الصفحة 68

الفصل الثامن
في (1) أغلاطهم في إمامة المفضول


فمن عجيب أمر القائلين بإمامة المفضول، ومخالفتهم موجبات العقول: أنهم قصدوا إلى من اعترفوا بأنه أشرف الأمة وأفضلها، وأوسعها علما وأكملها، وأنه البصير بسياستها، الخبير بشرائط رئاستها، الذي لم يزل ناهضا بأثقالها، خائضا بحار أهوالها (2)، مجاهدا مذ كان في نصرتها، عالما بأحكام ملتها، زاهدا في زهرة دنياها، صابرا على عظيم بلواها، متميزا بالمناقب فيها، مبرزا في الفضائل عليها، قد جعل الله أعماله أعلى وأفضل من أعمالها، وثوابه أزكى وأجزل من ثوابها، فمنعوه أعلى المنازل وأجلها، وأشرف الرتب وأفضلها، وهي منزلة الإمامة التي تليق به ويليق بها، وتشهد العقول السليمة بأنه دون الخلائق صاحبها، ورفعوا إليها [ نسبة ] من لا نسبة بينه وبينها، وقالوا: إن [ من ] الحق الواجب ألا يكون [ هذا ] السيد الفاضل رئيسا مقدما، و [ من ] الرأي المصيب أن يكون رعية

____________

(1) في " ش ": من.

(2) في " ح ": أنوارها.


الصفحة 69
مأموما، ومن السداد والرشاد أن يكون مقتديا بالناقص، متصرفا تحت آراء الجاهل وفي دين الله عز وجل أن يكون من دونه يسوسه ويرعاه، ويأمره وينهاه، ويلزمه طاعته، ويحرم عليه مخالفته.

وهذا والله بهت لأحكام العقول، ولعب في شرع الرسول، وخلاف للعادات، ودفع للضرورات، بل هو حمق ومجانة، وهوى وخدعة (1)، ولو أن أحدنا وصى على ابنه [ من هو في العقل والفهم والنهضة والعلم والصلاح والديانة والورع والأمانة دون ابنه ] لكان عند الناس بمنزلة (2) المجانين، وفي حيز المخبلين، وما زلنا نسمع العامة تقول: " يأتي على الناس زمان يسلم فيه المعلم إلى الصبيان، ويسوق فيه البغل الطحان (3) " ونحن نضحك منهم وننكر عليهم قولهم حتى سمعنا قول المعتقدين إمامة المفضول، ومخالفتهم ما تقتضيه العقول (4)، وقد استغاث منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلما، وشكاهم إلى الله تعالى مستعديا، فقال:

" اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا (5) رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا " (6) في كلام له معروف بعد هذا.

____________

(1) في " ش ": وهذر وخلاعة.

(2) في " ش ": في منزلة.

(3) في " ح ": على الطحان.

(4) في " ح ": ومخالفتهم فيما تفسره لأحكام العقول.

(5) في النهج: على قريش ومن أعانهم، فإنهم قد قطعوا.

(6) نهج البلاغة: 336، خطبة رقم 217.


الصفحة 70
ومن عجيب أمرهم: تمحلهم الباطل في الاعتذار لتقديم المفضول على الفاضل وقولهم: إن العاقدين خافوا أن يلي الفاضل (1) عليهم فيرتد إلى الكفر قوم منهم لما في نفوسهم عليه من الأحقاد وما بينه وبينهم من الغوائل (2) والترات، فوجب تأخيره وتقديم من [ هو ] دونه ليؤمن [ من ] وقوع هذه الحال، وتسكن نفوس من يخاف منهم الارتداد، وينسون عند هذا الاعتذار ما قد أجمعوا معنا عليه، ولم يخالفونا (3) فيه، من أن الحكيم يجب أن يفعل أفضل الأمور وأعلاها، وأشرفها وأولاها، وإن ضل عندها من ضل، وكفر من كفر، كإرساله سبحانه الأنبياء (عليهم السلام) إلى من يعلم أنهم يقتلونهم ويزدادون في غيهم، وتبليغه أطفالا يعلم من حالهم أنهم يكونوا كفارا إذا بلغهم، وتكليفه قوما قد علم أنهم يضلون إذا كلفهم، فكيف صار من الحكمة والعدل فعل هذه الأمور، وإن ضل معها الجمهور؟ ومن الظلم والجور تقديم الفاضل على المفضول (4)، خوفا من ضلال قليل من كثير، وإلا انقادوا إلى هذا الفاضل، واتبعوا في ذلك الواجب فتكون الحجة على من خالف وعاند، فكيف نسوا (5) هذا الأصل الذي تحملوا باعتقاده (6) بين [ أهل ] العدل؟

