رابعاً : الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام

 رغم أنّ الإمام علي بن الحسين عليه السلام  كان في زمن تصدّيه للإمامة غير مبسوط اليد إلّا أنّه نال منزلة رفيعة في نفوس أبناء الاُمّة لم ينلها أحد سواه في زمانه، وقصة هشام بن عبد الملك معروفة عندما أقدم الى مكة ليحج، وأراد أن يطوف بالكعبة ومن ثمّ يستلم الحجر الأسود فلم يتمكّن من ذلك بسبب شدة الزحام، ولكن عندما أقدم الإمام زين العابدين عليه السلام  انشق الناس له سماطين وتمكّن من الوصول الى الحجر الأسود بسهولة ومن غير حرج، الأمر الذي جعل هشام بن عبد الملك يتعجّب ويسأل عن هذا الذي انفرج الناس له محاولاً تجاهل الإمام، فعرّف به وسكت.

 إنّ هذه الواقعة وعشرات أمثالها تشير وتؤكّد مدى احترام الناس للإمام في الوقت الذي تزدري السلطان وتحتقره.

 إنّ احترام الناس للإمام زين العابدين، إنّما جاء نتيجة المعرفة الحقيقية بمنزلة الإمام ودروه الديني والاجتماعي، وبعبارة اُخرى أنّ نمط قيادة الإمام للمجتمع هو الذي أدّى الى حصول هذا التأثير الكبير في نفوس أبناء الاُمّة رغم أنّه لم يكن مبسوط اليد، وكان معزولاً من قبل السلطة الظالمة، ومحارباً منها، ورغم أنّ الاُمّة كانت تعاني من قسوة وتهوّر حكّام بني اُميّة من أمثال يزيد بن معاوية الذي هدم الكعبة واستباح المدينة ثلاثة أيام وعمل المنكرات، لكن ذلك لم يثن الإمام عن ممارسة دروه القيادي والاجتماعي، كما لم يثن الاُمّة من الانشداد للإمام والانقياد له.

 لقد تميّز الدور القيادي للإمام بالعمل على تحقيق ثلاث مهمات في آن واحد:

 الاُولى: الاستمرار في سياسة فضح سلطة بني اُميّة والتعريف بحقيقتها.

 الثانية: إعداد الاُمّة فكرياً ونفسياً لتحمّل المسؤوليات.

 الثالثة: دعم ومساندة الحركات الثورية الشيعية.

 أمّا الأساليب التي اتبعها الإمام في تنفيذه لهذه المهمات الثلاث فهي:

 

أ - الاُسلوب العاطفي غير المباشر لفضح سلطة بني اُميّة

 من خلال إظهاره الحزن العميق والبكاء على مصيبة أبيه الإمام الحسين عليه السلام  واستغلال الفرص  والمناسبات لاستنفار عواطف الناس وأحاسيسها باتجاه الانشداد والولاء لآل البيت عليهم السلام ، وكان هذا العمل يعني بشكل غير مباشر فضح الظالمين، ظالمي أئمة آل البيت عليهم السلام ، وبالخصوص حكّام بني اُميّة، وللمثال نذكر هذه الواقعة المشهورة عندما رأى الإمام ذات يوم قصّاباً يهمّ بذبح كبش له، فاقترب الإمام من القصّاب وسأله : يا هذا هل سقيت الكبش ماءاً قبل أن تذبحه؟ فأجابه القصّاب: نعم. نحن معاشر القصّابين لا نذبح الحيوان حتّى نسقيه ماءاً. وهنا بكى الإمام وأخذ ينتحب. ويندب أباه الإمام الحسين عليه السلام ، وأخذ يعرّف بمصيبته حيث قتل عطشاناً.

 إنّ حادثة مثل هذه تكشف عن دقّة الاُسلوب الذي اتبعه الإمام للتأثير في نفوس الناس وعواطفهم ولشحذ همهم ضد السلطات الكافرة.

 

 ب - اُسلوب العبادات والأدعية للتأثير في الاُمّة نفسياً وفكرياً

 لقد تميّز الإمام بكثرة الدعاء والصلاة وطول القنوت واشتهر بالصحيفة السجاديّة، وهي مجموعة الأدعية التي كان يدعو بها والتي تحتوي على تراث  غني  من المفاهيم التربوية والأخلاقية ذات البعد التغييري.

