القسم الثالث

الإمامَة وَالعِصمة

 إنّ العصمة هي وصف من أوصاف الإمام في نظر الشيعة.

 وقد يقال : إنّنا لا نفهم معنىً معقولاً لكلمة العصمة، لأنّ العصمة يدور أمرها بين الجبر من ناحية، وبين مفهوم العدالة من ناحية اُخرى. أي أنّ العصمة لو كانت تعنى « استحالة صدور المعصية من المعصوم » لكان هذا هو الجبر بعينه، إذ أنّه لا يستطيع أن يعصي، وعندئذ تفقد العصمة قيمتها. وإن كانت - العصمة  تعني « أنّ المعصوم واجد لحالة نفسانية تمنعه من المعصية »، فإنّ هذا يساوق معنى العدالة، إذ أنّ العدالة هي « الملكة التي تردع عن المعصية »، فلا شي‏ء - ا ذن  وراء العدالة يسمى ب« العصمة ».

 وهنا، لا بدّ من إيضاح المعنى المقصود من « العصمة ».

 إنّنا لا نؤمن بأنّ المعصوم يستحيل عليه الذنب، لأنّنا لا نؤمن بالجبر، إذ لا تصبح هناك منقبة للمعصوم، لأنّه سوف يصبح كالجدار وغيره من الأشياء التي لا تستطيع أن تعصي.

 فهذا المفهوم مرفوض من قبلنا نحن، ونقول إنّ عمل المعاصي عمل اختياري لكل الناس بما فيهم المعصوم، فهو مثلنا تماماً، وكما أنّنا نترك المعصية باختيارنا كذلك المعصوم يترك المعصية بمحض اختياره، فهي شبيهة بالعدالة، ولكن العدالة تختلف عن العصمة، فصحيح أنّ العدالة مَلَكة أو حالة نفسانية رادعة عن المعصية، غير أنّها ذات مستوى من القوة بحيث تستطيع أن تردع عن المغريات الاعتيادية التي يبتلى بها الإنسان، أمّا لو فرضنا أنّ المغريات قد ضوعفت آلاف المرات، فإنّ هذا الإنسان العادل قد يزل - عندئذ  وينهار أمام هذه المغريات، وعندئذٍ يفقد هذا العادل عدالته، ويحتاج مرة اُخرى إلى تحصيل الملكة، وإذا كانت الملكة موجودة فإنّ التوبة - كما قالوا  تكفي لرجوع العدالة. وأمّا العصمة فهى عبارة عن تلك المناعة النفسية التي لو قوبلت بكل ما يتصور من مغريات العالم - من أوله إلى آخره - في نقطة معينة وقوبلت بالمناعة النفسية الموجودة في نفس الإنسان المعصوم لتغلبت تلك المناعة على كل هذه المغريات. وسنخ ملكة من هذاالمستوى هو الذي نسميه ب« العصمة ».

 فالعصمة - ا ذن  تختلف عن العدالة، كما أنّ المسألة ليست مسألة جبر .

 

 مَنشأ العِصْمَة

 وهل أنّ العصمة من اللّه تعالى، أم أنّها صفة اكتسابية؟

 والجواب : هو أنّ العصمة من اللّه تبارك وتعالى، ولكن ليس بالمعنى الذي يؤدي إلى الجبر، وا نّما بمعنى أنّ كل طاعة هي من اللّه تعالى.

 ولتوضيح هذا، نقول :

 أساساً « الطاعة » و« المعصية »، هل هي منّا أو من اللّه تعالى؟

 وهل نحن الذين نطيع ونعصي أم أنّ الهدى والضلال من اللّه تعالى؟

 إنّنا نرى أنّ هناك لهجتين ولسانين، بل اُسلوبين، موجودين في الكتاب والسنّة، فهل أنّهما متعارضان ومتناقضان؟

 فهناك آيات صريحة في أنّ الهداية والضلال منّا، وأنّنا لم نُجبر على الهداية أو على الضلال، من قبل اللّه تعالى.

 فقد قال اللّه تعالى :  ( إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً ).

 وقال تعالى أيضاً :  ( وهديناه النجدين ).

 وغيرها من الآيات والرويات الدالة على أنّنا نضل أو نهتدي بمحض اختيارنا، وهناك آيات دالّة على أنّ الهداية والضلال من اللّه سبحانه.

 فقد قال تعالى :  ( إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء ).

  ( يضلُّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضلُّ به إلّا الفاسقين ).

  ( اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ).

  ( قل للّه المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ).

  ( قل إنّ اللّه يضل من يشاء ويهدي اليه من أناب ).

 وأمثال هذه الآيات كثير.

 وهذا التعارض الظاهر بين هذين اللسانين لا يعني أنّ اللّه سبحانه قد ناقض نفسه في القرآن الكريم، فتارة يقول : إنّكم تهتدون وتضلون بمحض اختياركم، واُخرى يقول : أنا الذي أهدي وأنا الذي اُضل، إذ لا تناقض بين هاتين اللهجتين ولا تنافي بين اللحنين، وما علينا إلّا أن نتمرّس على مطالعة النصوص الإلهية الواردة في القرآن والسنة وندقّق فيها للتعرف على لحن الوحي ولهجة النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام ، فيتضح معنى أنّ اللّه هو الذي يهدي، وهو الذي يُضل.

 فهناك نصوص صريحة في أنّ القدرة والاختيار بيد الإنسان، وهذا ما نحسُّ به بوجداننا، وبفطرتنا، فعندما نعمل عملاً إنّما نعمله بقدرتنا واختيارنا.

 ولكن مع هذا، يصح أن نقول إنّ اللّه هو الهادي وهو المضل، وذلك لأنّ الهداية والضلال تعود إلى صفات نفسية، قد خلقها اللّه تعالى مع النفس، كما ورد ذلك في الروايات فعندما يرد خبر بأنّ : « الشقي من شقى في بطن اُمّه والسعيد من سعد في بطن اُمّه » فإنّ هذا لا يعارض الاختيار، إذ أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاء بمحض اختياره ولكن خميرة الشقاء كانت موجودة معه في نفسه حين خلقت.. وهو الذي يختار السعادة بمحض اختياره، ولكن خميرة السعادة موجودة في نفسه حين خلقها اللّه تعالى.

 فمعنى أنّ اللّه يهدي ويضل - ا ذن  هو أنّ مناشى‏ء الهداية ومناشى‏ء الضلال هي من عند اللّه تعالى، إذ أنّه سبحانه قد خلقها في نفس الإنسان منذ أن خلقه، وهذا لا يعني خروج الاختيار من يد الإنسان، بل يبقى قادراً على مخالفة الحالة النفسية التي عنده.

 ولا نريد الدخول في البحث الكلامي الموجود حول : هل أنّ هذا ظلم من اللّه تبارك وتعالى، لأنّه يجعل الشقي شقياً، والسعيد سعيداً، أو يجعل الغلبة في بعض الناس لفطرة الشر، ولبعض الناس لفطرة الخير؟

 لا نريد الدخول في هذا البحث كي ندخل في جوابه الفلسفي الذي يقول : ما خلق اللّه المشمشة مشمشة، بل أوجدها . واللّه تعالى أوجد هذه النفس بما لها من صفات، ولم يخلق صفة إضافيه ما، إلى النفس، لتقودها إلى الخير أو الشر، ليُقال إنّ هذا ظلم.

 وهذا البحث أجنبي عمّا نحن فيه الآن، فلا نريد الدخول فيه.

 ولكن الذي نريد أن نقوله هو أنّه : على الرغم من أنّ أصل الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها هي فطرة التوحيد، فإنّ بذور الضلال موجودة من أول الأمر في كل إنسان، وتكون الغلبة احياناً لهذه واحياناً لتلك.

 ولما كان اللّه سبحانه هو الذي أوجد مناشئ الهداية والضلال في نفس الإنسان، فإنّه يصح إسناد الهداية والضلال إليه تعالى، وبالشكل الذي لا ينافي الاختيار والقدرة في النفس. فيصح أن نقول : إنّه تعالى يهدي ويُضلّ، وذلك باعتباره خالقاً لبذور الهداية والضلال، في نفس الإنسان.

 وعلى أساس نفس هذا المعنى نفهم ونفسر العصمة، فنقول بأنّها من اللّه تعالى بمعنى أنّه هو الذي خلق نفساً شفافة روحانية طيبة إلى هذا المستوى من الطيب، بحيث لو جُوبِهَ صاحبها بكل مغريات العالم مجتمعة، فإنّه لن يتورط - أبداً- في أي معصية.

 وهناك في القرآن الكريم، آيتان واضحتا الدلالة على العصمة .

 أحدهما تختص بأهل البيت عليه السلام  والثانية لا تختص بهم، وا نّما تعطي عنواناً عاماً وهو عنوان عصمة الإمام، فتثبت الآية - ا ذن - عصمة كل من كان ا ماماً، حتى الأنبياء الذين كانوا أئمة كرسولنا صلى الله عليه واله وسلم وكإبراهيم، وكاُولي العزم إطلاقاً، وغيرهم.

 أمّا الآية الاُولى الواضحة الدلالة على العصمة، والمختصة بأهل البيت عليهم السلام ، فهي آية التطهير، وهي قوله تعالى :  ( ا نّما يُريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ).

 فهذه الآية المباركة تدل على العصمة، وذلك لأنّ اللّه تبارك وتعالى قد أراد أن يُذهب الرجس عن أهل البيت، بأن يكونوا مطهرين.

 ولما كانت إرادة اللّه سبحانه، لا تنفك عن مراده سبحانه، فإنّ ما أراد اللّه تعالى - وهو تطهير أهل البيت - واقع لا محالة، فيكونون معصومين - ا ذن - ... .

 ولا نقصد بالعصمة، إلّا هذا.

 والنقاش الوارد على الاستدلال بهذه الآية المباركة، يكون على مستويين :

1 ـ على مستوى الدلالة.

2 ـ على مستوى السياق.

 

 النقاش على مستوى الدلالة :

 أمّا النقاش على مستوى الدلالة، فيقال : إنّ اللّه سبحانه عندما قال : « ا نّما يُريد اللّه... » فإنّه :

 أ - إمّا أن يقصد الإرادة التشريعية، فلا تدل الآية - عندئذ  على العصمة، ولا تكون هذه الإرادة خاصة بشأن أهل البيت.

 ب - وأمّا أن يقصد الإرادة التكوينية، وعندئد تدلّ على أنّهم مجبورون على العصمة فلا فضل لهم بها ولا ميزة.

 ولتوضيح هذا الأمر نقول :

 إنّ علماءنا الأبرار « رضوان اللّه عليهم » قسّموا الإرادة إلى قسمين :

1 ـ الإرادة التشريعية : ويعنون بها ما يريده اللّه تبارك وتعالى من تشريعات وأحكام، فهي إرادة راجعة إلى التشريعات والأحكام، فتحريم الخمر والميسر وإيجاب الصلاة والزكاة مثلاً، يعني أنّ اللّه قد أراد من الخلق أن يتركوا الخمر ويتركوا الميسر وأن يقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة وهذا النوع من الإرادة يسمى ب« الإرادة التشريعية  » أي أنّه تعالى قد أراد منا بتشريعاته وأحكامه وقوانينه ونظمه أن نترُك الخمر ونترُك الميسر ونُقيم الصلاة ونُؤتي الزكاة .

