الصفحة 97

الفصل الثاني عشر
في أغلاطهم في الأسماء والصفات


ومن عجيب أمرهم، وظاهر عصبيتهم وعنادهم: تسميتهم أبا بكر عتيق ابن أبي قحافة الصديق، ولم يرووا عن النبي (صلى الله عليه وآله) خبرا يقطع العذر بأنه نحله هذا الاسم، وميزه بهذا النعت، ولا يثبت ما يدعونه من أنه أول من أسلم، وشعر حسان الذي نظمه ومدح به أبا بكر بما ادعاه من تقدم إسلامه لا يلتفت إلى مثله، لما علم من معاداة حسان لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاندته له.

وقد روي أن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال لأبيه سعد: كان أبو بكر أولكم إسلاما، فقال: لا قد أسلم قبله خمسون رجلا (1). ولا يقولون إن أمير المؤمنين الصديق وقد ثبت أنه أول من أجاب النبي وصدق به، وأنه يوم الدار كان الذي قام بين يدي الجماعة فبايعه على الإقرار بما جاء، وشهد له النبي بذلك في أقوال كثيرة مأثورة:

منها: " علي أول من آمن بي وصدقني "، و " أول من يصافحني يوم القيامة "،

____________

(1) تاريخ الطبري: 2 / 316. مناقب ابن شهرآشوب: 2 / 4. بحار الأنوار: 38 / 228.


الصفحة 98
و " هو الصديق الأكبر " (1)، وقوله لفاطمة (عليها السلام): " زوجك أقدم أمتي إسلاما " (2).

وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بين الملأ: " اللهم إني لا أعرف أحدا من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيها " (3)، وكان يقول على المنبر مفتخرا: " أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا مفتر " (4)، وقال (عليه السلام): " أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر، وصدقت قبل أن يصدق " (5)، وقوله أيضا مفتخرا:


سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي (6)

والمروي المشتهر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث يوم الاثنين وأجابه أمير المؤمنين يوم الثلاثاء (7).

وجاء عن ابن عباس في قول الله عز وجل: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون) (8) إنما أنزلت في علي (9).

____________

(1) أمالي الطوسي: 250، ح 444. اليقين: 194 و 200، باب 215. كشف الغمة: 1 / 86. بحار الأنوار: 38 / 210، ح 9.

(2) مسند أحمد بن حنبل: 5 / 662، ح 19796. كشف الغمة: 1 / 116 و 150. بحار الأنوار:

40 / 178.

(3) فضائل الصحابة: 2 / 681، ح 1164. مسند أحمد بن حنبل: 1 / 160، ح 778. مسند أبي يعلى: 1 / 348، ح 447. الفصول المختارة: 261. بحار الأنوار: 38 / 203 و 241.

(4) سنن ابن ماجة: 1 / 44، ح 120. تاريخ الطبري: 2 / 310. بحار الأنوار 38 / 204.

(5) إرشاد المفيد: 1 / 31. الفصول المختارة: 261. بحار الأنوار: 38 / 226، ح 32 وص 268.

(6) الفصول المختارة: 280. روضة الواعظين: 87. بحار الأنوار: 38 / 238 و 269 و 286.

(7) الجامع الصحيح للترمذي: 5 / 598، ح 3728. تاريخ الطبري: 2 / 310. مسند أبي يعلى:

1 / 348، ح 446. بحار الأنوار: 38 / 203.

(8) سورة الحديد: 19.

(9) اليقين: 152. بحار الأنوار: 38 / 213، ح 16.


الصفحة 99
وجاء عن ابن مجاهد، عن أبيه في قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (1) قال: جاء بالصدق النبي، وصدق به علي بن أبي طالب (2).

وروي أيضا عن ابن عباس.

وروي أيضا عن أبي ليلى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الصديقون ثلاثة: حبيب بن مري النجار - وهو مؤمن آل يس -، وحزقيل - مؤمن آل فرعون -، وعلي بن أبي طالب - وهو أفضلهم - " (3)، فكيف لا يكون علي بن أبي طالب هو الصديق ويكون مختصا بأبي بكر لولا العصبية الغالبة للعقل؟

بل من العجب: أن تجتمع الأمة بأسرها على أن النبي قال: " ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (4)، ولا يسمى أبو ذر مع ذلك صديقا ويسمون أبا بكر صديقا، ولم يرو فيه قط مثل هذا!

