الفصل الأوّل

الإمامة

 قال تعالى: (وا ذ ابتلى ا براهيمَ ربُهُ بكلماتٍ فأتمّهنَّ قالَ ا نّي جاعلُكَ للنّاسِ ا ماماً قالَ وَمن ذُريَتي قالَ لا ينالُ عَهدي الظالمين).

 في هذا الفصل نتكلّم باختصار عن تفسير هذه الآية المباركة، وعن الإمامة والعصمة، وعن الولاية التكوينيّة للمعصوم.

 

القسم الأوّل

 تفسير الآية المباركة ومعنى الكلمات ومعنى الإتمام

 قال اللّه تعالى: (وا ذ ابتلى ا براهيمَ ربُهُ بكلمات ... ) هذه الكلمات التي ابتلى اللّه بها إبراهيم عليه السلام ، لا يقصد بها - على مايبدو  عبائر وألفاظ، وا ن رأيت أنّ بعض الروايات قد فسّرت ال«كلمات» بشي من هذا القبيل، فعلى أغلب الظن أنّ المقصود بال« كلمات » هنا هو « وقائع واُمور واقعية »، فهي من سنخ قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم ا نّ اللّه يُبشّرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم... ). فال« كلمة » هنا، لا يقصد بها عبارة ما أو لفظ ما أو اسم ما، وا نّما يقصد بها عيسى نفسه عليه السلام  .

 وهي أيضاً من سنخ قوله تعالى :

(وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ا نّنى بُراء مما تعبدون إلّا الذي فطرني فا نّه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) وذلك بناءاً على الاحتمال الثاني من الاحتمالين في تفسير هذه الآية فإنّها تفسّر بتفسيرين:

 الأوّل: أن يكون الضمير المؤنّث في (جعلها) راجعاً الى كلمة التوحيد التي أطلقها إبراهيم عليه السلام  بقوله: إنّني براء مما تعبدون ... . أي جعل كلمة التوحيد كلمة باقية في عقبه ومستمرة بعد مماته عليه السلام ، لعلّ الناس يرجعون ا ليها و يهتدون بها بعده.

 ففاعل «جعله» هنا هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

 الثانّي :

 أن يكون فاعل «جعله» هو اللّه سبحانه وليس إبراهيم عليه السلام ، فيكون المعنى: هو أنّ اللّه تعالى جعل الإمامة كلمة باقية في عقب نبيه إبراهيم عليه السلام ، أي أنّها مستمرة بعده عليه السلام . فاللّه سبحانه وتعالى جعل إبراهيم عليه السلام  إماماً ثمّ جعل الإمامة مستمرة لما بعد إبراهيم عليه السلام  في نسله عليه السلام  إلى الحجة عجل اللّه تعالى فرجه، إذ أنّ الأئمة كلهم من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وقد رأيت بعض الروايات فسّرت هذه الآية المباركة بهذا المعنى الثاني.

 وبناءً على هذا التفسير  (الثاني) فا نّ ال«كلمة» الوارد ذكرها في الآية الكريمة  (... وجعلها كلمة باقية...)، تكون بمعنى حقيقة واقعية، وهي حقيقة الإمامة، وليست بمعنى العبارة واللفظ والتعبير من قبيل كلمة التوحيد مثلاً، وهكذا الأمر بالنسبة لقوله تعالى «إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات» فالظاهر أنّ المقصود من لفظ «كلمات» هنا هو حقائق ووقائع، وليست هي عبائر وألفاظ.

 ا ذن، فلفظ ال«كلمات» - الوارد في آية  (وإذ ابتلى...) - يشير إلى الامتحانات الإلهية الصعبة التي مر بها النبى إبراهيم عليه السلام ، من قبيل أمره بذبح ابنه، حيث استعد عليه السلام  لذبحه وهيأ نفسه لذلك وشرع بتنفيذ الأمر الإلهي إلى أن نسخ الأمر في قصة معروفة، ومن قبيل ابتلائه عليه السلام  بمسألة إلقائه في النار لكي يُحرق، وا ن كان اللّه تبارك وتعالى قد أنجاه بعد ما ثبت في امتحانه. فأكبر الظن، أنّ المقصود بال«كلمات» هنا هي هذه الاُمور وأمثالها من المحن والمصائب والابتلاءات التي ابتلى اللّه تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام  بها.

 كما يحتمل أيضاً أن يقصد بها أيضاً الأوامر.

 ولا منافاة في الجمع بين المعنيين، بأن يكون المقصود بال«كلمات» عبارة عن :

 أ - القضايا التي ابتُلي بها النبى إبراهيم عليه السلام .

 ب - الاوامر الإلهية والتكاليف الالهية التي ابتلي بها عليه السلام . والتي استطاع عليه السلام  أن يخرج منها جميعاً بنجاح كامل.

 وأمّا قوله تعالى :  (فأتمّهن)، فا نّه يعطي لنبيّ اللّه  إبراهيم عليه السلام  ميزة لا نراها مذكورة في القرآن لباقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. بل نرى أنّ بعض التعبيرات القرآنية تقول بأنّ بعض الأنبياء العظام عليهم السلام  قد ابتلي بترك الأَوْلَى، من قبيل التعبير القرآني الوارد في قصة أبينا آدم عليه السلام ، حيث يقول تعالى :  (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنَسِيَ ولم نجد له عزما). ومن قبيل التعبير القرآني الوارد بشأن نبي اللّه داود عليه السلام ، حيث يقول تعالى :  (وظنَّ داود أنّما فتنّاه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب).

