الصفحة 110
لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ولولده ولأهل بيته بالبغضة، ثم عمل على احتياله لقتله (1) حتى كفاه الله شره، ولما مضى بسيئ عمله ورث ابنه عبد الرحمن عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبارزه مع معاوية بالحرب، وجاهره ببغضه والمقت حتى هلك إلى النار.

فمن العجب: أن يكون من هذه صفته " سيف الله " وما ترى المخالفين ينقلون من نعوت أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفاته إلى أعدائه وشنائه أما سمعوا قاتلهم الله قول النبي (صلى الله عليه وآله): " من لقي الله عز وجل وفي قلبه مقت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لقي الله يهوديا " (2)؟ بلى قد سمعوا هذا، ولكن من عبد هواه أهلكه ضلاله!

ومن العجب: أن تمنع بنو حنيفة من حمل الزكاة إلى أبي بكر ولم يصح عندهم إمامته، فيسمونهم أهل الردة، ويستحلون دماءهم وأموالهم ونساءهم، ثم ينكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويخرجان مع عائشة يستنفرون الخلق عليه،

____________

(1) كذا، والأصوب: ثم احتال لقتله.

(2) روى الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 60، ح 234 بإسناده عن الحسن بن علي (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يبغضك من الأنصار إلا من كان أصله يهوديا.

عنه بحار الأنوار: 39 / 301، ح 113.

وروى الديلمي في فردوس الأخبار: 3 / 508، ح 5579 بإسناده عن معاوية بن حيدة:

من مات وفي قلبه بغض علي بن أبي طالب فليمت يهوديا أو نصرانيا، عنه بحار الأنوار:

39 / 305.

وروى شاذان في الروضة في الفضائل: 12 بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان قال:

سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام): يا علي، لا تبال بمن مات وهو مبغض لك كان يهوديا أو نصرانيا، عنه بحار الأنوار: 39 / 250، ح 15.


الصفحة 111
ويتناهون مع من تبعهم في حربه، ولا يسمون مع ذلك أهل الردة، ومعلوم أن منع الزكاة يدخل في جملة الحرب، لأن أحدا لا يرى حمل الزكاة إلى من يحاربه ويستحله فيكون على حكمه مانع الزكاة من غير خطأ مرتدين، والذين أضافوا إلى منعها البغي، والمشاقة، وتجريد السيف، وإقامة الفتنة، غير مرتدين!

هذا وقد بلغهم قول النبي (صلى الله عليه وآله): " حربك يا علي حربي، وسلمك سلمي " (1)، وقد علمنا أن من حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كافر فيجب أن [ يكون ] (2) من حارب أمير المؤمنين كافرا كذلك.

ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون أنفسهم بالسنة وقد غيروها وبدلوها واستحدثوها بآرائهم وعقولهم ما ليس منها، ويدعون أنهم أهل الجماعة مع أقوالهم المختلفة، وقياساتهم المتضادة، وتكون الشيعة عندهم أهل بدعة، وأقوالهم متفقة، ومعهم النص في كل حاجة!

____________

(1) تلخيص الشافي: 4 / 132. شرح نهج البلاغة: 2 / 461، وج 18 / 214، وج 20 / 402. بحار الأنوار: 32 / 331.

(2) أضفناه لاقتضاء السياق.


الصفحة 112

الفصل الثالث عشر
في ذكر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام)


ومن عجيب أمرهم: أنهم يجحدون بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) ووجوههم بها شاهدة، ويدعون محبتهم وجوارحهم لهم مكذبة، ويزعمون أنهم أحق بموالاتهم من الشيعة المؤمنين، وأخص بمودتهم من جميع العالمين، وليس الحق كالبطلان، ولا الصدق كالبهتان، وهيهات أن يجتمع الضدان، أو يحل قلبا واحدا نقيضان.

وقد بلغنا أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أحبك وأتوالى عثمان، فقال له:

" أما الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى أو تبصر " (1).

