ثالثاً - الإمام الحسين عليه السلام

 لقد توجّ الإمام الحسين عليه السلام  حياته السياسية بصنع حدث كبير هزّ الضمائر وآل الى تحولات عظيمة على صعيدي الفكر والواقع الاجتماعي فكانت الثورة هي ذلك الحدث الذي انطلق لمواجهة الانحراف الحكومي المتمثّل وقتئذٍ بيزيد بن معاوية، في وقت كانت الاُمّة قد بلغت حداً من النضج جعلها تدرك تلك الأوضاع، وتدرك ضرورة تغييرها، وتتأهب للمواجهة لإعادة الاُمور الى مجاريها الصحيحة التي تعرفها أيضاً. فجاء الإمام الحسين عليه السلام  لينقل هذا الوعي الى ذروة المواجهة، وليعلن الثورة على الظالمين مستعيداً سيرة جده رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، طالباً للإصلاح في اُمّته، ضارباً أروع الأمثلة للتضحية من أجل المبادئ، وبذلك أسس الإمام الحسين وعياً سياسياً جديداً يأبى المصالحة مع الحاكم المنحرف، ويأبى السكوت على انحرافه، أو الركون إليه مصداقاً لقوله تعالى  (ولا تركَنْوا الى الّذينَ ظَلَمْوا فَتَمَسْكُم النّار). ثورة الإمام الحسين عليه السلام  دارت حولها أراء عديدة لتفسيرها ربما تتناقض فيما بينها، ويؤدي بعضها الى القول بأقوال غريبة أو غير معقولة، وقد تساهم في تشويه الهدف الذي نهض وثار من أجله الإمام عليه السلام ، ولهذا سوف نستعرض نماذج مهمة من هذه الأراء لمناقشتها ونفي الفاسد منها وأثبات الصالح الموافق لطبيعة الثورة وأهدافها وغاياتها.

 

 أراء المفسّرين

 ثمّة رأيان أساسيان يهيمنان على حدث الثورة لاستكناه أسبابها ودواعيها وغاياتها، في الواقع الشيعي: الأوّل غير هادف، والثاني هادف، وينقسم الرأي الثاني بدوره الى قسمين في تحقيق صدقيّة الهدف من خلال تفاصيل حدث الثورة ونتائجها، وسوف نستعرض ذلك تباعاً.

 أمّا بالنسبة للرأي غير الهادف والذي انتجه العقل الشيعي الجمعي لعدد من سواد الناس، ويفتقد للدليل والبرهان، هو الرأي الذي مفاده أنّ الإمام الحسين عليه السلام  إنّما خرج وأعلن ثورته على يزيد بن معاوية لا لشي إلّا ليقتل ويستشهد على أيدي الظالمين، من أجل أن يصبح موضوعاً للتأسّي والألم والبكاء من قبل شيعته ومحبّيه، ولكي يكون ذلك سبباً لغفران ذنوبهم وتخليصهم من عقاب الآخرة وإدخالهم الجنّة، هذا هو الرأي. ومن الواضح أنّ هذا التفسير يلغي هدفيّة الإمام الحسين بالشكل الذي يمكن للعاملين الهادفين الاقتداء به ويجعل ذلك عملاً قائماً على أساس تعبّد بحت خاصّ به عليه السلام  وذلك لأنّنا لو كنّا وظاهر ما بأيدينا من نُظُم الشريعة لقلنا بترتّب الإشكال الشرعي على التضحية التي قام بها الإمام حيث أنّ السبب المذكور آنفاً يفتقد الملاك الشرعي الذي بموجبه يجوز إراقة الدم وتعريض النفس للهلاك.

 ويرد على هذا الوجه:

 أنّ الأهداف التي أعلنها الإمام في خطبه وبياناته صادعة بأنّ للإمام هدفاً رئيسياً هو طلب الإصلاح في اُمّه جده رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وأنّ الروايات التي وردت تبشّر بالثواب الجزيل لمن يبكي على مصاب الإمام، لا يمكن أن يُقبل في تفسيرها أكثر من التأكيد على حصول الثواب. ولا يمكن قبول فرضية أنّ الحسين عليه السلام  قُتل لكي تبكي عليه الشيعة ويوجب ذلك دخولهم الجنّة وغفران ذنوبهم مهما عظُم إجرامهم فإنّ الاعتقاد بمثل هذا الرأي يبطل الأهداف التغييرية التي جاء بها الإسلام وعمل بها الرسول والأئمة من بعده، فالتغيير لا يحصل إلّا باتباع جميع مقررات الشريعة ومن خلال العمل الصالح والإيمان واليقين.

