القسم الثاني

الإمامة بين النصّ والانتخاب

 وإذا كانت فكرة الإمامة بهذا المستوى من الأهمية والعظمة، فمن الواضح جداً أنّ هذا ليس أمراً يمكن أن يخضع للانتخاب.

 وإذا ما آمنّا بالانتخاب ضمن حدود وضمن قيادات وقتية، فإنّنا نقول به في آخر الزمان فحسب، حسب ما ورد في بعض الروايات بخصوص فكرة،« المهديون » بالنسبة لما بعد صاحب الزمان  ( عجّل اللّه فرجه) عندما ينتهي عمره الشريف سلام اللّه عليه، فإنّه قد طرحت في الروايات بلحاظ ذاك الزمان فكرتان وهما:

1 ـ فكرة الرجعة وإنّ الأئمة السابقين عليهم السلام  سوف يرجعون الى الدنيا واحداً بعد آخر.

2 ـ فكرة « المهديون »، وهم ليسوا أئمة بالمعنى المصطلح عند الشيعة ولكنّهم اُناس مهديون مؤمنون يديرون المجتمع بعد انتهاء حياة الإمام الحجة  ( عجّل اللّه تعالى فرجه ).

 ولا تنافي بين هاتين الفكرتين، ويمكن أن تصحّ فكرة « رجوع الأئمة عليه السلام » وفكرة «المهديون» معاً.

 ومن المحتمل أنّ هؤلاء المهديين يعيّنون بالانتخاب، ومن المحتمل أيضاً أن يكون تعينهم بالنص من قبل الإمام عليه السلام ... ولا نعرف الآن أي الاحتمالين سوف يقع.

 وا نّما آمنّا بإمكان الانتخاب في آخر الزمان فحسب، وضمن دائرة ضيقة، وفي قادة وقتتيين ليسوا كالإمام المعصوم الذي نقول بقيادته للمجتمع من حين يومه والى يوم القيامة. أقول : ا نّما آمنا بذلك وقلنا به لأنّ المجتمع سوف يصل وقتذاك الى مستوى من النضج يستطيع عنده أن يستوعب كل مساحات القيادة وأصعدتها، ويكتمل فيه النمو والكمال بسبب التربية التي يمر بها على يد الإمام صاحب الزمان  ( عجّل اللّه تعالى فرجه )، فيكون عندئذٍ قادراً على الانتخاب الصحيح.

 وعلى هذا فإن صحت الانتخابات - ا ذن - فا نّها تصحّ في آخر الزمان وعندما يكون المجتمع بمستوى عال من النضج والكمال، وإنّ الذي يتمّ انتخابه هو أحد المهديين - حسب ما ورد في الروايات - ويكون انتخابه للقيادة لوقته، وليست قيادته دائمية.

 

 وقفة مع بعض الكتّاب

 هناك عادة مؤسفة عند بعض كتّابنا، وهي أنّهم يريدون أن يطبّقوا ما يألفونه من عادات غربية أو أفكار مستوردة من الغرب، على القرآن الكريم والسنة، ويحاولون أن يُفسّروا كلا من الكتاب والسنة وفق تلك المفاهيم والمباني التي أخذوها من عالم آخر لا يمت الى الإسلام بأي صلة. وقد يتخيّلون - بحسن نية - بأنّهم يخدمون القرآن أو أنّهم أتوا بأفكار راقية - حسب ما يتصوّرون -. ولكن هذا - في الحقيقة - هدم للإسلام.

 فحينما نريد أن نحمل الكتاب المجيد أو السنة المطهّرة على أمثال هذه المفاهيم التي نتصوّر أنّها راقية وسامية و...، يجب علينا - أوّلاً - أن نقرأ الكتاب والسنة قراءة بعيدة عن مصطلحات اليوم، وعن الأفكار المستوردة، ونفهمهما فهماً جيداً، ثمّ نأخذ تلك الأفكار والمفاهيم المستورة لنحاكمها وفق ما فهمنا من الكتاب والسنة.

 ومن هنا، فإنّ فكرة الانتخابات أو الديمقراطية أو فكرة حكم الناس لأنفسهم بأنفسهم، إذا أراد البعض أن يحملها على الكتاب والسنة، فإنّه ليس فى الكتاب والسنة ما يدلّ على شي‏ء من هذا القبيل، عدا اُمور ثلاثة قد يتراءى لهذا البعض، أن فيها - أو في بعضها - ما يدلّ على الانتخاب المألوف أو يدلّ على فكرة الديمقراطية، وهذه الاُمور الثلاثة هي :

1 ـ ما ورد في بعض الآيات القرآنية المباركة من نسبة الخلافة الى المجتمع وليس لشخص معين، وعندئذٍ قد يحلو لكاتب ما أو لمفكر معين، أن يتخيّل أنّ الإسلام جاء بفكرة الديمقراطية وفكرة الانتخاب، حينما نسب الخلافة الى المجتمع ككل.

2 ـ الرواية التي رواها إخواننا السنة عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وهي « اُمتي لا تجتمع على الخطأ ». فهذه الرواية قد يجعلها البعض دليلاً على صحة الانتخابات أو صحة تعيين الإمام بإجماع المسلمين.

3 ـ آيتا الشورى الواردتان في القرآن الكريم، وهما :

 أ - قوله تعالى  ( ... وأمرهم شورى بينهم...  ).

 ب -  ( ... وشاورهم في الأمر... ).

 فقد يستفيد بعض الكتّاب من هاتين الآيتين أنّ الشورى هي التي تعيّن لنا الإمام، وهي التي تعيّن لنا الولي.. وهي التي تعيّن لنا من يقودنا...

 فهذه اُمور ثلاثة يمكن أن يتخيّل منها متخيّل  أنّها تشير الى فكرة القيادة الجماعية أو فكرة الانتخابات.

 ولكن - وكما قلنا سابقاً - يجب علينا أولاً وقبل كلّ شي‏ء، أن نجرّد أنفسنا من مصطلحات اليوم، وعن الأفكار المستوردة من الغرب، ثم نبحث هذه الاُمور الثلاثة لكي نرى هل نستفيد منها هذا المعنى أم لا؟

 آيات الخلافة

 فالبنسبة للآيات القرآنية التي تتحدث عن الخلافة، يجب أن نبحث كلمة « الخلافة » الواردة فيها، حيث وردت في موارد عديدة، منها :

 قوله تعالى :  « وإذ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي اعلم ما لا تعلمون ».

 فهذه الاية المباركة تقول إنّ اللّه تبارك وتعالى أراد أن يجعل في الأرض « خليفة »، ولمعنى « الخليفة » في هذه الآية المباركة ثلاثة احتمالات:

1 ـ أن يقصد ب«الخليفة»، ليس خليفة عن اللّه تبارك وتعالى، وا نّما خليفة عن آدم سابق. وهذا يعني أنّه كان هناك آدم قبل أبينا آدم عليه السلام ، وكان هناك ناس قبله عليه السلام ، ولكنّهم انتهوا وقامت قيامتهم مثلاً، فأراد اللّه سبحانه وتعالى أن يجعل خليفة لهم، أي أنّه تعالى أراد أن يجعل مَن يخلف أولئك الناس على الأرض.

 ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً، ولا يناسب ظاهر الآية المباركة، وذلك لأنّه لا بدّ أن تكون هناك نكتة من ذكر كلمة الخلافة في قوله تعالى :  ( إنّي جاعل في الأرض خليفة) ، ولو فسّرت «الخلافة» بهذا المعنى وهو أنّه تعالى يريد أن يجعل اُناساً ليخلفوا اُناساً كانوا قبلهم، فإنّ هذه « الخلافة » لا نكتة في ذكرها، ولا أهمية للتركيز عليها، فالذي يبدو من الآية المباركة أنّ المقصود من كلمة « خليفة » هو الذي فسّره كثير من المفسرين وهو :

2 ـ أن يقصد بـ« الخليفة » خلافة البشريّة عن اللّه تعالى.

 فيكون معنى قوله تعالى :  ( إنّي جاعل في الأرض خليفة (هو : أنّي جاعل في الأرض مَن يخلفنى - أي يخلف اللّه تبارك وتعالى على وجه الأرض .

 ولعل هذا الأساس هو الذي أثار غيرة الملائكة - ا ن صحَّ التعبير  عند سماعهم لذلك الخطاب، فأخذوا يقولون : لماذا لا نكون نحن خلفائك، إذ إنّنا نسبح بحمدك ونقدس لك، فلماذا تتخذ من غيرنا خلفاء لك على وجه الأرض؟

 فالمقصود بكلمة « خليفة » على هذا الاحتمال هو : خليفة اللّه تعالى .

 وهذه الصفة - صفة الخلافة  ليست صفة لشخص آدم عليه السلام ، وا نّما هي صفة للبشرية كلها، فهي لآدم عليه السلام ونسله، والذي يؤيد هذا الاحتمال هو قول الملائكة :  ( أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء )، فآدم عليه السلام  ليس مفسداً في الأرض وليس سفاكاً للدماء، وا نّما الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هم نسل آدم، وأمّا آدم عليه السلام  فهو أنزه وأعلى مقاماً من أن يفسد أو يسفك دماً.

 فالملائكة عندما سألوا وقالوا :  ( أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نُسبّح بحمدك ونقدّس لك )، كا نّما فهموا من كلام اللّه تبارك وتعالى أنّ البشرية كلها هي الخليفة وليس شخص آدم فحسب، ولهذا فإنّهم اعترضوا على خلافة البشريّة التي ستُفسد في الأرض وتسفك الدماء، وقولهم : «ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك»، فلماذا تكون البشرية هي الخليفة دوننا - ا ذن ؟.

3 ـ أن يكون لفظ « الخليفة » هنا، صفة لآدم عليه السلام  فقط، دون البشرية.

 وهذا الاحتمال أيضاً وارد بالنسبة للآية المباركة.

 ولكن، إذا كانت هذه الآية المباركة تتصف بشي‏ء من الغموض والإجمال، ولا نعرف هل أنّ لفظ « خليفة »، هو صفة لآدم عليه السلام  وحده، أم صفة للبشرية، فإنّ هناك آيات اُخرى واضحة في توصيف البشرية كلها بالخلافة دون توصيف آدم عليه السلام  فقط ومن هذه الآيات :

  قوله تعالى :  ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ... ).

 فهذا الخطاب ليس خطاباً لشخص معيّن، وا نّما هو للبشرية.

  قوله تعالى :  ( ولقد اهلكنا القرون من قبلكم لمّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبيّنات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف في الأرض ... ).

 وهذا أيضاً خطاب لكل الناس، وليس خطاباً لشخص معين.

  قوله تعالى :  ( فكذّبوه فنجّيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف... ).

 وذلك بعد استبعاد أن يكون المراد أنّ هؤلاء الخلائف خلائف لاولئك الناس الذين اُغرقوا، فقد قلنا إنّ هذا المعنى بعيد، إذ أنّ ذكر الخلافة بهذا المعنى لا تبدو فيه نكتة تستحق الذكر.

  قوله تعالى :  ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره... ).

  قوله تعالى :  ( أوعَ-جبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة ... ).

   ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوّأكم في الأرض...).

   ( امّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض... ).

 فما دامت الخلافة هنا صفة للمجتمع أو الناس، فقد يتصور - ا ذن  أنّ هذه الآيات المباركات تُشير إلى تعيين القائد عن طريق الانتخاب، وإنّ معنى أن يكون الناس كلهم خلفاء اللّه، هو أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم... وهذا لا يكون إلّا عن طريق الانتخابات.

 ولكنّ الذي أفهمه من هذه الآيات المباركات بعيد عن هذا المعنى.

 فصحيح أنّ الآيات قد جعلت الخلافة صفة للمجتمع البشري، وجعلت البشرية كلها خليفة للّه تعالى، ولكن هذا لا يعنى حكم البشرية نفسها بنفسها أو انتخابها لمن يقودها.

 فمعنى أنّ البشرية خليفة اللّه، هو أنّ هدف اللّه تبارك وتعالى - وهو عمران الأرض بشكل يكون كمقدمة للآخرة  لا بدّ أن تحقّقه كل البشرية، فمنهم مَن يكون قائداً ومنهم من يكون فلاّحاً ومنهم من يكون مرشداً أو معلماً ... الخ.

 فالمفروض أن تتظافر جهود البشرية كلها من أجل تحقيق ذلك الهدف العظيم، ويجب أن يعملوا جميعاً في سبيل تحقيق ما يرضي اللّه على وجه الأرض. وهذا هو معنى خلافة البشرية للّه على وجه الأرض، وهذا لا علاقة له بمسألة أن يقوموا بحكم أنفسهم بأنفسهم، أو يكون لهم جميعاً حق أو يد في تعيين من يقودهم.

 أمّا حينما تستعمل الخلافة في القرآن بمعنى القيادة، وبالذات بمعنى الحكم، فإنّنا نرى أنّها لا تُنسَب إلى البشرية، وا نّما تنسب إلى شخص معين ، من قبيل قوله تعالى :  ( يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه إنّ الذين يضلون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ).

 فالخلافة هنا بمعنى الحكم، بدليل قوله تعالى  ( فاحكم بين الناس بالحقّ )، فنرى - هنا - أنّ الخلافة عندما استعملت بمعنى الحكم فإنّها لم تنسب إلى الناس جميعاً أو إلى البشرية  - كما نُسبت في الآيات السابقة -  وا نّما نُسبت إلى شخص داود عليه السلام  الذي هو معيّن من قبل اللّه تبارك وتعالى، ولم يكن للناس اي دخل في تعيينه.

 

 رواية إجماع المسلمين

 أمّا ما روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم  من قوله : « اُمتي لا تجتمع على ضلالة »، فإنّها تستحق البحث ولو على سبيل الإجمال من ثلاثة جوانب :

1 ـ جانب السند وهل أنّ هذه الرواية قد صدرت - حقّاً - من الرسول صلى الله عليه واله وسلم .