 أمّا أساليبه العباديّة الاُخرى ذات التأثير التغييري الكبير فنذكر هذه الحادثة على سبيل المثال والشاهد، وهي موقف الإمام وأخلاقه الخاصّة مع عبيده وإمائه. تقول الرواية: «كان علي بن الحسين عليه السلام ، إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أمة. وكان إذا أذنب العبد أو الأمة يكتب عنده أذنب  فلان. إو أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ولم يعاقبهم، فيجتمع عليه الأدب  (يعني استحقاق التأديب)، حتّى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله، ثمّ، أظهر الكتاب، ثمّ قال يا فلان: فعلت كذا وكذا ولم أؤدبك أتذكر ذلك، فيقول بلى يا بن رسول اللّه، حتّى يأتي على آخرهم ويقررهم. ثمّ يقوم وسطهم ويقول لهم ارفعوا أصواتكم وقولوا يا علي بن الحسين إنّ ربك قد أحصى  عليك كلما عملت كما أحصيت علينا كل ما عملنا ولديه كتاب ينطق بالحق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيت إلّا أحصاها وتجد كل ما عملت لديه حاضراً كما وجدنا كل ما عملنا لديك حاضراً، فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو وكما تحب أن يعفو المليك عنك فاعف عنّا تجده عفوّاً وبك رحيماً ولك غفوراً ولا يظلم ربك أحداً كما لديك كتاب ينطق بالحق علينا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما أتيناها إلّا أحصاها فاذكر يا علي بن الحسين ذلّ مقامك بين يدي ربك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبّة من خردل ويأتي بها يوم القيامة وكفى باللّه حسيباً وشهيداً، فاعف واصفح يعفو عنك المليك ويصفح فإنّه يقول  (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم). وهو ينادي بذلك على نفسه ويلقنهم وهم ينادون معه وهو واقف بينهم يبكي وينوح ويقول ربي إنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين وأمرتنا أن لا نرد سائلاً عن أبوابنا وقد أتيناك سؤّالاً ومساكين وقد أنخنا بفنائك وبابك نطلب نائلك ومعروفك و عطفك وعطائك فامنن بذلك علينا ولا تخيّبنا فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين  إلهي كرمت فأكرمني إذ كُنت من سوّالك وجدت بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم، ثمّ يقبل عليهم  (أي على العبيد والإماء) فيقول: قد عفوت عنكم فهل  عفوتم عنّي ومما كان منّي إليكم من سوء ملكة فإنّي مليك سوء لئيم ظالم مملوك لكريم جواد عادل محسن متفضّل فيقولون قد عفونا عنك يا سيدنا وما أسأت فيقول لهم: قولوا اللّهم اعف عن علي بن الحسين كما عفى عنّا واعتقه من النار كما اعتق رقابنا من الرق. فيقولون ذلك. فيقول اللّهم آمين رب العالمين. اذهبوا فقد عفوت عنكم واعتقت رقابكم رجاءاً للعفو عنّي وعتق رقبتي فيعتقهم. فإذا كان يوم الفطر أجازهم بجوائز تصونهم وتغنيهم عمّا في أيدي الناس. وما من سنة إلّا وكان يعتق فيها في آخر ليلة من شهر رمضان ما بين العشرين رأس الى الأقلّ أو أكثر وكان يقول: إنّ للّه تعالى في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان عند الإفطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلاً قد استوجب النار فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان اعتق فيها مثل ما اعتق في جميعه وإني لأحب أن يراني اللّه وقد اعتقت رقاباً في ملكي في دار الدنيا رجاء أن يعتق رقبتي من النار».

 هذه قصة واحدة من عشرات القصص التي تروى من عبادات الإمام علي بن الحسين عليه السلام  والتي تستبطن توجيهاً أخلاقياً فريداً للمجتمع.