 أمّا بالنسبة للرأي الهادف في تفسير ثورة الإمام الحسين عليه السلام  فهو الرأي الذي يتحّرك على أساس هدفيّة الإمام الحسين في إعلانه المعارضة على حكم يزيد والثورة عليه والتصدّي للظالمين. وفي دائرة هذا الرأي ثمّة اتجاهان يفسّران عمل الإمام الحسين:

 الاتجاة الأوّل: هو الاتجاه الذي يذهب الى أنّ هدف الإمام الحسين كان إقامة الحكومة الإسلاميّة، ولم يكن هدفه الاستشهاد، وإنّما شاءت الأقدار فاستشهد، فكانت شهادته خسارة عظيمة للإسلام ولم يكن فيها نفع، وقد يكون لهذا الرأي دعاته ومتبنّوه ولكنّنا نختار نموذجاً واحداً هو كتاب «شهيد جاويد» لمؤلفه «صالحي نجف آبادي» والكتاب فارسي.

 الاتجاه الثاني: ويمثّله اُستاذنا الشهيد رحمه الله  ومفاده أنّ الإمام الحسين عليه السلام  خرج وهو يقصد الشهادة ويطلبها وكانت هي غايته النهائية، وكان الهدف منها هو إحداث هزة عنيفة في نفوس وضمائر المسلمين، اُولئك الذين كانوا مبتلين بمرض «ضعف الإرادة» كما أسماه السيّد الشهيد، فالاُمّة أنذاك وفي زمن الإمام الحسين بالذات كانت تعرف الحق وأهله وتعرف الباطل وأهله، تعرف انحراف يزيد وظلمه وعدم شرعيته، وتعرف الإمام الحسين واستقامته وشرعيته، ولكنّها كانت ضعيفة الإرادة خائفة لا تقدر أن تترجم أحاسيسها ووعيها الى عمل ومواقف، ولهذا وجد الإمام الحسين أنّ أي عمل سيصبح عديم الجدوى مع اُمّة تعاني من وطأة هذا المرض الوبيل، وسوف لن يكون بمقدور أية حركة تصحيحية أن تجني ثمارها الواقعية بسبب ركود القاعدة وتصلّبها، كما أنّ استمرار هذا المرض وتفشيه في الاُمّة سوف يؤدي الى موتها وبالتالي انهيار كيانها وانعدام أيّة فرصة ضئيلة ممكنة لاستنهاضها في المستقبل، ولهذا وجد الإمام الحسين عليه السلام  أنّ علاج وضعٍ كهذا لن يكون إلّا بإحداث هزة عنيفة تهزّ وجدان وضمائر الاُمّة وتبعث فيها الحيوية والإقدام، وأنّ هذه الهزة العظيمة لا تحدث إلّا بتضحية عظيمة، وقد رأى أن يكون هو عليه السلام  الضحية التي سوف تهز الضمائر، ولم يكن أحد في الاُمّة مرشحاً لهذه المنزلة سواه، فأقدم على الشهادة، فكانت شهادته منعطفاً بارزاً وقوياً في وعي الاُمّة وحياتها، وكان أثرها على النفوس عظيماً حيث تحركت الحياة في الضمائر المريضة وحدثت الانتفاضات والثورات من بعده الى أن تقوّض حكم بني اُميّة، وظل دم الإمام الحسين منذ استشهاده والى اليوم محركاً للثوار وملهماً لشيعة آل البيت في كل حين.

 إنّ الكاتب «صالحي نجف آبادي» استدلّ على رأيه بالتصريحات والشعارات التي أطلقها الإمام الحسين عليه السلام  كقوله عليه السلام  : «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ». وكذلك استدلاله بالرسائل والكتب التي بعثها الى أهل البصرة والكوفة والتي حثّهم فيها على نصرته، والتي كانت تعني فيما تعني أنّ الإمام عازم على إرساء قواعد حكم إسلامي صحيح بعد القضاء على الانحراف والظلم، هذا من جهة، ومن جهة اُخرى، يؤكّد صالحي نجف آبادي على أنّ الوضع الاجتماعي وقتئذٍ كان يلحّ على الثورة، خصوصاً بعد بيعة أهل الكوفة وغيرهم له ومطالبتهم إيّاه الإسراع للمجي الى العراق، الأمر الذي لم يبق أمام الإمام من خيار سوى الاستجابة لنداءات الثورة، وقد استجاب عندما بعث رسوله أبن عمه مسلم بن عقيل لاستطلاع الوضع في الكوفة للتأكّد من مقوّمات النصر، وبعد أن مكث مسلم عليه السلام  قرابة أربعين يوماً في الكوفة بعث الى الحسين أن أقدم فإنّ هؤلاء جنود مجنّدة لك، وحينما رأى الإمام المؤشرات الدالّة على النصر جدّ المسير الى العراق، وحينما وصل مقصده حيل بينه وبين الدخول الى الكوفة، وعُزل عن أنصاره، فاختل ميزان القوة بينه وبين أعدائه لصالحهم، وحدثت المواجهة غير المتكافئة واستشهد الإمام الحسين، فكانت شهادته خسارة كبيرة للإسلام ونكبة عظيمة حلّت بالمسلمين، وإذن فإنّ شهادة الإمام الحسين حدثت بسبب اختلال ميزان القوة بين الإمام وجيش عبيد اللّه بن زياد، وأنّ الأسباب التي سبّبت هذا الاختلال، إنّما هي أسباب لم  تكن في حسبان الإمام وقد فوجي بها.