2 ـ جانب التطبيق وهل أنّ هذا الذي يُدّعى - من قبل أبناء العامّة - قد طبّق على مَن  عيّنَ كخليفة للمسلمين بعد رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ؟

3 ـ جانب الدلالة، فلو افترضنا أنّ هذه الرواية تامّه السند، فهل أنّها تثبت المدعى والمقصود؟. وهل أنّها تدل على أنّ الاُمّة تستطيع أن تنتخب القائد ولو عن طريق الإجماع لا عن طريق الأكثرية؟!.

1 ـ جانب السند :

 وهنا نشير - إشارة عابرة  إلى سند هذه الرواية، ولا نريد أن نبحث ذلك وفق نظر الشيعة، لأنّهم لا يؤمنون بها، ولا يرون بأنّها وردت بسند تامّ وصحيح، فرواتها ليسوا من الذين وثّقوا لدى الشيعة. ولكنّنا نريد الكلام فيها وفق اُسس إخواننا السنّة.

 فهذه الرواية لم ترد في أي من الصحاح الستّ، وا نّما وردت في مستدرك الحاكم النيسابوري الذي كتبه كمستدرك على الصحيحين  ( صحيح البخارى وصحيح مسلم )، وقد التزم الحاكم في أول كتابه بأن لا يذكر في كتابه هذا إلّا الأحاديث الصحيحة على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما ، وهذا يعني أنّه التزم أن لا يذكر من الأحاديث إلّا ما كان منها بمستوى ما ورد في صحيح البخاري أو صحيح مسلم، من حيث السند.

 ولكن، حينما نصل إلى هذه الرواية بالذات  ( رواية «اُمتي لا تجتمع على ضلالة )»، نراه يعترف بشكل وبآخر بعدم نقاء سندها، ثم يعتذر عن ذلك ويسعى في سبيل تغطية هذا النقص، وخلاصة الكلام فيها هو مايلي :

 أنّ الحاكم يروي هذه الرواية عن ثلاثة أشخاص، وهم :

1 ـ عبداللّه بن عمر.

2 ـ ابن عباس.

3 ـ أنس بن مالك.

 وقبل البحث في أسانيد هذه الرواية، نشير إلى أنّ الإدعاء القائل بعدم الحاجة إلى النظر إلى احوال رواة هذه الرواية، وهل أنّهم ثقاة أم لا، حيث أنّها رواية مستفيضة أو متواترة أو مشهورة ومروية بطرق كثيرة، فهي - ا ذن  تامّة السند مع غض النظر عن رواتها، فيجب الأخذ بها... هو إدعاء غير صحيح، حيث أنّ طرق رواية هذه الرواية تنتهى كلها إلى أحد هؤلاء الثلاثة، وعلى هذا فهي ليست مستفيضة أو متواترة. وقد قال العلماء بأنّ الرواية المتواترة يجب أن تكون متواترة في كل الطبقات، ولمّا كانت هذه الرواية - من أصلها  منتهية إلى ثلاثة رواة فقط، فإنّها ليست متواترة ولا مستفيضة.

 أمّا بالنسبة لسند الرواية المنتهي إلى ابن عمر : فحينما يرويها عن « ابن عمر »، فإنّه يذكر لها سبعة أسانيد تنتهي كلها إلى « المعتمر بن سليمان » الذي يرويها بسند له إلى « ابن عمر ».

 وأحد الأسانيد من الأسانيد السبعة ينتهي الى خالد بن يزيد القرني عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر، ويقول الحاكم النيسابوري بشأن خالد بن يزيد القرني أنّه لو حفظ هذا الحديث عنه لحكمنا له بالصحة يعني : أنّه لو ثبت لدينا بأنّ هذا الحديث هو من خالد بن يزيد القرني - حقاً  لحكمنا بصحته، لأن المعتمر وأباه وعبد اللّه بن دينار وعبد اللّه بن عمر، كلّهم ثقاة عند الحاكم . ولكن - مع الأسف -لم يحفظ هذا الحديث عنه  ( أي : أنّ الوسائط بين خالد بن يزيد وبين الحاكم غير موثوقين عند الحاكم نفسه ).

 ثمّ يتسلسل الحاكم بذكر الأسانيد الى أن يصل الى خامس الأسانيد، فيذكر أنّ « المعتمر بن سليمان » يروي الحديث عن سلم بن أبي الزياد عن عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر، ويقول أيضاً : لو كان محفوظاً عن الراوي - يعني المعتمر لكان من شرط الصحيح، وهذا يعني بأنّه غير محفوظ عن الراوي، وإنّ وثاقة الوسائط بين الحاكم والمعتمر غير ثابتة.

 أمّا الأسانيد الاُخرى الخمسة، فربما يفترض أنّ الرواة الواقعين  (الوسائط) بين الحاكم النيسابوري والمعتمر بن سليمان، كلهم ثقاة، ولكنّ نقطة الضعف في هذه الروايات - حسب مايراه الحاكم نفسه  هي أنّ هناك وسيطاً بين المعتمر وبين عبد اللّه بن دينار، وهذا الوسيط رجل مجهول، عُبّر عنه تارة ب« أبي سفيان المدني »، واُخرى ب« سفيان أو أبي سفيان »، وثالثة ب« أبي سفيان سليمان ابن سفيان المدني »، ورابعة ب« سليمان المدنى»، وخامسة ب« سليمان ابن أبي عبد اللّه المدني »، وقد قال الحاكم في تقويمه لهذا الرجل الوسيط : « قال الإمام أبو بكر محمد ابن إسحاق إنّي لست أعرف سفيان أو أبا سفيان هذا ».

 ومن هنا، فا نّ الحاكم سجل نقطة الضعف على سند هذه الرواية، ولكنّه حاول التغطية على هذا النقص وعلاجه، وقال : لما كان المعتمر بن سليمان ثقة وعظيماً وكبيراً، وكان من أركان الحديث، فليس من حقنا - ا ذن  أن نناقش في أي رواية يرويها، ومن هنا، فإنّ الحديث عند الحاكم صحيح لأنّه مروي عن المعتمر الثقة!!.

 وإذا قبلنا من الحاكم أنّ المعتمر بن سليمان ثقة وعظيم وجليل وأنّه من أركان الحديث، فعلينا أن نعرف أنّ هذا لا يتنافى مع نقله لرواية عن إنسان لم تثبت وثاقته، وأنّ الوثاقة والعظمة لا تمنع عن نقل الحديث عن غير الثقة، إذ أنّ هذا النوع من النقل ليس بحرام ولا يؤثر سلباً على وثاقة الناقل، حيث أنّ الذي يهم الراوي هو نقل الرواية وإعطاء السند، وهو غير مسؤول - بعد ذلك  عن كون الرواة الذين نقل عنهم ثقاة أم لا.

 فوثاقة « المعتمر » - ا ذن  لا يمكن أن تعالج النقص الموجود في هذه الرواية التي يرويها الحاكم عن ابن عمر، وبهذا يتبين حال سندها.

 وأمّا الرواية التي يرويها الحاكم عن « ابن عباس »، فيذكر سندين إلى ابن عباس، ويذكر الرواية مع شي‏ء من الاختلاف في المتن، ولكن الجامع هو مفاد : « اُمتي لا تجتمع على ضلالة ».