 ومن قبيل ما ورد بشأن ذي النون وبعض الأنبياء الآخرين.

 فتعبير «فأتمّهن» لم يرد في الأنبياء الكرام السابقين غير النبي إبراهيم عليه السلام ، ا ذن معنى الآية المباركة  (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهن...) هو أنّ اللّه سبحانه قد ابتلى نبيه إبراهيم عليه السلام  بكلمات  (ابتلاءات)، وقد أتم إبراهيم عليه السلام  تلك الكلمات التي ابتُلي بها وخرج من الامتحان بنجاح كامل، فلم يزلّ ولم يخطأ حتى بذلك المستوى من الخطأ الذي حصل لآدم عليه السلام ، أو ما يشابه ذلك الخطأ.

 فنحن نؤمن بمبدأ العصمة، ونقول بأنّ الأنبياء العظام والأئمة عليهم الصلاة والسلام، كلهم معصومون - على ما سيأتي البحث فيه مفصلاً ا ن شاء اللّه تعالى - ولكن هذا لا ينافي صدور مستوى من «الخط» - ا ن صحَّ التعبير - أو من «ترك الأولى» - كما يعبر في لسان علمائنا الأعلام - أو من «ما لم يكن ينبغي لمقامات عالية»، كما يمكن أن نعبّر عنه من قبيل : «حسنات الأبرار سيئات المقربين».

 فحينما ننظر إلى تلك المستويات السامية للأنبياء العظام عليه السلام ، نرى أنّ بعضهم قد صدر منه «ما لم يكن ينبغى أن يصدر»، وليس ذلك بمعصية بالمعنى المألوف للمعصية والذنب الذي يعارض العصمة - على ما سيأتي بيانه ا ن شاء اللّه تعالى -، وقد صدر هذا من عدد من الأنبياء الكرام من قبيل أبينا آدم عليه السلام ، كما نص على ذلك القرآن الكريم في آيات عديدة.

 ومن قبيل داود عليه السلام ، كما نصَّ القرآن الكريم على ذلك، حيث يقول تعالى :  (وظنَّ داود أنّما فتنّاه فاستغفر ربه وخرَّ راكعاً واناب).

 ومن قبيل يونس عليه السلام  الذي أخطأ في دعوته على قومه، خطأً لا بمعنى المعصية -طبعاً- وا نّما بمعنى أنّ المفروض به سلام اللّه عليه أن يكون حلمه أكبر و أكثر مما كان، وأن لا يدعو على قومه الظالمين، بل يدعولهم بالهداية، ولكنّه دعا على قومه، وكان جزاؤه أنه ابتلي بالحوت، كما حدّثنا القرآن الكريم في قصته عليه السلام ، حيث قال تعالى:  (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنَّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك ا نّي كنتُ من الظالمين × فاستجبنا له ونجيناه من الغم و كذلك ننجي المؤمنين)، وقال تعالى في آية اُخرى:  (فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون)، أي : لكان جزاء خطأه الذي صدر منه أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، ولكنّ اللّه تعالى ترحّم عليه وأنجاه من هذا السجن لأنّه كان من المسبّحين.

 وعلى الرغم من أن تلك الأخطاء التي كانت تصدر من بعض الأنبياء الكرام عليه السلام ، هي من المستوى الذي لا ينافي العصمة، فا نّه لم يصدر شي‏ء من قبيلها من نبي اللّه إبراهيم عليه السلام ، كما يبدو من الآية الكريمة  (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن...) فهو - إذن - أتمَّ الكلمات ولم ينقص منها شيئاً، ولم يخطأ بشي‏ء... فخرج من الامتحان بنجاح كامل، وكما قلنا آنفاً، يبدو أنّ هذا ا شارة إلى المصائب والمحن والأوامر التي وجهت إلى النبي إبراهيم عليه السلام ، والتي خرج منها بنجاح، والتي كان في طليعتها، قصة أمرهِ بذبح ابنهُ اسماعيل، إذ لم يكن عليه السلام يعلم بأنّ هذا أمر امتحاني وأنّه سينسخ بعد حين، ومع ذلك فا نّه عليه السلام  أقدم على ذبح ابنه، ولعل هذا شي‏ء يصعب صدوره من أقرب المقربين، وهو امتحان ما فوقه امتحان.

 وكذلك، قصة ا لقائه عليه السلام  في النار حينما صمّم الكفّار على أن يحرقوه بها، حيث أنّ إبراهيم عليه السلام  صبر على ذلك، وخرج من الامتحان مُبيضّ الوجه أيضاً، فبعض الروايات الواردة في قصة مخاطبة جبرائيل‏عليه السلام له عليه السلام  حينما ألقوه في النار، تؤكّد قوة توكّله على اللّه، فقد كان توكّل إبراهيم عليه السلام  على اللّه سبحانه بمستوى لا يخطر على بال ا نسان اعتيادي، ولهذا خرج من هذا الامحان بنجاح أيضاً. تقول الرواية ا نّ إبراهيم عليه السلام حينما ألقوه في النار نزل جبرائيل وأدركه في الهواء وقال له «يا ا براهيم ألك حاجة قال : أمّا إليك فل». فهذا هو مستوى التوكّل والاعتماد على اللّه تبارك وتعالى الذي كان يتمتع به ا براهيم عليه السلام  في تلك اللحظة الحرجة، وهو مستوى لم يتمتع به بعض الأنبياء عليهم السلام  - فضلاً عن غيرهم - في مواقف وظروف أقل حراجة.