ومن عجيب غلطهم، وقبيح خطأهم: تسميتهم أبا بكر خليفة رسول الله مع اعترافهم بأن رسول الله لم يستخلفه، وأن المستخلف له نحو العشرة في السقيفة فصفق على يده منهم اثنان وتبعهم الباقون، وهو القائل على المنبر: " أقيلوني بيعتكم " (5) فيعلن بأن الاستخلاف كان منهم لسؤاله إقالته بيعتهم، وهم في ذلك يقولون له: يا خليفة رسول الله، ولا يسمون عليا خليفة رسول الله وقد استخلفه

____________

(1) سورة الزمر: 33.

(2) مجمع البيان: 8 / 777. شواهد التنزيل: 2 / 121، ح 811. ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ مدينة دمشق: 2 / 418، ح 924. كفاية الطالب: 233. تفسير البرهان: 4 / 711، ح 11.

(3) فردوس الأخبار: 2 / 421، ح 3866. بحار الأنوار: 40 / 76.

(4) مسند أحمد بن حنبل: 2 / 347، ح 6483. الجامع الصحيح للترمذي: 5 / 669، ح 3801 و 3802.

(5) الإمامة والسياسة: 20. بحار الأنوار: 28 / 358.


الصفحة 100
في مقامات عديدة، ونص عليه بالخلافة نصوصا كثيرة، وليس ينكرونه أنه استخلفه على المدينة في غزاة تبوك، وقال له: " إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك "، وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (1)، وهذا منه استخلاف ظاهر مجمع عليه، ويكون أبو بكر خليفة على أمور لم يردها إليه، وإن جاز هذا ليجوزون أن يقولوا: أمير رسول الله لمن لم يؤمره، وقاضي رسول الله لمن لم يستقضه، ووصي رسول الله لمن لم يوص إليه، وقد تعجب أمير المؤمنين (عليه السلام) من استقالة أبي بكر ونصه على عمر حيث قال: " فواعجبا بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته " (2)، والعاقل يعلم أن هذين الفعلين في غاية التناقض، لأن الاستقالة تدل على التبري والكراهة والنص والرغبة.

ومن العجب: أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله) عند موته أسامة بن زيد على جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر ثم يموت ولم يعزله فلا يسمى أمير رسول الله، وتجتمع طائفة فتقدم أبا بكر على سائر الناس ويسمونه خليفة رسول الله.

وقد روي أن أسامة يوما غضب على أبي بكر وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني عليك فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه فكانا يسميانه مدة حياته أميرا.

____________

(1) صحيح البخاري: 5 / 89، ح 202. صحيح مسلم: 4 / 1870 و 1871، ح 30 - 32. الجامع الصحيح للترمذي: 5 / 640 و 641، ح 3730 و 3731. سنن ابن ماجة: 1 / 42، ح 115 وص 45، ح 121. مسند أحمد بن حنبل: 1 / 170 و 177 و 179 و 182 و 184 و 185، وج 3 / 32. كنز الفوائد: 2 / 181. العمدة لابن البطريق: 135، ح 196. بحار الأنوار: 37 / 256، ح 9 وص 266، ح 39.

(2) نهج البلاغة: 48، خطبة رقم 3، وفيه: فيا عجبا.


الصفحة 101
ومن عجيب أمرهم: تسميتهم عمر بن الخطاب بالفاروق، وليس في نحلته هذا الاسم لأحد منهم حجة، ولا لناصره شبهة، ولا ورد في رواية، ولا أوجبه لعمر دلالة، ولا هو مشتق من بعض أفعاله فيستحقه على وجه الاستحقاق، ولم يسموا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الفاروق وقد قال فيه النبي ويده في يده:

" هذا فاروق أمتي يفرق بين الحق والباطل " (1).

وجاء عنه (صلى الله عليه وآله) أخبار عدة أنه الفاروق الأعظم وجعل محبته فرقا يعرف به المؤمن من المنافق.

وروي عن ابن عمر أنه قال: " ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ببغضهم عليا (عليه السلام) " (2). وفي رواية أخرى: " أن محبته علم لطيب المولد، وبغضه علم على خبث المولد "، ولا يسمون علي بن أبي طالب هذا فاروقا ويكون عمر بن الخطاب عندهم فاروقا!

