الفصل الثالث

لمحة عن مبدأ ولاية الفقيه

 ثمّة رواية وردت في القضاء إلّا أنّها تعطي مفهوماً عن المنهج الإسلامي في العمل السياسي والاجتماعي. تقول الرواية: «عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه الصادق عليه السلام  عن رجلين من أصحابنا بينهم منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان وإلى القضاة  (يقصد السلطان والقضاة الجائرين) أيحل ذلك؟. قال عليه السلام : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم الى الجبت والطاغوت المنهي عنه، وما يحكم له به فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر اللّه أن يكفر به. قال اللّه عزّ وجلّ  (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا به ...) قلت: فكيف يصنعان وقد اختلفا؟ قال عليه السلام  : ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا وعرف حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبل منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ وعلينا رد والرادّ علينا رادّ على اللّه وهو على حدِّ الشرك باللّه».

 من هذه الرواية الواردة بشأن القضاء يمكن أن نستنتج بعض قواعد المنهج الإسلامي في العمل السياسي والاجتماعي؛ ذلك لأنّ هذه الرواية قد دلّتنا على قاعدتين:

 الاُولى: عدم الاحتكام الى الطاغوت ومعاداته.

 الثانية: الاحتكام الى الفقهاء والتزام توجيهاتهم.

 إنّ النهي الذي ورد على الاحتكام الى الطاغوت يشمل حتّى المورد الذي يدخل تحت عنوان استرداد الحقوق، فليس للمؤمن أن يطلب حقاً له مضيّعاً من حكم طاغوت؛ ذلك لأنّ مثل هذا الاحتكام والطلب يؤدّي الى إعلاء كلمة الطاغوت وسطوته على المجتمع، بينما الذي يريده الإسلام هو محاربة الطاغوت وإضعافه وصولاً الى نفي سلطته عن المجتمع، وإنّ هذه القاعدة من شأنها أن تربّي الاُمّة على روح التمرّد والعصيان والثورة على كل طاغوت كما هو شأن شيعة أهل البيت، خلافاً لمنهج تربوي آخر يقرر طاعة ولي الأمر حتّى إذا كان فاسقاً!!!

 ورغم أنّ هذه الرواية في القضاء لكننا نستطيع أن نرى فيها نَفَس الشريعة الإسلامية في توجيه الاُمّة والمجتمع الى الفقهاء لا سيّما أنّ القضاء ليس سوى شعبة من شعب الاُمور الاجتماعية التي اُوكلت الى الفقيه، فالولي الفقيه هو الذي يعطي المواقف السياسية والاجتماعية طبقاً للمصلحة التي يراها في ضوء الضوابط والمقررات الشرعية، والاُمّة مكلّفة بطاعة الولي الفقيه طبقاً لتكليفها الشرعي.

 إنّ إعطاء المواقف الشرعية للقضايا الاجتماعية والسياسية بيد الولي الفقيه يعني الإرجاع إليه في المسائل التالية:

 المسألة الاُولى: تحديد المواقف الصحيحة أزاء الأحداث والقضايا الاجتماعية والسياسية؛ ذلك لأنّ القرار السياسي والاجتماعي ليس من الصحيح أن يُترك من غير رعاية أو يكون بيد الناس جميعاً، فمؤدّى ذلك هو وقوع المجتمع في الفوضى؛ ولهذا لا بُدّ أن يكون القرار السياسي والاجتماعي بيد جهة مختصّة، وهذه الجهة بنظر أئمة أهل البيت عليهم السلام  هي الفقهاء طبقاً لقولهم عليهم السلام  «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة اللّه» و «فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حكم».