2 ـ الإرادة التكوينية : وهي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:  ( ا نّما أمره إذا أراد  شيئاً أن يقول له كن فيكون )، فقد أراد اللّه تعالى أن نُخلق فخُلقنا، وأراد أن يخلُق الأرض والسماء فخُلقتا، وقال العلماء إنّ إرادة اللّه التكوينية لا تختلف عن المراد، أي أنّ اللّه تعالى حينما يُريد لشي ما أن يُخلق، فإنّ ذلك الشي يُخلق بمجرد إرادته تعالى لخلقه.

 وأمّا الإرادة التشريعية فتتخلف عن المراد، أي أنّ إرادة اللّه تعالى الكامنة في الأحكام والتشريعات تتخلف عن مراده، فقد أراد اللّه منهم أن يُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة و... الخ، ولكنّ الكثير منهم لا يُصلي ولا يُؤدي، وأراد اللّه منهم أنّ لا يشربوا الخمر ولا يفعلوا الميسر ولا يُقامروا، بينما نرى أنّ هناك من يشرب أو يُقامر وهذا هو معنى تخلف الإرادة التشريعية عن المراد، وهنا نقول : إنّ اللّه سبحانه وتعالى عندما قال « ا نّما يُريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهركم تطهيرا ». فهل كان يقصد الإرادة التشريعية أو الإرادة التكوينية؟ فإن كان يقصد بها الإرادة التشريعية فإنّ الآية - ا ذن  لا تدل على العصمة أولاً، ولا تكون مختصة بأهل البيت عليه السلام  - ثانياً . أمّا أنّها لا تدل على العصمة فلأنّ الإرادة التشريعية - كما قلنا - قد تنّفك وتتخلّف عن المراد، فلا تكون مطابقة للمراد دائماً، فلا تثبتُ العصمة. وأمّا إن كان المقصود بها هو الإرادة التكوينية من قبيل « ا نّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون » فإن هذه الإرادة لا تتخلّف عن المراد، فإذا كانت إرادة اللّه التكوينية قد تعلّقت بطهارة أهل البيت وابتعادهم عن الرجس فإنّ هذا يعني أنّهم المبتعدون عن الرجس حتماً، وأنّهم مطهّرون حتماً، إذ لا يمكن أن تتخلف إرادة اللّه التكوينية عن المراد. إلّا أنّ هذا هو الجبر بعينه. ويعني أنّ أهل البيت مجبورون على الطهارة ومجبورون عن الابتعاد عن الرجس لأن اللّه أراد لهم إرادة تكوينية وما أراده اللّه إرادة تكوينية فإنّه كائن حتماً، وبذلك نرجع إلى الجبر مرة اُخرى، وهذا معناه أنّ عصمة أهل البيت ا ذن ليست شرفاً أو مدحاً لهم لأنّ العصمة لم تكن باختيارهم، وا نّما كانت بإرادة اللّه تعالى كإرادته للبشر أن يكونوا بشراً وإرادته للحجر أن يكون حجراً. هذا هو الإشكال الكامن في الاستدلال بهذه الآية المباركة.

 وقد كان اُستاذنا الشهيد الصدر  ( رضوان اللّه تعالى عليه (يُجيب على هذا الإشكال قائلاً بأنّ هناك إرادة ليست تكوينية ولا تشريعية وا نّما هي قسم ثالث من الإرادة من سنخ ما يقول المعلم لطلابه اُريدكم أن تكونوا علماء، واُريد أن أصنع منكم علماء أو فقهاء مثلاً فهذه الإرادة ليست تكوينية وليست تشريعية ومجرد أمر ونهي تشريعيين بأن يأمرهم أن يكونوا علماء، وا نّما تعني أنّ هذا المعلم يُريد أن يُهي‏ء ما بيده من المقدمات التي ستؤدي بهؤلاء الطلاب إلى أن يتخرجوا أو يُصبحوا علماء، ومما لا شك فيه أنّ هذا يكون بمحض اختيارهم وليس بالجبر، فالمعلم يُلقي على طلابه الدروس الدقيقة ويوفّر مناخ الدرس والفهم لهم فيُصبحون بذلك علماء وسوف تكون إرادة المعلم هذا مطابقة للواقع حينما يكون قادراً على توفير كل المقدمات لطلابه ، فيصبحون علماء فعلاً، ويرى أنّ هذه الإرادة لم تكن تشريعية بحتاً ولم تكن تكوينيه  ( بمعنى إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون (وا نّما هي إرادة بمعنى أنّه أراد أن يُحقق المقدمات التي تنتهي إلى النتيجة وهي أنّ هؤلاء الطلاب يصبحون علماء ولكن هذه النتيجة تنتهى بمحض اختيار الطلاب وقدراتهم وبإرادتهم. والآية الشريفة السابقة الذكر هي من هذا القبيل، ومن هذا المستوى. فقوله تعالى : « ا نّما يُريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت  » يعني أنّ اللّه تبارك وتعالى أراد أن يوفّر كل المقدمات الدخيلة في صيرورة أهل البيت طاهرين وبعيدين عن الرجس، ولم تكن مجرد إرادة تشريعية ولا هي تكوينية من قبيل « كُن فيكون  »، ولمّا كان اللّه تعالى قادراً على تهيئة كل المقدمات الدخيلة في العصمة، وأنّه يُريد تهيئة  إرادة تكوينية فإن هذه المقدمات لا تتخلّف عن مراده، فتتحقق حتماً، وبذلك يصبح أهل البيت طاهرين مُطهرين ومُبتعدين عن الرجس بمحض إرادتهم واختيارهم، فالآية الشريفة - ا ذن  تدل على عصمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وكان ذلك بمحض اختيارهم. وقد يُستشهد لما أفاده اُستاذنا الشهيد رحمه الله  من أنّ الإرادة هنا ليست تشريعية ولا تكوينية، بل هي بالمعنى الثالث الذي شرحناه: أنّه لو اُريدت بها الإرادة التكوينية لزم الجبر وهو باطل، ولو اُريدت بها الإرادة التشريعية كان المناسب أن يقال: يريد اللّه أن لتبعتدوا عن الرجس وتتطهّروا لا أن يقول: يريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس ويُطهّركم. ذلك لأنّه في باب الإرادة التشريعية يُسند الفعل الى العبد والإرادة الى اللّه فيقال: يريد اللّه لعباده أن يُصلّوا ولا يقال: يريد اللّه لنا أن يجعلنا مصلّين.

 

 النقاش على مستوى السياق

 على مستوى السياق، يُقال إنّ هذه الآية المباركة  ( آية التطهير ( قد وردت ضمن آيات نساء النبي صلى الله عليه واله وسلم  ولذا، فإنّ سياق الآية يدل على أنّ لآية التطهير علاقة بهن، قال تعالى :  ( ياأيُّها النبّيُ قل لأزواجك إن كُنتُنَّ تُردنَ الحياة الدنيا وزينتها فتعالينَ اُمتّعكنَّ واُسرحكُنَّ سراحاً جميلاً وإن كُنتنَّ تُردنَ اللّه ورسوله والدار الآخرة فإنّ اللّه أعدَّ للمحسنات مِنكُنَّ أجراً عظيماً يا نساء النبيّ من يأتِ مِنكُنَّ بفاحشة مبينة يُضاعف لها العذاب ضِعفين وكان ذلك على اللّه يسيراً ومن يقنُت مِنكُنّ للّه ولرسوله وتعمل صالحاً نُؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقاً كريماً يا نساء النبيّ لستُنَّ كأحدٍ من النساء إن اتَّقيتُنَّ فلا تَخضعنَ بالقول فيطمع الذي في قلبه مرضٌ وقُلنَ قولاً معروفاً وَقَرنَ في بُيوتِكنَّ ولا تَبرجنَ تبرجَ الجاهلية الاُولى واقِمنَ الصلاة وآتينَ الزكاة واطعنَ اللّه ورسوله ا نّما يُريد اللّه ليُذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويُطهّركم تطهيراً  وأذكُرنَ ما يُتلى في بُيوتِكنَّ من آيات اللّه والحكمة إنّ اللّه كانَ لطيفاً خبيراً ).إنّ هذا المقطع  ( آية التطهير (لا يختص بنساء النبي على الرغم من اختصاص باقي المقاطع بهنَّ، إذ لو كان مخصوصاً بنساء النبي لقال « ا نّما يُريد اللّه ليُذهب عنكن  » شأنه شأن باقي المقاطع حيث قال « إن اتقيتنَّ » « قرنَ في بيوتكنَّ » « ولاتبرجنّ » فهذا المقطع - ا ذن  غير مخصوص بنساء النبي - حتماً ، ولكن هل له علاقة بهنَّ أو أنّه أجنبي عنهنَّ ولا علاقة له بهنَّ أصلاً وا نّما له علاقه بأمير المؤمنين عليه السلام  وفاطمة والحسن والحسين سلام اللّه عليهم؟

 وهنا نلحظ تلك النقطتين اللتين أشرنا إليهما سابقاً في بحث قوله تعالى  ( اليوم اكملت لكم دينكم )، فكلتا النقطتين موجودتان  هنا، وهما :

1 ـ حينما نقتطع هذا المقطع « ا نّما يُريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهركم تطهيراً » من المقاطع الواردة بشأن نساء النبي صلى الله عليه واله وسلم ، نرى بأنّ الصدر والذيل ملتئمان تمام الالتئام وكا نّما هذا المقطع كان جملة معترضة في الأثناء، ولنحذف الآن هذا المقطع  ( آية التطهير (ونقرأ هكذا « وقرنَ في بُيُوتِكنّ ولا تَبرجنَ تبرّج الجاهلية الاُولى واقِمنَ الصلاة وآتينَ الزكاة واطعنَ اللّه ورسوله... واذكرنَ ما يُتلى في بيوتكنَّ من آيات اللّه والحكمة إنّ اللّه كان لطيفاً خبيراً ». فنرى هذا الكلام متسقاً تمام الاتساق ومنسجماً تمام الانسجام، وكأنّه لم يُحذف أيّ شي‏ء، وهذا يعني أنّ هذا المقطع أي قوله تعالى : « ا نّما يُريد اللّه ليُذهب...  » كأنّه اُقحم - هنا إقحاما.