 ويتساءل هذا الكاتب ويستفهم ويقول: «ما معنى اعتبار قتل الحسين عليه السلام  انتصاراً للإسلام .. هل أنّ قتله سوف يسبب هداية الناس أمّ أنّ وجوده حيّاً بين الناس هو الذي يؤدي الى هدايتهم .. وهل أنّ مقتل الإمام الحسين قد أدّى الى فضح يزيد بن معاوية وهو المفضوح بشرب الخمر والفجور والفسوق .. وهل أنّ مقتل الإمام الحسين قد أدّى الى قوة الشيعة وحركاتهم الثائرة كحركة التوّابين وحركة المختار الثقفي وحركة سليمان بن صرد الخزاعي، وهي جميعها قد اُجهضت وقُتل قادتها ولم تحقق جميعاً أهدافها.. ؟

 ثم يخلص الكاتب المذكور الى هذه النتيجة وهي: أنّ مقتل الإمام الحسين كان خسارة للإسلام ومفسدة للمسلمين، وأنّ الإمام الحسين عليه السلام  لو كان يعلم ظاهرياً أنّه سيقتل لما جاز له الخروج، ولكنّه خرج على خلفية أمر ثم تبيّن له خلافه، وعندئذٍ طلب من جيش ابن زياد السماح له بالرجوع ولكنّهم منعوه وأبوا إلّا أن يفرضوا عليه الحصار لإقحامه بالنتيجة التي آلت الى استشهاده مع جميع أصحابه.

 أمّا اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض)، فإنّه كان يرى أنّ الاُمّة كانت مصابة بمرض الشكّ في زمن معاوية بن أبي سفيان، وقد عالجه الإمام الحسن بالصلح مع معاوية، أمّا في زمن يزيد فإنّ الاُمّة برأت من ذلك المرض، وكانت تعرف الحق وأهله، وتعرف الباطل وأهله ولكنّها اُصيبت بمرض آخر هو مرض «فقدان الإرادة» أو «فقدان الضمير» وهذا المرض لم يكن له من علاج لكي تبرأ الاُمّة منه سوى أن يقدم الإمام الحسين عليه السلام  على التضحية بنفسه وأهل بيته وأصحابه لكي يهز بها الضمائر الميتة ويبعث الشجاعة والإرادة فيها، وهذا ما حدث فعلاً، وحصلت تبعاً لذلك النتائج المتوقعة.

 فشهادة الإمام الحسين عليه السلام  كانت انتصاراً كبيراً للإسلام وقد حققت أهدافاً عظيمة. أمّا ظواهر النصوص التي كانت تصدر من الحسين عليه السلام  مما يشير الى أنّ الهدف هو إقامة الحكم الإسلامي فقد وجّهها اُستاذنا الشهيد رحمه الله  بالتوجيه التالي: وهو أنّ الإمام الحسين عليه السلام  حينما كان هدفه من الشهادة هو هز ضمير الاُمّة وشحذ إرادتها، فلا فائدة عندئذٍ من عنونة عمله بالشهادة فقط، لأنّ عنوان الشهادة لا يكفي بمفرده تحقيق ذلك الهدف، وكان ممكناً أن يقال عنه بأنّه ذهب لكي ينتحر، أمّا لو رأت الاُمّة إنساناً مخلصاً للإسلام كالإمام الحسين عليه السلام  وقد تحرّك نحو هدف إقامة النظام الإسلامي الأصلح، ومن أجل كلمة اللّه، وقد ضحّى بنفسه من أجل هذا الهدف عندئذٍ تدرك الاُمّة أنّ السعي للهدف الذي ضحّى من أجله الإمام الحسين يعدّ من أقدس الواجبات ويستحق التضحية كما ضحّى له الإمام الحسين عليه السلام ، ولهذا، فالإمام الحسين عليه السلام  عندما خرج معلناً الثورة على يزيد أعلن عن هدفه ومبررات خروجه، والغاية التي ينشدها، واتضح من مجموع خطاباته وأقواله وبياناته، أنّه كان يريد تصحيح الأوضاع المنحرفة، وتشييد نظام صالح تقام فيه الشريعة وتصان فيه الحقوق ويحكمه الأخيار المنتجبون.