ومن عجيب أمرهم مثل هذا: قولهم: إن عثمان بن عفان ذو النورين، واعتقادهم من نحلته هذا بأنه تزوج بابنتين كانتا فيما زعموا لرسول الله من خديجة بنت خويلد، وقد اختلفت الأقوال فيهما، فمن قائل: أنهما ربيبتاه، وأنهما ابنتا خديجة من سواه، ومن قائل: إنهما ابنتا أخت خديجة من أمها، وإن خديجة ربتهما لما ماتت أختها في حياتها، وقد قال: إن اسم أبيهما هالة، ومن قائل: إنهما ابنتا النبي يعلم أنهما ليستا كفاطمة البتول (عليها السلام) في منزلتها، ولا يدانيانها في مرتبتها، فيسمون عثمان لأجل تزويجه بهما مع ما روي من أنه قتل إحداهما ذا النورين ولا يقولون: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذو النورين،

____________

(1) بشارة المصطفى: 241، ح 24. اليقين: 194. بحار الأنوار: 38 / 214 و 217 و 230.

(2) شرح نهج البلاغة: 4 / 296. بحار الأنوار: 39 / 395.


الصفحة 102
وهو أبو السبطين السيدين الإمامين الشهيدين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وشنفي العرش، وريحانتي نبي الرحمة، وولدي ابنته فاطمة البتول سيدة نساء العالمين، والأئمة الهادين صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد بلغنا أن مجاهدا قال: قيل لابن عباس: ما تقول لعلي بن أبي طالب؟

فقال: " ذاك والله أحد سبق بالشهادتين، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين، وأعطى البسطتين، وهو أبو الإمامين الحسن والحسين، وردت عليه الشمس مرتين، وجرد السيف كرتين، فمثله في الأمة كمثل ذي القرنين " (1)، يعني بقوله: " أعطي البسطتين " أن الله تعالى زاده بسطة في العلم والجسم، كما فعل بطالوت من قبل (2)، وقوله: " وردت عليه الشمس مرتين " يعني في حياة رسول الله وبعده، كذلك قوله: " جرد السيف مرتين "، إنما يريد في حياته لقتال المشركين وبعده لقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

وينضاف إلى ما ذكره ابن عباس أنه في علمه وعمله ذو الشرفين، وفي سبقه وجهاده ذو الفضيلتين، وقد حاز الحسبين لأنه أول من ولد من هاشميين، فهو صلوات الله عليه أحق من عثمان أن يكون ذا النورين.

ومن عجيب أمرهم: تفضيلهم عائشة بنت أبي بكر على جميع أزواج النبي، وبهجتهم بتسميتها أم المؤمنين، بدعواهم أنها حبيبة رسول الله، وكثرة ترحمهم

____________

(1) روى المفيد في الأمالي: 235، ح 6 عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال له ابن عباس: إن علي بن أبي طالب صلى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنما ولا وثنا، ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح، ولد على الفطرة، ولم يشرك بالله طرفة عين...، عنه بحار الأنوار: 32 / 350، ح 333.

(2) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: 247.


الصفحة 103
عليها، وإظهارهم الخشوع والبكاء عند ذكرها، ثم لا يذكرون خديجة بنت خويلد وفضلها متفق عليه، وعلو قدرها لا شك فيه، وهي أول من آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنفقت عليه مالها، وكان يكثر ذكرها، ويحسن الثناء عليها، ويقول: " ما نفعني مال كمالها " (1)، ورزقه الله الولد منها، ولم يتزوج في حياتها إكراما منه لها، ولكثرة ما كان يذكرها قالت له عائشة يوما: تكثر من ذكر خديجة وقد أبدلك الله من هو خير منها؟ فقال (صلى الله عليه وآله): " كلا والله ما بدلت بها من هو خير منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وآوتني إذ طردني الناس، وأسعدتني بمالها، ورزقني الله الولد منها، ولم ارزق من غيرها " (2)، وعائشة مذيعة سر رسول الله التي شهد القرآن بأنها وصاحبتها قد صغت قلوبهما (3)، وأنهما تظاهرتا عليه وتحاملتا، وقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): " تقاتلين عليا وأنت ظالمة " (4)، مع قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) (5)، وكيف استحقت هذه أن يعلن القول بأنها أم المؤمنين، وينادي بتفضيلها على رؤوس العالمين؟ فإنا لا نعرف فعلا استحقت به هذا التميز، اللهم إلا أن يكون استحقت ذلك بحربها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومجاهرتها بعداوته، والقدح فيه، وكونها السبب في هلاك تسعة عشر ألفا من المسلمين، وإدخال

____________

(1) أمالي الطوسي: 468.

