القسم الرابع

الولاية التكوينية للمعصوم عليه السلام

 قد انتهينا من الحديث عن الولاية التشريعيّة وهي الولاية المستفادة من قوله تعالى:  ( وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُهُ بكلماتٍ فأتمّهن قال إني جاعلك للناس ا ماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ).

 فهذه الآية المباركة تدلّ - كما تقدم البحث عنها - على ما يسمّى بالولاية التشريعية، فالإمام هو الذي يؤتمَّ به فقوله تعالى «إني جاعلك للناس اماماً» يعني إني جاعلك مقتدى للاُمة، ألا وأنّ لكل مأموم ا ماماً يقتدي به ويستضي بنور علمه.

 فالإمامة تعني الولاية وتعني وجوب الطاعة ووجوب الالتزام بما يأمر وينهى، وهذا هو معنى الولاية التشريعية، وهي ثابتة للإمام عليه السلام ، والآن نريد أن نبحث القسم الآخر من الولاية الذي قد يُدّعى للإمام عليه السلام ، وهو ما سُمي بالولاية التكوينية.

 إنّ الولاية في جانب التشريع مصطلح قرآني، وارد في القرآن الكريم، ووارد في السنّة أيضاً، لقوله تعالى : « النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم » فهذه ولاية تشريعية، أي يجب على المؤمنين أن يتّبعوا النبي لو أمرهم بأي أمرٍ، فهو أولى بهم من أنفسهم، فكما أنّ الإنسان ولي نفسه، له الحق في أن يتصرّف بالشكل الذي يحلو له ما لم يخرج من دائرة الشريعة، فكذلك النبيُّ أولى به من نفسه، وعليه أن يطيع النبي.

 أمّا في السنّه الشريفة، فقوله صلى الله عليه واله وسلم  : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه ».

 حيث اعطى الولاية التشريعية لعلي عليه السلام ، أي أنّ علياً كنفس رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، يجب على المسلمين أن يتّبعوه كما كان يجب عليهم أن يتّبعوا الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم .

 أمّا عنوان  الولاية التكوينية، فأنا لم أره لا في القرآن الكريم ولا في الأحاديث الشريفة، ا نّما هو مصطلح متأخّر جاء على لسان بعض علمائنا الأعلام رضوان اللّه تعالى عليهم في زمن متأخر، ولهذا لا نستطيع أن نبحث عن معنى هذه الكلمة في الكتاب والسنة، فهي لم ترد فيها ا نّما وردت على لسان قسم من علمائنا الكبار.

 

 إدارة العالم والعلاقة بين الخالق والمخلوق

 وقبل أن نبحث الولاية التكوينية للأئمة، والتي تتلخص في الحقيقة في معنى أنّ اللّه تبارك وتعالى كأنّما قد فوّض للأئمة عليهم السلام  - بمستوى من مستويات التفويض -، أمر إدارة العالم إليهم، نشير الى العلاقة بين الخالق والمخلوق، بين اللّه تبارك وتعالى وإدارة العالم الذي خلقه، ثم ننتقل من هذا الارتباط الموجود بين اللّه تبارك وتعالى وبين خلقه أو العالم المخلوق له ألى موضوع الأئمة وعلاقتهم بالعالم.

 فعلاقة الإدارة مثلاً، هل رُبطت بالإمام المعصوم، وهل أنّ اللّه تعالى وهبها للإمام المعصوم أم لا؟

 إنّ سير الاُمور، وسير الأحداث دائماً - فلسفياً وعقلياً - لا يخلو عن أن يكون خاضعاً لأحد مبدأين :