 وحقاً أنّ الإمام الحسين قد خرج من أجل هذه الأهداف، ولكنّه كان يعلم مسبقاً بأنّه لا يستطيع تحقيقها، وأنّه سيُقتل وتُسبى نساؤه ومع ذلك خرج ليؤكّد مبدأ الشهادة من أجل الأهداف الصالحة وليهز بذلك ضمير الاُمّة ويحرك وجدانها وإرادتها، وهذا ما حصل إذ تحركت الاُمّة على خطى الإمام الشهيد وحصلت الثورات المعروفة في التاريخ.

 

 تقييم الرأيين

 اختلف الرأيان في أغلب النقاط المثارة حول الثورة الحسينية الى الدرجة التي جعلت لكل من اُستاذنا السيّد الشهيد والكاتب صالحي نجف آبادي أرضيته التي يقف عليها وينطلق منها، ولم يكن بينهما من قدر مشترك  فيما أورداه من أراء سوى مسألة واحدة، وهي اتفاقهما على القول بأنّ الإمام الحسين قد عنون معارضته لحكم يزيد وخروجه بالثورة عليه بعنوان طلب الحكم الإسلامي «أنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولكن خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي رسول اللّه عليه السلام »، بيد أنّ الاختلاف متضمّن أيضاً  في توجيه هذا الادّعاء لكل من الطرفين، فاُستاذنا السيّد الشهيد يؤكّد أنّ الإمام الحسين إنّما خرج لطلب الشهادة وهو يعلم بأنّه يستشهد، وأنّ إطلاقه عنوان طلب الحكم الإسلامي كان مجرّد شعار تعبوي وتغييري، بينما الكاتب الإيراني صالحي نجف آبادي يؤكّد أنّ الإمام الحسين لم يكن يقصد في خروجه طلب الشهادة ولكنّه كان يقصد طلب الحكم الإسلامي، بل ولم يكن يعلم ظاهرياً بأنّه سوف يُستشهد، وإلّا فلماذ أرسل أبن عمه مسلم بن عقيل الى الكوفة لكي يطلعه على أوضاع الناس ومقدار ولائهم واستعدادهم لمناصرته؟ ولماذا طلب من الحرّ بن يزيد الرياحي حينما كان آمراً على جيش عبيد اللّه بن زياد أن يفكّ الحصار عنه ويسمح له بالرجوع من حيث أتى، ولماذا كرّر الإمام الحسين الطلب يوم عاشوراء؟

 ألا يعني ذلك أنّ الإمام لم يكن قاصداً الشهادة وإنّما كان قاصداً الثورة على يزيد وقلب نظام الحكم وتأسيس حكومة إسلاميّة صحيحة برئاسته؟

 وبالحقيقة إنّ هذا الاستدلال الذي أورده هذا الكاتب سرعان ما يبطل وينهار، للسبب الذي ذكره اُستاذنا السيّد الشهيد وهو: أنّ طرح عنوان الشهادة بمفرده لا يهزّ الضمائر، ولا يؤثّر في النفوس ولا يؤدّي الأغراض التي استهدف الإمام تحقيقها، وعندئذٍ يكون من الطبيعي أن يرسل رسوله الى الكوفة مسلم بن عقيل لكي يستطلع الاُمور له، ومن الطبيعي أيضاً أن يطالب الحر بن يزيد الرياحي  حينما كان آمراً لجيش أبن سعد بفكّ الحصار عنه أو يطالب أهل الكوفة المعسكرين حوله بالسماح له بالعودة، لأنّ غرض الإمام المعلن إنّما هو إقامة الحكومة العادلة وكان هذا شعار ثورته.