 

 ج - دعم ومساندة الحركات الثورية الشيعية

 لقد حفل تاريخ الإمام علي بن الحسين عليه السلام  بمواقف مؤيدة ومناصرة للحركات الثورية الشيعية التي ظهرت في أعقاب شهادة الإمام الحسين عليه السلام  ترفع لواء الثأر من قتلة الإمام الشهيد، وكان الإمام زين العابدين عليه السلام يستهدف من وراء دعمه لهذه الثورات والحركات، استثمار الحالة التي خلقتها واقعة كربلاء في نفوس الاُمّة، وتوجيهها نحو الأهداف التي استشهد من أجلها الإمام الحسين عليه السلام ، والشواهد على دعم الإمام لهذه الثورات كثيرة نختار منها قصة دعمه لثورة المختار الثقفي.

 تقول الرواية «إنّ اُناساً من أنصار المختار اجتمعوا عند عبد الرحمن بن شريح فقالوا له إنّ المختار يريد الخروج بنا للأخذ بالثأر وقد بايعناه ولا نعلم أرسله إلينا محمد بن الحنفية أم لا  (يظهر أنّ الأمر كان ملتبساً  على الشيعة آنذاك، ولم يكن واضحاً لديهم من هو الإمام بعد الحسين عليه السلام  أهو محمد بن الحنفية أو علي بن الحسين عليه السلام )، فانهضوا بنا إليه نخبره بما قَدِمَ به علينا فإن رخصّ لنا اتبعناه، وإن نهانا تركناه. فخرجوا وجاءوا الى ابن الحنفية، فسألهم عن الناس  فخبروه وقالوا لنا إليك حاجة. قال سرٌ أم علانية قلنا بل سر. قال: رويداً إذن. ثمّ مكث قليلاً وتنحى ودعانا فبدأ عبد الرحمن بن شريح بحمد اللّه والثناء وقال: أمّا بعد فإنكم أهل بيت خصّكم اللّه بالفضيلة وشرّفكم بالنبوة وعظّم حقّكم على  هذه الاُمّة وقد اُصبتم بالحسين مصيبة عمّت المسلمين، وقد قدم المختار يزعم أنّه جاء من قبلكم وقد دعانا الى كتاب اللّه وسنّة نبيه والطلب بدماء أهل البيت فبايعناه على ذلك فإن أمرتنا باتباعه اتّبعناه وإن نهيتنا اجتنبناه.

 فلمّا سمع كلامه وكلام غيره حمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي وقال: أمّا ما ذكرتم بما خصّنا اللّه فإنّ الفضل للّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم، وأمّا مصيبتنا بالحسين عليه السلام  فذلك في الذكر الحكيم، وأمّا الطالب بدمائنا قوموا بنا الى إمامي وإمامكم علي بن الحسين عليه السلام ، فلمّا دخل ودخلوا عليه، أخبر بخبرهم الذي جاءوا من أجله، قال يا عم لو أنّ عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته وقد وليّتك هذا الأمر فاصنع ما شئت، فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون إذن لنا زين العابدين ومحمد بن الحنفية» (وا مع المختار الى آخر القصة.

 ويظهر من هذه القصة كيف أنّ الإمام يدعم الحركات المناوئة لبني اُميّة والمطالبة بالحق لأهل البيت‏عليهم السلام .

 

 تقويم الثورات الشيعية

 إنّ الحديث عن الثورات الشيعية وموقف الأئمة منها لا بدّ وأن يجر الى الحديث عن اتجاهات هذه الثورات وولائها للأئمة حيث أنّ الروايات تتضارب بشأن الإهداف التي تبنّتها هذه الثورات الشيعية المعارضة للحكّام، وهل هي حقّاً تنطبق مع الشعار الذي رفعته بعض هذه الثورات وهو  (تسليم الأمر الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم (أم أنّ هذا مجرّد ادعاء استفادت منه القيادات في تحريض الناس وتعبئتهم لغرض استلام السلطة كما في بعض الثورات التي قادها بعض أبناء الإمام الحسن عليه السلام  وكانوا بحقيقة الأمر يطلبون الأمر لأنفسهم؟ على أيّة حال تفسير ظاهرة الثورات في ذلك العصر يقبل ثلاثة احتمالات:

 أحدهما يميل إليه اُستاذنا الشهيد  (رض)، ويستشف من بعض محاضراته، وهو أنّ هذه الثورات كانت مرضيّة من قبل أئمتنا، وأنّ الأئمة عليهم السلام  كانوا يشجعون على أعمال من هذا القبيل كما يستفاد من قول الإمام الصادق عليه السلام : « لا أزال وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد ولوددت أنّ الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله». وهذا الاحتمال وارد جداً، فسياسة الأئمة كانت تناسب تبنّي هذه الثورات سرّاً وتوجيهها بشكل غير مباشر لتفادي المواجهة المباشرة مع السلطات، وبهذا الاُسلوب أمكن للأئمة عليهم السلام  المحافظة على روح الثورة في الاُمّة، وفي نفس الوقت أمكن لهم الاحتفاظ بمكانتهم الشخصية في المجتمع من أجل المحافظة على مدرسة أهل البيت كمدرسة حيّة ومعطاءة.