 فيوسف عليه السلام  نبي من الأنبياء، وعلى الرغم من ذلك فا نّه قال للسجين الذي كان معه،  (اذكرني عند ربك) . صحيح أنّ هذا ليس من الأخطاء التي تعارض العصمة أو تنافيها، ولكنّه - على أي حال  بالنسبة لذلك المستوى يكون من قبيل : «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين».وفي رواية اُخرى بنفس المضمون: «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  سأل جبرائيل في يوم من الأيام أنت مع قوّتك هل عييت قط، فقال جبرائيل عليه الصلاة والسلام، نعم، عييت ثلاث مرات :

 المرة الاُولى : حينما اُلقيَ ا براهيم عليه السلام  في النار، أوحى اللّه إليَ أن أدركه، فوعزتي وجلالي لئن سبقك إلى النار لأمحونَّ اسمك من ديوان الملائكة. فنزلت إليه بسرعة، وأدركته بين النار والهواء، فقلت : يا ا براهيم هل لك حاجة؟ قال: إلى اللّه فنعم، وأمّا إليك فلا.

 والثانية : حينما أمر ا براهيم بذبح ولده إسماعيل، أوحى اللّه إليَ أن أدركه، فوعزتي وجلالي لئن سبقت السكين إلى حلقه لأمحونَّ اسمك من ديوان الملائكة. فنزلت بسرعة حتى حولت السكين وقلبتها في يده، وأتيته بالفداء.

 والثالثة : حينما رمي يوسف عليه السلام  في الجبّ، أوحى اللّه إليَّ  أدركه، فوعزتي  وجلالي ا ن سبقك إلى قعر الجبّ لأمحونَّ اسمك من ديوان الملائكة. فنزلت إليه بسرعة  وادركته في الفضاء ورفعته عن الصخرة التي كانت في قعر الجبّ وأنزلته عليها سالماً فعييت ...» إلى آخر الرواية.

 

 شموليّة الامتحان الإلهي للناس جميعاً

 إنّ مسألة الامتحان مسألة عامة لا تختص بنا - نحن البشر الاعتياديين ، وا نّما تشمل أيضاً الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، ولا يصل الا نسان إلى مقام الإمامة الذي هو فوق المقامات - على ما سنُبيّنه ا ن شاء اللّه  من دون أن يمتحن، ومن دون أن يخرج من الامتحان بنجاح.

 فاللّه سبحانه امتحن حتّى الأنبياء سلام اللّه عليهم أجمعين - كما هو واضح في لحن القرآن الكريم والحكايات والقصص المذكورة عن الأنبياء العظام عليهم السلام  -.

 فقد امتحن اللّه آدم عليه السلام  وإبراهيم عليه السلام  ويوسف عليه السلام  وسليمان عليه السلام  وداود عليه السلام وأيوب عليه السلام  وسائر الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام، وحتى الأنبياء الذين اُعطوا النبوة في صغر سنهم كعيسى عليه السلام  ويحيى عليه السلام .

 فعيسى عليه الصلاة والسلام، أصبح نبياً وهو في المهد صبيا، حيث يقول تعالى:  (فأشارت إليه، قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيا، قال ا نّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيّا). فهنا ربما يقول قائل، ا نّ عيسى عليه السلام لم يمر بالامتحان - ا ذن  لإنّه أصبح نبياً وهو في المهد، وكذا الأمر بالنسبة ليحيى عليه السلام ، إذ يقول تعالى :  (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا)... فقد يقال ا نّ يحيى عليه السلام  قد خرج عن قانون الامتحان.

 ولكن الذي يبدو لي هو أنّ عيسى ويحيى عليهما السلام ، لم يخرجا عن نظام الامتحان الإلهي، ولم يحصلا على المقام الذي حصلا عليه مجاناً وبلا عوض، ولم يكونا مستثنيين من هذه القاعدة، وهنا نحتاج إلى أن نلتفت إلى معنى الامتحان الإلهي.

 

 مَعنى الامتحان الإلهي

 الامتحان الإلهي ليس كالامتحان الذي نقوم به حينما نريد أن نمتحن بعض أبنائنا أو أطفالنا، وليس كامتحان المعلم لتلاميذه، حيث أن الامتحان الذي يقوم به الأب أو المعلم تجاه الابن أو التلميذ، ا نّما هو من أجل كشف الحقيقة، إذ أنّ مثل هذا الأب أو المعلم لا يعرف مدى قابلية ابنه أو تلميذه، فيريد أن يمتحنه حتى يكشف حقيقته ويجازيه بقدر ما ينكشف له منها.. فهذا هو معنى الامتحان الذي يقوم به الناس بعضهم تجاه بعض، وهذا النوع من الامتحان يجب أن يكون متقدماً على الجزاء، ويجب أن يكون متقدماً على المنصب الذي يعطى... فالطبيب والمهندس وغيرهما لا يعطون الشهادة والمقام قبل أن يؤدّوا الامتحانات التي كانت بهدف كشف الحقيقة.