 إنّ رأي صالحي نجف آبادي السالف الذكر وإن كان خيراً من الفكرة اللاواعية المتعارفة لدى الناس والتي مفادها أنّ الإمام الحسين ما خرج إلاّ لكي يقتل، ولكي يكون مقتله مصاباً يستثير شيعته ويُبكيهم، وبالتالي يكون بكاؤهم عليه شفيعهم يوم القيامة وماحي ذنوبهم ومُدخلهم الجنّة. ولكنّه لا يصلح رأيه أبداً للمقاومة في مقابل رأي اُستاذنا الشهيد رحمه الله  على ما يتّضح من تقييم المفردات التي اختلفا عليها، فما ذكرناه الآن إنّما كان في دائرة الرأي الذي اتفقا عليه جزئياً.

 أمّا الآراء التي اختلفا فيها بشكل كامل فهي:

 فالكاتب  (صالحي نجف آبادي) يرى أنّ شهادة الإمام الحسين عليه السلام  ألحقت خسارة كبيرة بالإسلام، ولم تكن في صالحه أبداً، إذ أنّ مصلحة الإسلام تقتضي أن يبقى الإمام الحسين حيّاً وأن يمارس عمله في قيادة الاُمّة وهدايتها لا أن يموت ويُقتل.

 وفي المقابل يرى اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض) أنّ شهادة الإمام الحسين قد أحيت الإسلام وكانت شجرة الإسلام بحاجة الى أن تروى بدم كدم الحسين عليه السلام  وقد اُرويت بهذا الدم المبارك.

 ثانياً: هل أنّ الإمام الحسين كان يعلم بأنّه سوف يستشهد وقد أقام عمله على أساسه؟

 فالكاتب  (صالحي نجف آبادي) يؤكّد أنّ الإمام لم يكن يعلم بأنّه سوف يستشهد بل كان يترآى له أنّه سوف ينتصر ويُقيم الدولة الإسلاميّة. بينما يؤكّد اُستاذنا الشهيد أنّ الإمام كان يعلم بأنّه سوف يستشهد.

 ثالثاً: وهي أنّ خسارة الإمام الحسين للمعركة ظاهرياً، هل كانت قابلة للرصد والتخمين للإنسان الاعتيادي منذ البدء أم أنّها حصلت نتيجة تدخّل اُمور وحدوث مستجدات لم تكن في الحسبان. فالكاتب صالحي نجف آبادي يعتقد أنّ الخسارة حصلت نتيجة توارد اُمور وعقبات صادفت حركة الثورة فأعاقتها وأخلّت بميزان القوة لصالح جيش أبن سعد، الأمر الذي أدّى الى استشهاد الإمام وأهل بيته وأصحابه.

 بينما يرى اُستاذنا الشهيد رحمه الله  أنّ الاُمور منذ بدء حركة الإمام لم تكن في صالح الانتصار الظاهري، ولم تكن تجري بالشكل الذي يكون في صالح إقامة الحكم الإسلامي، وبعبارة اُخرى، أنّ الإمام عليه السلام  كان يعلم حتّى بالحساب الظاهري لدى كل إنسان خبير بأنّه سيكون مغلوباً ومقتولاً، واُستاذنا الشهيد يؤكّد أنّ هذه النتيجة هي في صالح الإسلام بحدّ ذاتها.

 هذه هي النقاط الثلاث الخلافيّة بين  وجهتي نظر السيّد الشهيد والكاتب الإيراني صالحي نجف آبادي، ولدى مناقشتنا لهذه الآراء نكتشف أنّ بعضها لا يصمد أمام الدليل ويبطل تأثيره فيما يكون البعض الآخر حائزاً على قدر أكبر من المصداقيّة لتماسّه مع الواقع وكشفه عنه.

 فأمّا ما يتعلّق بالنقطة الاُولى، وبالذات حول الرأي الذي طرحه الكاتب صالحي نجف آبادي بخصوص مسألة شهادة الإمام الحسين واعتبارها قد أضرّت بالإسلام، فإنّ مثير هذا الرأي استدل على رأيه بالنقطتين التاليتين:

1 ـ تساؤله عن مدى انتفاع الإسلام من شهادة الإمام الحسين، ومقارنته بين أن يكون الإمام حيّاً بين الناس يهديهم الى الإسلام ويعلّمهم أحكام الدين ويقودهم، وبين أن يكون ميّتاً لا يفعل شيئاً من ذلك، واستنتاجه أنّه من غير المعقول اعتبار صلاح الناس والرسالة في موت الإمام، بل المعقول هو أن يبقى الإمام حيّاً لكي ينتفع الإسلام به.