 والاحتمال الآخر هو أنّ قيادات هذه الثورات كانوا يخرجون - باستثناء زيد بن علي، وحسين بن علي صاحب الفخ - بغير رضا أئمة أهل البيت إمّا لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بإمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام  وإمّا لأنّ الأئمة عليهم السلام  لم يكونوا يرون أنّ الأوضاع تناسب الثورة آنذاك.

 أمّا الاحتمال الثالث. فهو أنّ الأئمة كانوا يؤيدون أصل حدوث هذه الثورات، أي يؤيدونها مبدئياً، لكنّهم في الوقت ذاته كانوا يعارضون قياداتها التي تدّعي الإمامة لأنفسها.

 أمّا بالنسبة للروايات الواردة بشأن الثورات الشيعية وهي تمدح بعض هذه الثورات أو تذم وتقدح ببعضها الاُخرى فتوجد عدّة روايات بشأن عبد اللّه وابنه محمد، وإبراهيم ويحيى، والقليل وراد بشأن زيد بن علي والحسين صاحب الفخ وهي مادحة لهذا الآخير، إلّا أنّ هذه الروايات وردت في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني وأبو الفرج الأصفهاني متّهم بالزيدية فتكون رواياته كذلك متّهمة.

 أمّا بالنسبة لزيد بن علي عليه السلام  فتوجد روايات مادحة له كثيرة بيد أنّ ثمّة روايات اُخرى تشير الى عدم رضا أئمتنا بثورته وبالثورات التي هي مثل ثورة زيد بن علي. ولهذا سوف نقتصر على ذكر روايتين من الروايات المادحة لثورة زيد بن علي رحمه الله  ثمّ نشير الى الروايات التي تذمّها لنستنج أخيراً الموقف الصحيح من مجموع هذه الروايات المتضاربة.

 الرواية الاُولى: ما وردت في قصة ولادة زيد رحمه الله  وتقول: «عن أبي حمزة الثمالي يقول: كنت أزور علي بن الحسين عليه السلام  في كل سنة مرة في وقت الحج، فأتيت سنة من ذاك وإذا على فخذيه صبيٌ فقعدت إليه وجاء الصبي فوقع على عتبة الباب فانشج فوثب إليه علي بن الحسين عليه السلام  مهرولاً فجعل ينشف دمه بثوبه ويقول له يا بني أعيذك باللّه أنّ تكون المصلوب في الكُناسة. قُلت: بأبي أنت وأمي أي كُناسة. قال: كناسة الكوفة.

 قلت: جُعلت فداك، ويكون ذلك. قال اي واللّه والذي بعث محمد صلى الله عليه واله وسلم  بالحق إن عشت بعدي لترينّ هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة مقتولاً مدفوناً، منبوشاً، مسلوباً، مسحوباً، مصلوباً بالكُناسة، ثمّ يُنزّل فيحرق ويُدق ويُذرّى في البر. قلت: جُعلت فداك وما اسم هذا الغلام قال: هذا ابني زيد ثمّ دمعت عيناه، ثمّ قال: ألا اُحدّثك بحدث ابني هذا بينما أنا ليلة ساجد وراكع إذ ذهب بيّ النوم في بعض حالاتي فرأيت كأنّي في الجنة، وكأنّ رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قد زوجوني جارية من حور العين فواقعتها فاغتسلت عند سدرة المنتهى وولّيت وهاتف بي يهتف ليهنئك زيد ... ليهنئك زيد ... ليهنئك زيد فاستيقظت من النوم فأصبت جنابة، فقمت فتطهّرت للصلاة وصلّيت صلاة الفجر، فُدقّ الباب وقيل لي: على الباب رجل يطلبك، فخرجت فإذا أنا برجل معه جارية ملفوف كمّها على يده، مخمّرة بخمار فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أردت علي بن الحسين. فقلت: أنا علي بن الحسين. فقال: أنا رسول المختار بن عبيدة الثقفي يقرئك السلام  ويقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار، وهذه ستمائة دينار فاستعن بها على دهرك، ودفع لي كتاباً فأدخلت الرجل والجارية وكتبت له جواب كتابه، وتثبّت الرجل ثمّ قلت للجارية: ما اسمك؟ قالت: حوراء. فهيئوها لي وبت بها عروساً فعلقت بهذا الغلام فسميّته زيداً. هذا. وسترى ما قلت لك.