أوليسوا مقرين بأن الله تعالى قد علم من قوم موسى (عليه السلام) أنهم يكفرون، إذا قدم

____________

(1) في " ش ": المفضول.

(2) في " ش ": الطوائل.

(3) في " ش ": يخالفوا.

(4) في " ح ": تقديم المفضول على الفاضل.

(5) في " ش ": نسبوا.

(6) في " ح ": باعتقادهم.


الصفحة 71
عليهم أخاه هارون (عليه السلام)، ويتخذون العجل إلها من دون الله تعالى، ولم ينهه عن تقديمه، ولا منعه من استخلافه وتركه، وفعل الأفضل في حكمته؟ وليس لهم أن يفعلوا فإن الامتحان (1) هو إلى الله تعالى دون العباد وتقديمهم الفاضل وهذه الحال امتحان، لأن هذه العلة تسقط من أيديهم من حيث إن الله تعالى هو الدال على وجوب تقديم الفاضل بدليل العقل والسمع، فإذا هم قدموه، وانقادوا له وأطاعوه، فإنما قدموا من قدمه الله، وأطاعوا من ولاه أمرهم، فهو الممتحن للعباد دونهم، وأما أحقادهم (2) عليه فإنما كانت في أمور يرضاها الله عز وجل، وهو الآمر بها على لسان رسوله (صلى الله عليه وآله) (3)، فقد كان يجب أن يكون حقدهم على من [ كان ] هو الأصل فيها [ والآمر بها ] والداعي إليها قاتلهم الله.

أترى لو قالت طائفة من الأمة: لسنا نثبت على الإيمان إلا بأن نخرج الفاضل من بيننا، هل كان يجب إخراجه؟ بل لو قالت ذلك بعد العقد [ له ] هل كان يجب عزله؟ هذا إذا كانوا يعلمون أن قوما عند تقديمه يرتدون فكيف وإنما معهم في ذلك الدعوى من غير يقين والأمر بضد ما يقولون؟ ولقد أحسن شاعرنا حيث يقول:


لو سلموا لعلي الأمر واحتسبوا (4) ما سل بينهم في الناس سيفان

ومن عجيب أمرهم: اعتمادهم (5) على هذا الاعتذار مع علمهم باختلاف الناس

____________

(1) في " ح ": وليس لهم أن يقولوا بأن الامتحان.

(2) في " ح ": هذا وأحقادهم.

(3) في " ح ": رسول الله (صلى الله عليه وآله).

(4) في " ح ": لو سلموا لولي الأمر أمرهم.

(5) في " ش ": ومن العجب اعتمادهم.


الصفحة 72
بأبي (1) بكر لما تقدم، وكراهيتهم له [ مع علمهم ] ومعرفتهم بما كان من أهل اليمامة [ وقولهم: إنهم ارتدوا عن الإسلام حتى أنفذ إليهم أبو بكر خالدا في جيش لقتالهم وقول أهل اليمامة ] لخالد بن الوليد: " والله لا أطعنا أبا (2) فصيل أبدا "، وقول خالد لهم: " والله لا رفعنا السيف عنكم حتى تسموه (3) بالفحل الأكبر " (4) فكان من أمرهم معه ما قد اشتهر من الحرب المبيرة، والفتنة العظيمة، وسفك الدماء، وسبي الحريم، وهلاك من لا يحصى، ثم اختلاف من سواهم [ عليه ] ممن يبسط في ذكره (5) الخطاب، ويطول بوصفه الكتاب، فما يرى الخلف والارتداد [ حصلا ] إلا بتقديم أبي بكر على الناس.