 أمّا امتحان اللّه تبارك وتعالى، فهو ليس من هذا القبيل، فاللّه سبحانه لا يمتحن عبيده من أجل أن تنكشف له حقائقهم، إذ أنّه تعالى عارف بالحقائق، عالم بالسرائر، عالم بالقابليات والرتب والمستويات، عالم بمن يخرج من الامتحان بنجاح وبمن يسقط، عالم بكل شى‏ء.. فليس معنى امتحان اللّه تبارك وتعالى للإنسان كشف حقيقته قبل اعطائه المنصب والجزاء، ولكنّ اللّه تبارك وتعالى حينما يعطي الا نسان مقاماً أو منصباً أو ثواباً، فا نّ ذلك يجب أن يكون بأزاء قابلية ما، بحيث لولا هذه القابلية لكان تمييز ذلك الا نسان عن غيره من البشر قد يعد ظلماً، لأنّ الشخص الذي لا يعطى الثواب العظيم أو المنصب المرموق سوف يقول للّه تعالى: لماذا لم تعطني هذاالمقام، أو لماذا لم تعطني هذا الثواب، كما أعطيت فلاناً؟.

 وأمّا إذا كان ذلك الشخص  (صاحب الثواب والمنصب) يمتاز عن الآخرين بتحمل المصائب والمتاعب، والصبر على المحن والرزايا، والخروج منها بنجاح، فا نّ اللّه سبحانه وتعالى إذا أعطاه المنصب المناسب والأجر والثواب الذي يستحقه، فا نّ الآخرين سوف لا يكون لهم أي مجال للاحتجاج أو الاعتراض على اللّه سبحانه.

 ومن هنا، فا نّ المنصب ربما يكون سابقاً للامتحان الذي سيمتحن به الشخص.

 فعيسى ويحيى عليهما السلام  أيضاً امتُحنا في حياتهما على الرغم من أنّ المنصب كان قد ثبت لهما قبل الامتحان، إذ إنّ الامتحان الإلهي ليس بمعنى كشف الحقيقة لكي يشترط أن يتقدم على المنصب، وا نّما هو بمعنى أنّ هذا الا نسان ا نّما اُعطي هذا المقام لأنّه كان سينجح حتماً في كل قضاياه ومحنه التي ستمر به خلال حياته نجاحاً كاملاً، وقد يكون هذا في آخر عمره، لا في أوله.

 فالمنصب قد يسبق الامتحان باعتبار أنّ اللّه تبارك وتعالى يعرف هذا الرجل الذي يستحق هذا المنصب.

 نعم، نحن لا نعرف حقيقة ذلك الرجل ولا ندري بأنّه سوف يخرج من الامتحان حقّاً، إلّا في آخر عمره وبعد أن نراه يخرج من الامتحان بنجاح، نكتشف أنّ ذلك المقام الذي أعطاه اللّه تبارك وتعالى له كان قد وقع في محله.

 

 مَقام الإمامَة

 انّ الذي يبدو من الروايات أنّ مقام الإمامة فوق المقامات الاُخرى - ما عدا مقام الربوبية طبعاً  التي يمكن أن يصل إليها ا نسان.

 فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام  أنّه قال: « ا نّ اللّه اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وأنّ اللّه اتّخذه نبياً قبل أن يتّخذه رسولاً، وأنّ اللّه اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وأنّ اللّه اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه ا ماماً ».

 و «العبودية» هنا، ليست بمعنى المملوكية فكل الناس هم عبيد اللّه، وحتى اخبث الخبثاء هو عبد للّه، وا نّما العبودية تعني أن يصل الا نسان إلى مقام الإخلاص بمستوى أن يذوب في الرب تبارك وتعالى... فلا يكون الرسول رسولاً مالم يكن عبداً، فالعبودية مقدمة على الرسالة.

 و «النبوة»: لا تعني مجرد ا نزال الوحي، فاللّه قد يخبر الا نسان عن اُمور، ولكن قد لا يكون قد أرسله إلى اُمّة من الناس، فهو ليس برسول، ويبدو من قوله عليه السلام : « وأنّ اللّه اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً »، أنّ مقام الرسالة فوق مقام النبوة، وليس كل نبى رسولاً.

 ومن قوله عليه السلام : « ا نّ اللّه اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً » يبدو أنّ مقام الخلة فوق مقام الرسالة، فليس كل رسول يصل إلى مستوى أن يكون خليلاً للّه تبارك وتعالى، وإبراهيم خرج من كل الامتحانات بنجاح ولم يصدر منه حتى ما يسمى بترك الأولى على ما يبدو من قوله تعالى  (... فأتمهن... (وليس من الصدف أن نرى كل الحجاج يصلّون خلف مقام إبراهيم عليه السلام ، وليس من الصدف ما نراه من أمر اللّه تبارك وتعالى لكلّ الطائفين أن يدخلوا حجر إسماعيل عليه السلام  في طوافهم، فلولا نجاح إسماعيل في ذلك الامتحان العظيم واستسلامه لأبيه ليذبحه لم نكن نعرف نكتة لدخول حجر إسماعيل في الطواف.

 وكذا قوله عليه السلام : «وا نّ اللّه اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه ا ماماً (يدل في ظاهره على تفوّق مقام الإمامة على مقام  (العبودية، النبوة، الرسالة، الخلة) وهذا ما يظهر أيضاً من قوله تعالى:  (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ا نّي جاعلك للناس ا ماماً، قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين)، إذ أنّ لحن هذه الآية المباركة يُشير إلى أنّ إبراهيم عليه السلام  قد حصل على منصب الإمامة ومقامها، في أواخر عمره الشريف، أي : بعد ابتلائه عليه السلام ، فلم يكن إبراهيم عليه السلام  في أوائل أيام حياته أو في أوائل أمره إماماً وا نّما كان عليه السلام  إماماً في أواخر عمره، وذلك لعدة شواهد في الآية المباركة ذكرها المرحوم العلامة الطباطبائي في كتابه الميزان في تفسير القرآن، وهي :