 قال أبو حمزة: فواللّه ما لبثت إلّا برهة حتّى رأيت زيداً بالكوفة في دار معاوية بن اسحاق فأتيته فسلّمت عليه ثمّ قلت: جُعلت فداك ما أقدمك هذا البلد؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكنت اختلف إليه فجئت إليه ليلة النصف من شعبان فسلّمت عليه وكان ينتقل في دور بارق وبني هلال، فلمّا جلست عنده قال: يا أبا حمزة تقوم حتّى نزور قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام  قلت: نعم جُعلت فداك، ثمّ ساق أبو حمزة الحديث حتّى قال: أتينا الذكوات البيض فقال: هذا قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام  ثمّ رجعنا فكان من أمره ما كان، فواللّه لقد رأيته مقتولاً .. مدفوناً .. منبوشاً .. مسحوباً .. مسلوباً.. مصلوباً قد اُحرق وذرّ في الهواوين وذُرّي في العريض من أسفل العاقول».

 الرواية الثانية: قصة وقعت بين المأمون وبين الإمام الرضا عليه السلام  حول زيد بن موسى بن جعفر الذي خرج على المأمون واعتقل من قبله وتقول الرواية: «لما حُمل زيد بن موسى بن جعفر الى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا وقال له يا أبا الحسن لإن خرج أخوك وفعل ما فعل لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل ولولا مكانك منّي لقتلته فليس ما أتاه بصغير. فقال الرضا عليه السلام : يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيداً الى زيد بن علي فإنه كان  (يعني زيد بن علي) من علماء آل محمد صلى الله عليه واله وسلم  غضب للّه عزّ وجلّ وجاهد أعداءه حتّى قُتل في سبيله وقد حدّثني أبي موسى بن جعفر أنّه سمع أباه جعفراً بن محمد يقول رحم اللّه عمي زيداً إنّه دعا الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم  ولو ظفر لوفى بما دعا إليه وقد استشارني في خروجه فقلت له يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكُناسة فشأنك فلمّا ولي قال جعفر بن محمد : ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه. فقال المأمون: يا أبا الحسن أليس قد جاء في من ادّعى الإمامة بغير حقّها ما جاء: فقال الرضا عليه السلام : إنّ زيداً بن علي لم يدّع ما ليس له بحقّ، وأنّه كان اتقى للّه من ذلك .. أنّه قال: أدعوكم الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وإنّما جاء ما جاء فيمن يدّعي أنّ اللّه نصّ عليه ثمّ يدعو الى غير دين اللّه ويضل عن سبيله بغير علم، وكان زيداً واللّه  ممن خوطب بهذه الآية  (وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده هو اجتباكم)».

 إنّ هاتين الروايتين اللتين وردتا بشأن زيد بن علي رحمه الله  وهما تمدحانه توجد في قبالها روايات تذم زيد بن علي وتذم ثورات اُخرى حصلت بعد زيد بن علي. وحينما نستقرء الروايات الذامة نجدها على قسمين ويمكن تفسير كل قسم بتفسير معيّن.