(2) الإستيعاب: 4 / 1824. كشف الغمة: 508 و 512.

(3) في قوله تعالى في سورة التحريم: 4: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما). والمعنى: أي وجد منهما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبهما عن الواجب فيما يخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه، أو أن تتوبا إلى الله مما هممتما من الشتم فقد زاغت قلوبكما.

(4) منهاج الكرامة: 34.

(5) سورة هود: 18.


الصفحة 104
الشبهة في الدين على الأصاغر المستضعفين، فلعمري إن لها ميزة عظيمة، استحقت عند القوم هذه الرتبة الجسيمة، فالويل لهم من الله.

ومن عجيب أمر الحشوية، ووقاحتهم في العناد والعصبية: أنهم يقولون: إن معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين، ويقولون: إنه استحق ذلك بسبب أن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان إحدى أزواج النبي الذين هم بنص القرآن للمؤمنين أمهات، ولا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين، بل لا يذكرونه بذكر جميل، وأخته عائشة أعظم أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم قدرا، وأجل الأمهات في مذهبهم فضلا وذكرا، وليس تدانيها عندهم أم حبيبة، ولا تقاربها، ولا أبوها كأبيها، فلم لا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ويكون أحق بذلك من معاوية بن أبي سفيان الفاسق اللعين الطليق ابن الطليق؟ لعنه رسول الله، وقال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " (1)، وكان من المؤلفة قلوبهم، ولم يحفظ قط حسنة يبسط معها في تفضيلهم له عذرا، ولا ورد في الأثر عن النبي تسميته بخال المؤمنين فيصح قولهم (2).

وبأي وجه استحق معاوية هذا الإكرام دون محمد بن أبي بكر؟ وكيف يجب أن تحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية ولم يجب أن تحفظ عائشة في أخيها محمد؟

كلا ليس يخفى على العاقل أن بغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) حملهم على تفضيل محاربيه، وتبجيل أعاديه ومعانديه، وإهمال ذكر أوليائه، والمنسوبين إليه من

____________

(1) وقعة صفين: 216 و 221. تاريخ بغداد: 12 / 181. شرح نهج البلاغة: 15 / 119. ميزان الاعتدال: 2 / 613. اللئالئ المصنوعة: 1 / 424 - 425.

(2) انظر: الاحتجاج: 1 / 429. روضة الواعظين: 87. الطرائف: 2 / 221. بحار الأنوار: 33 / 132، وج 38 / 238.


الصفحة 105
أصفيائه، وقد علم أن معاوية كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) عدوا وحربا، وأن محمد بن أبي بكر كان له وليا وحزبا، بذلك صار معاوية خالا للمؤمنين، دون محمد بن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين، مع ما أنه على الحقيقة واليقين لا يصح أن يكون أحد من إخوة أزواج النبي خالا للمؤمنين، وذلك أن الله تعالى إنما جعل أزواج نبيه أمهات لهم ليحرم عليهم بعده العقد عليهن، فلو كان معاوية عليه الهاوية أو غيره خالا للناس لأجل أن أخته في حكم الأمهات لحرم عليه وطء مؤمنة، لأن الخال لا يحل أن يطأ بنت أخته. أترى لو اجتمع إخوة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، كعبد الرحمن ومحمد بن أبي بكر أخوي عائشة، وعبد الله وعبيد الله وعاصم ومعاوية بنو عمر بن الخطاب إخوة حفصة، ويزيد ومهاجر ابنا بني أمية أخوي أم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان أخو أم حبيبة، كيف كان يترتبون في منزلة الخؤلة؟ وهل كان بعضهم خالا لبعض، أم هذا النعت مختص بمعاوية فقط؟!

وأيضا قولهم: إن معاوية كاتب الوحي (1)، وقد كان بين يدي النبي أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي وأقومهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبماذا يستحق معاوية هذا النعت دونه ودون غيره من الكتاب؟

وقد علم أن معاوية عليه الهاوية لم يزل مشركا مدة كون النبي (صلى الله عليه وآله) مبعوثا، يكذب بالوحي، ويهزأ بالشرع، وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره بإسلامه ويقول له: صبوت إلى دين محمد، ومما كتب به إلى أبيه من قبل أن يسلم قوله:


يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

____________

(1) الطرائف: 2 / 220. سير أعلام النبلاء: 3 / 129 - 130.