2 ـ تساؤله عن مدى تأثير استشهاد الإمام على الحكم الاُموي وعلى الفتوحات التي حصلت بعد استشهاده كفتح بخارى وسمرقند واندونيسيا، واستنتاجه بأنّ الحكم الاُموي كان قويّاً قبل شهادة الإمام الحسين، وظل قويّاً بعده، والدليل على ذلك هو قيامهم بالفتوحات المذكورة مباشرة بعد استشهاد الإمام، كما أنّ شهادة الإمام لم تزد في فضيحة بني اُميّة إذ كانوا مفضوحين لدى الاُمّة من قبل وقد سبق القول من معاوية لأهل العراق «ما قاتلتكم لكي تصوموا ولا لتصلوا ولكن قاتلتكم لكي أتأمّر عليكم»!.

 بل على العكس فبنوا اُميّة تمكّنوا من توطيد حكمهم بقتلهم الإمام الحسين لتخلّصهم  من قوة معارضة كبيرة.

 إنّ الكاتب صالحي نجف آبادي لم يقرّ بنتيجة إيجابية أسفرت عن شهادة الإمام سوى قوله بحصول فوائد جانبية منها تحوّل شهادة الإمام الحسين الى مدرسة سيارة عمّقت حب الحسين في قلوب محبّيه وألهمتهم دروس التضحية والفداء، وعلّمتهم أحكام وأخلاق دينهم نتيجة مظلوميّته وتضحيته العظيمة في سبيل الإسلام.

 إنّ الجواب على هذه الاستدلالات يكمن في الرأي الذي طرحه اُستاذنا السيّد الشهيد والذي سبق ذكره من أنّ ثمّة فائدة عظيمة ترتّبت على شهادة الإمام الحسين ألا وهي علاجه للمرض الذي كانت الاُمّة مبتلاة به وهو مرض «فقدان الإرادة» أو «فقدان الضمير» حيث كانت الاُمّة بحاجة الى علاج جذري لإعادة إرادتها وثقتها بنفسها إليها، ولكي لا تستسلم أكثر لمؤامرات حكّام بني اُميّة، فجاءت شهادة الإمام الحسين عليه السلام  كعلاج للاُمّة من هذا المرض الوبيل، وفعلاً بعد شهادة الإمام استعادت الاُمّه ثقتها بنفسها ونهضت معلنة صرخة الرفض لكل أشكال الحكم المنحرف وحدثت ثورة التوابين ، وثورة المختار الثقفي، وثورة زيد بن علي وغيرها من الثورات، ورغم انتكاسة هذه الثورات إلّا أنّها كانت تعبّر عن مدى التأثير الذي أحدثته شهادة الإمام الحسين في نفوس أبناء الاُمّة، وكانت تدلّل في الوقت نفسه على دخول الاُمّة في عهد جديد من أبرز ملامحه المعارضة والثورة والعصيان وهذا ما لم يحدث من قبل شهادة الإمام، كما أنّ ثمّة تأثيرات واستجابات حصلت لدى حكّام بني اُميّة نتيجة تصاعد هذه الروح، منها استجابة الحاكم الاُموي عمر بن عبد العزيز وإصداره الأوامر برفع سبّ أمير المؤمنين من على منابر المسلمين، وكذلك الضعف الذي دبّ في أوصال حكم بني اُمّية، والذي أدّى تدريجياً الى تقويضهم نهائياً. أمّا ما ورد في ثنايا رأي الكاتب صالحي نجف آبادي من أنّ علامة قوة بني اُميّة بعد استشهاد الإمام الحسين قد تمثّلت بالفتوحات الإسلاميّة في بخارى وسمرقند وأندونيسيا، فإنّ هذا الادّعاء غير صالح البتة، ذلك لأنّ فتح هذه البلدان وإن كان صحيحاً قد حصل في زمن حكم بني اُميّة، لكنّه لا يدلّ بحال على قوة بني اُميّة، وإنّما يدلّ على قوة الإسلام في نفوس المسلمين، وأنّ مسألة فتح البلدان تعدّ من الاُمور الذي يتّفق عليها جميع المسلمين حتّى المعارضين لحكم بني اُميّة، لأنّه يدخل في اطار محاربة الكفّار ونصرة الإسلام وتوسيع رقعة الحق حتّى أنّ بعض حكّام بني اُمية كان ينال الدعم من قبل بعض أئمتنا في مقابل الحكومات الكافرة بالتخطيط لصالح الإسلام وضدّ الحكم الكافر، فهل هذا يعدّ قوة لبني اُميّة، أو دليلاً على قوتهم، أمّ لا أنّه يدلّ على قوة الإسلام في نفوسهم عليهم السلام .