ولعمري ما ودك من توالى ضدك، ولا أحبك من صوب غاصبك، ولا أكرمك مكرم من هضمك، ولأعظمك معظم من ظلمك، ولا أطاع الله فيك مفضل أعاديك، ولا اهتدى إليك مضلل مواليك، النهار فأصح، والمنار واضح، إن كانوا في محبتهم أهل البيت محقين، وفيما ادعوا (2) من موالاتهم صادقين، فلم

____________

(1) مستطرفات السرائر: 149، ح 1. بحار الأنوار: 27 / 58، ح 17.

(2) كذا الأصوب، وفي " ح ": ادعوهم.


الصفحة 113
لا تسكن قلوبهم إذا ذكرت مناقبهم، وتثبت عقولهم إذا نشرت فضائلهم؟ ولم صار المتشيع لهم رافضيا شريرا، ومناصبهم العداوة شينا مستورا، وإذا سمعوا من يقول: " اللهم العن ظالمي آل محمد " يغضبون ويقولون: هذا تعريض ورفض، وتشرد وبغض، والمسلم لا يكون لعانا، والأفضل من اللعن التسبيح، وهم مع ذلك يلعنون الشيعة اللعن الصريح، فكيف صار لعن ظالمي آل محمد تعريضا ورفضا، ولعن الشيعة حقا واجبا وفرضا؟ بل كيف صار لعن من يقول: " إن عائشة ظلمت " صوابا يكسب ثوابا، ولم يصر لعن من لا يقول: " إن فاطمة ظلمت " ضلالا يكسب عقابا؟ ولم صارت فضائل أهل البيت (عليهم السلام) إذا وردت متفرقة في خلال أحاديثهم، ومشهورة بين روايات شيوخهم تسمع وتثبت، وإذا انتزعت وتميزت تدفع وتمقت، ومن رواها وحدها كان رافضيا ملعونا؟

ولقد أخبرني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم السلمي (1) أنه حضر بمصر مجلس ابن النخاس المحدث فروى فاخرا من أحاديثه يتضمن خبر الليث بن سعد وما فيه من الآية التي رواها [ عن ] (2) الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3)

____________

(1) هو أسد بن إبراهيم بن كليب بن إبراهيم الحراني، انظر ترجمته في بغية الطلب: 4 / 1551.

وقد تقدم ذكره في مقدمتنا ضمن مشايخ الكراجكي.

(2) أضفناها لاقتضاء السياق.

(3) خبر الليث مشهور، وأنه قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس، وإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال: " يا رب يا رب " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " رب رب " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا الله يا الله " حتى انقطع نفسه، ثم قال:

" يا حي يا حي " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا رحيم يا رحيم " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا أرحم الراحمين " حتى انقطع نفسه سبع مرات، ثم قال: اللهم إني أشتهي من هذا العنب فأطعمنيه، اللهم وإن بردي قد أخلقا.

قال الليث: فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوة عنبا، وليس على الأرض يومئذ عنب، وبردين جديدين موضوعين، فأراد أن يأكل فقلت له: أنا شريكك، فقال لي: ولم؟ فقلت: لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن، فقال لي: تقدم فكل ولا تخبئ شيئا فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط وإذا عنب لا عجم له فأكلت حتى شبعت، والسلة لم تنقص، ثم قال لي: خذ أحد البردين إليك، فقلت: أما البردان فإني غني عنهما، فقال لي:

توار عني حتى ألبسهما، فتواريت عنه فاتزر بالواحد، وارتدى بالآخر، ثم أخذ البردين اللذين كانا عليه، فجعلهما على يده ونزل، فاتبعته، حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: اكسني كساك الله، فدفعهما إليه، فلحقت الرجل، فقلت: من هذا؟ قال: هذا جعفر بن محمد (عليهما السلام).