 المسألة الثانية: تقديم المصلحة الاجتماعية على المصالح الفردية؛ ذلك لأنّ المصالح الفردية في المجتمع غالباً ما تتعارض مع مصلحة المجتمع العامّة، ولو تركت مصالح الأفراد تتقاطع وتتعارض مع مصلحة المجتمع لعمّت الفوضى واضطرب الاجتماع. وهنا يأتي دور الولي الفقيه لحسم هذا التعارض لصالح المجتمع دون الإضرار بمصلحة الفرد، فمثلاً لو أنّ شخصاً ارتأى أن يبيع سلعته بسعر فاحش استناداً الى قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» فمن الذي يمنع هذا الشخص من البيع بأسعار غالية مضرّة بالمجتمع، لا سيّما أنّ القاعدة الفقهيّة المذكورة آنفاً تجيز له البيع بالسعر الذي يراه. فالولي الفقيه هو الذي خوّل صلاحية تنظيم المصالح الاجتماعية وتقديمها على مصلحة الأفراد، ويدخل ضمنها ضبط الأسعار وتحديدها.

 المسألة الثالثة: حسم الخلافات والمواقف المتباينة في المجتمع، وبالخصوص المواقف التي لها مساس بأمن المجتمع والدولة كالموقف من الحرب والسلم، فلو أنّ موقف المجتمع تجزّأ أزاء مسألتي الحرب والسلم، وكان لقرار الحرب أنصار، ولقرار السلم أنصار، فمن أجل تماسك المجتمع وتوجيهه وجهة معيّنة يحكم الولي الفقيه بإحدى المسألتين الحرب أو السلم وينفذ أمر الولي على المولّى عليه، بحكم كونه أمراً ولائياً.

 وتجدر الإشارة الى أنّ أوامر الولي الفقيه إذا ما صدرت عن مقام الولاية البحت تسمّى عندئذٍ بالأحكام الولائيّة وهي ملزمة الطاعة وليس للمكلّف عصيانها حتّى لو كان للمكلّف رأي مخالف، وتصدر هذه الأحكام غالباً في الاُمور السياسية والاجتماعية، أمّا أراء الولي الفقيه التي تصدر عنه لا من مقام الولاية البحت بل بعنوان الكشف عن حقيقة ما، فإنّ للمكلّف مخالفتها إذا علم بخطئها، مثال ذلك رأي الولي الفقيه بثبوت هلال العيد، الذي يُلزم المكلّفين بالإفطار استناداً الى كاشفيّته عن العيد وحسب. فإذا ما علم المكلّف بخطأ حكم الفقيه هذا، لم يجب عليه العمل به، خلافاً للمسألة السابقة المتعلّقة بالأحكام الولائيّة الصادرة من مقام الولاية البحت.

 

 اختلاف ولاية الفقيه عن الإمامة

 ولاية الفقيه: هي امتداد لفكرة الإمامة كما ثبت بالدليل، وبالخصوص الرواية التي ينقلها الصدوق في  (إكمال الدين وإتمام النعمة) والتي وردت عن اسحاق بن يعقوب الذي سأل محمد بن عثمان العمري  (رض) ] أحد النوّاب الأربعة للإمام صاحب الزمان  (عج)[ أن يوصل إليه كتاباً سأل فيه عن عدّة مسائل أشكَلَت عليه، فورد التوقيع بخط مولانا الإمام صاحب الزمان‏عليه السلام : «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبّتك ... وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم، وأنا حجة اللّه»، ولكن وحسب ما نفهمه من مجموع الأدلّة فإنّ ولايّة الفقيه تختلف عن إمامة الإمام المعصوم في عدة جوانب وهذه الجوانب هي:

1 ـ الإمام المنصوص عليه معصوم عن الزلل والخطأ وهو قدوة للمؤمنين ويجب عليهم اتباعه بشكل عامّ ومطلق وبلا استثناء، بينما الولي الفقيه الشرط اللازم له العدالة وليست العصمة، وقد يتّفق أن يزلّ أو ينحرف - لا سمح اللّه - فتسقط عندئذٍ عنه الولاية.