ومن العجب: نسيانهم عند هذا الاعتذار كراهية القوم (6) تقديم أبي بكر عمرا عليهم، ونفورهم من نصه عليه (7)، حتى خوفوه الله عز وجل وقالوا له: ما أنت قائل إذا لقيته وقد وليت علينا فظا غليظا، والله ما كنا نطيقه وهو رعية فكيف إذا ملك الأمر؟ فاتق [ الله ] ولا تسلطه على الناس، فغضب وقال [ لهم ]: أبالله تخوفوني؟ أقول له: يا رب وليت عليهم خير أهلك (8).

____________

(1) في " ش ": على أبي.

(2) في " ح ": لأبي.

(3) في " ح ": تتأمروا.

(4) تاريخ الطبري: 3 / 253. الفتوح لابن أعثم: 1 / 14. البداية والنهاية: 6 / 317.

(5) في " ح ": بذكره.

(6) في " ش ": الناس.

(7) في " ح ": نصبه عليهم.

(8) الطبقات الكبرى: 3 / 199. الكامل في التاريخ: 2 / 425. شرح نهج البلاغة: 1 / 127. الإمامة العظمى: 150.


الصفحة 73
ومن العجب: [ أن يكون ] فضل عمر بن الخطاب عند أبي بكر يقتضي تقديمه مع العلم بكراهية الناس له، ولا يكون فضل أمير المؤمنين [ علي ] (عليه السلام) عند جميع الأمة يقتضي تقديمه عليهم وإن ظن كراهية بعضهم!

بل من العجب: اعتذارهم في تأخير الفاضل بما قد اعتذروا به مع سماعهم قصة طالوت المذكورة في القرآن (1)، وتلاوتها عليهم ما اتصلت الأيام [ وبقي الأنام ]، ولا ينتبهون بها من رقدة الضلال، حيث كرهه الناس وقالوا: (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) فلم تمنع كراهتهم له من تقديمه، وأخبر الله سبحانه عما أوجب رئاسته عليهم (2) وتقدمه ف: (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء) (3) فأخبرهم أن الذي آتاه (4) من علمه وقوته اقتضى تقديمه في حكمته (5)، فكيف لم يعتبروا بهذا من قول الله سبحانه وتعالى فيعلموا أنهم على ضلال في تقديم من عرف ضعفه في علمه وجسمه، على من [ قد ] حصل الإجماع على أن الله تعالى قد جعله في بسطة من العلم والجسم كطالوت في قومه.

ومن عجيب أمرهم: أنهم اعترفوا بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) الفاضل [ وأن أبا بكر المفضول، وأقروا بأن الفاضل ] بحكم الله تعالى أعلى الناس قدرا، وأرفعهم محلا وذكرا، وأزكاهم عملا، وأولاهم بالمدح والثناء، وأنه لا يحل استنقاصه،

____________

(1) في " ش ": في كتاب الله.

(2) في " ح ": بما أوجب رئاستهم عليه.

(3) سورة البقرة: 247.

(4) في " ش ": أتاهم.

(5) في " ش ": حكمه.


الصفحة 74
ولا يسوغ ذمه، ثم أجمعوا (1) مع ذلك على كفر الخارجين عن طاعة أبي بكر، واستحلال [ دم ] مانعيه الزكاة وسبي حريمهم، ولم يقيموا للشاك في إمامته عذرا، ثم بسطوا عذر الشاك في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والممتنعين عن نصرته، والخارجين عن وجوب طاعته، كسعد بن أبي وقاص، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، القاعدين عن معونته، والخاذلين الناس عن نصرته، وتولوهم تولي الصالحين، وقطعوا لهم بالجنات والنعيم المقيم، ولم (2) يقنعوا بهذا حتى تولوا محاربيه، ومستحلي دمه ودماء أهله وذريته (3)، الساعين في الأرض بالفساد، والمقيمين الفتنة في البلاد، الذين سعوا في قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقرفوه (4) بقتل عثمان [ بن عفان ]، وغصبوا الأموال، وأقاموا عمود الضلال، طلحة والزبير وعائشة ومن انضاف إليهم من الناس، وقالوا: إن هؤلاء الثلاثة تابوا قبل الممات، وإنهم يوم (5) القيامة يحشرون مع أمير المؤمنين (عليه السلام) [ وهم ] أصفياء له وأحباب، وهذا من المكابرات التي لا يجوز استحسانها (6) ذوو الديانات، وقد قيل لأحد القائلين بإمامة المفضول: ما تقول فيمن قصد [ إلى أحد ] الثلاثة المفضولين، أبي بكر وعمر وعثمان فلطمه وشتمه؟

____________

(1) في " ش ": وأجمعوا.