 الأول : مبدأ العليّة، وهو الذي يُسيّر الحوادث، أي أنّ الأحداث تتكرر وتتغير وتتحرك وتتبدل وفق عللها، وهذا ما قال به الفلاسفة العقليون الذين آمنوا بضرورة العليّة وبحجّة أنّ الشي الممكن - المسمى بممكن الوجود - نسبته الى الوجود والعدم على حد سواء، فلا يمكن أن يرجح جانب الوجود فيه إلّا بعلّة، إذ لو لم تكن هناك علّة، ا ذن كان ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ترجيحاً بلا مرجّح وهو مستحيل على حدّ قول الفلاسفة، ولا نريد أن ندخل في صميم البحث الفلسفي، حيث تعلمون أنّ الفلاسفة الماديين الجدد أنكروا مبدأ العليّة، ولم يؤمنوا إلّا بمبدأ التقارن، أي تقارن شي‏ء بشي، كاقتران النار بالاحتراق، واقتران حركة المفتاح بانفتاح الباب، وما شابه ذلك من دون أن يؤمنوا برابطة العليّة بين النار والاحتراق أو بين حركة المفتاح وانفتاح الباب، وافترضوا رابطة العليّة هذه شيئاً غيبيّاً لا يمكن أن يخضع للتجربة، وبما أنّ الفلاسفة الماديين هم تجريبيون يؤمنون بأنّ مصدر المعرفة هو التجربة، والتجربة لا تستطيع أن تكشف مبدأ العليّة، لذا انكروا هذا المبدأ، وقالوا : أنّ سير الاُمور لا يكون إلّا بحفنة من التقارنات والصدف.

 ولاُستاذنا الشهيد الصدر رضوان اللّه تعالى عليه في هذه المسألة بحث مفصل وطريف وممتع في كتابه الاُسس المنطقية للاستقراء، يقول فيه إنّ إيماننا بمبدأ العليّة لا يقوم على أساس المباني الفلسفية العقلية التي تقول باستحالة الترجيح بلا مرجّح، وأنّ الممكن نسبته الى الوجود والى العدم على حدّ سواء، فلا بدّ ا ذن من علةٍ كي تترجح كفة الوجود على كفة العدم، بل نضيف الى ما قاله الفلاسفة العقليون بأنّ التجربة لوحدها أيضاً كافية لإثبات مبدأ العليّة خلافاً للفلاسفة المحدثين الذين قالوا إنّ العلية لا تثبت بالتجربة، وهذا له بحث مفصل وعميق لا مجال لشرحه هنا، وإجمال قوله  ( رضوان اللّه عليه) هو : أنّنا حينما نكرر إيجاد شي‏ء ونرى نتيجةً تقترن مع ذاك الشي، كما في تكرار إيجاد النار واقتران الاحتراق بها مثلاً، نستكشف من هذا التكرار والتعدد بحساب الاحتمالات، نقطة مشتركة ثابتة في كل هذه الأعداد من التجربة، هي العنصر المشترك بين هذه التجارب العديدة، وليس هذا العنصر المشترك إلّا العليّة، إذ لولا أنّ النار علّة للاحتراق، لكان هذا التكرار مجرد تجمع صدف ومن دون وجود نقطة مشتركة فيما بينها، وهذا مستبعد جداً بضرب القيم الاحتماليّة بعضها في بعض. هذا أحد المبدأين اللذين بالإمكان افتراض سير هذا العالم والأحداث التي نراها على أساس أحديهما.

 والمبدأ الثاني الذي يمكن افتراض قيام العالم على أساسه هو مبدأ السلطة والقدرة والسلطنة، وهذا ما اعتقده اُستاذنا الشهيد رحمه الله  مبدأً لظهور العالم، فإيجاد اللّه سبحانه وتعالى للعالم ليس بالعلية، فإنّ العلية أمر يَستبطن استحالة الانفكاك بين العلة والمعلول وهذا بدوره يستبطن الجبر، أمّا اللّه تبارك وتعالى فهو يفعل ما يشاء وفق إرادته ووفق قدرته وسلطنته، والقدرة شي‏ء والعلية شي‏ء آخر، والفارق بين القدرة والعليّة أمر مبرهن في محله، وفي الجملة، لا شكّ أنّنا نحسّ في وجداننا بالفارق بينهما فهناك فرق - كما مثّل العلماء - بين حركة الحجر الذي يسقطونه من الأعلى وبين حركة الإنسان وهو ينزل من الدرج، هاتان حركتان: حركة الإنسان وهو ينزل من الأعلى الى الأسفل وحركة الحجر أيضاً حينما ينزل من الأعلى الى الأسفل، لكن الوجدان يحكم بفارق جوهري بينهما، ويعتقد كثير من العلماء أنّ الفارق بينهما هو عبارة عن الإرادة، فالحجر لا يمتلك الإرادة، بينما يملكها الإنسان، فالحجر ينزل من الأعلى الى الأسفل بلا إرادة، بلا شوق بلا حب، بلا اختيار، أمّا الإنسان فإنّه ينزل من الإعلى الى الأسفل بإرادة وشوق وعلى هذا الأساس امتاز مبدأ الجبر عن مبدأ الاختيار، واُستاذنا الشهيد آية اللّه العظمى السيّد محمّد باقر الصدر  (رض) يرى أنّه لا يُكتفى بهذا المقدار من الفارق، لأنّه لا يحقق الاختيار ولا يخرجنا من عالم الجبر، فأيُّ فرق بين ما يصدر من الإنسان - في حالة الوجل من حركات غير اختيارية - وبين ما يصدر من إنسان آخر اعترتُهُ حالة الشوق، فلو كان الأمر كما قالوا، وأنّ الإرادة تعني أن تعتري الإنسان حالة الشوق والرغبة الأكيدة فيصدر منه العمل الذي اشتاق إليه قهراً، فلا فرق - إذاً - بين ما يصدر من الإنسان في حالة الشوق أو حالة الوجل أو حالة الخجل، أو سائر الحالات فمجرد أنّ هذا شوق ومحبة ورغبة لا يجعل هذا العمل اختيارياً.