2 ـ إنّ هذا المقطع  ( آية التطهير (نراه غير مناسب للمورد، إذ أنّه - كما شرحنا  يدل على العصمة فلو كان هذا المقطع خاصاً بنساء النبي أو كان منطبقاً على نساء النبي وشاملاً لهنَّ، لدلّ هذا على عصمة نساء النبي بينما هذه الآية المباركة الواردة بشأنهنَّ تنافي عصمتهنَّ لأنّ الآية تقول « ياأيّها النبي قل لأزواجك إن كنتنَّ تُردنَ الحياة الدنيا وزينتها فتعالينَ اُمتعكنَّ واُسرحكنَّ سراحاً جميلاً وإن كنتنَّ تُردنَ اللّه ورسوله والدار الآخرة فإنّ اللّه أعدَّ للمحسنات منكُنَّ أجراً عظيماً » فهي تقول : « فإنّ اللّه أعدَّ للمحسنات منكنَّ أجراً عظيماً » ولو كنَّ معصومات لكان المفروض أن لا تقول « فإنّ اللّه أعدَّ للمحسنات منكنَّ أجراً عظيماً ». فهذا التخصيص « أعدَّ للمحسنات منكنَّ أجراً عظيما » إشارة إلى أنّ هؤلاء النساء كسائر نساء العالم فيهنَّ مُحسنات وفيهنَّ مُسيئات. ا ذن فالآية واضحة في عدم عصمة نساء النبي وعليه فإنّ المقطع الذي يدل على العصمة لا يناسب سياق الآيات ومضمونها، فليس له علاقة - ا ذن  بنساء النبي. ولا يخفى أنّ الكلام الذي قلناه سابقاً حول أسباب إقحام آية « اليوم يئس...  »، يأتي نفسه هنا أيضاً فهذا المقطع لعله جُعل هنا حذراً من الارتداد وحذراً من تحريف القرآن الكريم، إذ لو كان مستقلاً وكان واضحاً وصارخاً في أنّه وارد في أئمة أهل البيت سلام اللّه عليهم فإنّ هذا لعله يُؤدي إلى ارتداد بعض المسلمين، أو يؤدي إلى تحريف القرآن، ولكنّه عندما جُعل هنا واُقحم ضمن هذه الآيات فقد سلم من التحريف وسلم عن الحذف.

 هذا إضافة إلى أنّ الروايات الواردة بشأن تفسير هذه الآية المباركة  ( آية التطهير )، يبدو منها أنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم  أراد أن يُوضح للأمّة أنّ هذا المقطع لا علاقة له بنسائه وا نّما له علاقة بعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .

 ولا نريد أن نورد هنا الروايات الواردة بأسانيد الشيعة لأنّ اتجاهها واضح ولا غبار عليه وا نّما نُريد أن نُورد رواية من الروايات الكثيرة الواردة بهذا الصدد عن طريق السنّة.

 فقد جاء في رواية رويت بعدة طرق عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل أن اُم سلمة  ( رضوان اللّه عليها) قالت: «إنّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  كان في بيتها على منامةٍ عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة  ( دخلت البيت (ببرمة) أي بيدها برمة، والبرمة تُفسّر بقدر من حجر (فيها حريرةٌ) وفُسّرت بعدة تفاسير وقيل المرق الذي فيه اللحم، أمّا إذا لم يكن فيه لحم فيُسمى عصيدة )، قال رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  ادعي‏لي زوجك وابنيك، قالت فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو وهم على منامة له ولي وكان تحته كساء خيبري، قالت وأنا في الحجرة اُصلّي فأنزل اللّه  (إنّما يريد اللّه ...)، قالت فأخذ فضل الكساء وكساهم ثمّ أخرج يده فألوى بها الى السماء وقال هؤلاء أهل بيتي وحامتي اللّهم فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، قالت فأدخلت رأسي البيت وقلت وأنا معكم يا رسول اللّه، قال إنّك لعلى خير لعلى خير»، فأخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم بفضلة أزاره  ( الكساء الخيبري) فغشاهم ايّاها،  (أي أنّه صلى الله عليه واله وسلم  جعل كلاً من أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ضمن الكساء )، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ثم قال : أللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالها ثلاث مرات  ( كا نّما كان الهدف أن يتعيّن أهل البيت في هؤلاء ). قالت اُم سلمة : فأدخلت رأسي في الستر فقلت : يا رسول اللّه وأنا معكم؟ فقال : إنّك إلى خير  ( مرتين)، كي يُعرف أنّ هذا المقطع لا علاقة له بنساء النبي حتى النساء الصالحات من قبيل اُم سلمة  ( رضوان اللّه عليها)».

 وهناك رواية اُخرى من طريق أهل التسنّن أيضاً عن ابن عباس قال: شهدنا رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند كل صلاة فيقول السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت ا نّما يريد اللّه ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً.

 هذه الآية من آيتين قلنا بأنهما واضحتا الدلالة على العصمة، وكانت خاصة بأهل البيت  سلام اللّه عليهم.

 وأمّا الآية الثانية التي تُعطي المبدأ العام للعصمة لكل من نال مقام الإمامة، فهي قوله تعالى :  ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهن قال إنّي جاعلك للناس ا ماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ). و « الظالم » في لغة الشريعة هو كل من يعصي اللّه. و « العهد » - هنا - الإمامة بقرينة قوله تعالى : في نفس الآية « إني جاعلك للناس ا ماماً »، ومعنى الآية المباركة : أنّ اللّه تعالى لا يعهد بالإمامة - أبداً - الى أحدٍ من العاصين. فكان إبراهيم عليه السلام  قد طلب من اللّه تعالى أن لا تكون هذه الهبة التي وهبها إياه خاصة به، بل تثبت الإمامة في بعض ذريته - على الأقل - « قال ومن ذريتي » فقال اللّه تعالى : « لا ينال عهدي الظالمين »، يعني أنّ في ذريتك من يكون ظالماً وعاصياً للّه، وعهد الإمامة لا يصل الى من يعصي اللّه، لا يصل الى الظالم، وهذا يدل على أنّ الإمامة لا  تجتمع مع « المعصية » فلا بدّ من العصمة - ا ذن -.

 والإشكال الذي يُذكر عادةً بالنسبة لهذه الآية المباركة هو : أنّ الآية دلت على أنّ الظالم لا يكون ا ماماً وهذا لا يشك فيه، ولكن من الممكن أن نفترض بأنّ الإمامة يمكن أن تنال التائبين من المعاصي، فإذا كان هناك شخص ظالم - كأن يكون قد عبد صنماً - ثم تاب وأسلم وخرج عن الظلم فإنّه يصلح لأن يُصبح ا ماماً فلا تثبت - عندئذٍ - العصمة التامة للإمام  ( بمعنى افتراض أنّ الإمام لا بدّ أن يكون منذ أول يوم من حياته الى آخر أيامه معصوماً من الزلل ). وغاية ما تدلّ عليه هذه الآية هي أنّ الإمام لا بدّ أن يكون مبتعداً عن الظلم في زمن نيل الإمامة، أمّا أنّه يجب أن يكون غير ظالم حتى قبل أن يعهد إليه بالإمامة .. فلا، وقد قال علماء الاُصول أنّ المشتق ليس حقيقة فيما انقضى عنه المبدأ وا نّما هو حقيقة في المتلبّس بالمبدأ ومجاز فيما انقضى عنه المبدأ، وعليه فإنّ هذه الآية المباركة لا تدل على ضرورة عصمة الإمام وطهارته ونقائه منذ أول يوم، والذين درسوا علم الاُصول يعلمون أنّ هناك أبحاث مفصلة وعميقة بهذا الصدد، ونحن لا نريد أن ندخل في تلك الأبحاث المفصلة، وا نّما نشرح المطلب ونبينه بمستوى ما يمكن بيانه في مثل هذا المقام.

 فيقال : في الجواب : أنّ أيّ إنسان إذا ظلم  ( عصى) فإنّه في ساعة المعصية هو ظالم حتماً، لأنّ المشتق حقيقة في المتلبس وعندئذٍ فإنّ الآية تشمله، إذ تقول : « لا ينال عهدي الظالمين » فالآية تقول إنّ عهدي لا ينال هذا الرجل، وهذا تعبير مطلق، ويعني أنّه لا ينال عهد اللّه أبداً، وحتى بعد أن يتوب هذا الرجل.

 ويعترض على هذا الجواب بأنّ الحكم إذا ربط بوصفٍ فإنّ الظاهر عرفاً من هذا الربط، هو أن يتزامن الوصف والحكم دائماً فإذا قال قلّد المجتهد العادل مثلاً، فقد ربط التقليد بالاجتهاد وبالعدالة، وهذا يعني وجوب تزامن العدالة والاجتهاد مع حكم التقليد دائماً، بمعنى أنّه إذا سقطت العدالة بسبب الفسق، أو سقط اجتهاد بسب النسيان أو كبر السن، لم يجز تقليده  - عند ذلك -، إذ لا بدّ من التزامن بين الحكم والوصف الذي رُبط به الحكم، وكذلك الحال في قوله : « لا ينال عهدي الظالمين »، فإنّ نيل العهد لا بدّ أن يتزامن مع الظلم، فلو انتهى الظلم ينتهي قوله : « لا ينال عهدي »، - ا ذن - فقد ينال عهد اللّه فيصبح ا ماماً.

 وللجواب على هذا الإشكال، نقول : صحيح أنّ الحكم حينما يرتبط بوصف يكون هنا ظاهراً في التزامن، ولكن هذه القاعدة ليست مطردة وليست دائمة وا نّما هي متوقفة بالمناسبات الراجعة الى الحكم والوصف، فالمناسبة ربما تقتضي التزامن بين الوصف والحكم كالاجتهاد والتقليد، إذ أنّ عدم الاجتهاد يعني الجهل، فإذا سقط الاجتهاد والتقليد من شخص، فإنّه يُصبح جاهلاً، وعندئذٍ لا يختلف عن بقية العوام  ( الجهّال (فكيف يصحّ لهم تقليده؟! إذ لا توجد في هذه الحال مناسبة أو نكتة للتقليد. وربما لا تقتضي المناسبة التزامن، فقد توجد هناك نكات وقرائن عُرفية تنفي هذا التزامن بين الوصف والحكم وتفصل بينهما، فيكون الحكم - عندئذٍ - أوسع امتداداً من الوصف، ومثاله العُرفي هو أنّ الثوب إذا لاقى البول مثلاً، فإنّه يتنجس وهذا لا يعني أنّه نجس ما دام ملاقياً للبول، وأنّه يطهر بمجرّد إبعاده عن البول، بل يعني أنّه نجس حتى بعد إبعاده عن البول ولا يطهر إلّا بعد أن يتم غلسه بالماء بالشكل والعدد المطلوبين. فنجاسة الثوب تصبح - هنا - غير مشروطة بأن تكون متزامنة مع الملاقاة، بل إنّ الثوب يصبح نجساً حتى إذا لاقى البول ولو للحظة واحدة، وإنّه سيبقى نجساً ما لم يطهر بالماء. فالمدار في التزامن وعدمه، يرجع الى المناسبة، فإذا رأينا كلاماً يربط بين حكم ووصف، يجب أن نلحظ المناسبات الراجعة إليهما، وهل أنّها تقتضي التزامن أم لا؟ وقوله تعالى : « لا ينال عهدي الظالمين » يربِط عهد الإمامة بترك الظلم، وهنا ترى أنّ عظمة شأن هذا العهد وعظمة شأن الإمامة تناسب أن يكون الحكم أوسع امتداداً من الوصف، فالإنسان إذا ظلم شمله قوله « لا ينال » حتماً، فلا ينال عهد الإمامة، وإنّ هذا الحكم بعد نيل العهد سيبقى شاملاً له حتى بعد أن يتوب وتزول صفة الظلم عنه، فلا يزول الحكم بزوال الوصف. والذي يدُلنا على هذا أنّ إبراهيم عليه السلام  على عظمته وجلاله ونبوته ورسالته وخلته وإمامته ليس من المحتمل أنّه كان يرغب في أن يكون الظالمون أئمة وليس هناك أي احتمال في أنّ إبراهيم عليه السلام  كان يتوقع من اللّه تعالى أن يجعل ذريته  ( بما فيهم شاربوا الخمر الزناة والعصاة (أئمة، إذ أنّ إبراهيم أعلى وأجل من أن يتخيل بأنّ الزناة والعصاة وشرابي الخمور وعابدي الأوثان يمكن أن يصبحوا أئمة على الرغم من استمرارهم في ارتكاب المعاصي، فالذي يمكن أن يفترض بشأن إبراهيم هو أنّه عليه السلام  كان يتخيل ويتصور بأنّ الذين عصوا وظلموا في وقت ما ثم تابوا وأصلحوا يمكن أن يصبحوا أئمة فأجابه اللّه تعالى بقوله : « لا ينال عهدي الظالمين ». فالآية الشريفة - ا ذن - تدل بوضوح على عصمة كل من ينال مقام الإمامة منذ اليوم الأول، ولا بدّ وأن يكون الإمام معصوماً من قَبل الإمامة  وبعدها.