1 ـ كلمة «ومن ذريتي» في قوله تعالى:  (قال ومن ذريتي؟.. )، فهذه الكلمة تشير إلى أنّ إبراهيم عليه السلام  إمّا كانت له ذريّة وقتئذ أو كان عليه السلام  قد علم أنّه سوف تكون له ذريّة، ولذلك قال: «ومن ذريتي».. وأمّا إذا لم تكن له ذريّة ولم يكن عليه السلام  يعلم أنّه ستكون له ذريّة، فلا معنى لقوله «ومن ذريتي». ونحن نعلم أنّ علم النبي إبراهيم عليه السلام ، واطلاعه بأنه ستكون له ذريّة قد كان في أواخر أيامه وكبر سنه، حيث يقول تعالى:  ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم، ا ذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ا نّا منكم وجلون قالوا لا توجل ا نّا نُبشّرك بغلام عليم قال أبشّرتموني على أن مسني الكبر فبمَ تُبَشِّرون قالوا بشّرناك بالحق فلا تكن من القانطين ()  شاهد على أنّ تبشير إبراهيم عليه السلام  بالذرية قد كان بعد أن مسه الكبر. ويقول تعالى أيضاً في آية اُخرى :  ( وامرأته قائمة فضحكت فبشّرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب قالت ياويلتَي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ا نّ هذا لشي‏ء عجيب قالوا أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت ا نّه حميد مجيد ).

2 ـ كلمة «ابتلى» في قوله تعالى  ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه... )، فهذه الآية المباركة تدل على أنّ مقام الإمامة ا نّما جاء بعد هذه الابتلاءات والامتحانات التي مرّ بها إبراهيم عليه السلام  ونجح فيها، فعندئذ قال اللّه تعالى:  ( ا نّي جاعلك للناس ا ماماً ). فوصول إبراهيم عليه السلام  إلى مقام الإمامة كان بعدما مرّ - بنجاح  بهذه الامتحانات والابتلاءات، ومن الواضح أنّ من أبرز الامتحانات والابتلاءات التي مرَّ بها إبراهيم عليه السلام  هي قصة ذبح ابنه، ونحن نعلم أنّ قصة الذبح هذه قد كانت في أيام كبره عليه السلام ، حيث يقول تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم عليه السلام :  ( الحمد للّه الذي وهبَ لي على الكبر إسماعيل وإسحق، إنّ ربي لسميع الدعاء ).

3 ـ انّ قوله تعالى :  ( إنّي جاعلك للناس ا ماماً (هو وحي، وهذا دليل على أنّه عليه السلام  كان نبيا يوحى إليه قبل أن يجعل ا ماماً. وهذا دليل على أنّ الإمامة بعد النبوة، فمقام الإمامة - ا ذن - فوق مقام النبوة.

 الإمامة والقيادة

 الإمامة تعطي معنى  القيادة، فمن يقود الناس فهو إمامهم. وإمام الناس يعني قائدهم.

 إنّ العالم المادي الحديث - الذي يريد أن يظهر نفسه بأنّه عالم الحرية والعدالة مثلا - يعطينا طريقة لتقمّص قيمص القيادة بشكل يختلف اختلافاً جوهرياً عن فكرة الإمامة التي تقول بها السماء، وعمّا يقوله الإسلام فيها. وذلك لأنّ عالم الكفر  ( العالم المادّي والحضارة المادّية (الذي لا يؤمن بالمبدأ والمنتهى ولا يؤمن بوجود اللّه تبارك وتعالى، ولا يؤمن بجنة ولا نار ولا بوجود عالم آخر غير هذا العالم، يرى أنّ مسألة « الإمامة » أو « القيادة » محصورة بإدارة شؤون الدنيا لا أكثر ولا أقل، ولهذا فإنّ دعاة العدل  ( على ما يزعمون (قالوا بأنّ العدل يكون في أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم، فالناس ليسوا بحاجة إلى شخص واحد معين من أعلى، إذ لا يوجد هناك مبدأ يفترض أنّه هو الأعلى الذي يعيّن من يدير الاُمور، وا نّما الناس يجب أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وهذا ما يسمّى بلغتهم ب« بالديمقراطية » أو « الانتخاب الحر » أو ما شابه ذلك، هذه هي فكرة القيادة حسب ما يفهمه العلماء المادّيون، فيحصرون القيادة بهذا المعنى الضيق ويفترضون أنّ طريق الوصول إليها هو « الانتخاب » إذ ليس في ذلك ظلم لأحد - كما يدّعون -.

 وفي مقابل هذا الرأي، هناك « الدكتاتورية » التي تعني سيطرة شخص أو فئة أو طبقة أو جماعة... على الآخرين بالظلم والإجبار.

 وإذا أردنا أن نناقش فكرة المادّيين عن القيادة في دائرتها الضيقة، ونغض النظر عن الفارق الجوهري الموجود بين تفكير هؤلاء وبين تفكير الإسلام، ونناقش طريقتهم فى تعيين القائد، نقول إنّ هذه المسألة لا تخرجنا عن مسألة التحكّم والظلم وسيطرة شخص على آخر بلا حقّ، وبذلك يسقط إدّعاؤهم القائل بأنّ الالتجاء إلى الانتخاب الحرّ ا نّما هو من أجل أن لا تكون سيطرة أحد على أحد بالقهر والإجبار، إذ أنّها ستكون بقبول  الناس أنفسهم، وهذا يعني أنّ الناس قد حكموا أنفسهم بأنفسهم، وهذا ليس بظلم، بل هو عدل بحت - كما يقولون -.