 إنّ المائز والمقياس الحقيقي الذي يفصل بين الجبر والاختيار هو مسألة السلطنة والقدرة وليس مسألة الشوق، ولا يعني هذا الاستغناء عن الشوق والإرادة، فهذا مما لا بدّ منه،فإنّ الشوق يلازم الاختيار، والإنسان المختار لا يعمل شيئاً إلّا بالشوق والاختيار، إلّا أنّ الشوق ليس هو الذي جعل هذا العمل اختيارياً، لو لم يكن الى جانبه القدرة والسطنة التي تعني أنّه يستطيع أن يفعل ويستطيع أن لا يفعل.

 ولاُستاذنا الشهيد  (رض) رأي آخر طرحه على مستوى الافتراض والاحتمال لا الجزم واليقين بعد أن كتب الاُسس المنطقية للاستقراء.

 يقول فيه : إنّنا نفترض أنّ مبدأ العلية بالمعنى الفسلفي لا وجود له في العالم، وهذا احتمال لا دليل لدينا يمنعنا عن ذلك أو يبطله، فمن المحتمل أنّ كل ما نراه يعود الى مبدأ السلطنة والقدرة وإرادة اللّه تبارك وتعالى، وحتى ما نراه من أنّ النار تحرق، فإنّ التفكير الفسلفي الاعتيادي المتعارف يقول إنّ النار علة للإحراق.

 إنّ اللّه تعالى خلق العلة وهي النار مثلاً، أمّا عليّتها فهي ذاتيّة لها ولكن توجد الى جانب ذلك فرضية اُخرى معقولة أيضاً وهي أن تكون قد اقتضت الحكمة الربانيّة أن يخلق اللّه تعالى دائماً الإحراق متى ما تتحقّق الملاقاة بالنار، وكلا هذين الأمرين محتملان، فالرأي الأوّل وهو - الرأي الفلسفي - المعروف محتمل، والاحتمال الثاني - الذي طرحه السيد الشهيد الصدر قدس سره  - وهو أنّ لا تكون النار علة للإحراق، وا نّما شاءت إرادة اللّه تبارك وتعالى أن تخلق الإحراق متى وجدت النار وهذا محتمل أيضاً ولا ينفيه القانون الفلسفي الذي يقول بأنّ الممكن نسبته الى الوجود والعدم على حدّ سواء ولا يوجد إلّا بمرجّح فصحيح أنّ الممكن بحاجة الى مرجح، ولكنّ من قال أنّ مرجحه مبدأ العلية، فلعل مرجحه مبدأ الإرادة، إرادة اللّه وقدرة اللّه تبارك وتعالى، فالقانون الفلسفي لا يبطل هذا الاحتمال، وكذلك القانون التجريبي - الذي أشرنا إليه - فإنّ كثرة التجارب باشعالنا النار الآف المرات مثلاً ورؤيتنا ترتب الإحراق على ذلك، يُدلنا على وجود عنصر مشترك فيما بين هذه التجارب العديدة، ولكن من قال أنّ هذا العنصر المشترك هو عبارة عن العليّة فلعله عبارة عن إرادة اللّه تبارك وتعالى وقدرته وسلطنته، فهو أراد أن يخلق الاحتراق متى ما صنعنا النار.