قال الليث: فطلبته لأسمع منه فلم أجده... انظر: مناقب ابن شهرآشوب: 4 / 232.

صفة الصفوة: 2 / 173. تذكرة الخواص: 345. مطالب السؤول: 2 / 59. كشف الغمة:

2 / 160. بحار الأنوار: 47 / 141، ح 194، وج 95 / 158، ح 9.


الصفحة 114
قال: ولم أكن أسمع خبر الليث بن سعد منفردا من جملة الحاضرين، لكن سمعته في جملة السامعين، ثم عدت إليه في وقت آخر فسألته أن يملي علي ما رواه فلم يفعل، واتهمني بالتشيع، وأوصى أصحابه أن لا يمكنونني منه، فلم هذا، وما سببه؟ إن كان الخبر كذبا فقد حرمت عليه روايته، وإن كان صدقا فليس له أن يمنع طالبه.

ومن عجيب أمرهم، وظاهر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام): أنهم إذا ذكروا الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) الذي هو ولد رسول الله وريحانته وقرة عينه والذي نحله الإمامة وشهد له بالجنة حذف من اسمه الألف واللام ويقال: " حسن بن علي "، ولأولاده: " أولاد حسن "، استصغارا له، واحتقارا لذكره، ثم يقولون مع ذلك:

" الحسن البصري " فيثبتون في اسمه الألف واللام إجلالا له وإعظاما، وتفخيما لذكره وإكراما، وذلك أن هذا البصري كان متجاوزا عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وهو القائل في عثمان: " قتله الكفار وخذله المنافقون " ولم يكن في المدينة يوم قتله

الصفحة 115
إلا قاتل وخاذل، فنسب جميع المهاجرين والأنصار إلى الكفر والنفاق، وتخلف عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، ثم خرج مع قتيبة بن مسلم في جند الحجاج إلى خراسان.

ومن عجيب أمرهم: دعواهم محبة أهل البيت (عليهم السلام) مع ما يفعلون يوم المصاب بالحسين (عليه السلام) من المواظبة على البر والصدقة، والمحافظة على البذل والنفقة، والتبرك بشراء ملح السنة، والتفاخر بالملابس المنتخبة، والمظاهرة بتطيب الأبدان، والمجاهرة بمصافحة الإخوان، والتوفر على المزاورة والدعوات، والشكر من أسباب الأفراح والمسرات، واعتذارهم في ذلك بأنه يوم ليس كالأيام، وأنه مخصوص بالمناقب العظام، ويدعون أن الله عز وجل تاب فيه على آدم فكيف وجب أن يقضي فيه حق آدم فيتخذ عيدا، ولم يجز أن يقضي حق سيد الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) في مصابه بسبطه وولده، وريحانته وقرة عينه، وبأهله الذين أصيبوا، وحريمه الذين سبوا وهتكوا، فتجهد فيه حزنا ووجدا، ويبالغ عملا وكدا، لولا البغضة للذرية التي تتوارثها الأبناء عن الآباء؟!

ومن عجيب ما سمعته: أنهم في المغرب بمدينة قرطبة يأخذون في ليلة العاشوراء رأس بقرة ميتة، ويجعلونه على عصا، ويحمل ويطاف به الشوارع والأسواق، وقد اجتمع حوله الصبيان يصفقون ويلعبون، ويقفون به على أبواب البيوت ويقولون: يامسي المروسة، أطعمينا المطنفسة - يعنون القطائف - وأنها تعد لهم، ويكرمون ويتبركون بما يفعلون.

وحدثني شيخ بالقاهرة من أهل المغرب كان يخدم القاضي أبا سعيد ابن العارفي (رحمه الله) أنه كان ممن يحمل هذا الرأس في المغرب وهو صبي في ليلة عاشوراء،

الصفحة 116
فرأى هذا من فرط المحبة لأهل البيت (عليهم السلام)، وشدة التفضيل لهم على الأنام.