 

 إعتباران  عقليّان لإثبات العصمة

 وهناك اعتباران عقليّان يدلان على العصمة، على اختلافٍ في مرتبة العصمة بين الاعتبارين.

 أحد الاعتبارين هو : أنّ المفروض بالإمام أن يكون قائداً للمجتمع، ليس لمجتمع خاص دون مجتمع آخر، فليس قائداً لمنطقة معينة دون اُخرى، بل المفروض به أن يكون قائداً للمجتمع ككل ولا يقبل للمجتمع التجزئة في حكمه، وليس حال الإسلام حال النظم الوضعية التي تفترض التجزئة وتفترض حكومة هنا وحكومة هناك، فهذا لا يقره الإسلام، لأنّه دين واحد والأله واحد، والسلطة سلطة واحدة، والدولة دولة واحدة، والعالم كله يجب أن يكون تحت راية الإسلام، وعليه لا بدّ أن يكون ا مام المسلمين من حيث سعة دائرة قيادته قائداً لكل المجتمع. هذا من حيث سعة قيادة الإمام اُفقياً، وأمّا من حيث سعة قيادته عمودياً أي بالنسبة لشمولها لعمود الأزمنة فإنّ قيادة الإمام ليست مخصوصة بزمان دن آخر كزمان حياته فحسب مثل الفقيه الذي تكون ولايته مدة حياته وتنتهي ولايته بانتهاء حياته، أمّا الإمام فليس كذلك بل ا مام لجميع الأزمنة، وهو قدوة للناس واجب الطاعة، فيما يأمر وينهى.

 ولو لاحظنا قيادة الفقيه - وهي أضيق دائرة من قيادة الإمام حيث قد تتحدّد الاُولى بمجتمع وزمان معينين بخلاف الثانية - لوجدناها مع ذلك مشروطة بالعدالة والتقوى والاستقامة وبدون ذلك لا تتحقق للفقيه ولاية شرعاً ولا ينقاد الناس لها، ولا تؤثر أوامره في نفوسهم فتسقط قيادته من الناحية الفعلية، فلو فقد العدالة لا يستطيع أن يهدي الناس، حيث أنّ فاقد الشي لا يعطيه والفاسق لا يستطيع أن يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، وسوف لا يقلدونه ولا يؤمنون بولايته ولا يقتدون ولا يثقون به فلا يقدر عندها على قيادة الناس، وكيف يُربي الناس من تنقُصه التربية الصالحة والاستقامة؟!، وعندئذٍ ينتفي الغرض من ولايته لذا كانت ولاية الفقيه مشروطة بالعدالة لا بالعصمة لأنّ العصمة ليست شرطاً في القيادات الضيقة مساحة والقصيرة زمناً، وأمّا القيادة الأوسع مساحة والأطول زمناً - كما مضى شرحها - فإنّها بحاجة الى شرط أرقى من العدالة وأعلى وهو العصمة، حيث أنّ الإمام نُصب من قبل اللّه تعالى ليكون هادياً للناس أجمعين الى يوم القيامة، فإنّ مثل هذه القيادة العالمية الطويلة المدى التي يُراد لها أن ترتقيَ بالبشرية الى أرقى سلّم الكمال الروحي والمعنوي الممكن أو الى أعلى درجات الارتباط باللّه المتعال لنيل رضوانه تبارك وتعالى. إنّ مثل هذه القيادة الإلهية بحاجة الى شرط أعلى من العدالة  فلا يكتب لها النجاح إلّا بالعصمة ولو أخطأ الإمام في عمره مرة واحدة فسوف لا يثق به الناس فلا يقتدون به وعندها لا يكون لهم هادياً الى يوم القيامة كما أراد اللّه تعالى، نعم لئن كانت القيادة الضيّقة المُختصرة لا تتم إلّا بالعدالة - التي هي منزلة نازلة عن العصمة - فلا تصح للفاسق، فكيف بقيادة واسعة المدى زمناً ومساحة، إنّها لا يمكن أن يكتب لها النجاح إلّا بالدرجة العليا من التقوى والاستقامة والتي تُسمى بالعصمة.

 هذا هو الاعتبار العقلي الأوّل الدال على العصمة، وهناك دليل أو اعتبار عقلي ثان يدل على العصمة، لكنّه يدل عليها في الجملة، أي مدة إمامته لا من أول حياته، فلا يدل على العصمة الكاملة حتى بالنسبة لما قبل الإمامة فهذا الدليل كما يقال أخص من المدعى لأنّ المدعى عصمته مدة حياته كلها حتى قبل إمامته، والاعتبار العقلي الثاني هو أنّ الذي عُهد إليه الحكم من قبل اللّه تبارك وتعالى وارتبط باللّه تعالى بعهد الإمامة على حدّ تعبير ا لقرآن الكريم « لا ينال عهدي الظالمين »، جعله اللّه حاكماً وا ماماً للمسلمين. إنّه إنسان احتل رتبة إلهية عظيمة فهو ليس إنساناً عادياً، لذلك فإنّ هذا الإنسان  لو صدر منه أقل ذنب أو معصية من تلك الصغائر التى يغفرها اللّه تعالى للناس الاعتيادين  ( إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نُكفّر عنكم سيّئاتكم )فإنّ اللّه يغفر للناس الاعتيادين ذنوبهم الصغيرة حينما يجتنبون الكبائر. مثل هذا الذنب الصغير من هذا الإنسان الكبير سيكون من أكبر الكبائر، والعقل يدرك هذا الفرق، فلو أنّ إنساناً اعتيادياً ساذجاً بسيطاً لا يعرف أحكام اللّه تعالى ولا تربّى تربية إسلامية جيدة، هذا الإنسان لو عصى معصية صغيرة، فإنّه يُؤنّب على هذه المعصية وقد تُغفر له، بينما لو صدرت نفس المعصية الصغيرة من فقيه كبير أو مرجع ديني للناس يُقتدى به فإنّها ستكون بالنسبة له من الكبائر التي لا تُغتفر، ولنفترض أنّ الذي فعل تلك الصغيرة ليس فقيهاً كبيراً وا نّما ا مام كبير وعظيم، ا مام للمسلمين بل للناس أجمعين  فستكون أصغر الصغائر بالنسبة له من أكبر الكبائر وعظائم الذنوب التي تدل على خبثٍ عظيم، ومثل هذا لا نحتمل صدوره من ذلك الإنسان الذي أخذ اللّه عليه عهد الإمامة، وارتبط مع اللّه ارتباطاً عهدياً ولا نحتمل من هذا الإنسان العظيم أن يُزلّه الشيطان فيُخطئ ولو خطأً يُعتبر بالنسبة لغيره عادياً وصغيراً.

 

 معنى ذنوب الأنبياء

 بعد ذلك، أي بعد أن أثبتنا عصمة الأئمة عليه السلام  بالدليلين القرآنيين، وكذلك بالدليلين الاعتباريين ننتقل الى الآيات المباركات التي يظهر منها نسبة صدور الذنب الى الأنبياء سلام اللّه عليهم وبالأخص الى الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم  الذي لا شكّ أنّه نبي ورسول وا مام، يعني كل المقامات الثابتة لإبراهيم عليه السلام  من النبوة ثم الرسالة ثم الخلة ثم الإمامة كل هذه المقامات وأكثر من ذلك وبشكل أكبر وأكمل وأعلى موجودة في رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، ومع ذلك ترى بعض آيات القرآن المباركة يظهر منها نسبة ذنبٍ ما إليه صلى الله عليه واله وسلم فما نصنع بهذه الأيات، وكيف نُفسّر هذه الآيات ونُوفق بينها وبين الآيات الاُخرى التي دلت على العصمة كما أوضحنا؟. ولنستعرض أولا بعض تلك الآيات التي يظهر منها نسبة الذنب الى الأنبياء عليهم السلام :

 قوله تعالى يُخاطب رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم :  ( فسبّح بحمد ربك واستغفره إنّه كان تواباً )ومعنى استغفره أي اُطلب منه المغفرة وهذا يعني : أنّ هناك ذنباً صدر منه صلى الله عليه واله وسلم  عليه أن يستغفر منه اللّه تعالى.

 وقوله تعالى :  ( فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ واستغفر لذنبك وسبّح بحمد ربك بالعشي والإبكار )وهذا خطاب للنبي نصاً، وهذه الآية صرحت بنسبة الذنب للرسول صلى الله عليه واله وسلم  وطلبت منه الاستغفار.

 وآية ثالثة  ( فاعلم أنّه لا إله إلّا اللّه واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات واللّه يعلم متقلَّبكم ومثواكم )وهذا أيضاً خطاب موجه للرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وقد نَسب ذنباً الى النبي صلى الله عليه واله وسلم  كالآية السابقة صريحاً.

 وآية اُخرى عن لسان النبي نوح عليه السلام  يُخاطب اللّه عز وجل فيقول  ( ربِّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً )و  ( اغفر لي (بمعنى أنّه لديه ذنب، لذا يطلب المغفرة من اللّه تعالى.

 وأية خامسة وهي عن لسان إبراهيم عليه السلام  الذي دلت الآية السابقة على أنّ إبراهيم أتمَّ الكلمات بمعنى أنّه لم يُخطئ ولم يعص، ومع ذلك هذه الآية تقول عن لسان إبراهيم عليه السلام   (رب اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)وهذا الطلب للمغفرة كالذي سبق يعني وجو ذنب يطلب غفرانه.

 والآية الأخيرة التي نذكرها عن لسان موسى عليه السلام  وهو نبي من اُولي العزم :  ( رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك) فكلمة  (اغفر لي) تعني أنّه هناك ذنب يطلب غفرانه من اللّه تبارك وتعالى.

 اعتقد أن الجمع واضح جداً بين أدلة العصمة - من آيات وأدلة اعتبارية عقلائية - التي مضى شرحها وبين الآيات التي ظاهرها نسبة الذنب الى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أو الى أنبياء عظام آخرين كموسى عليه السلام أو كإبراهيم عليه السلام التي ذكرنا بعضها، وبهذا الجمع لا يبقى غموض بالنسبة لهذه الآيات التي تنسب الذنب الى الأنبياء العظام إذا قسناها الى تلك الآيات التي أثبتت العصمة للأنبياء عليهم السلام  وعلى الرغم من أنّ معناها حسب ما اعتقد واضح لا غبار عليه لكن لا أستعجل بإعطاء النتيجة، أعني لا أستعجل في تفسير هذه الآيات، بل نُلقي  أولاً نظرة سريعة على حقيقة الذنوب الصادرة عن الأنبياء العظام، تلك الذنوب التي ذكرها القرآن الكريم، ونُدقق شيئاً ما في تلك الذنوب، فما هو ذنب النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم ، وما هي ذنوب الأنبياء الآخرين عليهم السلام ، وبعد ذلك ستعرف معنى هذه الآيات، وكيف أنّها تنسجم مع آيات العصمة، وهناك في آيات القرآن الكريم ما يوضح حقيقة بعض تلك الذنوب ومنها قوله تعالى :  ( عفا اللّه عنك لِمَ أذِنت لهم حتى يَتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) هذا في القرآن الكريم اُعتبر ذنباً بحيث يُعاتب الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، ويقول  ( عفا اللّه عنك )، لماذا فعلت هذا العمل؟ فماذا صنع رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ؟ كل ما صنعه هو أنّ اُناساً - على ما يظهر من الآية - جاؤوا إليه واعتذروا من الاشتراك في القتال، قالوا نحن لدينا أعذار كذا وكذا مثل أنّنا مرضى أو عندنا مشاكل عائلية معينة ...، ورسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  الذي هو اُذن خير يؤمن باللّه ويؤمن للمؤمنين، يصدق كلام المسلم ويحمله على الصحة، صدّقهم فأذِن لهم، وقال لهم أنتم معذورون، فاللّه تعالى يُعاتبه ويقول « عفا اللّه عنك لِمَ أذِنت لهم حتى يتبين لك  الذين صدقوا وتعلم الكاذبين »، ا ذن ذنبه كان من هذا المستوى، هذا مَثل يلقي الضوء على حقيقة الذنوب التي ينسبها القرآن الى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم وباقي الأنبياء عليهم السلام .

 وآيات اُخرى على أحد تفسيرين وهي قوله تعالى  ( عَبَسَ وتولّى أن جاءهُ الأعمى، وما يدريك لعلّه يزّكى أو يَذّكّر فَتَنفَعه الذكرى )، ولهذه الآيات تفسيران أحدهما - يتبناه إخواننا أهل السنة - والآخر يتبناه الشيعة على الأغلب والتفسير الذي يتبناه الشيعة هو أنّ الضمير لا يرجع الى الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، فقوله « عبس وتولى أن جاءه الاعمى »، ليس له علاقة برسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وا نّما الذي عبس هو شخص آخر، ففي بعض الروايات إنّه عثمان بن عفان، وأنّه كان حاضر المجلس حينما جاء هذا الأعمى، فعبس وتولى وتأذى. هكذا وردت الروايات في تفسير هذه الآيات، وعليه تخرج عن محل الشاهد، لذا فلنغض النظر عن هذا التفسير الذي لا علاقة له برسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  ولنفترض أنّ التفسير الآخر هو الصحيح، وهو أنّ الخطاب موجه الى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وأنّ اللّه تعالى يُعاتب رسوله، لذا ورد في الخبر : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  كان إذا رأى ذلك الأعمى وهو ابن أم مكتوم كان يقول له «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»، لنفترض أنّ هذا هو الصحيح عندئذٍ فلنتأمل شيئاً ما، لنرى ما هو الذنب الذي صدر من رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ؟ فقد جاء في جملة من الروايات: «أنّ عبد اللّه ابن اُمّ مكتوم أتى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  وهو يُناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأبيا واُمية أبني خلف، - وهم صناديد العرب وكانوا مجتمعين عند رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  - حيث كان يدعوهم الى اللّه ويرجو إسلامهم، وفي تلك الأثناء جاء هذا الرجل - ابن اُمّ مكتوم - وكان أعمى ولا يدري من كان عند رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  وبمن كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم  مشغولاً - فقال : يا رسول اللّه أقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه فجعل يناديه - والرسول صلى الله عليه واله وسلم  كان مشغولاً بصناديد العرب يريد أن يهديهم -، ويكرر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  لقطعه كلامه، وقال في نفسه هؤلاء الصناديد سيقولون ا نّما أتباعه العميان والعبيد. فأعرض وأقبل على القوم الذين يُكلّمهم، فنزلت الآيات « عَبس وتولى أن جاءه الأعمى ... ». فلو كان هذا التفسير هو الصحيح، فما هو ذنب الرسول صلى الله عليه واله وسلم ؟ لنلق نظرة على طبيعة الذنب المنسوب إليه صلى الله عليه واله وسلم ، وهل حقاً هو معصية يستحق العقاب عليها.

 كلا، فرسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أراد خيراً، أراد هداية جماعة من عَلِيّة القوم ورجا بذلك هداية ناسٍ كثيرين فأعرض عن هذا الرجل، نعم اللّه تعالى يُريد أن يُؤدّب رسوله ويُريد أن يجعله في أعلى مستوى من الخُلق، وقد رأى أنّ هذا المستوى لا يليق برسوله صلى الله عليه واله وسلم ، المفروض أن يكون الرسول صلى الله عليه واله وسلم  في مستوى أعلى من هذا فعاتبه، فنزلت الآيات وكان رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  بعد ذلك يكرمه وإذا رأه قال مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له هل لك حاجة واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين.

 وسواء أصحّ هذا التفسير أو  ذاك التفسير، وسواء أكان الخطاب موجهاً الى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أو الى شخص آخر؟ الى عثمان أو الى شخص آخر، هناك آيات اُخرى في القرآن الكريم تدُل على أنّ هذا الجو كان يعيشه رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أي أنّها تدل على أنّ رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  كان مبتلى بهذه المشكلة، حيث أنّ الملتفين حوله هم الفقراء والمساكين والمستضعفون، ورسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم كان يطمح في هداية الصناديد كبار القوم، وكان يُعاني من هذه المشكلة بحيث لو اتّجه نحو هؤلاء المساكين، فاُولئك يبتعدون عنه، ورسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  يُريد أن يُقربهم الى الإسلام، ولو اتّجه الى اُولئك فهؤلاء الفقراء يُظلمون، باعتبار أنّ هؤلاء المستضعفين هم المؤمنون حقاً، فمن تلك الآيات قوله تعالى :  ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يُريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شي‏ء وما من حسابك عليهم من شي‏ء فتطردهم فتكون من الظالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا أليس اللّه بأعلم بالشاكرين )، لاحظوا جوَّ الآية، إنّ هناك جماعة يعتبرون أنفسهم الملأ والعِلية من قومهم، وهناك جماعة اُخرى فقراء مستضعفون، هؤلاء المستضعفون كانواملتفين حول رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، والرسول صلى الله عليه واله وسلم ربما كان يخطر على نفسه الشريفة أن يُبعد المستضعفون قليلاً حتى يُقرَّب رؤساء القوم وكبارهم منه لعلّهم يهتدون، لكنَّ اللّه تعالى يقول : لا هؤلاء - الفقراء - فتنة لأولئك الملأ، دعهم يقولون « أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا »، دعهم يقولون هكذا، أليس اللّه أعلم بالشاكرين، اللّه لا ينظر الى من هو الرئيس وزعيم القبيلة وزعيم العشيرة، فإنّ الرئيس والمرؤس عنده تعالى سواء لأنّهم جميعاً عبيده، اللّه ينظر الى من هو الشاكر، والفقراء كانوا هم الشاكرين، ا ذن لا تطردهم يا رسول اللّه « لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يُريدون وجهه ».

 وآية ثالثة تُعطينا نفس الجو، وتدل على أنّ رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  كان يُعاني من هذه المشكلة بين هؤلاء الفقراء وبين أولئك الزعماء الذين كان رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  يطمع في هدايتهم، والآية هي قوله تعالى :  ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يُريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تُريد زينة الحياة الدنيا ولا تُطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتَّبع هواه وكان أمرُهُ فُرُطاً )، « واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » يعني اهتم بهؤلاء الفقراء الذين إلتفوا حولك، «ولا تعدُ عيناك عنهم» أي لا تنظر الى أولئك الكبار الذين يملكون أموالاً وقصوراً.

 وأمّا قوله تعالى « تُريد زينة الحياة الدنيا » فما معناه؟ هل يعني ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه واله وسلم  كان يُريد أن يستفيد فائدة شخصية من زينة الحياة الدنيا، وعندما يُعرض عليه مُلك الدنيا مع بقائه على منزلته من اللّه تعالى يقول : «دعني أجوع يوماً وأشبع يوم»، هل يُريد أن ينتفع من زينة الحياة الدنيا لنفسه؟!، طبعاً لا؟! ا ذن ما معنى قوله  ( تُريد زينة الحياة الدنيا )؟ معناه أنّه كان يُريد أن يُقرّب هؤلاء المترفين لعلهم يهتدون فيأخذ منهم شيئاً من زينة الحياة الدنيا التي عندهم ليُنفقها في مصالح الإسلام وتوسيع نطاق دائرة الدولة الإسلامية وتثبيت أركانها، هذا هو هدف رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  وليس شيئاً آخر ومع ذلك يقول له اللّه تعالى « اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يُريدون وجهه ... ».

 وورد في تفسير هذه الآية المباركة أنّه : «أنّ المؤلّفة قلوبهم جاءوا الى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  عُيينة بن برد والأقرع بن حابس وذووهم جاءوا الى رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وقالوا يا رسول اللّه إن جلست في صدر المجلس ونحّيت عنّا هؤلاء  ( يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين (وروائح صنانهم  (وكانت عليهم جباب الصوف) جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك». فأنزل اللّه تعالى هذه الآية المباركة  ( واتل ما اُوحي إليك من كتاب ربك ... اعتدنا للظالمين ناراً ).

 ومما سبق تبيّن أنّ الذنب الذي كان يصدر من رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، كان من هذا القبيل، وليس هو معصية من المعاصي، بل كان بحد ذاته خلقاً رفيعاً وعملاً صالحاً لرسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  إلّا أنّه وفق قانون  ( حسنات الأبرار سيئات المقربين (كان اللّه تعالى يُريد أن يُؤدِّب رسوله الأكرم صلى الله عليه واله وسلم لكي يكون أرفع خلقاً من هذا الخلق الرفيع الذي يُسميه ذنباً بالنسبة إليه صلى الله عليه واله وسلم .