 وعلى أية حال، حينما ننتقل الى لغة القرآن نرى أنّ اللّه تبارك وتعالى نسبَ كلّ شي‏ءٍ  في هذا العالم إليه جل وعلا، ونرى هذه اللغة واردة حتى في الأفعال الاختيارية للإنسان كما في كثير من الآيات. فهنالك لونان من الآيات المباركات، لون منها ينسب الاُمور الى اللّه تعالى، ولون آخر ينسب أفعال البشر بمستوى من مستويات النسبة الى اللّه تبارك وتعالى، أمّا اللون الأوّل من الآيات التي تنسب الاُمور الى اللّه تبارك وتعالى فهي من قبيل قوله تعالى :  ( ألا له الخلق والأمر) وقوله تعالى  ( إنّ اللّه هو الرزّاق ذو القوة المتين) وقوله تعالى  ( اللّه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) وقوله تعالى  ( قل لن يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا )، وغير ذلك من الآيات، وهناك آيات راجعة الى فعل البشر كقوله تعالى :  ( وما رميت إذ رميت ولكنّ اللّه رمى )وقوله تعالى : ( ولا تقولنَّ لشي‏ءٍ إنّي فاعل ذلك غداً إلّا أن يشاء اللّه )، وقوله تعالى :  ( ولو شاء اللّه ما اقتتلوا ولكنّ اللّه يفعل ما يريد )، وقوله تعالى :  ( ولو شاء اللّه ما اشركوا )، وقوله تعالى :  ( ولو شاء اللّه ما فعلوه )، وقوله تعالى :  ( فلو شاء لهداكم أجمعين )وقوله تعالى :  ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً )، وأمثال ذلك من الآيات.

 إنّ تفسير الآيات من القسم الأوّل الراجع الى غير الأفعال الاختيارية يكون لها على أساس من المقولتين اللتين أشرنا إليهما سيكون أحد تفسيرين، إمّا أنّ اللّه تبارك وتعالى بإرادته المباشرة وبلا وساطة مبدأ العليّة، يفعل الاُمور، ويخلق ما يريد، ويصنع ما يشاء، ويغير، ويبدل، ويحرك، كل ذلك وفق إرادته مباشرةً، أو أنّ الاُمور تجري بأسبابها وعللها، « أبى اللّه إلّا أن يُجري الاُمور بأسبابها »، فقانون العلية هو الذي يحكم العالم، ويسيّر الاُمور، ولكنّ إرادة اللّه تكمن فوق العلل، يعني أنّ أصل العلل الأساسية مخلوقة من قبل اللّه تبارك وتعالى وبإرادته سبحانه، فإرادته عز وجل ليست هي التي تسير الاُمور بالمباشرة وا نّما تسيرها من وراء قانون العليّة الذي هو مخلوق للّه، فبأحَدِ التفسيرين ترجع الاُمور كلها الى اللّه كما نطقت بذلك هذه الآيات المباركات.

 وأمّا القسم الثاني من الآيات، وهي الآيات الراجعة الى الأفعال الاختيارية للبشر كقوله : « وما رميت إذ رميت ولكنّ اللّه رمى » فهذا أيضاً تفسيره واضح، ولا نؤّول هذه الآيات ولا نلتزم بالجبر، فلا نقول إنّ هذه الآيات تفيد الجبر وتسلب القدرة والاختيار من الإنسان وتجعل أعمالنا هي أعمال اللّه.

 والذي نفهمه من هذه الآيات هو أنّ الفعل البشري له - دائماً - جانبان ، جانب نفسي وجانب مادي، فالرمي مثلاً في الآية الكريمة : « ما رميت إذ رميت » له جانب نفسي يرجع الى الشخص الرامي فلو لم يرد أن يرمي لا يرمي، وله أيضاً جانب مادي وهو أنّ السهم يخرج من القوس ويتحرك وينتهي الى الشخص الذي تمّ توجيه السهم إليه فيقتله فبالقياس الى الجانب النفسي تأتي إرادة البشر، وسلطته وقدرته، القدرة التي خلقها اللّه تعالى فيه، فهذه القدره تؤثر أثرها وبهذا لا ننتهي الى الجبر.