 أمّا القسم الأوّل من الروايات الذامّة فقد وردت تذمّ أصل الثورات بغض النظر عن قياداتها والأشخاص القائمين بها. ننتخب رواية واحدة: عن الإمام الصادق عليه السلام  قال «اتقوا اللّه  (خطاب موجّه لاُناس عزموا الخروج على السلطة وقتئذٍ) وانظروا لأنفسكم فإنّ أحق من نظر إليها أنتم  (أي لا يصلح خروجكم قبل التثبّت من شرعيّة الخروج) ولو كان لأحدكم نفسان فقدّم أحداهما وجرّب بها واستقبل التوبة بالاُخرى كان، ولكنّها نفس واحدة، إذا ذهبت فقد واللّه ذهبت التوبة. إن أتاكم منا آت  يدعوكم الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم  فنحن نشهدكم أنّا لا نرضى، إنّه لا يطيعنا اليوم وهو وحده، فكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والإعلام».

 إنّ تفسير هذا النوع من الروايات يمكن من خلال الجمع بينها وبين الروايات المادحة للثورات ففيما أتصوّره أنّ الروايات الواردة في تأييد الثورات الشيعية من المستبعد أن تكون كاذبة سواء افترضنا صدورها من محبّ لأهل البيت ومن ثقاتهم، أو افترضنا أنّها صدرت من أعداء أهل البيت وهي من مفترياتهم، لأنّ شيعة أهل البيت لا يحتمل منهم الافتراء والكذب على الأئمة بما يورّطهم في الهلاك وذلك بأن ينسبوا إليهم كذباً تأييد الثورات، ولأنّ أعداء أهل البيت لا يؤمنون بالثورة - عادة - ، بل ويتعاونون مع السلطة الظالمة وحينما يريدون الكذب والافتراء على الأئمة فلا بُدّ أن يكون كذبهم في صالح السلطة وليس ضدها، فمدح هذه الثورات المناهضة للسلطات الظالمة لا يحتمل صدورها من أعداء أهل البيت كما أنّ هذه الروايات غير مروية عن طريق الزيديين كروايات مقاتل الطالبيين حتّى نقول أنّ الزيدين كذّبوا واخترعوها.

 وإذن، ففي أغلب الظن أنّ الروايات المادحة هي صادقة، أمّا الروايات الذامّة - كالرواية السابقة - فعلى كلا التقديرين أي سواء افترضنا وصولها عن طريق اُناس غير ثقات، أو عن طريق اُناس ثقات فإنّ تفسيرها واضح. فلو كانت صادرة من غير الثقات، فهي من مفترياتهم على الأئمة، وتصبّ في صالح السلطة، وهذا أمر مألوف وقتئذٍ، حيث كانت السلطات الظالمة تجنّد الكاذبين لخدمة مصالحها.

 أمّا إذا كانت هذه الروايات صادرة عن الأئمة حقاً، فإنّه من الطبيعي أن يمارس الإمام المعصوم معها اُسلوب التقية لكي لا تُنسب له ولا يكون مسؤولاً عنها، ولو تصوّرنا أنّ الإمام المعصوم يرضى بنسبة الثورات الشيعية لشخصه لكان من الأولى عليه أن يثور هو كما ثار الإمام الحسين عليه السلام ، لكن حينما لا يريد المعصوم أن تنسب هذه الثورات له، فمن الطبيعي أن يقول: أنا غير راض  عن الذين يدعون الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه واله وسلم . فالإمام الذي يريد أن يفصل بينه وبين هذه الثورات - كي يجمع بين شيئين في آن واحد، بين سلامة نفسه ودروه في قيادة الاُمّة وهدايتها، وبين الثورات ضد الظلم - يكون من المتوقّع صدور مثل هذه الروايات عنه، على العكس من الروايات المادحة لهذه الثورات فمن المتوقّع عدم وصولها إلينا بسبب ظروف التقية حيث يمتنع الإمام من التصريح أمام الناس وقد يكتفي بالتصريح أمام الخواص من أصحابه لكي يمنحها الشرعيّة، على خلاف الروايات الذامّة، فظرف التقية يجعل الإمام يصرّح بذمّها أمام عموم الناس، وهذا هو الذي أفهمه وأقدّره من  مجمل هذه الروايات المتعارضة.

 أمّا بالنسبة للطائفة الثانية من الروايات الذامّة - حسب تقسيمنا الثنائي لها - فهي التي تحكي خلافاً فكريّاً بين أئمتنا عليهم السلام  وبين الثائرين حول مبدأ الإمامة ومصداقها، فأئمتنا كانوا يعتقدون أنّهم الأئمة المنصوص عليهم والمنصبون من قبل اللّه تعالى، فيما كان قادة الثورات الشيعية يرون أنّهم همّ الأئمة لاعتقادهم أنّ الأمام إنّما هو القائم الثائر، والجالس في بيته لا يمكن أن يكون إماماً للناس!