 ومن أجل أن نوضح كيف أنّ الانتخاب يؤدي الى التحكم والظلم، نقول: إنّ الانتخاب سوف يؤدي - على أفضل التقادير - الى حكم الأكثرية وسيادة النظام الذي ترغب به، حيث أنّ الحكم أو النظام الفائز بالانتخاب، سوف لن يكون مؤيداً ومنتخباً من قبل جميع الناس، وا نّما يكون مؤيداً من قبل الأكثرية فقط، وأمّا البقية الباقية من الناس  ( الأقلية )، فإنّها رافضة للحاكم ومعارضة للحكم... وعندئذٍ فإنّ هذا الشخص الفائز أو النظام الذي رغبت به الأكثرية سوف يكون مفروضاً على الأقلية  ( الرافضة )، حيث يجب عليها أن تكون محكومة لرأي الأكثرية وخاضعة له وهل هذا إلّا تحكيم رأي على رأي، يؤدي الى سحق حقوق الأقلية وظلمها دون ذنب؟ ... . فالانتخاب - ا ذن - لم يرفع الظلم ولم يحقق العدل.

 وقد اُجيب عن هذا الاعتراض بأنّ الأقلية قد وافقت - منذ البدء - على الأخذ برأي الأكثرية والخضوع للنظام الذي تريده أو تقرّه الأكثرية، إذ أنّ جميع الناخبين مؤمنون بمبدأ الأكثرية وموافقون على الخضوع له، ومن هنا فإنّ حقوق الأقلية لم تهدر - ا ذن -.

 إلّاأنّ هذا الجواب غير تامّ:

1 ـ لأنّ هناك قسماً من الناس لا يؤمن بمبدأ الأكثرية، ومثل هؤلاء الناس لا يمكن إخضاعهم لقانون الأكثرية إلّا على أساس القهر والإجبار، وهذا رجوع الى الدكتاتورية مرة اُخرى.

2 ـ لأنّ هناك قسماً من الناس هم أطفال أو أشخاص لم يبلغوا السن القانوني الذي يسمح لهم بالاشتراك بالانتخاب، فماذا يقولون لهم بعد أن تصل أعمارهم الى السن القانوني وقبل أن تنتهي الفترة المحددة للشخص أو النظام المنتخب؟

 ففي كلّ سنة - بل في كلّ يوم - هناك الكثير من الأشخاص تصل أعمارهم الى السن القانوني، ولكنّ الانتخابات لا تجرى في كلّ يوم أو سنة، وهذا يعني أنّ الأشخاص الذين تصل أعمارهم الى السن القانوني بعد إجراء الانتخاب، عليهم أن يخضعوا للشخص أو النظام المنتخب  ( الحاكم )، دون أي أساس، وعليهم أن يتحمّلوا الوضع القائم - الذي لم يساهموا بإيجاده - حتى مجي موعد الانتخابات الجديد الذي ربما سوف يطول لسنوات عديدة.

3 ـ ولأنّ هناك مواليد جدد بعد إجراء الانتخاب، فماذا يقولون لهم؟

 وهناك اعتراضات ومناقشات اُخرى ذكرناها في كتابنا « أساس الحكومة الإسلامية ».

 هذا، إضافة الى أنّ الإسلام يعارض هذه الفكرة معارضة جذرية، ويرفضها رفضاً قاطعاً، باعتبارها فرضت منفصلة عن المبدأ والمنتهى، ولا يرى معنى الإمامة منحصراً بمجرد إدارة اُمور الدنيا وشؤونها.

 فالإسلام يلحظ المسألة من دائرة أوسع وأعمق ... .

 ولا بدّ أن نشير هنا، الى أنّ الإسلام لا يرفض كل أشكال الانتخابات وأنواعها، وا نّما يرفض الانتخابات التي تمنح الولاية للاشخاص أو الفئات أو الانظمة المنتخبة، وأمّا الانتخابات التي تكون بأمر الولي الفقيه - باعتباره قائداً وامتداداً لخط الإمامة - عندما يرى مصلحة فيها، فا نّما تمارس امتثالاً لأمر الفقيه  ( ولي الأمر )، ولهذا فإنّ الذي يعطي الولاية للفائزين - في هذه الحالة - هو الولي الفقيه وليست الانتخابات، وعلى هذا الأساس يصح انتخاب رئيس الجمهورية وتصح انتخابات أعضاء مجلس الشورى وغيرها من الانتخابات التي تجرى بأمر الولي الفقيه.

 ثمّ إنّ فكرة القيادة - بمستوى من المستويات - مقبولة عند كل الماديين المنكرين للمبدأ والمعاد، ما عدا الشيوعيين الذين آمنوا بمجي زمان لا يحتاج فيه الناس الى حكومة أو سلطة أو قيادة، وذلك حينما تسود الشيوعية - على ما يزعمون -، أمّا غير هؤلاء الشيوعيين، فكلّهم يؤمنون بأنّ العالم أو المجتمع بحاجة الى قائد يقوده، ويحسّون بحاجة الناس الى من يأخذ بأيديهم نحو الخير و السعادة والرفاه.

 وعلى هذا الأساس، فإنّ الذين حاولوا أن يدافعوا عن الحقّ والعدل، قالوا بأنّ العدالة لا تسود إلّا عندما  يقوم المجتمع بقيادة نفسه بنفسه، وإدارة شؤونه بنفسه، وهذا لا يكون - على زعمهم - إلّا عن طريق الانتخاب والأدلاء بالأراء.