 أمّا ما يتعلّق بالنقطة الثانية التي أثارها الكاتب المذكور من أنّ الإمام الحسين عليه السلام  لم يكن يعلم بأنّه سوف يقتل، وإنّما كان علمه منصبّاً على كيفية تحقيق الانتصار وإقامة الحكم الإسلامي، وكانت الأمارات دالّة على إمكانية تحقّق ذلك، فإنّ الجواب على ذلك يكمن في السؤال التالي:

 وهو لماذا لم يتجنب الإمام الحسين الشهادة لما يترتّب عليها من مضرة كما زعم هذه الأخ الكاتب بعد أن تغيّرت أمارات الانتصار واختلّ ميزان القوة لصالح عدوه ..؟ ألم يكن مقتضى العمل بعلم الظاهر المكلّف به الأئمة عليهم السلام ، هو أن يغيّر الإمام قناعاته بإمكانية الانتصار ويتجنّب القتل، وكان ظاهر الاُمور أنّ اُناساً طلبوا منه أن يأتي الى العراق بعد أن بايعوه على النصرة ومجاهدة الظالمين، وبذلك  تمّت الحجة عليه بالمجي الى العراق، وقد جاء فعلاً، ولكن تبيّن له فيما بعد أنّ الاُمور قد تغيّرت، وأنّ الناس قد تبدّل موقفهم منه  تحت تأثير سياسة أبن زياد القائمة على الترهيب والترغيب، فلماذا لم يتجنّب المواجهة التي فيها قتله وقتل أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه بعد أن تغيّر ظاهر الأمر ..؟

 إنّ الحقيقة قاطعة على أنّ الإمام الحسين عليه السلام  كان يعلم بأنّه سوف يقتل وتُسبى نساؤه، وغير مرة كان قد صارح أصحابه بعاقبة القتل والشهادة وقد خيّرهم بالانصراف عنه أو البقاء معه واستقبال هذه النتيجة، وعلى هذا الأساس استمر بالمسير الى العراق رغم علمه بمقتل رسوله الى الكوفة ابن عمه مسلم بن عقيل، وتغيّر الأوضاع في الكوفة. ألا يدلّ هذا على أنّ الإمام كان يعلم بمصيره وكان يطلبه وقد سعى إليه حثيثاً، الى أن نال مرتبة الشهادة العظيمة، فكان دمه الطاهر ثورة للأجيال منذ استشهاده والى ظهور ولده الحجة عجّل اللّه فرجه.

 أمّا ما يتعلّق بنقطة الخلاف الثالثة، واعتقاد الكاتب صالحي نجف آبادي من أنّ ثمّة اُموراً استجدت ولم يكن للإمام علم مسبق بها، أعاقت حركة الثورة وأخلّت بميزان القوة لصالح أبن زياد، فسبّبت خسارة المعركة ظاهرياً للإمام، وقد استدلّ الكاتب على رأيه بذكر سببين:

 الأوّل: ادّعاؤه بأنّ عبيد اللّه بن زياد أجبر مسلم بن عقيل على تزعّم الثورة عندما جابهه بالسيف في الوقت الذي لم يكن مسلم بن عقيل مكلّفاً بتزعّم الثورة والتخطيط لها، وإنّما كانت مهمته - حصراً - هي استطلاع الأوضاع في الكوفة وإبلاغ الإمام بالنتائج التي يصل إليها ويشاهدها، لكن هذا التزعّم المفاجئ للثورة من قبل مسلم بن عقيل أدّى الى تفجير الثورة قبل أوانها وكان ذلك سبباً لفشلها وتحمّل الإمام الحسين عب هذا الفشل!

 الثاني: قيام جيش الحر بن يزيد الرياحي بمنع الإمام الحسين من الدخول الى الكوفة والحيلولة دون تزعّمه الثورة الأمر الذي أدّى الى حصول انفصال بين القائد والقاعدة الجماهيرية فتبدلّت عندئذٍ مقاييس القوة والنصر لصالح عبيد اللّه بن زياد.

 وهذا الأمر أيضاً لم يكن في حسبان الإمام الحسين عليه السلام .