 وأمّا الجوانب المادية فكلها تنتهي الى اللّه فهو - سبحانه - الذي جعل هذا السهم يخرج من القوس لدى تحرك اليد وجعل الهواء بالشكل الذي يخترقه هذا السهم، وهو الذي  جعله يصيب ذاك الهدف، والشخص المستهدف أيضاً هو الذي جعله يُخترق بهذا السهم، فتزهق روحه ويُميتهُ، كل هذا من اللّه تبارك وتعالى.

 

 معنى الولاية التكوينية

 بعد هذه المقدمة ندخل في مسألة الولاية التكوينية، قلنا أنّ هذا المصطلح متأخر، ولذا نتساءل عن معناه والمقصود منه بالنسبة للأئمة عليهم السلام ؟ وما هو دور الأئمة عليهم السلام  على أساس القول بولايتهم التكوينية؟ وما هو دورهم عليهم السلام  ضمن هذه الاُسس الفلسفية والقرآنية التي أشرنا إليها وعرضناها في بداية البحث، فإن كان المقصود بالولاية التكوينية، خرق نواميس الطبيعة، فإنّ الإمام عليه السلام  يخرق أحياناً نواميس الطبيعة ويأتي بما يسمى بالمعجز، فيشق القمر، أو يجعل الحصى تُسبّح ويمنع النار عن الإحراق  وما الى ذلك من الاُمور التي هي خرق لقوانين الطبيعة، فإنّ سُمّي هذا بالولاية التكوينية، فهو معقول ومقبول وثابت في الكتاب والسنة المتواترة، فلا شكّ ولا ريب أنّ الأئمة عليهم السلام  أظهروا من المعاجز ما لا يحصى، والمعجز هو خرق قانون الطبيعة، إلّا أنّ هذا ليس شيئاً جديداً حتى يطلق عليه مصطلح جديد باسم « الولاية التكوينية »، وليس هو إلّا تطبيقاً لأحد القانونين اللذين أشرنا إليهما، فلو آمنا بمبدأ العليّة، وبأنّ هذا المبدأ لا يتخلف - استحالة انفكاك المعلول عن العلة -، فعندئذٍ يكون خرق قوانين الطبيعة بمعنى أنّ اللّه تعالى هدى رسوله والأئمة المعصومين عليهم السلام  الى علل غائبة عنا، فهم يعرفونها ونحن لا نعرفها، فيتدخل الإمام وفق تلك العلل الغائبة عنا.

 وعلى سبيل المثال أنّ النار تحرق لكن هناك علّة تمنع النار عن الإحراق، وتلك العلة يعرفها الإمام فيوجد ذاك المانع فلا تحرق النار، ونسمي هذا حسب ظاهر الأمر خرق قانون الطبيعة، أو خرق نواميس الطبيعة، هذا تفسير الإعجاز وفق مبدأ العلية، فإذاً الإعجاز يثبت دون بطلان مبدأ العلية، أي أنّ مبدأ العلية - وهو استحالة انفكاك العلّة عن المعلول - ثابت.. إلّا أنّ الإمام في نفس الوقت يأتي بالمعجز، فإتيانه بالمعجز لا يعني شل العلة عن العليّة، وا نّما يعني أنّه أتى بعلل هي غائبة عنا يعرفها ولا نعرفها، هذا هو تفسير المعجز بناءاً على هذا المسلك، أمّا على المسلك الآخر المؤمن بمبدأ الإرادة وقدرة اللّه تبارك وتعالى وأنّنا لسنا بحاجة الى مبدأ العلية الى صف مبدأ الإرادة وقدرة اللّه، فالأمر أوضح، إذ أنّ الإمام أو النبي عندما يريد أن يأتي بالمعجز يطلب من اللّه تبارك وتعالى أن يتدخل بإرادته وبقدرته البالغة، فيتدخل فيكون المعجز خلافاً لمقتضى الطبيعة التي نألفها وعلى أيّة حال فالمعجز معترف به من أول الأمر، سواءاً سميناه بالولاية التكوينية أو لم نسمه بالولاية التكوينية، أمّا لو أراد القائلون بالولاية التكوينية أنّ المعصوم عليه السلام  يتمكن دائماً أن يفعل ما يريد، أي لا يعجز عن أي شي‏ء، فهذا خلاف صريح القرآن، فالقرآن الكريم يقول:  ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى الى السماء ولن نؤمن لرقيّك حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلّا بشراً رسولاً )، أي أنّ هذه الاُمور خارجة عن قدرتي فلو أنّ اللّه أراد أن أفعل، فعلت وحينما لا يريد لم أفعل ولا استطيع أن أفعل.