 ويعلّق الحاكم على هذين السندين وعلى سنده إلى أنس بن مالك، قائلاً : « لا أدّعي صحّتها ولا أحكم بتوهينها »، وهذا يعنى أنّ لديه توقّفاً بشأن هذه الأسانيد، وإنّ صحتها لم تثبت عنده.

 فهذا هو حال سند الرواية التي ينقلها عن ابن عباس وأنس.

 ومتن الرواية التي ينقلها الحاكم عن أنس بن مالك ما يلي:«أنّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  سأل ربه أربعاً : سأله أن لا يموت جوعاً، فاُعطي ذاك - أي أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءه -، وسأل ربه أن لا تجتمع اُمته على ضلالة، فاُعطي ذلك، وسأل ربه أن لا يرتدّوا كفّاراً فاُعطي ذلك، وسأل ربه أن لا يغلبهم عدوهم فيستبيح نساءهم فاُعطي ذلك. وسأل ربه أن لا يكون بأسهم بينهم، فلم يعط ذلك.

 وقد علّق الحاكم على هذه الرواية قائلاً بأنّ في سندها شخصاً باسم مبارك بن سحيم وهذا الإنسان لا يمشي في مثل هذا الكتاب « يعنى : أنّه لا يستطيع أن يغطّي شرطاً لأنّا اشترطنا في هذا الكتاب أن يكون على شرط الشيخين، وشرطُ الشيخين غير موجود في هذا الرجل » لكن ذكرته اضطراراً.

 فهذه الرواية - ا ذن  غير ثابتة أيضاً.

 ومن هنا يتضح أنّ اسانيد هذه الرواية، كلها مخدوشة وغير ثابتة الصحة.

2 ـ جانب التطبيق الخارجى :

 وأمّا من جانب تطبيق هذه الرواية، فنتساءل : هل كان هناك إجماع - حقّاً  على مَن انتخب كخليفة للمسلمين بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم ؟

 وهذا بحث تاريخي مذكور في الكتب التاريخية التي ذكرت الخلافة أو الإمامة أو ذكرت تاريخ عصر السقيفة، فلتراجع.

 ومن المعروف أنّه لم يكن هناك إجماع.

3 ـ جانب الدلالة:

 ولو تمّت الرواية سنداً، وفرضنا أنّها قد طبقت في وقتها، وانتخب مَن انتخب بالإجماع، فهل أنّ هذا يؤدي إلى القول بأنّ الإمامة تثبت بالإجماع، أو لا؟

 وهنا يوجد تعليق للشيخ الآصفي - حفظه اللّه ، رأيته في كتاب له غير مطبوع بعد، وقد جلب انتباهي، وأرغب ذكره هنا :

 يقول الشيخ الآصفي : إنّ قوله « اُمتي لا تجتمع على ضلالة »، يعني أنّ الاُمّة حينما تجتمع على شي‏ء فإنّ إجماعها هذا يكون حجة لمن تأخر عن زمن الإجماع، وذلك لأنّ إجماعها على ذلك الشي‏ء يكشف عن وجود أساس صحيح قد اعتمدت عليه الاُمّة في إجماعها هذا، وإلّا لما كان هناك إجماع واتفاق تام، ولما كان لإجماعها - لو اتفق  أي قيمة، إذ لا يحق للاُمّة أن تجمع على شي‏ء مالم يرد دليل صحيح بشأنه، ومن هنا، فإنّ الاُمّة إذا أجمعت على شي‏ء، فإنّنا نعرف أنّ ذلك الشي‏ء صحيح تماماً، فيكون حجة لنا.

 ولكن، من حقنا أن نتساءَل هنا : ما هو الأساس الذي اعتمدته الاُمّة في إجماعها - لو قلنا بوقوعه  على خلافة أبي بكر؟.

 وهنا نقول : إنّ إجماعها على انتخابه لا يمكن أن يكون مستنداً على نفس إجماعها عليه، ولا يمكن أن يكون الإجماع على انتخابه هو الأساس في الإجماع على انتخابه، لأنّ هذا دور واضح.

 كما أن إجماعها هذا على انتخابه لا يمكن أن يكون مستنداً على إجماع سابق قد حصل من قبل الاُمّة، حيث أنّه لم يكن هناك إجماع سابق  ( أي : في زمن الرسول صلى الله عليه واله وسلم (على انتخابه. انتهى.

 وبناءاً على  هذا الاستظهار نقول : إنّ أساس إجماع الاُمّة - المدّعى  إذن، أمّا أن يكون راجعاً ومستنداً إلى نصِّ عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ، بإمامة إنسان ما، أو يكون راجعاً إلى مبدأ الشورى.

 فإن قلنا بالأوّل  ( بالنص )، رجعنا إلى مسلك أنّ الإمام يعيّن بالنص، وهذا ما نؤمن به نحن. وإن قلنا بالثاني  ( مبدأ الشورى )، فهذا ما سنناقشه الآن.

 

 آيتا الشورى

 أمّا آيتا الشورى :  ( وشاورهم في الأمر (و  ( وأمرهم شورى بينهم ).

 من الواضح أنّ الآية الاُولى ليست بصدد افتراض أنّ الشورى تعطي حجية وولاية وإلزاماً للنبي صلى الله عليه واله وسلم ، ذلك لأنّها تقول :  ( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على اللّه )، فكأنّ اللّه سبحانه قد خاطب رسوله الأكرم صلى الله عليه واله وسلم  قائلاً : يا رسول اللّه، شاور الاُمّة في الأمر، ولكنّ العزم والقرار - بعد ذلك  يكون بيدك أنت وليس بيد الاُمّة، والمشورة لا تعني أكثر من الاستضاءة بآراء الآخرين.

 والمشورة هنا لم تكن بسبب حاجة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم  للاستضاءه بآراء الآخرين، كما لم تكن حجة عليه صلى الله عليه واله وسلم ، وا نّما كانت بهدف إشراك الآخرين في حمل المسؤولية.

 وأمّا بالنسبة للآية الثانية  ( وأمرهم شورى بينهم )، فإنّ تفسيرها بما تعارف عليه اليوم في بعض البلاد من مسألة الانتخاب والإدلاء بالأراء، خطأ فاضح، إذ أن تفسير أي عبارة يجب أن يكون على أساس ما كان يمكن أن يفهم منها في ظرف صدورها - زماناً و مكاناً ، ولا يجوز أن تُؤوّل وتُفسّر على أساس المصطلحات السائدة في زمان تفسيرها، ولما كان قوله تعالى :  ( وامرهم شورى بينهم )، قد ورد قبل  14قرن، فان تفسيره يجب ان يكون على أساس ما كان يفهم منه في ذلك الوقت، ولا يصح لنا أن نفسره بما تعارف عندنا من مصطلحات اليوم، كالانتخاب، والديمقراطية، والإدلاء بالأراء، والأخذ برأي الأكثرية ... فهذا كلّه لا يمكن أن يفهم من الآية، لغرابته عن عرف ذلك الزمان، وعدم تعارف الناس عليه وقتذاك، ومن هنا، فإنّ الذي يمكن أن يفهم من هذه الآية المباركة هو ما كان متعارفاً في تلك القرون، وهو : مسألة الاستضاءة بمشورة العقول، وهذا شي‏ء يختلف عن أن تكون الشورى حجة على مَن استشار، ويجب عليه أن يأخذ برأي الأكثرية، فهذا شي‏ء وذاك شي‏ء آخر.