 وكذلك الحال بالنسبة الى نبيّ اللّه يونس عليه السلام ، فما هو ذنب يونس عليه السلام  الذي يقول اللّه تعالى عنه في القرآن :  ( فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث في بطنه الى يوم يبعثون )، هل أنّ ذنبه كان كبيراً الى هذا الحدِّ بحيث لو لم يكن من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يُبعثون؟ حتّى أنّ كثرة تسبيحه عليه السلام  لم تُعفه ولم تُنجه إلّا من العقاب الطويل، فعُوقب بأدنى من ذلك، فما هو ذنبه؟ وقد ذكر اللّه تعالى ذنبه بقوله :  ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين )، فمعنى قوله  ( ذهب مغاضباً (أنّه تأذّى من قومه الكفّار الذين تعب من أجلهم وأراد أن يهديهم لكنّهم أصرّوا على كفرهم وشركهم ولم يعبدوا اللّه ربهم، فتأذّى وغضب ودعا عليهم وخرج عنهم بعد أن علم بقرب نزول العذاب بقومه، وتقول الروايات أنّ عالماً كان موجوداً لم يوافق يونس عليه السلام  في دعائه على قومه. ومن الواضح أنّ اللّه عزّ وجلّ إن لم يكن يُريد هذا الأمر فإنّه لا يتسجيب له ولا يُهلك قوم يونس عليه السلام ، فهذا الدعاء منه عليه السلام  ليس معصية، « فظن أن لن نقدر عليه » بمعنى لن نُضيّق عليه، مثل قَدَرَ عليه رزقه، أي فظن أن لن نُضيّق عليه « فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين » لاحظوا ما هو الظلم الصادر من هذا النبي؟ الظلم الصادر منه أنّه لم يكن أرحب صدراً مما كان عليه، فهو عليه السلام  وإن صبر سنين لكن كان عليه أن يصبر أكثر، فهذا هو الذنب الصادر منه عليه السلام .

 بعد ذلك يُصبح واضحاً جداً معنى الذنب الذي يُسند الى الأنبياء عليهم السلام ، فإنّه تعبير آخر عمّا يُقال من أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، هذا هو ذنبهم، يعني ما يصدر منهم ويُسمّى ذنباً ويستغفرون منه هو وإن كان حسناً في نفسه لكنّه خلاف الاُولى بهم وبمقامهم العظيم، ورسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  يقول: « إنّه ليغان على قلبي، فأستغفر ربي كل يوم سبعين مرة »، يعني هذه الحسنة التي تصدر منه صلى الله عليه واله وسلم  بالنسبة له سيئة لإنّه من المقربين، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، هذا هو الذي نفهمه من الآيات المباركات.

 ومن هذا النمط أيضاً قصة داود عليه السلام  قال اللّه تعالى:  ( وظنّ داود ا نّما فتنّاه فاستغفر ربه وخرّ راكعاً فغفرنا له ذلك وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب ).

 فماذا كان ذنب داود الذي أوجب ظنه بفتنة اللّه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب؟! قصة داود وبكاءه وتضرعه معروفة ومذكورة في القرآن الكريم بقوله :  ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا الى سواء الصراط ).

 وخلاصة القصة أنّ شخصين أو لعلّهما ملكين كانا بصورة شخصين دخلا على داود عليه السلام  وتظاهرا أنّهما خصمان بغى بعضهما على بعض، وطلبا منه أن يحكم بينهما بالحق ولا يشطط ويهديهما الى سواء الصراط، فعرض أحدهما القصة قائلاً : « إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة وقال أكفلينها وعزني في الخطاب » أي أراد أن يأخذها مني، فقال له داود عليه السلام  « لقد ظلمك » ولكن كان ينبغي لداود وفق قانون القضاء أن يسمع الخصم أيضاً ثم يُطالب المدعي بالبينة فإن لم تكن له بينة فعليه أن يُطالب الخصم باليمين لو أنكر. فغفل عن هذا الأمر ووقع تحت تأثير المدّعي فقال له « لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه » ولعله لم يكن بقوله هذا يُريد القضاء بينهما بل قال - بعنوان تقييم الوضع -: « لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه وإنّ كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم » قال ذلك قبل أن يجري الحكم القضائي. ثمّ التفت داود الى خطئه كما قال اللّه تعالى: « وظن داود أنّما فتنّاه » انتبه داود عليه السلام  الى قوله « ظلمك » الذي لم يكن في محله بل سابق لأوانه، وكان عليه أن يُطالب بالبينة ويجري أحكام القضاء « فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب فغفرنا له ذلك وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب ».

 فعندما نقرأ هذا النمط من الآيات القرآنية التي تتحدث عن صدور أخطاء من الأنبياء عليهم السلام  ونتفحص تلك الأخطاء نرى أنّها ليست ذنوباً بالمعنى المتعارف، وحتى بغض النظر عن آيات العصمة، فهي ليست أخطاء بمستوى المعاصي، بل هي إمّا غفلة كما في قصة داود عليه السلام  أو هي من قبيل  ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ).

 وفي  قصة يوسف عليه السلام ، في السجن وطلبه من صاحبه أن يذكره عند ربّه، فليست الآية صريحة بتخطئة يوسف عليه السلام  إلّا أنّ فيها إشعاراً بالخطأ. تقول الآية الكريمة :  ( وقال للذي ظنّ أنّه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك )أي طلب من أحد السجينين اللذى كان معه في السجن بعد أن أوّل لهما رؤياهما وظن أنّه سينجو من السجن، طلب منه أن يذكره عند الملك ويذكر أمره لعل الملك يعطف عليه ويُفرج عنه « فأنساه الشيطان » فكأنّ الآية ناظرة الى هذا المعنى وهو أنّ لماذا لم يفعل يوسف عليه السلام  كما فعل إبراهيم عليه السلام  عندما أراد قومه أن يوقعوه في النار حيث قال له جبرائيل « ألك حاجة؟ قال : أمّا إليك فلا »لماذا لم يصنع يوسف عليه السلام  هكذا وقال: اذكرني عند ربك « فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ».

 ومن ذلك قول زين العابدين عليه السلام  : « ليت شعري أللشقاء ولدتني اُمي أم للعناء ربّتني فليتها لم تلدني ولم تُربني ».

 فهل الإمام لا يدري أنّه معصوم وأنّه ولد للسعادة لا للشقاء؟! هنا عدة إجابات : منها أنّ هذا كان تعليماً لنا، وهو احتمال وارد لقسم من الأدعية، ولا يمكن تفسير جميع الروايات والأدعية من هذا القبيل بذلك.

 ومنها أنّ العصمة التي كانت لهم عليه السلام  ا نّما نتجت عن هذا الخوف والوجل الشديد وحالة التضرع والخشية المتواجدة فيهم، الخشية من النار من ناحية والتضرع أمام عظمة اللّه جل وعلا من ناحية اُخرى، فهذه الاُمور هي التي عصمتهم وجعلتهم لا يأبهون بمغريات الدنيا ولو اجتمعت أمامهم، ولا يبقى هناك سبب للمعصية.

 فمن غير الصحيح أن نقول أنّ الأئمة عليهم السلام  إذا كانوا معصومين فلماذا يوجلون ويتضرعون ويبكون؟ أوليس هذا التضرع والخشوع هو سبب عصمتهم؟!

 ومنها أنّهم لعلهم كانوا يخافون ويبكون تائبين الى حد الإغماء لأجل ما قد صدر منهم مما يكون بحد ذاته حسنة من الحسنات إلّا أنّه بالنسبة لاُولئك المقربين يُعتبر سيئة.

 وكثيراً ما ورد في القرآن الكريم التعبير بالتوبة أو بالمغفرة وما شابه ذلك فيما لا يكون معصية بالمعنى الذي نفهمه منها، وهذا متعارف في القرآن الكريم، وليس غريباً في لغته.

 فهذه الآية الشريفة تذكر التوبة في القتل فتقول :  ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلّا خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة الى أهله إلّا أن يصدّقوا)  فإن كان من قومٍ عدوٍ لكم (أي من الكافرين كالمسيحيين واليهود  ( وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة (وهنا تسقط الدية عن القاتل لأنّها ا نّما تُعطى لأهل المقتول، وهم هنا كفّار لا يستحقونها، فلا يبقى إلّا  ( تحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق (يعني أنّهم كانوا كفّاراً إلّا أنّ بينهم وبين المسلمين ميثاقاً كالذمّيين والمعاهدين، فلا بدَّ من الوفاء بذمتهم وعهدهم فعندئذٍ  ( فدية مسلمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من اللّه ).

 فالقاتل كان عليه أن يفعل ذلك كي يتوب اللّه عليه، بينما نحن نعلم أنّه لم تصدر منه معصية يستحق العقاب عليها فهو قتل خطأ، والقتل الخطأ غير المقصود ليس بمعصية.

 وقد يقال أنّ هناك آيات قرآنية اُخرى قد يصعب توجيهها فهي تدل نوعاً ما على صدور ذنب من بعض الأنبياء الكرام، كقوله تعالى في معصية يوسف عليه السلام  :  ( ولقد همّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه )، وإذا أردنا بحث هذه الآية علينا أن نلحظ مجموع الآيات الواردة في ذلك الموقف فنقرأ قوله تعالى :  ( ولمّا بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ اللّه إنّه ربّي أحسن مثواي إنّه لا يفلح الظالمون، ولقد همّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ا نّه كان من عبادنا المخلصين ).

 إنّ عبارة « بلغ أشده » في القرآن الكريم وردت بمعنيين :

 المعنى الأول : بلوغ سن التكليف كقوله تعالى :  ( ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده )أي يبلغ سن التكليف والرشد.

 المعنى الثاني : هو بلوغ سن الأربعين، حيث أنّ الإنسان في ذلك السن يبلغ عادة آخر مدارج كماله من ناحية القوة والمزاج ثم ينتقل بعده الى النقص، أو أنّه يتوقّف في سن الأربعين حتى الخمسين ثم يبدأ بالنقص بعد الخمسين يوماً بعد آخر، وهذا المعنى الثاني ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:  ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي ).

 أمّا ما ورد في قصة يوسف عليه السلام  من قوله تعالى « ولمّا بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين » فهو في أغلب الظن بالمعنى الأوّل، أي بلغ سن التكليف بقرينة قوله تعالى « وراودته التي هو في بيتها » فهي لا تنتظر أن يبلغ أربعين سنة حتى تراوده عن نفسه، بل كان ذلك - كما في العادة - في أول شبابه وبلوغه سن التكليف.

 وهذا يدل أيضاً على أنّ يوسف عليه السلام  قد بلغ مرتبة النبوة بل المرتبة الأعلى منها - وهي مرتبة الحكم - في أوائل سن التكليف أي أنّه لم يكن مجرد نبي يُوحى إليه، ورسول يُبلغ الحكم الإلهي بل كان في مرتبة أعلى من مرتبة النبوة والرسالة وهي مرتبة الحكم أو مرتبة الإمامة، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن يوسف عليه السلام  كان من أول بلوغه سن التكليف نبياً ورسولاً وا ماماً وحاكماً، فإن كان بالإمكان الشك في عصمة الأنبياء والأئمة قبل النبوة وقبل الإمامة واحتملنا صدور الخطأ والمعصية منهم في تلك المرحلة فا نّنا لا نحتمل ذلك لمن هو نبي أو ا مام بالفعل بالغاً مرتبة الحكم والإمامة.