 وإذا تجاوزنا هذين التفسيرين ولا أظنهما مقصودين لأصحاب الرأي القائل بالولاية التكوينية، فقد يكون المراد بالولاية التكوينية أنّ اللّه عز وجل فوض العالم وما يجري فيه الى الإمام عليه السلام ، فالإمام هو الذي يُسيّر الأحداث، فإن كان هذا هو مقصود القائل بالولاية التكوينية، فعندئذٍ نقول : إنّ هذا ينقسم الى قسمين أو يحتمل فيه احتمالان، أمّا أن يفترض أصحاب هذا الرأي أنّ الإمام يسيّر الأحداث وفق عللها الغائبة عنّا والتي عرّفها له اللّه تبارك وتعالى، فالإمام وفق العلل يسيّر الأحداث، وأمّا أن يفترض - ما يشبه مقولة المفوّضة - أنّ اللّه تبارك وتعالى كا نّما فوض الاُمور إليهم، وبدلاً عن إرادة اللّه « إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون » تحلّ إرادة الأئمة عليهم السلام  ويقع ما يريدون فهم الذين يريدون الحياة لمن يحيى ويريدون الموت لمن يموت وهكذا، وبالإرادة مباشرة يفعل الإمام ما يريد.

 فإن فُرض الأوّل وهو أنّ اللّه تبارك وتعالى أرشد الأئمة عليهم السلام  الى علل الحوادث والأحداث فيتصرفون في العالم وفق تحريك العلل، فهذا كلام فى الوقت الذي لم أجد دليلاً عليه لا في كتاب ولا في سنّة، لا يوجد دليل مخالف ومعارض له فى الكتاب والسنّة، ولا توجد لدينا ضرورة دينية تمنع عن القول بذلك.

 أمّا لو قصدوا المعنى الثاني وهو أنّ اللّه فوض إليهم الاُمور، فكما أنّ اللّه تبارك وتعالى يفعل ما يريد وما يشاء وبإرادته يُسير العالم كذلك نفترض الإمام عليه السلام ، وكأنّه يحلّ محلّ اللّه تبارك وتعالى، وبإذنه سبحانه ومشيئته، فهذا فى روحه يرجع الى التفويض، أو الى شق من شقوق التفويض، الذي ننكره كما ننكر الجبر ونقول، لا جبر ولا تفويض.

 ا نّ التفويض له معنيان وشقان، فتارة يُفترض أنّ اللّه تعالى فوض العالم الى عباده وهو كا نّما ترك العالم، وعبادُه يفعلون ما يريدون، و اُخرى يفترض: أنّ اللّه تبارك وتعالى فوض العالم الى قسم من عباده فقط وهم المعصومون عليهم السلام ، وهذا التفويض بشقيه يخالف ظاهر الآيات المباركات التي تسند الاُمور - دائماً ومباشرة - الى اللّه تعالى كما في الآيات التي أشرنا إليها منها قوله تعالى : « ألا له الخلق والأمر » وقوله تعالى « إنّ اللّه هو الرزّاق » وقوله تعالى « اللّه يتوفى الأنفس حين موتها » وقوله تعالى « لن يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا » وما شابه ذلك. كما أنّ هناك آيات اُخرى تقبل الحمل على نفس المعنى الذي ندّعيه من قبيل قوله تعالى بالنسبة للمسيح عليه السلام  :  ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني )، فالمقطع الأوّل، « وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني » هو من القسم الذي ذكرناه من أنّ فعل البشر ينسبه الى اللّه بالمعنى الذي شرحناه، فقد خلق من الطين كهيئة الطير - وكل إنسان يستطيع أن يخلق الطين كهيئة الطير -، وهو فعل البشر ومع ذلك فإنّ اللّه تعالى يقول : « بإذني » وكل ما قام به عيسى عليه السلام  هو بإذن اللّه، من إبراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى وغير ذلك، كما أنّ الآية الاُخرى تتحدث عن لسان عيسى عليه السلام  :  ( أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه واُبري الأكمه والأبرص واُحيي الموتى بإذن اللّه واُنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم ).