وقد سمع هذه الحكاية بعض المتعصبين لهم، فتعجب منها وأنكرها، وقال:

ما يستجيز مؤمن أن يفعلها، فقلت: أعجب منها حمل رأس الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) على رمح عال، وخلفه زين العابدين (عليه السلام) مغلول اليدين إلى عنقه، ونساؤه وحريمه معه سبايا مهتكات على أقتاب الجمال، يطاف بهم البلدان، ويدخل بهم الأمصار التي أهلها يظهرون الإقرار بالشهادتين، ويقولون: إنهم من المسلمين، وليس فيهم منكر، ولا أحد ينفر، ولم يزالوا بهم كذلك إلى دمشق وفاعلو ذلك يظهرون الإسلام، ويقرأون القرآن، ليس منهم إلا من قد تكرر سماعه قول الله سبحانه: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1)، فهذا أعظم من حمل رأس بقرة في بلدة واحدة.

ومن عجيب قولهم: إن أحدا لم يشر بهذا الحال، ويستبشر بما جرى فيها من الفعال، وقد رأوا ما جرى قرره شيوخهم، ورسمه سلفهم، من تبجيل كل من نال من الحسين صلوات الله عليه في ذلك اليوم منالا، وآثر في القتل به أثرا، وتعظيمهم لهم، وجعلوا ما فعلوه سمة لأولادهم.

فمنهم في أرض الشام: بنو السراويل، وبنو السرج، وبنو سنان، وبنو الملحي، وبنو الطشتي، وبنو القضيبي، وبنو الدرجي.

وأما بنو السراويل: فأولاد الذي سلب سراويل الحسين (عليه السلام).

وأما بنو السرج: فأولاد الذين أسرجت خيله لدوس جسد الحسين (عليه السلام)، ووصل بعض هذه الخيل إلى مصر، فقلعت نعالها من حوافرها وسمرت على

____________

(1) سورة الشورى: 23.


الصفحة 117
أبواب الدور ليتبرك بها، وجرت بذلك السنة عندهم حتى صاروا يتعمدون عمل نظيرها على أبواب دور أكثرهم.

وأما بنو سنان: فأولاد الذي حمل الرمح الذي على سنانه رأس الحسين (عليه السلام).

وأما بنو المكبري: فأولاد الذي كان يكبر خلف رأس الحسين (عليه السلام)، وفي ذلك يقول الشاعر (1):


ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا

وأما بنو الطشتي: فأولاد الذي حمل الطشت الذي ترك فيه رأس الحسين (عليه السلام)، وهم بدمشق مع بني الملحي معروفون.

وأما بنو القضيبي: فأولاد الذي أحضر القضيب إلى يزيد لعنه الله لنكت ثنايا الحسين (عليه السلام).

وأما بنو الدرجي: فأولاد الذي ترك الرأس في درج جيرون (2)، وهذا لعمرك هو الفخر باب من أبواب دمشق إلى الواضح، لولا أنه فاضح.

وقد بلغنا أن رجلا قال لزين العابدين (عليه السلام): إنا لنحبكم أهل البيت، فقال (عليه السلام):

" أنتم تحبونا حب السنورة (3) من شدة حبها لولدها تأكله ".

____________

(1) هو أبو محمد عبد السلام بن رغبان المعروف ب " ديك الجن "، أصله من مؤتة، وولد في حمص، ترجمه الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب: 2 / 212. وورد هذا البيت في أدب الطف: 1 / 288.

(2) سقيفة مستطيلة على عمد وسقائف، حولها مدينة تطيف بها، وهي بدمشق، في وسطها كالمحلة باب الجامع الشرقي إليها يسمى باب جيرون، وقيل: جيرون قرية الجبابرة في أرض كنعان. (مراصد الاطلاع: 1 / 366).

(3) السنور: حيوان أليف من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم، من خير مآكله الفأر، ومنه أهلي وبري، وهي سنورة. (المعجم الوسيط: 1 / 454).