(2) في " ش ": وما.

(3) في " ش ": مستحلي دمه ودماء أهله وذويه.

(4) في " ح ": وقذفوه.

وقرفه بكذا، أي أضافه إليه واتهمه به. (لسان العرب: 9 / 280 - قرف -).

(5) في " ش ": في.

(6) في " ح ": لا يستحسنها.


الصفحة 75
قال: أقول: إنه [ قد ] كفر.

وقيل [ له ]: فما تقول فيمن قصد إلى هذا (1) الفاضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحاربه وأجلب عليه واستحل سفك دمه؟

قال: أقول: [ إنه ] قد فسق، وهذا أيضا من العجب!

____________

(1) في " ح ": فيمن إذا قصد هذا.


الصفحة 76

الفصل التاسع
من أغلاط البكرية


فمن عجيب أمرهم وظاهر غلطهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر ليصلي بالناس، وزعمهم أن ذلك دليل على استحقاقه الإمامة العامة على [ جميع ] الأنام بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، [ هذا مع رواياتهم عنه (صلى الله عليه وآله) ]: " إن الصلاة جائزة خلف البر والفاجر " (1) وإقرارهم بأن الإمامة العامة لا تجوز لفاجر.

ومن عجيب أمرهم في ذلك: [ أنهم ] جعلوا الإمامة العامة التي هي الخلافة داخلة في الإمامة الخاصة التي هي إمامة الصلاة، وهذا عكس الصواب، والمعلوم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نص بالإمامة العامة على رجل كان له أن يصلي بالناس، لأن تقدمه (2) في الصلاة [ هو ] بعض ما رد إليه، وليس كذلك إذا قدمه للصلاة ببعض الأمة يكون قد رد إليه تنفيذ الأحكام، وتدبير جميع الأنام، لأن هذه الأمور ليست داخلة في الصلاة.

____________

(1) سنن أبي داود: 1 / 162، ح 594.

(2) في " ح ": التقدم.


الصفحة 77
ومن العجب: أن من جملة ما يروونه عن عائشة قولها: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قام ورجلاه تخطان الأرض (1) وهو متك على رجلين، أحدهما الفضل بن العباس، فأخر أبا بكر عن المحراب، فيجعلون تقديمه ولاية ولا يجعلون تأخيره عزلا، وهذا دليل على أنه لم يقدمه، وأن تقديمه كان من عائشة، ولذلك قال لها ولصويحبتها (2): " إنكن لصويحبات يوسف " (3).

ومن عجيب أمرهم: أنهم يجعلون صلاة أبي بكر بمن في المسجد مع عدم اتفاقهم على أنه تممها موجبة له الفضيلة (4) العظيمة، ومرتبة الخلافة والإمامة، ولا يجعلون ذلك لعبد الرحمن بن عوف مع روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) صلى خلفه وأنه كان مضى ليصلح بين قبيلتين من الأنصار (5) فعاد وقد فاته صلاة المغرب وقدم الناس عبد الرحمن بن عوف يصلي (6) بهم، فلما أتى النبي (صلى الله عليه وآله) [ وهو في الصلاة ] صلى خلفه، فلما فرغ قال له الناس (7): يا رسول الله، أتصلي خلف رجل من أمتك؟!

____________

(1) في " ح ": في الأرض.

(2) في " ش ": ولحفصة.

(3) انظر: الموطأ: 1 / 171، ح 183. مسند أحمد بن حنبل: 5 / 361 و 6 / 96. صحيح البخاري:

1 / 169 و 182، و 4 / 182، و 9 / 121. الجامع الصحيح للترمذي: 5 / 613، ح 3672. تاريخ الطبري: 3 / 196 - 197. شرح معاني الآثار: 1 / 406. الكامل في التاريخ: 2 / 322. البداية والنهاية: 5 / 233. كنز العمال: 5 / 634، ح 14116.

(4) في " ش ": موجبة للفضيلة.

(5) في " ش ": الأنام.

(6) في " ش ": فصلى.

(7) في " ح ": فلما فرغ قالوا.


الصفحة 78
فقال (صلى الله عليه وآله): " ما يموت نبي من أنبياء الله حتى يصلي خلف رجل من أمته " (1)، فيوجبون الخلافة لأبي بكر بصلاته بالناس [ بعد الصلاة ] التي لم يتمها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معزل عنها، ولا يوجبونها لعبد الرحمن وقد صلى عندهم بالناس صلاة تممها والنبي (صلى الله عليه وآله) في جملة من اقتدى [ به ] فيها، وقد سمع أحد البكرية مني هذا الكلام، فقال لي: صلاة أبي بكر أجل وهو بالخلافة أولى من عبد الرحمن وأحق (2)، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر والأمة قدمت عبد الرحمن، فمن قدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى بالأمر ممن قدمه الناس.

فقلت له: إن لخصمك إذا سلم أن (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر أن يقول: بل صلاة عبد الرحمن أجل وأفضل، وهو بالخلافة أولى من أبي بكر وأحق، لأن تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) إنما دل على أنه قد رضيه إماما لمن حضر من أمته في المسجد، وصلاته خلف عبد الرحمن تدل على أنه قد رضيه إماما لنفسه ولأمته، ومن رضيه [ النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة ] لنفسه وأمته أحق بالخلافة ممن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله) إماما في الصلاة (4) لبعض أمته، فتحير ولم يأت بشئ يحسن أن نذكره (5).

____________

(1) الطبقات الكبرى: 3 / 129.

(2) في " ش ": وهو أحق بالخلافة وأولى من عبد الرحمن.

(3) في " ش ": لك.

(4) في " ش ": لنفسه ولأمته أحق بالخلافة ممن رضيه في الصلاة.

(5) في " ش ": يذكر.


الصفحة 79

الفصل العاشر
في (1) أغلاطهم (2) في التقية


فمن عجيب أمر المعتزلة وظاهر [ ظلمهم و ] دعواهم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمدح أبا بكر وعمر في وقتهما وبعدهما، وأنه وولده [ وأهله ] وشيعته [ كانوا ] يعظمونهما (3) ويثنون عليهما، ويجعلون هذه الدعوى دليلا (4) على صوابهما، ووصى أمير المؤمنين (عليه السلام) ذريته بتقديمهما (5)، هذا مع المروي المشتهر من ضد هذا، فإذا قيل لهم على وجه تسليم الدعوى: ما ننكر (6) أن يكون ما [ قد ] ذكرتموه ورد على سبيل التقية منهم ومداراة لهما في وقتهما، واستعظاما لشيعتهما من بعدهما (7)، استعظموا هذا القول واستبعدوه وأنكروه وجحدوه،

____________

(1) في " ح ": من.

(2) في " ش ": غلطهم.

(3) في " ش ": يطيعونهما.

(4) في " ش ": دلالة.

(5) في " ح ": ورضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وذريته بتقدمهما.

(6) في " ش ": تنكرون.

(7) في " ح ": لشيعتهم من بعدهم.


الصفحة 80
فإذا [ هم ] سمعوا من سواهم من الحشوية [ يقولون: ] إن الدليل على صواب معاوية بن أبي سفيان بعد صلح الحسن (عليه السلام) ما ظهر من الحسن والحسين ومحمد بن علي (عليهم السلام)، وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وجابر بن عبد الله الأنصاري [ وأبي ذر الغفاري ] وأبي أيوب الأنصاري رحمة الله عليهم وغيرهم من التعظيم له والاجلال، وإظهار الاتباع، وترك الإنكار، وقالوا لهم: إن هذا كان ممن ذكرتموه على وجه التقية من معاوية لما كانوا عليه في أيامه من أحكام الضرورة الملجئة إلى الاستعطاف والاستمالة، ولما علموه من المصلحة في ترك المشاقة والمخالفة فيعتمدون نظير ما ينكرون، ويستعملون الاحتجاج الذي يجحدون قلة تأمل بوجه المناقضة وعدم إنصاف وديانة.