 وفي هذا الاتجاه نذكر الروايات التي تحكي وجود الخلاف الفكري حول مسألة الإمامة بين الأئمة عليهم السلام وبين الثائرين. منها رواية نأخذ منها محل الشاهد وهو نقاش دار بين زيد بن علي وبين أخيه الإمام الباقر عليه السلام ، يقول زيد : - بعدما رفض الإمام الباقر تأييد ثورته والالتحاق بها وقد غضب زيد حسب ما تقول الرواية - «ليس الإمام منّا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبّط عن الجهاد، ولكنّ الإمام منّا من منع حوزته وجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده، ودفع عن رعيته وذبّ  عن حريمه». ورواية اُخرى تحكي قصة طريفة حول محاججة وقعت بين زيد بن علي وبين مؤمن الطاق، يقول أبان بن تغلب، أخبرني الأحول  (وهو مؤمن الطاق) أبو جعفر محمد بن النعمان أنّ زيد بن علي بن الحسين  3بعث إليه. فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منّا أتخرج معه. قال: قلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه، قال: قال لي: أنا اُريد أن أخرج اُجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت: لا أفعل جُعلت فداك قال، فقال لي: أترغب بنفسك عني. قال فقلت له: إنّما هي نفس واحدة، فإن كان للّه عزّ وجلّ في الأرض معك حجة  (أي إمام معصوم) فالمتخلّف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن للّه معك حجة فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء. قال فقال لي: يا أبا جعفر كُنت أجلس مع أبي على الخان  (أي على الطعام) فيلقمني اللقمة السمينة ويبرّد لي اللقمة الحارة حتّى تبرد من شفقته عليّ ولم يشفق عليّ من  حرّ النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به قال فقلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني فإن قبلته نجوت وإن لم أقبل لم يبال إن أدخل النار ثمّ قلت له: جُعلت فداك أنتم الأفضل أم الأنبياء قال: بل الأنبياء. قلت يقول يعقوب ليوسف:  (لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً) ثمّ لم يخبرهم حتّى لا يكيدوه ولكن كتمهم وكذا أبوك كتمك لأنّه خاف عليك. قال فقال: أما واللّه لإن قلت ذاك لقد حدّثني صاحبك  (يعني الإمام الباقر) بالمدينة: أني اُقتل واُصلب بالكُناسة وإن عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي، فحججت  (أي مؤمن الطاق) فحدثت أبا عبد اللّه عليه السلام  بمقالة زيد وما قلت له فقال لي الإمام الصادق أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ولم تترك له مسلكاً يسلكه».

 هذه من الروايات التي تحكي عدم إيمان زيد بن علي بإمامة أخيه الإمام الباقر عليه السلام  واعتقاده بإمامة نفسه، لكن ثمّة روايات اُخرى تحكي العكس، أي إيمان زيد بإمامة الأئمة نذكر هذه الرواية: «عن عمرو بن خالد قال: قال زيد بن علي: في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج اللّه به على خلقه، وحجة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه».

 فهذه الرواية تدلّ صراحة على إيمان زيد بإمامة ابن أخيه وهناك رواية تدلّ على إيمان زيد بإمامة جميع الأئمة: «عن يحيى بن زيد بن علي يقول: سألت أبي عن الأئمة فقال الأئمة أثنا عشر أربعة من الماضين وثمانية من الباقين. قلت: فسمّهم يا أبه فقال: أمّا الماضين فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومن الباقين أخي الباقر وبعده جعفر الصادق ابنه وبعده موسى ابنه وبعده عليّ ابنه وبعده محمد ابنه وبعده عليّ ابنه وبعده الحسن ابنه وبعده المهديّ ابنه، فقلت له يا أبه لست منهم، قال: لا ولكنّي من العترة، قلت فمن أين عرفت أساميهم! قال: عهد معهود عهده إلينا رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ».