الصفحة 118
أترى هذا عن محبة ومصافاة، وخالص مودة وموالاة؟ ألم يروا ما فعل قبل ذلك من لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر ثمانين سنة ليس فيها مسلم ينكر حتى أن أحد خطبائهم بمصر نسي أن يلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر في خطبته وذكر ذلك في الطريق عند منصرفه، فلعنه حيث ذكر قضاء لما نسيه، وقياما بما يرى أنه فرض، وقد لزم وبنى في ذلك المكان مسجدا وهو باق إلى الآن بسوق وردان (1) يعرف بمسجد الذكر، وهدم في بعض السنين لأمر من الأمور فرأيت في موضعه سرجا كثيرة وآثار بخور لنذور، وقيل لي: إنه يؤخذ من ترابه ويتشافى به، ثم بني بعد ذلك وعظم أمره.

وفي مسجد الرمح أيضا خبر عجيب يعرفه من افتقد أسرار القوم، لهم الويل الطويل، والعذاب النكيل، لقد نبذوا قدسهم (2)، وأطفأوا نيرانهم، واحتقبوا العظائم، واستفرهوا المخاصم، وقد بلغنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصوم " (3).

____________

(1) ذكره في مراصد الاطلاع: 2 / 756، وقال: بفسطاط مصر.

(2) القدس: السطل بلغة أهل الحجاز، لأنه يتطهر فيه. (لسان العرب: 6 / 169 - قدس -).

(3) صحيح البخاري: 6 / 124 - تفسير سورة الحج -. أمالي الطوسي: 1 / 83. العمدة لابن البطريق: 311، ح 519 و 520. بحار الأنوار: 36 / 22، ح 4، وج 39 / 234، ح 16. وفيها:

" للخصومة " بدل " للخصوم ".


الصفحة 119

الفصل الرابع عشر
في أغلاطهم في تفضيل أبي بكر بآية الغار


فمن عجيب الأمور وطريفها: أن نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) آيات من القرآن يجتمع المسلمون على اختصاصه بها، وفضيلته فيها:

منها: ما يشهد بأنه بعد رسول الله ويوجب على الكافة فرض طاعته، وهو قوله سبحانه: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1).

ومنها: آية المباهلة الناطقة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) في النسبة نفس النبي، والمتضمنة من تفضيله وتفضيل ولديه وزوجته صلوات الله عليهم ما لا يشركهم أحد فيه من العالمين، وهو قوله سبحانه: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (2).

ومنها: سورة " هل أتى " المتضمنة من فضل أمير المؤمنين وسبطيه وزوجته ما لا يختلف اثنان فيه، الشاهدة لهم بالرضوان، والخلود بالجنان، والثناء عليهم

____________

(1) سورة المائدة: 55.

(2) سورة آل عمران: 61.


الصفحة 120
في محكم القرآن.

وغير ذلك من الآيات النازلة فيه وفي أهله (عليهم السلام) بالفضائل الباهرات، التي لا يدعيها غيرهم، و [ لا ] (1) يشاركهم فيها سواهم، ولا يشهر ذلك في الفضائل، ولا يعلن بذكر مستحقه في المحافل، ويكون من أورد شيئا منه وأضافه إلى مستحقه من الشريرين الروافض، ثم تنزل في أبي بكر آية تتضمن أنه كان مع النبي في الغار، وأنه حزن فنهاه، فيكاد تقوم القيامة، وتزلزل الأرض بالأمة، ويعتقد أنها أشرف آي القرآن، وأنها شاهدة لأبي بكر بفضل يتجاوز الأفهام، ولا يدرك كنهه الأوهام.