 إلّا أنّ إخواننا العامّه يُعطون الخلافة والإمامة معنىً باهتاً فيُجوِّزون أن يكون الخليفة فاسقاً ومع ذلك  هو خليفة المسلمين، أمّا في مدرستنا مدرسة أهل البيت عليهم السلام   فلو احتمل أحدٌ أنّ النبي أو الإمام يمكن أن يعصي قبل بلوغه هذه المرتبة وهذا المقام فلا يحتمل أبداً أنّه يعصي حينما يكون متلبساً بهذا المقام، فمن غير المعقول أن يزني أو يهم بالزنا من جعله اللّه حاكماً وا ماماً حاملاً لعهده تعالى، فلا بدّ من تفسير آخر لقوله تعالى:« ولقد همت به وهم بها » ولو لم يرد في صدر الآية أنّ يوسف عليه السلام  بلغ مستوى الحكم لأمكن لقائل أن يقول أنّ يوسف عليه السلام  لم يكن نبياً في أوائل بلوغه ولا ا ماماً عندما هّمت به وهمّ بها، ثمّ أصبح نبياً وا ماماً، إلّا أنّ الآية ظاهرة في أنّ وقوع القصة والحادثة كان بعد إمامته لقوله : « آتيناه حكماً وعلماً ».

 ولقد وردت عدة تفاسير لتلك الآية في روايات الأئمة المعصومين عليهم السلام  كما عن الإمام الرضا عليه السلام أنّها همّت به لأجل الزنا وهمَّ بها ليقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله حيث تقول الآية بعد ذلك: « كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء » فالسوء بمعنى القتل والفحشاء بمعنى الزنا أي لنصرف عنه القتل والفحشاء، فعلى هذا التفسير لا يكون همّه بها للزنا وا نّما لقتلها تخلّصاً منها.

 وفي رواية اُخرى أنّ همّه بها كان موقوفاً على عدم رؤيته برهان ربّه أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها كما همّت به ولكن برؤيته له لم يهمَّ بها.

 وهناك احتمالات تفسيرية اُخرى بهذا الصدد من قبيل أن نقول إنّ أصل الهمِّ هل هو معصية أم لا؟ أنّه لا يعدوا أن يكون خاطراً يطرق القلب واشتياقاً نفسياً، وهذا الشوق والميل الخارج عن الاختيار لا يكون له مقام الفعل والعمل الاختياري الذي تكون المحاسبة عليه ويكون ظلماً، والآية لم تدل على صدور بعض المقدمات من يوسف عليه السلام .

 وإن كانت بعض الروايات الواردة عن غير طريق أهل البيت عليهم السلام  تشير الى شي‏ء من ذلك، أمّا روايات أهل البيت عليهم السلام  فخالية منها تماماً، ونفس عبارة « همَّ بها » لا تدل على صدور بعض المقدمات بل تدل على حصول ميلٍ نفسي، وهو - كما قلنا - خارج عن القدرة ولا يخضع للتكليف.

 ومن الآيات التي يصعب توجيهها شيئاً ما قوله تعالى :  ( وعصى آدم ربه فغوى )وقوله تعالى :  ( ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً ).

 ففي هذه الآيات ما يدل على نفي العصمة عن آدم عليه السلام  والتي ثبتت بقوله تعالى : « لا ينال عهدي الظالمين » فنقول إنّ آدم عليه السلام  ظلم نفسه وعصى ربه فغوى، أو نسي ولم يكن له عزماً.

 وللجواب على ذلك طريقان :

 الطريق الأول : أن ننكر أنّ آدم عليه السلام  قد صدرت منه معصية عمدية بقرينة قوله تعالى :  ( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنّي لكم من الناصحين ). ففي إحدى الروايات أنّ آدم وحواء لم يكونا يعرفان الى ذلك الوقت أنّ من المعقول والممكن أن يحلف شخص باللّه تعالى كاذباً ولم يخطر ذلك ببالهم أبداً، فاستطاع الشيطان أن يُقنعهما أنّ النهي الإلهي الصادر لم يكن نهياً مولوياً واجب الطاعة وا نّما كان نهياً إرشادياً باعتبار أنّ اللّه تبارك وتعالى ا نّما خلق آدم لكي يكون خليفة على وجه الأرض لا أن يبقى في الجنة.

 كما في قوله تعالى :  ( إنّي جاعل في الأرض خليفة )فلم يقُل إنّي جاعل في الجنة خليفة، بل خلقه للأرض من أول الأمر، فكأنّما أراد ابليس أن يُفهِمَ آدم وحواء بأنّ اللّه عز وجل ا نّما نهاكما عن أكل هذه الشجرة نهياً إرشادياً لا نهياً تحريمياً أو مولوياً يصدر من مولى لعبده، بل ليُبيّن لكما طريق الخروج من الجنة والانحدار الى الأرض، فإن كنتما تحبان البقاء في الجنة كملكين، فكلا من هذه الشجرة « قال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلّا أن تكونا ملكين » فلو أكلتما من الشجرة فستصبحان خالدين فيها ولا تخرجان منها وتكونان من ملائكتها « فقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين ».

 وكما في الرواية المشار إليها إنّ آدم وحواء لم يكونا يتوقعان أن يجرأ أحدٌ على الحلف باللّه كذباً فاقتنعا بكلامه وأكلا.

 فلو صحَّ هذا التفسير والتوجيه لم يكن آدم عليه السلام  قد خالف نهياً يعتقد أنّه نهي تشريع، ونهي مولى لعبده، وا نّما كان يعتقد أنّه نهي إرشاد، وهذه أيضاً معصية، لإنّ المعصية لغة المخالفة، وعصى بمعنى خالف، فقوله تعالى « وعصى آدم ربه» بمعنى خالف آدم ربه، وحتى المريض لو خالف الطبيب لقلنا عنه أنّه عصى الطبيب رغم إنّ أمر الطبيب أمر إرشادي وليس أمراً مولوياً تجب طاعته، فمخالفة آدم النهي الإلهي كان معصية إلّا أنّها ليست بالمعنى المصطلح عليه شرعاً وما يستحق عليه العقاب.

 الطريق الثاني : ما ورد في الروايات  من أنّ هذه المعصية ا نّما صدرت من آدم وآدم لم يكن نبياً حينها ا نّما أصبح نبياً أو خليفة في الأرض بعد ذلك. وما كانت معصية سوى صغيرة من الصغائر ومثلها موهوبة للأنبياء قبل نبوّتهم، كما ورد في بعض النصوص.

 فإن أردنا التسليم بهذه النصوص والعمل وفقها فعندئذٍ سنقول بالتفصيل والتفريق بين مقام النبوة ومقام الإمامة، باعتبار أنّ آدم عليه السلام  لم ترد بشانه آية ولا رواية تقول أنّه كان بمستوى الإمامة كما هو الحال في إبراهيم عليه السلام « قال إنّي جاعلك للناس ا ماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين » فيكون المقصود بقوله « لا ينال عهدي الظالمين » هو عهد الإمامة وليس مجرد النبوة المستلزمة للوحي فقط، بل عهد الإمامة الذي يستلزم عصمة صاحبه حتى قبل إمامته عن كل صغيرة وكبيرة.

 فا براهيم عليه السلام  لم تصدر منه أي معصية حتى الصغيرة، كما يُستدل على ذلك بقوله تعالى « إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتهمن » أي لم تصدر منه أي مخالفة وعندها استحق مقام الإمامة فقال له تعالى « إنّي جاعلك للناس ا ماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين » أي أنّ الإمامة لا تُعطى لإنسان صدر منه أي ظلم، ولو بمستوى المعصية الصغيرة قبل الإمامة.

 أمّا بالنسبة الى النبوة المجردة، فبحسب بعض الرويات التي لا تصلح لدينا سنداً قد تصدر الصغائر الموهوبة من الأنبياء قبل نبوتهم.

 وبالمقارنة بين الطريق الأوّل والطريق الثاني نجد أنّ المنهج والتفسير الأوّل هو الأوفق لما ذهب إليه علماؤنا  ( رضوان اللّه تعالى عليهم (من أنّ هذه المعصية لآدم لم تكن معصية ولا صغيرة.

 وهناك بعض الآيات التي يظهر منها خلاف  العصمة للأنبياء عليه السلام  تركناها في بحثنا هذا لإنّ الجواب  عنها واضح كل الوضوح كقوله تعالى:  ( إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ).

 فقد تُذكر هذه الآية بعنوان صدور الذنب عن النبي صلى الله عليه واله وسلم  إلّا أنّها واضحة في كونها أجنبية عن المقام، فالذنب في هذه الآية لا يُقصد به المعصية، إذ لا علاقة له بالفتح، يقول تعالى « إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً » بفتح مكة أو فتح العالم أو فتح باب السلطة على الناس، فأي علاقة لذلك بمغفرة الذنب، فيكون المقصود من قوله « ليغفر لك ما ما تقدّم من ذنبك » الذنوب التي كانت له أمام الناس حيث كانوا يعُدون عليه الذنوب أمّا حين انتصر عليهم فسيتحول حديث الناس وستتحول هذه الذنوب الى حسنات في نظرهم كما هوالمشروح في بعض الكتب.

 وأيضاً قوله تعالى :  ( ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى () ه « وجدك ضالاً » لا يدل على أنّ النبي صلى الله عليه واله وسلم  كان قد صدرت منه المعاصي قبل النبوة، ا نّما المقصود هو الإشارة الى مستوى الهداية التي وصل إليها النبي صلى الله عليه واله وسلم  لو قسنا بينها قبل نزول الوحي وبعد نزوله، فهو قبل الوحي لم يكن يملك ذاك المستوى من الإيمان الذي فهمه بالوحي، كما تقول الآية الكريمة :  ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان )ا نّما بلغ ما بلغ من مستوى بالوحي والذي نزل عليه بعد سن الأربعين فوجدك ضالاً بالنسبة لهذا المستوى الرفيع من الإيمان والعلم والمعرفة التي نزلت عليه بالوحي، ولا يعني ذلك صدور معصية منه قبله.

 وأيضاً قوله تعالى :  ( ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإنّ مع العُسر يُسراً إنّ مع العُسر يُسراً ).

 قد يقول القائل أنّ قوله تعالى: « وضعنا عنك وزرك » والوزر بمعنى المعصية، يدل على  صدور المعصية منه صلى الله عليه واله وسلم ، وهي معصية ليست صغيرة بدلالة قوله « الذي أنقض ظهرك » فلا بدّ أن تكون من جنس المعصية الكبيرة التي تنقض ظهر الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، ولكنّ الوزر لا يعني المعصية بل يعني لغةً الحمل الثقيل، وا نّما سُمّيت المعصية وزراً بمناسبة أنّها حمل يكون على ظهر ابن آدم حتى يرد ساحة الحساب يوم القيامة، فالوزر لا يعني المعصية وا نّما الحمل « ووضعنا عنك وزرك » أي الحمل الثقيل الذي أنقض ظهرك، فأكبر الظن أنّ المقصود به أعباء هداية الناس، وهذه الآية على ما يبدو من ظاهرها واردة في أواخر أيام الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وليست في أوائل أيامه صلى الله عليه واله وسلم  بقرينة قوله « ورفعنا لك ذكرك » هذا الرفع للذكر لم يكن في أوائل أيامه صلى الله عليه واله وسلم ، بل كان العكس معاداة الناس وأذاهم له، ثم رفع اللّه له ذكره بالتدريج حتى كانت أواخر أيامه حيث وفقه اللّه تعالى لهداية المجتمع الذي كان يعيش فيه، ووضع عنه عب هدايتهم الذي أنقض ظهره وما أثقله من عب!.