 ولكن فكرة القيادة عند الماديين والملحدين تختلف اختلافاً جوهرياً عما هي عندنا فى الإسلام. فهي عندهم لا تعدو أن تكون مسألة إدارة شؤون الحياة الدنيوية، أمّا عندنا فإنّها تنسحب على عدة مجالات وترتبط بعدة أصعدة، إذا ما استوعبناها جميعاً نرى أنّه من الواضح جداً أنّ انتخاب البشر لا يمكن أن ينتج تعيين الإمام الذي يجب اتباعه. وهذه الأصعدة هي :

1 ـ صعيد العمل للدنيا :

 فبغضّ النظر عن الجنة والنار والعوالم الاُخرى، فإنّ المجتمع الدنيوي بحاجة الى القيادة، وإنّ الاُمور الدنيوية بحاجة الى إدارة، وهذا هو المجال الذي حصر الماديون نظرهم فيه، وهو أيضاً من المجالات التي نظر الإسلام إليها باهتمام، غير أنّ الإسلام لم يقصر نظره عليه فقط، وا نّما نظر أيضاً الى جملة من الاُمور الاُخرى.

 وأمّا ما قد يتصوره أو يقوله البعض من أنّ الإسلام لا يهتم بشؤون الدنيا، وا نّما يهتم بشؤون الآخرة فقط، وأنّه يفصل بين الدنيا والآخرة ويركز على الآخرة فحسب، فإنّه قول خاطي يشبه خطأ من يقول بأنّ الدين منفصل عن السياسة، فهذه أفكار انحرافية وتوجهات استعمارية، جاء بها المستعمر الكافر لتخدير المسلمين وحرفهم عن طريق الإسلام القويم، وإلا  فإنّ اهتمام الإسلام بإدارة شؤون الدنيا، واضح من خلال زاويتين :

 الاُولى : زاوية تحقيق العدل ورفع الظلم، حيث أنّ هناك آيات مباركة تأمر بالعدل، منها :

 قوله تعالى :  ( ... وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ).

 وقوله تعالى :  ( ... يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ... ).

 وغيرها من الآيات والروايات التي تأمر بالعدل وتنهي عن الظلم، ممّا يُشير إشارة واضحة الى أنّ الإسلام قد اهتم بإدارة شؤون الدنيا إدارة عادلة، ودعا لدفع الظلم عن العباد.

 الثانية : زاوية النعم الدنيوية :

 حيث يتضح من الآيات والرويات أنّ الإسلام ينظر الى متع الدنيا ونعمها، وأنّه مهتم بمسألة تكثيرها على المؤمنين.

 يقول تعالى :  ( قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق... ).

 ويقول تعالى :  ( ولو أنّهم أقاموا التوراة والأنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم... ).

 فهذه الآيات وأمثالها دليل وشاهد على أنّ الإسلام ينظر الى النعم الدنيوية وأنّه مشرَّع بشكل لو طبّق لكثرت النعم ولأصبح الناس جيمعاً في رخاء ونعيم .

 فصعيد العمل للدنيا - ا ذن - هو أحد الأصعدة التي ينظر إليها الإسلام حينما يريد أن ينصب ا ماماً أو عندما يريد أن يقود المجتمع بواسطة الإمام، ولذا فلا بدّ للقائد من أن يهتم بالشؤون الدنيوية للمجتمع، وهذا هو الجانب الذي نظر إليه الماديون ايضاً - ما عدا الشيوعيون -.

 فكما أنّ الماديين يؤمنون بهذا النوع من القيادة، وينظرون الى هذا الصعيد  ( الدنيوي )، فإنّ الإسلام نظر إليه أيضاً وآمن به وقال بأنّ الإنسان بحاجة الى قيادة، ولكنّه يُضيف الى هذا الصعيد أصعدة اُخرى جعلها من شؤون القيادة والإدارة.

2 ـ صعيد العمل للآخرة :

 ويتمثل بمسألة هداية البشر الى نعم الآخرة.

 فالماديون عندما فصلوا العالم عن المبدأ والمنتهى، فرضوا أنّ المسائل التي تحتاج الى إمعان النظر هي مسائل الحياة الدنيوية.

 أمّا الإسلام فيرى أنّ الحياة الدنيوية ما هي إلّا مقدمة لحياة آخروية دائمة، هي أوسع وأكبر وأعظم من هذه الحياة، ولذا فإنّه يرى بأنّه لابدّ من تمشية اُمور هذه الحياة الدنيوية الزائلة بالشكل الذي ينسجم مع تلك الحياة الآخروية الدائمة والتي هي أهم من هذه الحياة الدنيا كما تشير الى ذلك آيات قرآنية كثيرة، من قبيل :

  - 1قوله تعالى :  ( وللآخرة خير لك من الاُولى ).

  - 2قوله تعالى :  ( وما هذه الحياة الدنيا إلّا لهو ولعب وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان ).

  - 3قوله تعالى :  ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً ).

 فإذا فرضنا - جدلاً - أنّ المجتمع باستطاعته أن يقود نفسه بنفسه، وأغمضنا النظر عن الإشكالات الورادة على فكرة الديمقراطية التي يقول بها الماديون، وافترضنا أنّه من الممكن أن يقوم البشر بانتخاب من يدبّر شؤونهم ويدبر اُمورهم، فإنّنا نتساءل :

 كيف يستطيع الناس أن ينتخبوا ذلك الشخص الذي يهديهم الى نعم الآخرة؟

 وذلك لأنّنا لو سلّمنا بأنّهم خبراء وعارفون بالاُمور الدنيوية وإدارتها، فإنّهم غير عارفين بالحياة الاُخروية، وليست لديهم أي خبرة عن كيفية إدارتها، فكيف يتسنّى لهم - ا ذن - أن ينتخبوا من هو قادر على صعيد العمل للآخرة؟.

 وكيف يستطيعون أن ينتخبوا من هو بمستوى من قال : سلوني قبل أن تفقدوني ...، وإنّي بطرق السماوات أعلم من طرق الأرض؟ فليس كل واحد يستطيع أن يقول هذا الكلام وليس بإمكان المجتمع الاعتيادي أن ينتخب من يكون على هذا المستوى، فإنّ هذا بحاجة الى من له علاقة بالغيب وله ارتباط بمنازل الآخرة.

3 ـ صعيد الكمال والرقي المعنوي والوصول الى رضوان اللّه تعالى‏وهذا المستوى لا يستطيع الماديون والملحدون أن يتصوره، فيتخيلون أنّ هذا شي‏ء وهمي...

 فمسألة الكمال والوصول الى رضوان اللّه تعالى هي مسألة السمو المعنوي والروحي وهي مسألة فوق الدنيا والآخره، وأهم منهما معاً حيث يقول تعالى :  ( ... ورضوان من اللّه أكبر... ).

 فرضوان اللّه تبارك وتعالى عند أهل المعرفة والكمال هو  أكبر من جنّة عرضه االسماوات والأرض.

 وبصدد شرح النعم الإلهية على المؤمنين في  يوم القيامة، يقول اللّه تعالى :  ( وجوه يومئذٍ ناضرة الى ربها ناظرة ).

 والنظر - هنا - لا يقصد به النظر المادي  ( الجسمي (للّه تعالى، إذ أنّ اللّه سبحانه وتعالى ليس جسماً لكي يكون النظر إليه ممكناً، وا نّما يقصد به الاقتراب من اللّه سبحانه  وتعالى، والكمال الروحي، والرقي الى مستوى بحيث كأنّه ينظر الى اللّه. وهذا هو فوق النعم الاُخرى الثابتة في عالم الآخرة فالآية تشير الى الاقتراب المجازي من الرب، وهو الاقتراب من رحمته تبارك وتعالى.

 وهناك آية مباركة اُخرى تتعرّض الى العقوبات الإلهية على المجرمين والكافرين فيقول تعالى :  ( كلا ّ إنّهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون )، وهذا نقيض « النظر » الذي ورد فى الآية السابقة، والمعنى: أنّهم مبتعدون عن رحمة الرب، فهذه الآيه المباركة لم تتكلّم عن عذاب المجرمين في الجحيم وإحراقهم في النار، وا نّما تقول :  ( إنّهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون ). ومن هنا نتمكن من معرفة كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام  حينما يقول في دعاء كميل : « هبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك... » فكأنّ الصبر على النار يكون هيناً بالقياس الى الصبر على فراق اللّه تعالى.

 فالإسلام - ا ذن - اهتم بجانب الكمال والرقي المعنوي الذي هو أهم من نعم الآخرة، فيفترض بالقائد - ا ذن - أن يكون على مستوى بحيث يتمكّن من إيصال المجتمع الى هذه المرتبة من الكمال. وهذا هو الصعيد الثالث الذي يدخل ضمن الأصعدة والقضايا التي يجب أن يخطط لها القائد. فلو افترضنا أنّ الذي سوف ينتخب من قبل الناس هو بمستوى تأمين أوضاع الحياة الدنيوية، فكيف يمكنه أن يكون بمستوى تأمين هذه الحاجة - أي : حاجة الكمال الروحي والمعنوي الذي يجب على البشرية أن تصل إليه -.

  - 4صعيد النظم الإسلاميّة والأحكام الإلهية التي شرّعها الإسلام :

 فالإسلام دين يشتمل على احكام ونظم، والمفروض بالقائد أن يعمل فى سبيل تبليغ وتطبيق الأحكام الإلهية على وجه الأرض.

 وهذا الصعيد  ( الرابع (يؤثر على كلّ الأصعدة السابقة، حيث أنّ تطبيق الأحكام هو الذي يوجد الرفاه للمجتمع في الحياة الدنيا، وهو الذي يوجد سعادة المجتمع في الحياة الآخرة، وهو الذي يأخذ بيد المجتمع نحو الكمال والرقي المعنوي ويوصله الى رضوان اللّه تعالى.

 فحينما ننظر الى فكرة الإمامة من هذا المنظار، فنفترض بالإمام أن يقوم بإدارة شؤون الحياة الدنيوية، وهدي المجتمع نحو الجنة، ورضوان اللّه تعالى، وتبيلغ الأحكام الإلهية وتطبيقها على المجتمع..، ولم ننظر إليها - الإمامة - بمنظار إدارة الشؤون الدنيوية فقط، عندئذٍ نفهم معنى التعابير الموجودة في الروايات والأدعية الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام ، إذ يعبّرون عن الإمام أو الإمامة بتعابير عظيمة تشير الى عظمة هذا المستوى.

 فقد جاء في أحد التعابير : « أين السبب المتّصل بين الأرض والسماء »، فالإمام - ا ذن - يكون السبب المتصل بين الأرض والسماء، وليس مجرّد إنسان ينتخبه المجتمع كمدير لقضايا الدنيا وشؤونها. وكذلك جاء في تعبير آخر : «إني واثني عشر من ولدي وأنت يا علي زر الأرض يعني أوتادها وجبالها بنا أوتد اللّه الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنى عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظرو».