحيى بن حمزة " وخلف مائة ألف درهم، ولم يترك وارثا سواك، وهي واردة عليك عن قريب، فاشكر الله، وعليك بالاقتصاد، وإياك والإسراف.

فورد علي المال، والخبر بموت ابن عمي، كما قال، عن أيام قلائل، وزال عني الفقر، وأديت حق الله تعالى، وبررت أخوتي، وتماسكت بعد ذلك وكنت قبل مبذرا.

____________

(1) نور الأبصار عن 167 - 168.

الصفحة 210
وروي أنه سقط في بئر - وهو طفل فصاحت نساء البيت، وركضن إلى أبيه - الإمام علي الهادي - فلم يلتفت، وأخبرهن بأنه لا ضير عليه، ثم ذهب إلى البئر، فرأى الصبي يلعب فوق سطح الماء، ثم ارتفع الماء إلى السطح فأخرج (1).

5 - من أقوال الإمام العسكري:

لعل من الجدير بالإشارة إلى أن دور أبي محمد الحسن العسكري، ليس كدور أسلافه الأئمة، فلم يرو من أقواله - سواء في الدين أو المذهب - إلا النذر اليسير، ولعل ذلك إنما يرجع إلى قصر مدة إمامته، أو إلى أنه قضى معظم أيامه حبيسا في سامراء، وقد ضيق العباسيون عليه الخناق، حتى تعذر على شيعته الاتصال به في معظم الأحايين (2).

وعلى أية حال، فمن أقواله:

- من التواضع السلام على من تمر به، والجلوس دون المجلس.

- بغض الفجار للأبرار، زين للأبرار.

- خصلتان ليس فوقهما شئ: الإيمان بالله، ونفع الإخوان.

- من مدح غير المستحق، فقد قام مقام المتهم.

- أضعف الأعداء كيدا، من أظهر عداوته.

- من كان الورع سجيته، والعلم حليته، انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه (3).

- وعن أبي هاشم قال: سمعت أبا محمد الحسن يقول:

إن في الجنة بابا، يقال له المعروف، لا يدخل منه إلا أهل المعروف.

____________

(1) الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع 2 / 77.

(2) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 394.

(3) محمد جواد مغنية: فضائل الإمام علي ص 242.

الصفحة 211
قال أبو هاشم: فحمدت الله في نفسي، وفرحت بما أتكلف من حوائج الناس، فنظر إلي وقال: يا أبا هاشم، دم على ما أنت عليه، فإن أهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة.

وعن أبي هاشم قال سمعت الإمام أبي محمد الحسن العسكري يقول:

" بسم الله الرحمن الرحيم، أقرب إلى اسم الله الأعظم، من سواد العين إلى بياضها (1).

6 - دور الإمام العسكري في الإمامة:

لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دور الإمام أبي محمد الحسن العسكري في الإمامة، لم يكن في تلقي العلم عنه، أو الإئتمام به، بقدر ما هو تمهيد لولده القائم، ذلك أن التشيع وقت ذاك إنما كان يمر بدور الحضانة لظهور " عقيدة المهدي "، ومن ثم فقد كان دور الإمام الحسن العسكري، الملقب بالصامت، أن يمهد لولادة القائم صاحب الزمان.

ولا تمهد الشيعة لولادة المهدي، من حيث أبيه فحسب، وأنما تمهد كذلك من حيث أمه، " مليكة بنت يسوعا بن قيصر " ملك الروم، وأمها من نسل الحواريين، ويتصل نسبها ب‍ " شمعون " وصي المسيح، عليه السلام.

وتذهب الروايات الشيعية إلى أن جدها القيصر أراد أن يزوجها من ابن أخيه، فجمع القسيسين والرهبان وأمراء الأجناد، وقواد العسكر وملوك العشائر، ولكن الصلبان تساقطت، حين قام الأساقفة ليتموا مراسيم الزواج، فتطير الحاضرون من ذلك.

وفي نفس الليلة ترى " مليكة " - فيما يرى النائم - السيد المسيح وشمعون وعدة من الحواريين، وقد اجتمعوا في قصر جدها، وقد دخل عليهم محمد

____________

(1) الشبلنجي: نور الأبصار ص 168.

الصفحة 212
(سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، في أهل بيته ليخطب من المسيح، سليلة وصيه شمعون إلى ابنه أبي محمد، فأشفقت الفتاة أن تقص رؤياها على جدها القيصر، وكانت ترى في نومها كل ليلة أبا محمد (الحسن العسكري)، ثم انقطعت رؤيته حتى مرضت، فرأت في نومها فاطمة الزهراء (سيدة نساء العالمين، بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تخطبها من السيدة " مريم ابنة عمران " عليها السلام، إلى ابنها أبي محمد الحسن العسكري، على أن تبرأ من النصرانية، لتبرأ من مرضها.

ثم كانت موقعة حربية بين الروم والمسلمين، وقد أخطرت في منامها أن تسير مع الجيوش، لتقع أسيرة، فيبيعها النخاس بعد ذلك إلى رسول من قبل الإمام الحسن العسكري، بعث به إليها، بعد أن وصف الجارية له، فلما صارت إلى العسكري بشرها بمولود، يملك الدنيا شرقا وغربا، ويملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا.

ويذهب الدكتور أحمد صبحي إلى أن ما نسب إلى هذه السيدة الرومية من رواية غيبية، إنما تشير إلى عدة دلائل، لها أهميتها في العقائد الشيعية، أنه إذا كان الإمام علي زين العابدين، قد ورث دم الأكاسرة - إلى جانب نور النبوة - فإن المهدي المنتظر، إنما قد ورث عظمة القياصرة - إلى جانب نور النبوة - ثم هو قد ورث - إلى جانب ذلك كله - تلك القداسة المستمدة من وصي المسيح، ولا يخفى أهمية دور السيد المسيح عليه السلام، في إتمام هذا الزواج، الذي سوف تكون ثمرته، ولادة " المهدي المنتظر "، هذا فضلا عن الدور الذي قام به أعظم رسولين، فإن للسيد المسيح دورا آخر، حين يعود، ليمهد لقيام المهدي في العقيدة المهدية، كما مهد لولادته، حين خطب النبي (صلى الله عليه وسلم)، منه سليلة وصيه.

وهكذا إن فقدت أمهات الأئمة من الجواري، شرف الحسب، وأصالة

الصفحة 213
النسب، فإن الرومية قد نسب إليها من طهارة الأصل، وأصالة العرق، ما لا يدانيها فيه أعرق القرشيات أرومة - عدا بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) - وذلك بانتسابها أبا إلى قيصر الروم، وأما إلى وصي السيد المسيح عليه السلام، لتلد حجة الله في أرضه، والقائم بأمره، من تعلق الناس بقيامه، المنتظر ظهوره، ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ذلك هو المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري (1).

بقيت الإشارة إلى أن أصحاب المقالات ومؤرخي الفرق، إنما قد انقسموا - كما يقول الدكتور أحمد صبحي - إلى ما يزيد على عشرين فرقة، وليس من بين الأئمة التسع من ولد مولانا الإمام الحسين، من أجمع الشيعة على إمامته.

اختلفوا في الإمام علي زين العابدين، فافترقت الكيسانية (2)، ثم في الإمام محمد الباقر، فانشقت الزيدية (3)، ثم تشتت الآراء بعد وفاة الإمام جعفر الصادق، فنقل الإسماعيلية (4) الإمامة إلى ولده إسماعيل، ورأت الفطحية (5) أن الإمامة في ولد عبد الله، أما الشمطية (6)، فقد نقلت الإمامة إلى محمد بن جعفر ورأت الناووسية (7) أن الإمام الصادق لم يمت، وأنه القائم المهدي، بينما نقلت

____________

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 394 - 395.

(2) أنظر عن الكيسانية: البغدادي: الفرق بين الفرق 38 - 53، الشهرستاني: الملل والنحل (1 / 147 - 154.

(3) أنظر عن الزيدية: الشهرستاني: الملل والنحل (1 / 154 - 162، البغدادي الفرق بين الفرق ص 30 - 37، أحمد صبحي: الزيدية - الإسكندرية 1980، المذهب الزيدي - الإسكندرية 1981، أحمد شوقي إبراهيم: الحياة الفكرية والسياسية للزيدية في المشرق الإسلامي - المينا 1991 م.

(4) أنظر عن الإسماعيلية: الشهرستاني 1 / 167، 191 - 198، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 62 - 63.

(5) أنظر البغدادي: الفرق بين الفرق ص 62، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 167.

(6) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 167، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 61.

(7) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 61، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 166 - 167

الصفحة 214
الإثنا عشرية (1) الإمام إلى ولده الإمام موسى الكاظم، ثم توقفت عنده طائفة فسميت ب‍ " الواقفية " (2).

ولما توفي الإمام علي الرضا، اختلفوا في إمامة ولده " محمد الجواد " - حين ولي الإمامة، ولما ييفع بعد - فأرجعت طائفة الإمامة إلى أحمد بن موسى الكاظم، فعرفت بالراجعة.

ثم يضطرد الافتراق والانشقاق - بعد وفاة الإمام محمد الجواد - فتنقل طائفة الإمامة إلى أخيه " جعفر بن علي ".

على أن الاختلاف إنما يبلغ أشده - بعد وفاة الإمام الحسن العسكري - إذ ترى فرق أنه لم يعقب، وشارك بعض أهل السنة في هذا القول - كابن حجر الهيثمي (3) - معارضة منهم في العقيدة المهدية، بمفهومها الشيعي، واستندت في

____________

(1) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 169 - 172، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 64 - 65، نبيلة عبد المنعم داود: نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 63 - 64، الشهرستاني 1 / 168 - 169.

(3) هو الفقيه المحدث أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي، ولد في محلة أبي الهيثم (محافظة الغربية) في عام 909 هـ (1504 م) مات أبوه صغيرا، فكفله الإمامان شمس الدين بن أبي الحمائل، وشمس الدين الشناوي، بدأ دراسته في المسجد الأحمدي بطنطا، ثم انتقل عام 924 هـ إلى الأزهر بالقاهرة، حيث أخذ عن علماء عصره، وكان نبوغه مبكرا، حتى أذن له بالإفتاء والتدريس، وعمره دون العشرين، ثم انتقل إلى مكة المكرمة عام 940 هـ، حيث توفي فيها عام 974 هـ (1567 م) ودفن بالمعلاة في تربة الطبريين، وكان زاهدا في الدنيا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، شأن السلف الصالح، وله تصانيف كثيرة، أشهرها: (الصواعق المحرقة - مبلغ الأدب - تحفة المحتاج لشرح المنهاج في فقه الشافعية - الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان - الفتاوي الهيثمية - المنح المكية، شرح لهمزية البوصري الزواجر من افتراق الكبائر - شرح مشكاة المصابيح للتبريزي - الإمداد في شرح الإرشاد للمقري - الجوهر المنظم)، وكان ابن حجر في مكة إماما للحرمين، يدرس ويفتي ويولف (أنظر: دائرة المعارف الإسلامية 1 / 133، خلاصة الأثر 2 / 166، آداب اللغة 3 / 334، مقدمة الصواعق المحرقة).

الصفحة 215
ذلك إلى أن " جعفر بن الهادي " (1) قد طالب بميراث أخيه الحسن بعد موته، لما ادعى الإمامة بعده (2).

هذا وقد توقفت طائفة عند الإمام الحسن العسكري، وعدته القائم المنتظر، وذهبت أخرى إلى بطلان الإمام من بعده، فليس في الأرض حجة من ذرية النبي (صلى الله عليه وسلم)، وإنما الحجة في الأخبار الواردة عن الأئمة المتقدمين.

____________

(1) جعفر بن الهادي: هو أبو عبد الله جعفر الملقب " بالكذاب "، لأنه ولد 120 ولدا، يقال لهم " الرضويون " نسبة إلى جده الرضا، وقد مات جعفر هذا في عام 271 هـ، وقد اختلفت في حقه الأقوال، وأنه تاب أو بقي على إصراره على الأفعال المنكرة، والدعاوي الكاذبة، وقد روى " الكليني " في " الكافي " عن محمد بن عثمان العمري، بخط صاحب الأمر عليه السلام صريحا في توبته، وأن سبيله سبيل أخوة يوسف عليه السلام، وقد توفي عن 45 سنة، ودفن بدار أبيه في سامراء (ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب 228 - 229.

(2) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية ص 396 - 397، الأشعري: مقالات الإسلاميين ص 99 - 100، الشيخ المفيد: الفصول المختارة من العيون والمحاسن ص 99.

الصفحة 216

(7) الإمام المهدي المنتظر

هو الإمام الثاني عشر من أئمة آل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولد للنصف من شهر شعبان عام 255 هـ في مدينة (سامراء) على أيام الخليفة المهتدي (255 - 256 هـ).

هذا وقد تصدق أبوه - في يوم مولده - بعشرة آلاف رطل من الخبز، ومثلها من اللحم كما عق عنه ثلاثمائة رأس من الغنم.

وأما أم الإمام المهدي فأم ولد، اسمها " نرجس " وكانت سنه عند وفاة أبيه خمس سنين وقد آتاه الله فيها الحكمة، وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، كما جعل من قبل نبيه يحيى عليه السلام، إماما في حالة طفولته، وكما جعل عيسى ابن مريم عليه السلام، نبيا، وهو في المهد صبيا (1).

هذا وقد أثبتت الشيعة الإمامية إمامة محمد بن الحسن المهدي بعدة أدلة ونصوص، منها (أولا) ما أورده الكليني عن ضوء بن علي العجلي عن رجل من أهل فارس قال: أتيت " سر من رأى "، ولزمت باب أبي محمد الحسن العسكري، فدعاني من غير أن أستأذن، فلما دخلت وسلمت قال لي: يا أبا

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 252، وقد ناقش المؤلف في كتاب آخر له - قضية النبوة قبل الأربعين بالنسبة ليحيى وعيسى عليهما السلام، بشئ من التفصيل (أنظر: محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الثالث - في بلاد الشام - بيروت 1988 (ص 243 - 350).

الصفحة 217
فلان، ما الذي أقدمك؟ قلت: رغبة في خدمتك، قال: فالزم الدار، قال:

فكنت في الدار مع الخدم، ثم صرت اشتري لهم الحوائج من السوق، وكنت أدخل عليه من غير إذن، إذا كان في الدار رجال، فدخلت عليه يوما، وهو في دار الرجال، فسمعت حركة في البيت، فناداني: مكانك لا تبرح، فلم أجسر أن أدخل فخرجت جارية معها شئ مغطى، ثم ناداني:

أدخل، فدخلت، ونادى الجارية فرجعت، فقال لها: اكشفي عما معك، فكشفت عن غلام أبيض، حسن الوجه.. فقال: هذا صاحبكم، ثم أمرها فحملته، فما رأيته بعد ذلك، حتى مضى أبو محمد (الحسن العسكري) (1).

ومنها (ثانيا) ما روي عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج إلي من أبي محمد، قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثم خرج إلى من قبل مضيه، بثلاثة أيام يخبرني بالخلف من بعده (2).

ومنها (ثالثا) ما روي، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد، جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أسألك؟ فقال سل، قلت: يا سيدي:

هل لك ولد؟ فقال: نعم، قلت: فإن حدث بك حدث، فأين أسأل عنه؟ قال:

بالمدينة (3).