 هذا هو الخطأ الجذري الوارد في هذا الاستدلال بهذه الآية المباركة.

 على أنّ هناك لاُستاذنا الشهيد الصدر قدس سره  بحثاً قيماً في الطبعة الأخيرة من كتابه « بحث حول الولاية »، حيث بحث هناك احتمال أن يكون الرسول صلى الله عليه واله وسلم  قد أوكل أمر القيادة والإمامة الفكرية والسياسية ، إلى الشورى، وهذه هي خلاصة كلام اُستاذنا الشهيد قدس سره  :

 إنّنا لا نحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، قد اعتمد على مبدأ الشورى في تعيين الخليفة من بعده، وذلك لأنّه لو كان صلى الله عليه واله وسلم  اعتمد عليه، لكان :

1 ـ على الرسول صلى الله عليه واله وسلم  أن يوضح هذا المبدأ، ولا يمكن أن يكتفي بهذه الآية، إذ لا بدّ له من إيضاح حدود الشورى وشرائطها، وماهو الحل فيما لو اختلف المتشاورون، فهل يؤخذ برأي الاكثرية أو برأي الثلّة الواعية ولو كانوا أقلية؟. وما هي شرائط المشتركين في عملية الأدلاء بالأراء؟... وما الى ذلك.

 فهذه الاُمور وغيرها، لم توضح للاُمّة، بل إنّنا نرى أنّ فكرة الشورى لم تكن موجودة حتى عند أعمدة الخط السني وقتئذٍ  ( أبي بكر، عمر (أنفسهم، فحينما حضرت الوفاة أبا بكر نراه أوصى بالخلافة - من بعده  إلى عمر بن الخطاب. فلو كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم  قد أوضح للاُمّة مبدأ الشورى، فمن الذي عمل به، هل السنّة أم الشيعة؟

 فالشيعة طريقهم واضح، والمسألة عندهم، مسألة نص.

 وأمّا السنّة، فهذا أبو بكر لم يعمل بشي‏ء من هذا القبيل، فقد عيّن عمر بن الخطاب، وكذا عمر بن الخطاب الذي كان قد ناقش في بيعة أبي بكر نفسه، حيث وصفها بأنّها فلتة لم يعمل بهذا المبدأ عندما حضرته الوفاة - أيضاً ، حيث حَصر الأمر في ستة أشخاص وجعلها شورى بينهم فقط، ولم يجعلها شورى ضمن الاُمّة كلها.

 اذن، فمن الذي فهم فكرة الشورى وقتذاك؟ فالشيعة لم يقولوا بها، والسنة لم يفهموها ولم يطبّقوها حتى من قبل أئمتهم.

 ثم يشير اُستاذنا الشهيد قدس سره  إلى أنّ الاُمّة - وقتئذٍ - لم تكن بمستوى استلام القيادة. والتفصيل مذكور في كتابه المشار إليه سابقاً، فراجع.

 

 أحاديث أهل البيت حول الإمامة

 ولنأت - الآن - إلى لحن أحاديث أهل البيت سلام اللّه عليهم أجمعين، حول الإمامة حيث أنّها تؤكد على مفهومين :

 الأوّل: أصل ضرورة الإمامة وضرورة وجود الإمام، إذ تؤكد هذا بلسان يعطي للإمامة أهميتها وهيبتها الواقعية، فالإمامة لم تفسر في نصوص أهل البيت عليه السلام  بأنّها مجرد قيادة الحياة الدنيوية، كما يقول به الماديون اليوم في الغرب، وقد ورد هذا المعنى في الروايات بتعبيرين أساسيين :

 أحدهما: تعبير «لا بدّ من وجود ا مام لئلّا تبطل حجة اللّه »، ويعني هذا التعبير، أنّ تمامية الحجة متوقفة على وجود ا مام.

 ثانيهما: تعبير «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها »، وقد ورد هذا التعبير كثيراً في الروايات، وحسب هذا التعبير، فإنّ العالم ينتهي وينهدم لولا وجود الإمام.

 والروايات الواردة بهذين التعبيرين كثيرة جداً، وبالغة لحد التواتر، وهي مذكورة في كتاب « بحار الأنوار » وغيره، وسنذكر - هنا  نموذجاً واحداً لكل قسم من هذين القسمين  ( التعبيرين ).

1 ـ فعن أبى إسحق الهمداني قال : حدثني الثقة من أصحابنا أنّه سمع أمير المؤمنين عليه السلام ، يقول : «أللهم لا تخلو الأرض من حجة لك على خلقك ظاهر أو خاف مغمور لئلا تبطل على الناس حججك أو بَيِّناتك».

2 ـ وعن أبى حمزة قال : قلت لأبي عبد اللّه الصادق عليه السلام : تبقى الأرض بغير ا مام؟ قال : «لو بقيت الأرض بغير ا مام ساعة لساخت».

 وهذه رواية اُخرى تجمع بين التعبيرين معاً، وهي : روايةسليمان الأعمش عن الصادق عليه السلام  عن أبيه عن علي بن الحسين عليهم السلام ، أنّه قال : لولا ما في الأرض منا  (منّا أهل البيت) لساخت الأرض بأهلها، ثم قال عليه السلام : ولم تخلو الأرض منذ خلق اللّه آدم من حجة للّه فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولاتخلو الى أن تقوم الساعة من حجة للّه فيها، ويقول : ولولا ذلك - يعني وجود الإمام - لم يعبد اللّه، قال سليمان الأعمش وهو يسأل الإمام الصادق عليه السلام  : قلت للصادق عليه السلام  فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور، قال عليه السلام : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب.

 والذي أفهمه من هذه الروايات: أنّ الفائدتين من وجود الإمام تترتبان بشكل وبآخر على وجود الإمام وإن كان مستوراً فهو الرغم من غيبته واختفائه وراء الستار، يعطي كلتا الفائدتين السابقتين، وهما: « ارتباط العالم به » و « تبيين الحجة »، فقوام العالم - ا ذن  وقوام الدين، يكونان بالإمام عليه السلام  سواء كان حاضراً أم مستوراً، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، ولما حفظ الدين.

 فيبدو من هذه الروايات أنّ الإمام المستور يتدخل في الاُمور بشكل لا نعرفه ولا ندركه، إذ أنّ الإمام عليه السلام في زمن الغيبة لا يُرى رؤية معرفة، وا نّ تدخله بالاُمور ليس كتدخله عندما يكون ظاهراً ومعروفاً، فهو - حين غيابه  ينبه أو يشير - عن طريق بعض أصحابه المرتبطين به  ( ونحن لا نعلمهم (أو عن أي طريق آخر  إلى النقاط الحساسة التي تنقذ الموقف. وهذا ليس ببعيد.

 الثانى : إنّ أحاديث أهل البيت عليه السلام  تؤكد على أنّ الإمام يجب أن يُعَيّن بالنص.