الصفحة 106

خالي وعمي وعم الأم ثالثهم وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا (1)
لا تركنن إلى أمر يكلفنا والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا (2)
فإن أبيت أبينا ما تريد ولا تدعن اللات والعزى إذا اعتنقا (3)

والفتح كان في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، ومعاوية يومئذ مقيم على شركه هارب من النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه كان قد هدر دمه فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مصير الاضطرار، فأظهر الإسلام قبل وفاة النبي بخمسة أشهر أو ستة أشهر، وطرح نفسه على العباس بن عبد المطلب فسأل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعفا عنه، ثم شفع له أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب، فأجابه وجعله واحدا من أربعة عشر كاتبا، فكم ترى يخصه من الكتبة في مدة ستة أشهر حتى يستحق هذا النعت بكاتب الوحي، ولولا ما حملتهم عليه العصبية التي أصدت السمع، وأعمت البصر، وليس يلتبس على أهل العقل أن مجرد الكتابة لا يحصل بها الفضل ما لم يقارنها صحيح الإيمان وعقد، لأنه قد كتب لرسول الله عبد الله بن أبي سرح (4) ثم ارتد مشركا، وفيه نزل:

____________

(1) كذا في المصادر، وفي " ح ":


جدي وخالي وعم الأم ثالثهم قوما وحنظلة المهدي لنا الأرقا

(2) كذا في المصادر، وفي " ح ":


فالموت أهون من قبل الصبات لنا خيل ابن هند عن العزى إذا فرقا

(3) شرح نهج البلاغة: 6 / 370. الغدير: 10 / 239. جمهرة خطب العرب: 2 / 23 - 24. ولم يرد البيت الأخير في جميعها.

وأورد السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: 201 البيتين الأول والثالث.

(4) هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري، ارتد فأهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه.

(سير أعلام النبلاء: 3 / 33، رقم 8).


الصفحة 107
(ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) (1).

وروي أن آخر كتبة الوحي ابن أبي سرح، وارتد من الإسلام ومات على الكفر، ودفن فلم تقبله الأرض (2)، فكيف حصل لمعاوية هذا النعت وتميز به عن الخلق؟ والمأثور أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعنه على منبره، وأخبر أنه يموت على غير ملة.

فمما روي في ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام يخطب أخذ معاوية بيد أبيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " لعن الله القائد والمقود " (3)، أي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية ذي الأستاه؟

وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: " يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي " (4)، فطلع معاوية.

وفي خبر آخر: " يطلع عليكم رجل من أهل النار " فطلع معاوية.

وعن جابر، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يموت معاوية على غير ملتي " (5).

ومن طريق آخر: " يموت كافرا ".

واشتهر عنه لم يمت إلا وفي عنقه صليب ذهب وضعه له في مرضه أهون المتطبب وأشار إليه بتعليقه فأخذه من كنيسة يوحنا وعلقه في عنقه.

____________

(1) سورة النحل: 106.

(2) صحيح مسلم: 4 / 2145، ح 14. الطرائف: 2 / 220.

(3) تذكرة الخواص: 201. شرح نهج البلاغة: 15 / 118. مجمع الزوائد: 7 / 247. الغدير:

10 / 198 - 199 و 240. جمهرة خطب العرب: 2 / 23.

(4) وقعة صفين: 220. أنساب الأشراف: 5 / 134. تاريخ الطبري: 10 / 58 - حوادث سنة 284 هـ -، شرح نهج البلاغة: 5 / 119. الغدير: 10 / 201 و 202.

(5) وقعة صفين: 217. بحار الأنوار: 33 / 187.


الصفحة 108
وروي أيضا أنه تشافى بلحم الخنزير فأكله قبل موته، وغير ذلك مما لا يحصى، وإنما يتأسى القوم هذه الأخبار وأمثالها ولم يلتفتوا إلى شئ منها لما جاهر به معاوية من معاجلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتناهيه في جهاده وحربه أنه قتل خيار أصحابه وشيعته، ولعنه على المنابر، وجعل بغضه يتوارث نصا، ولذلك قيل: كاتب الوحي، وخال المؤمنين، والخليفة الحليم، والسميح الكريم، ونسي جميع ما روي فيه بالويل الطويل، ويلهم من رب العالمين.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون خالد بن الوليد سيف الله عنادا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، أهلك الله بسيفه الكفار والمشركين، والعتاة المتجبرين، وثبت به قواعد الدين، وشد به أزر خاتم النبيين، فقال فيه الرسول (صلى الله عليه وآله): " علي سيف الله، وسهم الله " (1).

وقال هو (عليه السلام) على المنبر: " أنا سيف الله على أعدائه، ورحمته لأوليائه " (2).

واحتجوا في تسميتهم خالد بن الوليد بخبر رووه عن قتادة أنه لما فعل خالد بن الوليد بأهل اليمامة ما فعل، وبذل فيهم السيف والقتل، وقتل مالك بن نويرة - وهو مؤمن - ظلما، ووطئ امرأته من ليلته، أشار عمر إلى أبي بكر بإقامة الحد، فقال أبو بكر: يا عمر، خالد سيف من سيوف الله (3)، فسموا خالدا لذلك سيف الله اتباعا لقول أبي بكر، ونسوا أن خالدا لم يزل على الإسلام وأهله، وللنبي (صلى الله عليه وآله) عدوا وحربا، وبالدين والإيمان مكذبا، وبالشرك والإفك متعصبا،

____________

(1) أمالي الصدوق: 61، ح 6. بحار الأنوار: 38 / 90، ح 3.

(2) مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 113. بحار الأنوار: 35 / 61.

(3) شرح نهج البلاغة: 17 / 141.


الصفحة 109
وهو كان السبب في قتل المسلمين في يوم أحد، وما ابتلي به الرسول (صلى الله عليه وآله) من الأذى، حتى كسرت رباعيته، وأدمي فمه، وشجت جبهته، وقتل حمزة، وسرى القتل في أنصاره، وأثخن المشركون في أوليائه وأعوانه، وأتى على دماء حماته الذين وكلهم النبي (صلى الله عليه وآله) بثغرة الجبل، ثم لما تظاهر بالإسلام بعثه النبي إلى بني جذيمة ليأخذ منهم صدقاتهم، فخانه في عهده، وخالفه على أمره، وقتل المسلمين، واستعمل في ذلك لترة (1) كانت بينه وبينهم في الجاهلية، حتى قام النبي (صلى الله عليه وآله) خطيبا بالإنكار عليه، رافعا إلى السماء يديه، حتى رؤي بياض إبطيه وهو يقول: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " (2)، ثم أنفذ إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) ليتلافى فارطه (3) وأمره أن يدني القوم ويسترضيهم، ففعل ذلك إليهم، وبلغ منه مبلغا سرى به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ولما قبض النبي وأنفذه أبو بكر لقتال أهل اليمامة قتل منهم ألفا ومائتي نفس وهم على ظاهر الإسلام، وقتل مالكا صبرا وهو مسلم مؤمن، وعرس بامرأته، وجعل رأسه تحت يديه (4)، ولم يراقب الله عز وجل فيما صنع، ثم لم يزل مباينا

____________

(1) الترة: الثأر، تقال للموتور الذي قتل له قتيل، الجمع: ترات. وأن بني جذيمة كانوا قد سبوا نسوة من بني المغيرة وقتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد.

(2) السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 72. صحيح البخاري: 5 / 203. تاريخ اليعقوبي: 2 / 61. أمالي الصدوق: 146، ح 7. الخصال: 562. علل الشرائع: 474، ح 35. إرشاد المفيد: 1 / 139.

دلائل النبوة للبيهقي: 5 / 114. أمالي الطوسي: 2 / 112. الإستيعاب: 2 / 428، رقم 603.

إعلام الورى: 1 / 228. الكامل في التاريخ: 2 / 256. بحار الأنوار: 21 / 139 - 143، ح 1 - 6، وج 104 / 423، ح 1. الغدير: 7 / 228 - 229. سيرة المصطفى: 610.

(3) المراد: ليتلافى ما أفرط به خالد بن الوليد وما أسرف في دم بني جذيمة.

(4) ذكر في الغدير: 7 / 216 أن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب إثفية لقدر فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه.

انظر تاريخ الطبري: 3 / 279. بحار الأنوار: 30 / 471 - 495.