هذا فضلا عن أن " الكليني " إنما قد أفرد بابا خاصا في تسميته من رأى المهدي (4)

هذا إلى أن الإمام الحسن العسكري، إنما قد مهد لغيبة ولده المهدي، فلقد روى المسعودي في " إثبات الوصية ": " أن أبا الحسن صاحب العسكر، وقد

____________

(1) الكليني: الكافي 1 / 328.

(2) نفس المرجع السابق.

(3) نفس المرجع السابق.

(4) نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق ص 300 المسعودي: إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب - النجف - ص 225.

الصفحة 218
احتجب عن كثير من الشعية، إلا عن عدد يسير من خواصه، فلما أفضى الأمر إلى أبي محمد، وكان يكلم شيعته الخواص وغيرهم من وراء الستر، إلا في الأوقات التي يركب فيها دار السلطان، وأن ذلك كان منه، ومن أبيه قبله، مقدمة لغيبة صاحب الزمان، لتألف الشيعة ذلك، ولا تنكر الغيبة، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار " (1).

وعن الإمام محمد الجواد قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر، فقيل له: لم سمي المنتظر؟ قال: لأن له غيبة تكثر أيامها، ويطول أمدها (2)

ويقول الأستاذ محمد جواد مغنية: وللإمام المهدي غيبتان: صغرى وكبرى، ومعنى الصغرى أن الإمام كان يحتجب عن الناس إلا عن الخاصة، وأن اتصاله بشيعته كان عن طريق السفراء، فكان الشيعة يعطون الأسئلة للسفير، وهو بدوره يقوم بتوصيلها إلى الإمام، وبعد الجواب عنها، والتوقيع عليها، يرجعها إلى السائلين عن طريق السفير، ومن هنا سميت " الغيبة الصغرى "، أي أنها ليست غيبة كاملة، انقطع فيها الإمام عن الناس، وكانت مدتها 74 سنة.

وكان السفير الأول بين الإمام الغائب وشيعته رجل يدعى " عثمان بن عمر "، والعمر الأسدي، وكان عثمان هذا وكيلا للإمام " علي الهادي " - جد الإمام الغائب - ثم وكيلا لأبيه الإمام " الحسن العسكري " ثم صار سفيرا للمهدي.

ولما توفي عثمان بن عمر تولى السفارة من بعده ولده محمد بأمر من الإمام المهدي، ثم تولاها بعده " الحسين بن روح النوبختي "، ثم " علي بن محمد السمري "، وبعد هؤلاء السفراء الأربعة انتهت الغيبة الصغرى.

____________

(1) المسعودي: إثبات الوصية ص 225.

(2) الصدوق: كمال الدين وتمام النعمة 2 / 50 (طهران 1378 هـ).

الصفحة 219
وأما " الغيبة الكبرى " فتبتدئ بمنتصف شعبان عام 328 هـ، وفيها انقطعت السفارات والاتصالات بين الإمام وشيعته، والله سبحانه وتعالى أعلم بحكمتها، فإنها سر من أسراره عز وجل، والشك في أسرار الله جحود، والجهل ليس عذرا يسوغ الإنكار، إذ ليس كل ما هو كائن يجب أن نعلمه بالتفصيل.

فنحن المسلمون جميعا نؤمن بالقرآن الكريم كلمة كلمة، وحرفا حرفا، ومع ذلك نجهل بعض معاني ألفاظه، كفواتح السور، التي قيل أن علمها عند الله وحده، وقال آخرون: إن علمها عند الله ونبيه وصلواته على جدهم وعليهم أجمعين (1).


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا مولانا وجدنا محمد رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

____________

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 252 - 253، وانظر: النعماني: الغيبة ص 89، الطوسي: الغيبة ص 214، الجزائري: الأنوار النعمانية 2 / 21، الحائري: إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب ص 435.


***