 إن كلمة بإذني أو كلمة بإذن اللّه فى هذه الآيات المباركات هي على منوال الآيه الاُخرى التي تقول :  ( وما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن اللّه )، الذي يعني أنّ الموت من قبل اللّه تعالى، فهو الذي يميت النفس، وهو الذي يميت الإنسان،  (وما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن اللّه)، وكذلك في الآيات الماضية حينما يقول «اُبرى‏ء الأكمه والأبرص» و « اُحيي الموتى بإذن اللّه » أي أنّ اللّه تعالى يُبري‏ء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، وما على عيسى عليه السلام إلّا أن يطلب من اللّه تبارك وتعالى أن يُيري‏ء ويحيي، وعندها يُيري‏ء ويحيي سبحانه وتعالى.

 روايات إثبات الولاية التكوينية للأئمة :

 أمّا الروايات التي قد يتسمك بها لإثبات الولاية التكوينية للأئمة عليهم السلام  فهي من قبيل ما ورد فى زيارة الجامعة الكبيرة كقوله عليه السلام  : « بكم فتح اللّه وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه وبكم ينفّس ألهم...  »، قد يفترض أنّ هذا يعني الولاية التكوينية، أي أنّ الأئمة هم الذين يديرون الأرض والسماء والغيث وما شابه، وكذلك الرواية المعروفة أو الحديث القدسي المعروف على الألسن، « لولاك لما خلقت الأفلاك »، ومنها الروايات الواردة بعنوان « لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها »، فيقال إنّ حياة العالم مرتبطة بحياة الإمام والحجّة المعصوم، ولولاه لفنى وانتهى العالم، ومنها ما روي عن أبي حمزة « قال : قلت لأبي عبد اللّه الصادق عليه السلام ، تبقى الأرض بغير امام؟ قال عليه السلام  لو بقيت الأرض بغير ا مام لساخت » ورواية اُخرى، وهي التوقيع الشريف المعروف عن الإمام صاحب الزمان الذي أجاب فيه على عدة اسئلة من جملتها قوله عليه السلام  : « وأمّا وجه الانتفاع في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء »، وعن الإمام الباقر عليه السلام  يقول : « لو بقيت الأرض يوما بلا ا مام منّا لساخت بأهلها، ولعذبهم اللّه بأشد عذابه، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى جعلنا حجة في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد اللّه أن يهلكهم ولا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا اللّه، ثم يفعل اللّه ما يشاء  ( شاء (وأحبَّ »، وأمثال هذه الروايات كثيرة وهي شبه متواترة كلها تدل على هذا المضمون، وعلى أنّ قوام العالم بالإمام المعصوم وبدونه ينتهي العالم.

 فمجموع هذه الروايات لا شكّ تعطي معنى مسلماً عند أتباع مدرسة أهل البيت عليه السلام ، وهو أن قيام العالم ووجود العالم وسبب الحياة فى العالم كله مرتبط  بالإمام المعصوم، ولولاه لما كان شي‏ء من هذا القبيل، إلّا أنّ هذا لا يعني ما يسمى بالولاية التكوينية، فافتراض أنّهم سلام اللّه عليهم هم الذين يباشرون العمل الذي يفترض مباشرته من قبل اللّه تبارك وتعالى شي‏ء، وافتراض  أنّ اللّه تعالى هو الذي يديم العالم ويدير الاُمور ببركتهم سلام اللّه عليهم شي‏ء آخر، وهذه الروايات ا نّما دلت على المفهوم الثاني ولم تدل على المفهوم الأوّل، فالاستدلال بها على مبدأ الولاية التكوينية بالمعنى الأوّل خلط بين المفهومين.