ومن عجيب ما رأينا: مصحف قد كتب فيه آية الغار بذهب ليتميز عن جميع ما يتضمنه المصحف من كلام الله عز وجل، ونحن أبدا نحتج على من ينكر أن يكون بسم الله الرحمن الرحيم من أول كل سورة، ويدعي أنها للفرق بين السورتين، فنقول له: لو كانت وضعت للفرق فقط لكتب بخط مميز عن خط المصحف، كما يكتب أبدا أسماء السور، ولكانت في أول سورة براءة، وفي إثباتها بالخط الذي أثبت به القرآن، فليست للفرق، فقد طلب القوم بما فعلوه في آية الغار الفضل فوقعوا في الجهل، فياعجباه!

ويحق للعاقل أن يعجب كيف فعل ذلك بآية الغار ولم يفعل ب (قل هو الله أحد) التي هي سورة الإخلاص ونسبة الرحمن، والتي روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من قرأها ثلاث دفعات فكأنما قرأ جميع القرآن " (2).

____________

(1) أضفناه لاقتضاء السياق.

(2) المحاسن: 1 / 251، ح 473. كمال الدين: 542، ح 6. كنز الفوائد: 2 / 86، ح 2. بحار الأنوار:

27 / 94، ح 54، وج 39 / 288، ح 81، وج 51 / 228.


الصفحة 121
بل كيف لم يفعل ذلك بسورة الحمد التي هي: سبع المثاني، وأم الكتاب، وفاتحة الكتاب، وكل صلاة بغيرها خداج (1)؟ فكيف صارت آية الغار أحق بالتفضيل والتميز من جميع ما نزل؟ وما الذي شرفت به على سورتي " الحمد " و " قل هو الله أحد " لولا الهوى الذي يعبده، والعناد الذي يقصد، وقد رأيت نسخة التوراة مع بعض اليهود فاطلعت فيها فرأيتهم قد ميزوا العشر الكلمات عن جميعها فكتبوها بذهب، فأظن فاعل ذلك بآية الغار اقتدى باليهود في هذا الأمر.

ومن العجب: اعتقادهم في آية الغار فضلا وهي شاهدة عليه بالنقص واستحقاق الذم، وظنهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذه معه للأنس به، وقد آنسه الله بالملائكة ووحيه، وتصحيح اعتقاده أنه تعالى ينجز له ما وعده، وإنما أخذه لأنه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه احتياطا في تمام شره، وتوهموا أن حصوله في الغار منقبة له، وفي الغار ظهر خطاؤه وزلله، لأنه حصل معه في الغار في حرز حريز، ومكان مصون، بحيث يأمن الله على نبيه مع ما ظهر له من الآيات في تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه، لم يثق مع هذه الأمور بالسلامة، ولا صدق بالآية، وأظهر الحزن والمخافة، حتى غلبه بكاؤه، وتزايد قلقه وانزعاجه، وبكى النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الحال إلى مقاساته، ووقع إلى مداراته، فنهاه عن الحزن وزجره، ونهي النبي (صلى الله عليه وآله) لا يتوجه في الحقيقة إلا إلى الزجر عن القبيح، ولا سبيل إلى صرفه إلى المجاز بغير دليل، لا سيما وقد ظهر من جزعه وبكائه ما يكون من مثله فساد الحال في الاختفاء، فهو إنما نهى عن استدامة ما وقع منه، ولو سكنت نفسه إلى ما وعد الله تعالى نبيه، وصدقه فيما أخبر به من

____________

(1) خداج: نقصان. (لسان العرب: 2 / 248 - خدج -).


الصفحة 122
نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه، ولا انزعج قلبه في الموضع الذي يقتضي سكونه، فأي فضيلة في آية الغار يفتخر بها لأبي بكر لولا المكابرة واللدد (1)؟!

وأعجب من هذا: قول الله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) (2)، فيعلمون بهذا أن السكينة اختصت برسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنه المؤيد بالجنود دون غيره، ولا يجوز أن يريد الله تعالى بجنوده أحدا من الأنام سوى نبيه!

ومن عجيب جهلهم: قولهم: إن النبي مستغن بنبوته عن السكينة، حتى كأنهم لم يسمعوا في القرآن قول الله: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) (3)، ولو أنهم يسمعون ذلك استماع من يعيه ويفهم لعلموا أن السكينة لا تنزل على أحد من أهل الإيمان ومعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلا وتنزل على النبي (صلى الله عليه وآله) قبله، ويذكر قبل ذكره، وتحققوا أن نزولها في الغار دليل على أنه للنبي (صلى الله عليه وآله) وأنه ليس معه مؤمن يستحقها، ولولا ذلك لقال: فأنزل سكينته على رسوله وعليه، أو قال: وعليهما!

ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: افتخارهم لأبي بكر بآية الغار، وإكثارهم من ذكرها، ولا يذكرون مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الليلة على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث بذل مهجته دونه، وفداه بنفسه، واضطجع في موضعه الذي يقصده إليه أعداؤه، حتى تعجبت من ذلك الملائكة، وأنزل الله في مبيته:

____________

(1) اللدد: الخصومة الشديدة. (النهاية: 4 / 244 - لدد -).

(2) سورة التوبة: 40.

(3) سورة التوبة: 26.


الصفحة 123
(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) (1)، هنالك قالت الملائكة:

هنيئا لك يا بن أبي طالب وأنت الحبيب المواسي (2)، فما انصراف القوم عن هذه الفضيلة العظيمة، ولهجهم بذكر آية الغار، إلا معاندة في الدين، وبغضة قد خالطت لحومهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)!

ومن العجب: أن يفتخر أمير المؤمنين (عليه السلام) بمبيته على الفراش فلا يعدونه له فخرا، ويعترف أبو بكر بأن حزنه في الغار معصية، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبره أن حزنه إثم وفتنة، فيخالفونه ويعدونه فخرا، وقد نظم كل واحد منها في ذلك شعرا، فروي أن أمير المؤمنين قال في مبيته:


وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله الخلق أن مكروا به فنجاه ذو الطول الكريم من المكر
وبت أراعيهم وما يثبتونني وقد صبرت نفسي على القتل والأسر (3)

وقال أبو بكر في أبيات له رواها ابن إسحاق (4) في السيرة، وهو عند القوم أمين، ثقة:


ولما ولجت الغار قال محمد أمنت فثق في كل ممسى ومولج

____________

(1) سورة البقرة: 207.

(2) فردوس الأخبار: 1 / 159، ح 587. الطرائف: 1 / 53. كشف الغمة: 1 / 310. تفسير البرهان:

1 / 445. بحار الأنوار: 36 / 41.

(3) ديوان الإمام علي (عليه السلام): 57. المستدرك على الصحيحين: 3 / 4. مناقب الخوارزمي: 127، ح 141.

(4) هو: محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، من أقدم مؤرخي العرب. (الأعلام للزركلي: 6 / 28).


الصفحة 124

بربك إن الله بالغك الذي تنوء به في كل مثوى ومخرج
ولا تحزنن فالحزن إثم وفتنة يكون على ذي البهجة المتحرج

فيقر الرجل في شعره بأن النبي أخبره أن حزنه في تلك الحال فتنة وإثم، فالفتنة الكفر، قال الله تعالى: (والفتنة أكبر من القتل) (1)، ولا صرفها في هذا المكان إلى بعض محتملاتها من غير هذا الوجه لما قد قارنها من الإثم الذي لا يكون إلا في معصية الله عز وجل وشيعة الرجل يكذبونه فيما أخبر به، ويعدون معصيته حسنة، وحزنه مسرة، ويجعلون له ببغداد عيدا في كل سنة يظهرون فيه الفرح والمسرة، فيفرحون يوم إثمه، ويسرون يوم حزنه، وقد كان يجب أن يحزنوا كما حزن، ويغتموا بما جنى وأثم، بل يبكون لبكائه إذا كانوا من شيعته وأوليائه، لكن قصوراتهم واضحة، ومناقضاتهم فاضحة!

____________

(1) سورة البقرة: 217.