 وهنا روايات كثيرة تدل على هذا المعنى، أذكر منها رواية واحدة :

 « فعن سعد بن عبد اللّه القمي قال : سألت القائم عليه السلام  في حجر أبيه - يعني سأله وهو عليه السلام  طفل في حجر أبيه عليه السلام  ، فقلت أخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم عن اختيار ا مام لأنفسهم، قال -الإمام (عج) -: مصلح أو مفسد؟  (أي : هل يختار القوم مصلحاً أو يختارون مفسداً؟)، قلت : مصلح. قال: هل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد  ( يعنى صحيح أنّ هؤلاء سوف يعملون على اختيار المصلح ويحاولون ذلك، ولكن أليس من المحتمل أنّهم سوف يخطئون في اختيارهم فينتخبون مفسداً معتقدين أنّه مصلح؟ ). قلت : بلى. قال فهي العلة أيّدتها لك ببرهان يقبله ذلك عقلك؟ قلت : نعم. قال : أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه وأنزل عليهم الكتب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الاُمم وأهدى ان لو ثبت الاختيار ومنهم موسى وعيسى، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن؟ قلت : لا. قال فهذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحى عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لم يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين قال اللّه عزّ وجلّ :  ( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا (فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد علمنا أنّ لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفى الصدور وما تكنّ الضّمائر وتنصرف عنه السرائر وأن لاخطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوى الفساد لمّا أرادوا أهل الاصلاح ».

 

 حَديث الغَدير

 لقد نقل الشيعة قصة الغدير، وادّعو أنّ هناك نصاً صريحاً من قبل الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم  في نصب إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام  بالإمامة. وقد خالفهم آخرون إذ أنكروا هذا النص.

 ولكن القرآن الكريم - وهو مورد وفاق بين كل المسلمين  يدلنا بوضوح على صحة النص وتماميته، وأنّ نص الغدير صادر من الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وذلك في آيتين ثنتين :

 الاُولى : قوله تعالى :  ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ).

 والمناقشة الوحيدة التي تذكر بصدد الاستدلال بهذه الآية المباركة، هو أنّ هذه الآية وردت في جو آية تحريم الميتة وتحريم بعض أقسام اللحوم، وعندئذ لا تكون لهذه الآية - كما يقول المناقش  أي علاقة بقصة الغدير، وا نّما لها علاقة بجو الآية المباركة وهو : تحريم بعض اللحوم وذلك لأنّ الآيات كما يلي :

 قال تعالى :  ( حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلَّ لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلّا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فا نّ اللّه غفور رحيم ).

 فقوله تعالى :  ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت... )، ورد ضمن آية أوّلها وآخرها يرجعان إلى قضية تحريم الميتة وتحريم بعض أقسام اللحوم، وعليه فإن هذه الآية - كما يقول المناقش  لا علاقة لها بقصة الغدير.

 إنّ هناك لفتة في كلام العلامة الطباطبائي رحمه الله  في كتابه « الميزان في تفسير القرآن »، حيث يلفت النظر الى أنّ هذا القطع بالذات :  ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )، حين نقتطعه من وسط هذه الآية المباركة نرى أنّ صدر الآية وذيلها يلتئمان تمام الالتئام، وكأنّما لم يرفع منهما شي‏ء، وهذا قليلاً ما يتفق إذ لا يكون إلّا فيما يسمّى بحسب مصطلح علماء العربية بالجمل الاعتراضية - وهي الجمل التي تقحم في الأثناء إقحاماً -، وإذا ما حذفت مثل هذه الجمل من الفقرة التي تتضمنها، فإنّ ما قبلها يلتئم وما بعدها تمام الالتئام.

 وهذه الظاهرة موجودة بشكل ملفت للنظر في هذه الآية المباركة، فإذا ما رفعنا قوله تعالى  ( اليوم يئس... (الى قوله تعالى  ( رضيت لكم الإسلام ديناً )، من الآية المباركة، فإنّها تصبح هكذا :

 « حرّمت عليكم  الميتة والدم ولحم الخنزير و ما اُهلَّ به لغير اللّه والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلّا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلك فسق. فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فا نّ اللّه غفور رحيم ».

 وعندئذٍ نرى أنّ الآيه كاملة متكاملة، وأنّ الارتباط قائم بشكل كامل بين الصدر والذيل.

 ومما يلفت النظر أيضاً، هو أنّ مضمون هذه الآية المباركة - آية تحريم بعض اللحوم  قد تكرر في القرآن الكريم عدة مرات، وفي تلك المواطن التي جاء فيها هذا المضمون، جاء الصدر والذيل فحسب، وأمّا المقطع الوسط « اليوم اكملت ... » فلم يجي‏ء، وإليك مايلي :

 أ - قال تعالى :  ( ا نّما حرّمَ عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلَّ به لغير اللّه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إنّ اللّه غفور رحيم ).

 فهذه الآيه عين تلك الآية من حيث مضمون صدرها وذيلها، حيث أنّ صدرها التحريم، وأنّ ذيلها الترخيص لمن يضطر، وأمّا الجملة الوسطية  ( وهي : اليوم اكملت لكم دينكم ... (فغير موجودة.

 ب - قال تعالى :  ( قل لا أجد في ما أوحيَ إليَّ محرّماً على طاعم يطعمه إلّا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقاً اُهلَّ لغير اللّه به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإنّ ربك غفور رحيم ).

 فمضمون هذه الآيه هو نفس مضمون صدر وذيل آية « حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... » الآية، وأمّا الوسط - وهو قوله تعالى :  ( اليوم اكملت لكم... (- فلم يرد في هذه الآية المباركة.

 ج - قال تعالى :  ( ا نّما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلَّ لغير اللّه به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإنّ اللّه غفور رحيم ).

 فمضمون صدر وذيل تلك الآية. قد ورد هنا أيضاً، وأمّا الوسط فغير موجود.

 وهذا مما يسترعي الانتباه إلى أنّ جملة « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً » كأنّما كانت جملة معترضة، اُقحمت إقحاماً في أثناء آية تحريم الميتة، ولم يكن لها علاقة بهذه الآية المباركة.

 أمّا لو درسنا نفس مقطع « اليوم اكملت لكم دينكم... »، وهل يمكن ربطه بقضية تحريم الميتة أو لا؟ فخلاصة الكلام في ذلك : أنّه ما المقصود بكلمة « اليوم »؟.

 فهل أنّها تشير إلى عصر الإسلام كله - أي : منذ بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم  إلى النهاية  أم تُشير إلى يوم مُعيّن ومحدّد من عصر الإسلام قد نزل فيه حكم خاص فكمل به الدين؟

 فعلى التفسير الأوّل لكلمة « يوم »، يكون معنى الآية المباركة هو أنّ الإسلام هو المكمّل للدين السماوي. فإلى ما قبل رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  لم يكن ذاك الدين السماوي كاملاً .

 وقد كمل ببعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم ، وفي عصر رسالته ودينه .

 ولذلك قال تعالى :  ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ).

 وعلى ضوء هذا التفسير فإنّ كل الأديان السابقة كانت إسلاماً ولا يوجد عندنا غير الإسلام من دين، فدين موسى « إسلام »، ودين عيسى « إسلام »، ودين إبراهيم « إسلام »... فيكون معنى كلمة « الإسلام » الواردة في قوله تعالى :  ( ورضيت لكم الإسلام ديناً )، هو نفس معناها في قوله تعالى : « إنّ الدين عند اللّه الإسلام ». فلا يوجد عندنا إلّا دين واحد، وهو « الإسلام »، وعندئذٍ يكون معنى قوله تعالى: « اليوم أكملت لكم دينكم ... »، هو أنّ الإسلام الذي كان ديناً منذ آدم عليه السلام  وإلى اليوم، أصبح كاملاً وتاماً بمجي‏ء رسول اللّه محمد صلى الله عليه واله وسلم ، ورضيت أن تكون شريعته  ( الشريعة الإسلامية (ديناً لكم.

 وهذا التفسير يُناسب فرض القائل بأن هذا المقطع - أي: اليوم اكملت لكم ... هو ضمن آية تحريم الميتة، فضمن بيان اللّه لأحكام الإسلام - التي من جملتها تحريم الميتة وتحريم الدم وتحريم لحم الخنزير وتحريم ما اُهلَّ لغير اللّه به وضمن بيانه تعالى لمسألة الاضطرار يقول: « اليوم اكملت لكم دينكم... » ليبيّنَ أنّ هذا العصر - عصر الشريعة الإسلامية  هو عصر تكميل الدين، ولذا فإنّى رضيت لكم الآن أن يكون دينكم الإسلام. وعندئذ يصبح ارتباط هذا المقطع بصدر الآية وذيها ارتباطاً منطقياً.

 وأمّا على التفسير الثاني لكلمة « اليوم » الواردة في ذلك المقطع من الآية المباركة، والقائل بأنّنا لا نُعيد « لام العهد » فيه إلى عصر الإسلام كله، وإلى عصر بعثة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وا نّما نُعيدها إلى جزء من ذلك العصر  أي: إلى يوم معيّن قد نزل فيه حكم معيّن من الأحكام التي بعث بها النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ، بحيث كان ذلك الحكم مكملاً للدين ، فإنّ معنى الآية المباركة يكون هو أنّ الشريعة الإسلامية التي جاء بها الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ، قد كملت اليوم بإنزال آخر حكم من أحكامها، ومن هنا فقد رضيت أن تكون لكم ديناً.

 أمّا الاحتمال الأوّل القائل بافتراض أنّ اللام في قوله تعالى « اليوم »، تعود إلى كل عصر الرسالة وليس إلى يوم معيّن ومحدّد، وإنّ النظر ليس إلى حكم خاص من أحكام الإسلام، فإنّه غير معقول وغير متصور، وذلك لأنّ هذا الاحتمال لمعنى كلمة « اليوم » لا ينسجم مع قوله تعالى في العبارة السابقة « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم »، إذ لا بدّ وأن يكون معنى كلمة « اليوم » في العبارتين واحداً، فلو كان النظر الى الإسلام كله والى عصر بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم  لكان معنى قوله تعالى « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » هو أنّ الكفّار قد يئسوا من الأديان السماوية ببعثة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، ولكن، كيف يكون الكفّار غير يائسين قبل بعثة الرسول صلى الله عليه واله وسلم  مع وجود الدين السماوي، ثم ييأسون بمجرد بعثة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ، ومع هذا فإنّهم يبقون على محاربتهم للمسلمين!!.

 فهذا الدين  ( الدين الإسلامي (لم يكن موجوداً، والأديان السابقة كانت تحارب من قبل الكفّار، وحينما جاء دين الإسلام فإنّه حورب أيضاً من قبل الكفّار، ولم ييأسوا بمحض مجي‏ء الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، فقد حاربوا سنين كثيرة وعديدة، ولم يكونوا يائسين من دحض الإسلام، إذ لو كانوا كذلك لما حاربوه، فجملة « اليوم يئس الذين... » تبقى لا مورد لها بناءً على هذا التفسير  ( الأوّل (لكلمة « اليوم ».

 وا ذا أبعدنا التفسير الأوّل، واسقطناه، فإنّ التفسير الثاني يكون هو المتعيّن.

 ا ذن، فقوله تعالى « اليوم اكملت لكم... » إشارة إلى يوم معيّن من أيام الإسلام، وليس إشارة إلى عصر الإسلام كله.

 ففي ذلك اليوم المعيّن يئس الذين كفروا من الإسلام، بعدما كانوا - قبل ذلك اليوم المعيّن  يحتملون أن يغلبوا المسسلمين، وكان لهم أمل بأن يهزموا الإسلام ويلغوه بموت رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، إذ كانوا يقولون أنّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  يحاربنا مادام حياً، وأمّا حينما يموت فإنّ كل شي‏ء ينتهي، وسننتصر على المسلمين.

 فيكون - ا ذن  قوله تعالى : « اليوم يئس الذين كفروا... » إشارة إلى يوم معيّن كان فيه حادث معين أوجب يأس الكفّار.

 فما هو ذلك الحادث؟! .

 إنّ ملامح ذلك الحادث بارزة في الآية المباركة، وهي :

1 ـ إنّ ذلك الحادث هو سنخ حادث أوجب يأس الكفّار.

2 ـ إنّه أكمل الدين، فهو - ا ذن  آخر حكم من أحكام الإسلام التي نزلت بحيث أنّ الدين قد كمل به، ولم ينزل بعده أي حكم آخر.

3 ـ إنّه سنخ حكم بحيث يكون أهمّ أحكام الإسلام على الإطلاق أو من أهمها بحيث حينما جاء الحكم رضي اللّه تعالى لنا الإسلام ديناً.

 ولايوجد في التاريخ من قصة تنطبق عليها هذه المواصفات إلّا قصة تعيين الخليفة، وتنصيب « مَن يخلف رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  ». فهذه القصة هي الوحيدة الواردة في التاريخ، التي تنطبق عليها هكذا مواصفات.

 فتعيين الخليفة هو الذي أوجب يأس الكفّار الذين كانوا - حتى ذلك اليوم  يتربصون بالمسلمين، ويعتقدون بأنّهم سوف يتمكنون من الإجهاز على الإسلام وإنهائه بعد موت الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ، ولكنّهم يئسوا من ذلك بعدما تبيّن لهم بأن هناك من يحفظه بعده صلى الله عليه واله وسلم .

 وتعيين الخليفة هو آخر حكم نزل، فبعد أن بيّن رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  كل أحكام الإسلام لم يبق له إلّا أن يعيّن خليفته.

 ومعلوم أنّ قضية تعيين الخليفة في غاية الأهمية بحيث يصح أن يقال بسببها « رضيت لكم الإسلام ديناً ».

 وقد اتضح بكل ما ذكرناه  (أولاً) أنّ هذا المقطع - أي : « اليوم اكملت لكم... »  هو سنخ مقطع بحيث لو رفعناه لرأينا الآية - بصدرها وذيلها  متناسقة ومتكاملة، وهذا شاهد على أنّ هذه الجملة جملة معترضة لا علاقة لها بقصة تحريم بعض الاُمور، و ( ثانياً (أنّ هذا المقطع لا ينسجم - أصلاً  مع المورد - وهو قضية تحريم بعض اللحوم .

 ولكن يبقى - هنا  سؤال واحد، وهو :

 لماذا اُقحمت هذه الجملة ضمن هذه الآية؟

 ففى أغلب الظن، أنّ هذا العمل هو عمل رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، إذ أنّه صلى الله عليه واله وسلم  هو الذي كان يعيّن موطن الآيات ومحلها، أو لعلّه كان من عمل جبرائيل، وبالتالي  فهو عمل اللّه تعالى ... فلماذا جعل هذا المقطع هنا؟

 ولمَاذا ذلك الإقحام ؟

 وهنا احتمالان :

 الأوّل : لدفع تحريف القرآن:

 حيث أنّ جعل هذا المقطع هنا، وفي غير موضعه، يمكن أن يكون من أجل الحفاظ عليه ومنع تحريف القرآن‏فلو وقع هذا النص في غير مثل هذا المورد لجلب الانتباه، ولفت أنظار الأعداء، وعندئذ كان من المحتمل أن تمتد يد الطغيان إلى اقتطاع هذه العبارة ورفعها، فُيحرّف القرآن. ولذا صُمِمت الآية بشكل لا يجلب الانتباه، فالقارى‏ء حينما يقرأ وقبل أن يدقق التدقيقات التي شرحناها، يظنُّ بأنّ هذا المقطع له علاقة بأكل الميتة وحرمة الدم والخنزير، وهذا الظنُّ يوجب الأمن من التحريف أو الإسقاط.

 وهنا شي‏ء متعارف لدى الناس، وهو أنّه لو كانت هناك جوهرة ثمينة في البيت فإنّهم لا يضعونها في مكان يجلب الانتباه لئلا تُسرق.

 الثاني : لدفع الارتداد :

 فلو أنّ هذا المقطع، وضع في موضعه الطبيعى، لكانت هناك خشية الارتداد عن أصل الإسلام.

 فالسياسة التي صممت على رفض مضمون هذه الآية المباركة،لو عرفت أنّ هذه الآية وهذا المضمون هو صريح القرآن، فربما ترفع يدها عن أصل القرآن بالنكتة التي دعتها لرفع يدها عن هذا المضمون. فحفاظاً على أصل الإسلام - ا ذن  جعل هذا المقطع هنا بشكل لا يلفت الانتباه في أوّل وهلة، وهذه هي عين النكتة التي من أجلها امتنع رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  عن كتابة ما أراد أن يكتب - وهو محتضر  حينما قال: «أئتوني بدواة وكتف»، إذ أنّه صلى الله عليه واله وسلم  لما رأى الأصحاب قد اختلفوا وتعارضوا في الموضوع، عرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم  بأنّ هذا الأمر لن يطاع، وإنّ كتابته بشكل صريح على ورقة، من المحتمل أن تؤدي إلى ترك أصل الإسلام، ولهذا امتنع الرسول صلى الله عليه واله وسلم  عنها.

 وهنا، أقول كلاماً عاماً يشمل هذا وغيره.

 فأقول : إنّ الوحي حينما كان ينزل على الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، فإنّه كان ينزل بما يفهمه الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وهذا مما لاشك فيه ، أمّا بالنسبة لنا فلم يكن الأمر هكذا، ولم يكن الوحي ينزل دائماً بالآيات الواضحات بحيث يمكننا أن نفهمها.

 إذ لم يكن ينزل بالآيات المحكمات، حيث كان ينزل على رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  على مستويات عديدة، وهي :

1 ـ مستوى الآيات المتشابهات : وهي التي فيها نوع من الغموض في التطبيق، فقد لا نعرف كيفية وأسلوب التطبيق، ولذا يجب أن يشرح ذلك لنا من قبل الرسول صلى الله عليه واله وسلم  أو من قبل خلفائه عليه السلام .

2 ـ مستوى الآيات المحكمات : وهي التي نفهمها بوضوح حينما تقرأ علينا.

3 ـ مستوى الحروف من قبيل : « ك هـ ي ع ص » أو « أ ل م »...الخ : وهي عبارة عن رموز بين اللّه ورسوله صلى الله عليه واله وسلم ، أمّا نحن فلا نفهم شيئاً أصلاً، بل لعلّ الوسيط الذي كان ينزل بها على الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، لم يكن يفهمها هو أيضاً.

4 ـ ما يكون من قبيل هذه الآية المباركة:  ( حرمت عليكم الميتة والدم... )، حيث يقحم مقطع ما في مكان غير مكانه الأصلي لمصلحة ما ولنكتة معينة.

 ولئن ناقش مناقش في قوله تعالى « اليوم اكملت لكم دينكم ... »، وأخذ يعاند ويقول بأنّ هذا المقطع لا علاقة له بقصة الغدير والخلافة، لأنّ سياق الآية المباركة التي ورد فيها هذا المقطع، لا يساعد على هذا الحمل، ا ذ أنّ هذا المقطع وارد ضمن آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلَّ لغير اللّه به وما شابه، عندئذ لدينا آية اُخرى وهي أصرح من هذه الآية، وأصرحيتها من ناحية أنّها لم تقحم ضمن سياق من هذا القبيل، فتكون واضحة الدلالة على المضمون، فلا يتم النقاش فيها حتى بلحاظ السياق، وإلّا فإنّهما لا تختلفان وهي مايلي :

 قوله تبارك وتعالى :  ( يا أيها الرسول بلّغ ما اُنْزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من الناس إنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين ). وهي صريحة في أنّ الموضوع الذي تشير إليه هو سنخ موضوع له هذه المعالم :

1 ـ انّه سنخ موضوع يصرُّ اللّه سبحانه وتعالى على إبلاغه، إذ يقول تعالى : « ياايها الرسول بلّغ ما اُنزل اليك ».

2 ـ إنّه سنخ موضوع بحيث لو لم يبلّغ فكأنَّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  لم يبلّغ الرسالة أصلاً، وهذا يعني أنّ إسقاط هذا الموضوع هو إسقاط للصلاة والصوم والحج وكل الإسلام، إذ قال تعالى : « وان لم تفعل فما بلغت رسالته ».

3 ـ إنّه سنخ موضوع بحيث أنّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  كان يخشى الناس في تبليغه، فكان يخشى أن يؤذوه ويخالفوه ويعارضوه، إذ قال تعالى : « واللّه يعصمك من الناس » فهذا دليل على أنّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  كان يستثقل إبلاغ هذا الأمر خوفاً وخشية من الناس، ولهذا فإنّ اللّه تعالى يطمأنه ويقول له « واللّه يعصمك من الناس ».

 فما هو ذلك الموضوع الذي أشارت إليه تلك الآية الكريمة، والذي يتصف بهذه المواصفات الثلاث؟

 التاريخ لم يحدثنا بشي‏ء يمكن أن تكون به  هذه  المواصفات الثلاث إلّا مسألة تعيين « من يخلف رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ؟ ».