ومن العجب قولهم: إذا كان أبو بكر وعمر وعثمان قد تركوا كثيرا من الأحكام، وأظهروا البدع في الإسلام، فلم لم يغير ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) لما انتهى الأمر إليه بعد عثمان؟ ولا يطلعون [ في الآثار فينظروا ما كان عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) من أحكام الاضطرار ] أنه (عليه السلام) نهاهم عن الجماعة في صلاة نوافل شهر رمضان فتفرقوا عنه وصاحوا: واعمراه نهيتنا (1) عن سنة عمر بن الخطاب، فإذا كانت هذه حاله معهم في النهي عن أمر يعلمون أن عمرا ابتدعه، ويتحققون أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عنه وأنكره، ويجعلون البدعة من عمر سنة، فكيف [ لو غير أكثر من هذا، بل ] لو غير بدعهم كلها وجاهر (2) بمخالفتهم في الأمور التي استحدثوها؟ فكيف تنكر تقيته منهم وهذه حاله معهم؟ ألم يسمعوا قوله (عليه السلام): " [ أما والله ] لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم [ وحكمه ]، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين

____________

(1) في " ش ": نهينا.

(2) في " ش ": وجاهد.


الصفحة 81
أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينطق كل كتاب ويقول: يا رب قضى علي فينا بقضائك " (1). وقوله (عليه السلام): " أما والله لو ثبتت قدماي لغيرت أمورا كثيرة " (2).

ومن عجيب أمرهم: قولهم: كيف جازت التقية على الإمام وهو عندكم حجة فيما فعل وقال، وبه قطع الله الأعذار، ومنه يعرف الخطأ من الصواب (3)، وهم يعتقدون مع هذا أن في الأمة جماعة هم الصفوة الأخيار، والحجة لله على العباد، وبهم يعرف الحق والصواب، والتقية عليهم جائزة إذا اعترضت الأسباب، فقد أقاموهم في كونهم حجة مقام (4) الإمام، وأجازوا عليهم [ من التقية ] ما لم يجيزوا على الإمام، [ وهذا من جور الأحكام، وربما قالوا أيضا: إذا جازت التقية على الإمام، ] فلم لا تجوز على النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فإذا فرقنا بينهما في هذا الباب قالوا: لم يصح لكم فرق، لأنها عندكم حجتان (5)، فإذا قيل لهم: أليس قد أجزتم التقية على الطائفة الأخيار، والصفوة من الأئمة الأبرار، الذين قولهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) حجة في الحلال والحرام، فلم لا تجيزونها على النبي (صلى الله عليه وآله) وهما عندكم حجتان؟ تعاطوا الفرق الذي عابوا نظيره، واضطروا إلى التشبث بما أنكروا [ منا ] إيراده.

ومن العجب: إنكارهم جواز التقية على الأنبياء (عليهم السلام) في شئ من الأحوال مع علمهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) استتر في الشعب والغار ومن قبله هرب موسى (عليه السلام) وأخبر الله

____________

(1) بصائر الدرجات: 132 - 134. شرح نهج البلاغة: 12 / 321. بحار الأنوار: 26 / 182 - 183.

(2) نهج البلاغة: 523، حكمة رقم 272، بلفظ: لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت أشياء.

(3) في " ح ": وبه يقطع الخطأ من الصواب.

(4) في " ح ": مع.

(5) في " ح ": ليس بصحيح لكم فرق، لأن عندكم هما حجتان.


الصفحة 82
تعالى [ عنه ] أنه قال: (ففررت منكم لما خفتكم) (1) وكذلك قد اتقى [ غيره من ] الأنبياء (عليهم السلام)، لكن القوم ليس من شأنهم الإنصاف.

____________

(1) سورة الشعراء: 21.