 والجواب على هاذين السببين، هو أنّنا إن كنّا نعتبر الواقعتين اللتين ذكرهما الكاتب آنفاً صحيحتان، إلّا أنّنا نخالفه بادّعاء أنّهما حدثتا على حين غرة وقد فوجي الإمام بهما، حيث أنّ من أوليات قيادة الثورات توقع القائد إمكانية اندلاع الثورة قبل أوانها أو قبل ساعة الصفر التي تقرّرت لها. وهذا احتمال وارد بنسبة كبيرة لأنّ السلطات غالباً ما تحرص على مواجهة الثورات مبكراً لجرها للمواجهة قبل اكتمال شروطها، وهذا ما يدعونا للاعتقاد بأنّ ما حدث لمسلم بن عقيل في الكوفة لم يكن صدفة وأمراً غير متوقع، فالكوفة كانت تحت سلطان بني اُميّة، والإمام يعلم بذلك، وكان يتوقع حدوث المواجهة بين السلطات وبين رسوله، ولهذا ما انفك الإمام يتابع أخبار ابن عمه ويستبين اُموره الى ان بلغه خبر قتله - في منطقة  (الثعلبية) في طريقه الى العراق - وانفضاض الناس من حوله فحزن لذلك حزناً كبيراً وواصل مسيره معتبراً أن ما حدث لم يكن صدفة وإنّما هو أمر متوقع. وقد سأله بعض أصحابه عن موقفه بعد علمه بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وفيما إذا كان ينوي الرجوع الى مكة أو الاستمرار بالمسير الى العراق، فأجابهم الإمام بالاستمرار بالمسير الى نهاية المطاف. وحتّى عندما بلغه خبر مقتل رسوله الثاني الى الكوفة بعد مسلم بن عقيل  (قيس بن سهل الصيداوي) أو  (عبد اللّه بن يقطر) على اختلاف في التاريخ، لم يثنه هذا الحادث أو يضعف في عزيمته وواصل مسيره الى العراق بالبقية المخلصة من أصحابه بعد انفضاض نفر قليل عنه، وإجازته ذلك لهم.

 إنّ هاتين الحادثتين، بالإضافة الى حادثة منعه من دخول الكوفة بعد أن أحال جيش الحر بن يزيد الرياحي بينه وبينها - وقد شبّه الكاتب المذكور هذه الأخيرة بحادث رفع المصاحف في معركة صفّين الذي وقع صدفة - إنّما تدلّ على عزيمة الإمام وإصراره على بلوغ هدفه النهائي وهو الشهادة، وكذلك تدلّ على وضوح رؤية الإمام للمواجهة والتحدّيات والمصاعب. وقد أمكنه من تجاوزها جميعاً وعدم الاكتراث بها إلّا بمقدار ما أبداه من عواطف تجاه المحن التي لاقته.

 وتجدر الإشارة الى أنّ ثمّة خطأً آخر وقع فيه هذا الأخ الكاتب عندما صوّر حادثة منع الإمام من الدخول الى الكوفة، بأنّها مصادفة بحت وتشبه الى حدٍ بعيد حادثة رفع المصاحف التي صادفت الإمام علي عليه السلام  في معركة صفّين، حيث أنّ حادثة منع الإمام من الورود الى الكوفة لا تشبه بأي حال من الأحوال حادثة رفع المصاحف، لأنّ الحادثة الاُولى هي من سنخ الحوادث المتوقّعة الواردة في احتمالات المواجهة  بين قوة معارضة وبين سلطة تخشى من امتدادات التأثير في أوساط المجتمع والقواعد الشعبية، فيما تعتبر حادثة رفع المصاحف من الحوادث غير المتوقعة في تاريخ الثورات والأحداث السياسية، وبالخصوص في التاريخ الإسلامي لعدم وجود سابق لها في الإسلام، ولهذا فلا تشابه بين الحادثتين وبين حكميهما.

 وفي النتيجة النهائية، يتبيّن أنّ الكاتب  (صالحي نجف آبادي) كان مخطئاً في جميع أرائه التي سبقت الإشارة إليها والمتعلّقة بالثورة الحسينية. فيما تعتبر أراء اُستاذنا السيّد الشهيد هي الصحيحة في تحليل الثورة الحسينية والهدف الذي كانت تتوخّاه، والغاية التي ضحّى الإمام السبط من أجلها. وكانت هذه الغاية هي الدالة الكبيرة على حكمة القائد  وهدفيته في سبيل إعادة الاُمّة الى سابق عهدها وشجاعتها وأصالتها بعد أن غزا عقلها وروحها المرض، نتيجة المؤامرات الكبيرة التي تعرّضت لها من قبل السلطات المنحرفة التي تسلّمت زمام التجربة الإسلامية بعد رحيل رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم . فكانت شهادة الإمام الحسين علاجاً ناجعاً في تخليص الاُمّة من مرض «فقدان الإرادة وموت الضمير»، حيث هبّت الاُمّة بعد حين تقارع الظالمين وتنادي بتحكيم الإسلام المحمدي وظلت هذه الروح سارية الى يومنا هذا، وستبقى الى أن يظهر المصلح من آل البيت الإمام الحجة  (عج).