2 ـ الإمام تستمر ولايته لما بعد موته فله أن يحكم بحكم ما في حال حياته ويستمر حتّى بلحاظ ما بعد وفاته، بينما الفقيه تنتهي ولايته بمجرّد موته. والسبب في ذلك واضح نستظهره من دليل الولاية الذي منح الولاية للفقيه على أساس كفاءته العلمية وقدرته على إدارة الاُمور، وهذه الكفاءة والمقدرة متوقّفة على بقاء الفقيه حيّاً، فإذا مات انقطعت عنه لانقطاع زمن حياته الذي فيه تظهر الأعلمية والكفاءة وتتجسّد بهيئة استيعاب الاُمور ووضع الحلول للمشاكل. أمّا الإمام المعصوم فولايته غير مخصوصة بأيام حياته؛ لأنّها مستمدّة من إلهام اللّه الذي لا يخطأ والذي يستوعب حتّى زمان المستقبل الذي قد لا يفي به عمر الإمام عليه السلام ، ونفهم ذلك من دليل قوله تعالى  (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، ومن قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم : «من كُنت مولاه فهذا علي مولاه»

 ، فالولاية هنا غير مخصوصة بفترة الحياة، وهذا بخلاف ولاية الفقيه.

3 ـ إنّ الولاية الثابتة للنبي صلى الله عليه واله وسلم  وللإمام تعني الأولويّة على نفوس المؤمنين من أنفسهم  (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، بينما هذا المعنى غير ثابت بالنسبة للفقيه.

 بمعنى أنّ الفقيه الذي ورد الدليل على ولايته لا يعدو أن يكون من سنخ سائر أدلّة الولايات الاعتيادية كولاية الأب على الأطفال وما شابه ذلك، وولاية الأب على طفله لا تجعله أولى بالطفل من نفسه، وإنّما هي رعاية مصلحة الطفل وسد نقصه باعتباره طفلاً. وهذا المعنى هو نفسه الذي نفهمه من ولاية الفقيه، إذ لا نفهم أنّ الفقيه يصبح أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما هي ولاية النبي والمعصوم، وإنّما نفهم - على حدّ تعبير الاُصوليين  (بمناسبات الحكم والموضوع) - أنّ المقصود بولاية الفقيه على الناس والمجتمع هو سدّ النقص والقصور الحاصل لديهما، ويكون أمره نافذاً. وتفصيل ذلك موكول الى كُتبنا الفقهيّة الاستدلاليّة.

 والواقع أنّنا لو لاحظنا الأمر بغضّ النظر عن البحث الفقهي حول ولاية الفقيه وركّزنا على الناحية الاجتماعية، لوجدنا أنّ الشيعة وفي طول تاريخهم امتلكوا عنصراً مهماً امتازوا به عمّن سواهم وهو الذي منحهم القدرة على الانتصار والعزّة وجعلهم مرفوعي الرأس دائماً وهو عنصر احترامهم وإطاعتهم للعلماء، الذي تحوّل مع مرور الزمن الى سُنّة جارية لدى الشيعة، وقد أعطى لهم وحدة كلمتهم وحقّق لهم انتصاراتهم بسبب أنّ العلماء الأعلام كانوا قادة للمجتمع يتصدّون لجميع اُموره الفقهيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، ولهذا كان الناس يطيعونهم في كلّ الاُمور، ليس استناداً إلى الدليل الفقهي لولاية الفقيه، بل استناداً إلى الدور الاجتماعي والسياسي للفقهاء في المجتمع، بالإضافة إلى دورهم الديني المنصبّ على بيان أحكام الشريعة للمكلّفين، ولهذا استطاع الفقهاء قيادة ثورات كثيرة في الواقع الشيعي أكّدت حقيقة هذا الولاء، والشواهد على ذلك كثيرة منها ثورة التنباك الشهيرة في إيران، وثورة العشرين في العراق وأخيراً الثورة الإسلاميّة المباركة التي قامت واستمرت بفضل ولاية الفقيه المتمثّلة بالأمس القريب بالإمام الخميني الراحل  (رض) وبالوقت الحاضر بسماحة آية اللّه السيّد علي الخامنئي أدام اللّه ظلاله على رؤوس المسلمين.

 فنسأل اللّه أن يوفّق المسلمين لاتّباع علمائهم الصالحين ولطاعة وليّ الأمر وأن ينصرهم على عدوهم..

إنّه نعم المولى ونعم النصير..

***