 وعلي أيّة حال، فالذي أفهمه من روايات الطائفة الثانية الذامّة للثورات والتي تحكي خلافاً فكرياً بين الأئمة والثّوار، سواء افترضنا أنّ زيداً كان أحدهم أو لم يكن، أنّ هذه الروايات لا تريد أن ترفض أصل الثورة على الظالمين أو معارضتها، وإنّما هي ترفض وتعارض أمرين:

 الأمر الأوّل: هو الخطأ العقائدي الذي ارتكبه قادة بعض الثورات الشيعية وهو تصوّرهم أنّ الإمام هو الخارج بالسيف فقط، بينما الإمام إمام قائماً  كان أو قاعداً، فالرسول صلى الله عليه واله وسلم  قال: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعد»، وعلى هذا فالإمام هو وحده الذي يقدّر المصلحة في العمل بإحدى الصيغتين القيام بالسيف أو التقية ولا يقدح ذلك بمنصبه كإمام معصوم مفترض الطاعة.

 الأمر الثاني: التحاق ومشاركة أكبر عدد من شيعة الأئمة في هذه الثورات، حيث أنّ الإمام لو  كان يمنح تأييداً تاماً لهذه الثورات عندئذٍ كانت تتسع المشاركة فيها من قبل الشيعة وهذا ما لا يريده الأئمة حقناً لدماء شيعتهم وحفظاً لهم من الفناء.

 وللشاهد على هذين الأمرين، نذكر روايتين:

 الرواية الاُولى: هي مروية عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال: «لا أزال أنا وشيعتي  بخير ما خرج الخارجي من آل محمد ولوددت أنّ الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله».

 الرواية الثانية: عن عنيزة القصباني يقول: «رأيت موسى بن جعفر عليه السلام  بعد عتمة  (أي بعد صلاة العشاء) وقد جاء الى الحسين صاحب فخ، فانكبّ عليه شبه الراكع. قال: اُحبّ أن تجعلني في سعة وحلّ من تخلّفي عنك. فأطرق الحسين طويلاً لا يجيبه ثمّ رفع رأسه إليه وقال: أنت في سعة».

 وبهذا يتأكّد لنا، أنّ الأئمة عليهم السلام  وبسبب ظروف التقية ومهمات قيادة الاُمّة، وقفوا من هذه الثورات موقفاً هو بمنزلة أمر بين أمرين، حيث لم يعارضوا الثورات الشيعية المناهضة للسلطات الظالمة، لأنّها بنظرهم تعبّر عن جزءٍ من أهدافهم، وكذلك لم يساندوها كلياً لأنّها لم تكن نقية وصحيحة من الناحية العقائدية والمذهبية من جهة ومن جهة اُخرى مراعاة منهم لمتطلّبات قيادة الاُمّة التي لم تكن ظروفها تسمح بإعلان الثورة الشاملة وتعبئة جميع الشيعة لها لضعفهم وقوة السلطات، وهذا هو الذي دعا الأئمة للتظاهر بمعارضة الثورات، وبهذا أمكن لهم من ضبط المسافة الفاصلة بين شيعتهم وبين هذه الثورات من جهة، وبين السلطات الظالمة من جهة اُخرى، فاحتفظت الاُمّه بروحها الثورية، فيما أمكن للثورات  أن تؤدّي واجبها في الوقت نفسه، وبهذا يثبت لدينا أنّ الأئمة لم يعترضوا على الثورات الشيعية المناهضة للسلطات الظالمة بما هي حركات ثائرة، وإنّما اعترضوا على الأخطاء العقائدية والمذهبية التي وقع فيها قادة بعض هذه الثورات، ولو كان الأئمة قد شجبوا أهل هذه الثورات لكان يعني هذا اعترافهم الضمني بالسلطات الظالمة، ولأدركت السلطات هذا المعنى ولقيّمته على نحو التقرّب من الأئمة أو تكريمهم أو على أقل تقدير تعدّل من سلوكها وتلين معهم، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحصل، ولم يصل إلينا ما يؤكّده، بينما الذي وصل إلينا هو العكس تماماً، حيث  العداء المستحكم بين السلطات والأئمة، والمطاردة والسجون والقتل، فلم يبق إمام معصوم إلّا وهو محبوس في بيته أو في طامورة مظلمة، ولم يمت منهم أحداً إلّا مسوماً أو مقتولاً.