 الى هنا قد اتضح لنا أنّ عصمة من جعله اللّه تعالى للناس ا ماماً عن الذنب  أمر ثابت في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام .

 كما أنّ الآيات التي تكون ظاهرة في نسبة الذنب الى بعض الأنبياء عليهم السلام ، بل الى بعض اُولي العزم منهم، وحتى الى شخص الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ، قد اتضح أنّها تتحدث عن حسنات الأبرار التي هي سيئات المقربين، وليست هي الذنوب التي يترتب عليها العقاب، بل هي من باب ترك الأولى.

 ومن المؤسف أنّنا نجد بعض الروايات القليلة في كتب الشيعة فضلاً عن كتب أهل السنة تحمل روحاً مخالفة لذلك، وهي روايات ينبغي أن نضرب بها عرض الحائط، كما أمرنا بذلك أئمّتنا عليهم السلام ، حين قالوا إنّ كل رواية تخالف كتاب اللّه عز وجل يجب أن تضرب عرض الحائط ويُقطع بكذبها، وأن يعلم أنّ هناك من أخطأ في روايتها على خلاف ما كانت عليه، أو تعمّد التحريف، فليس من شأنهم أن يصدر عنهم خلاف الكتاب الكريم، الذي هو كتاب اللّه الصامت، وهم كتاب اللّه الناطق.

 وما ورد من قول المعصوم « ما خالف قول ربنا لم نقله »، لا يعني نفي المعارضة للنص القرآني الصريح فحسب، كأن يامر القرآن الكريم بالصلاة وترد عنهم رواية تنهى عنها، فهكذا خلاف لا يرد عادة، وليس هناك كذّاب يضع الحديث عنهم يجرأ أن يكذب بهذا الوضوح بل المراد بقوله عليه السلام  « ما خالف  ربنا لم نقله » كل انواع المخالفة سواء نصاً أو مضموناً وروحاً، فكل ما خالف روح القرآن الكريم والمعنى العام المفهوم من مجموع  الآيات الشريفة لم نقله.

 ولنذكر لذلك مثالاً يتعلّق بعصمة الأنبياء عليهم السلام ، حيث ورد في تفسير القمي  ( تفسير علي بن إبراهيم القمي ج    (9في قصة داود « وظنّ داود أنّما فتناه » «أنّه نادى ربه فقال « يا رب قد انعمت على الأنبياء بما اثنيت عليهم ولم تثنِ عليَّ، فأوحى اللّه عز وجل إليه، عبادٌ ابتليتهم فصبروا وأنا اثني عليهم بذلك ».

 فقال يا رب فابتلني حتى أصبر، فعيّن اللّه تعالى له يوماً للبلاء والامتحان. فلمّا كان اليوم الذي وعده اللّه عز وجل اشتدت عبادته، وخلا في محرابه، وحجب الناس عن نفسه، وبينما هو يصلي، إذا بطائر قد وقع بين يديه، جناحاه من زبرجد أخضر ورجلاه من ياقوت أحمر ورأسه ومنقاره من اللؤلؤ والزبرجد، فأعجبه كثيراً، ونسي ما كان فيه، فقام ليأخذه فطار الطائر فوقع على حائط بين داود واوريا بن حنان وكان داود قد بعث اوريا في بعث، فصعد داود ليأخذ الطير، فإذا إمرأة جالسة تغتسل، فلمّا رأت ظل داود نشرت شعرها وغطّت به بدنها ثم رجع داود الى محرابه مفتتناً به». ولا تكتفي هذه الرواية بنسبة العمل القبيح الى داود عليه السلام  بل تذكر ما هو أعظم من ذلك حيث تقول إنّه أخذ يفكر بتحقيق غرضه الشهواني، فماذا يصنع واوريا كان قد ذهب الى الجهاد والقتال في سبيل اللّه بأمره هو؟!.

 لقد كان مع الجيش وقتئذٍ تابوت السكينة، وكان هذا التابوت يُجعل أمام جيش بني اسرائيل فيغلب جيش الكفر، وكل من يتقدّم التابوت يُقتل ومن يتأخّر عنه ينجو ويسلم من القتل.

 فكتب داود الى صاحبه الذي بعثه أن ضع التابوت بينك وبين عدوك وقدّم اوريا بين يدي التابوت، فقدّمه فقُتل. وكان لداود تسع وتسعون زوجة، وهنا جاءت قصة الملكين اللذين تمثّلا بمثال بشرين، وبدءا بالتخاصم بينهما، فقال أحدهما : إنّ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وطلب مني نعجتي الى نعاجه.. فضحك المستعدي عليه وقال : قد حكم الرجل على نفسه.

 فقال داود : «أتضحك وقد عصيت، لقد هممت أن اُهشمَّ فاك، فقال الملك المستعدى عليه لو علم داود أنّه أحقّ بهشم فيه مني، ففهم داود عليه السلام  الأمر وذكر الخطيئة، وعرف أنّها كانت إشارة الى قصته، فهو الذي كان يملك تسع وتسعين زوجة وأخذ زوجة اوريا.

 ولكن أين هذه الرواية وأين قوله تعالى « لا ينال عهدي الظالمين » وحتى لو لم نؤمن - لا سمح اللّه - بعصمة الأنبياء والأئمة وافترضنا أنّ الذنب الصغير يمكن أن يصدر منهم قبل النبوة وقبل الوحي، ولكن كيف نقبل أنّه نبي وخليفة وا مام ثم يصدر منه هذا النوع من المعاصي الكبيرة التي تهتز لها السماوات والأرض؟ فهذا أمر غير مقبول أبداً وينبغي طرح ورفض هكذا روايات.

 وهنا لا بدّ أن نعتبر بما ورد عنهم عليهم السلام  فنقول : لئن كان نبي من الأنبياء كيونس عليه السلام  قد افنى عمره في سبيل اللّه وهداية الخلق الى عبادة اللّه تبارك وتعالى، وجلب مرضاته، ولم يصدر منه ذنب إلّا  (ترك أولى)، حين ضاق صدره ودعا على قومه لما رأى من كفرهم وعتوهم وكان ينبغي منه سعة الصدر والصبر، فكان عقاب اللّه عز وجل حيث يقول: « لولا أنّه كان من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يُبعثون ».

 ا ذن ما حالنا نحن؟!! وما موقفنا أمام اللّه تبارك وتعالى؟!.

 ا نّ نبياً من الأنبياء لم تصدر منه معصية بل  (ترك أولى) عاقبه اللّه عز وجل بهذا العقاب الشديد، ا ذن ماذا نستحق نحن من عقاب في الدنيا وفي الآخرة على ما صدر منا من ذنوب صريحة، ومعاصي كبيرة وصغيرة، ومما لا يُحصيه إلّا اللّه تبارك وتعالى، وكل ذلك سنراه كما قال تعالى : « من يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ».

 نحن نعلم أنّ ذلك الحساب الدقيق الذي حاسب اللّه به يونس سوف لا نحاسب به، فإنّ اللّه عز وجل يغفر لنا من الخطايا والذنوب ومن صغائر أعمالنا، فليس حالنا حال يونس عليه السلام ، وما فعله اللّه بيونس كان تأديباً لنبي من أنبيائه بلحاظ مستوى النبوة، وهذا الفارق لا يوجب سرورنا بل يكشف عن قلة قدرنا، وصغر خطرنا، وخسة أمرنا، فنحن لا نستحق هذا التأديب، وهذا الرعاية الدقيقة الكاشفة عن علوّ قدر المؤدّب بها، وشدة الاعتزاز به، فأنت تحرص على تأديب ولدك أكثر من حرصك على تأديب صبي عابر وذلك لأنّ ابنك أعزّ لديك وأحب إليك. إنّ يونس عليه السلام  كان من الأجلاء عند اللّه تبارك وتعالى، وعزيزاً عليه، فلا يتركه على خطأ ولو كان  ( ترك أولى )، أمّا نحن فنعصي اللّه ليل نهار دون أن يعاقبنا مباشرة، فهذا السكوت عنا كاشف عن قلة قدرنا، وهذا لطف من اللّه بنا ورعاية لحالنا أيضاً حيث أنّنا لا نتحمل أكثر من ذلك.

 إنّ اللّه عز وجل لو أحبَّ مؤمناً فهو يعاقبه وينبّهه حين صدور الزلة منه فوراً، ويوجب له عثرة تكون في طريقه كي ينتبه ويرتدع عن خطئه ومعصيته.

 هناك اُمور أربعة تؤثّر في الارتداع عن الذنوب والمعاصي وردت في القرآن الكريم والروايات.

 الأمر الأوّل  ( العذاب):

 عذاب يوم القيامة الذي لا تقوم له السموات والأرض، نار جهنم، أعاذنا اللّه منها، وقد ورد في وصفها أنّ نار الدنيا هي جزء من سبعين جزء من نار جهنم وأنّها غُسلت سبعين مرة بماء الجنة ثم اُنزلت الى الدنيا، ونحن نعرف أنّ عذاب النار في الدنيا هو أشد أنواع العذاب، أمّا ما يقوم به الطواغيت من تعذيب سجنائهم بألوان العذاب الاُخرى فليس لأنّها أشد من النار، بل لأنّ التعذيب بالنار قد يؤدي الى قتل السجين بسرعة  فلا يصلون الى مآربهم وينتهي التعذيب، أمّا عذاب اللّه تبارك وتعالى بالنار يوم القيامة فيقول عنه  ( كلّما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها )وهذا أشد العذاب، وهو يكفينا ردعاً عن الذنوب والمعاصي، أعاذنا اللّه تعالى من كل ذلك.

 الأمر الثاني  (الجنة ومراتبها):

 وقد قارن اللّه عز وجل في قرآنه الكريم بين وضع الآخرة ووضع الدنيا فقال :  ( اُنظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض )أي كانت الفوارق في الدنيا كبيرة بين إنسان وإنسان آخر من حيث النِعم الدنيوية، فهذا يصعب عليه تحصيل الخبز وذاك الى جنبه يملك القصور والأموال وما لا يحصى من النِعم - ونحن هنا لا نتكلم عن الجانب التشريعي لهذا التفاوت وهل هو مقبول أو مرفوض، وا نّما الحديث عمّا هو قائم فعلاً ولو نتيجةَ ظلم الظالمين -.

 ثم يقول اللّه تعالى  (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ).

 فالفارق بين المؤمنين وهم في الجنة سيكون أكبر وأكبر من الفوارق المعهودة في الدنيا بين الناس، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

 الأمر الثالث  ( الابتعاد عن رحمة اللّه ورضاه):

 وهو أعظم عند أهله من عذاب النار، وما هي إلّا صورة من صور الغضب الإلهي، والخشية منه هي التي تردع أولياء اللّه من الذنوب والمعاصي، فغضب اللّه عز وجل أعظم من النار يقول أمير المؤمنين عليه السلام  كما في دعاء كميل « هبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك » أي فراق اللّه ورحمته وهو أصعب وأشد عند أمير المؤمنين عليه السلام  من عذاب النار.

 الأمر الرابع  (التنبيهات الدنيويّة):

 من قبيل ما ورد بشأن يونس عليه السلام  من تنبيهه بإلقائه في بطن الحوت، ومن قبيل قوله سبحانه وتعالى:  (ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى).