الفصل الثاني

الإمام وقيادة المجتمع

بعد أن فرغنا من محاور البحث السابقة حول منصب الإمامة، وبعض مميزات وصفات الإمام عليه السلام . نبحث الآن في كيفيّة قيادة الإمام للمجتمع، وما هي العناصر الثابتة والمتغيرة في قيادته، وكيف واجه الأئمة متغيّرات عصورهم وما هو موقفهم من السلطات الوقتيّة الظالمة، وكيف تعاملوا معها، ومع المعارضة الشيعيّة ضدها. وسوف نتناول مراحل عمل الأئمة في ضوء المخطط العام للإمامة في قيادة المجتمع وهدايته وتحصينه ضد الانحرافات، وصيانة التجربة الإسلاميّة - التي تعرّضت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم  للاهتزاز والزيغ - من السقوط والزوال. وسوف نتناول أربعة أئمة كنماذج للدراسة، هم الإمام علي عليه السلام ، والإمامان الحسن والحسين عليهما السلام ، والإمام علي بن الحسين عليه السلام  وسوف نشير ضمناً الى الإئمة الباقيين وفق مخطط البحث.

 

 الإمام والاُمّة

 العلاقة التي تربط الإمام بالاُمّة، والاُمّة بالإمام ترتكز على محور الإمامة، فالإمام قائد ديني، وقائد اجتماعي، ولازم قيادته في كلا الأمرين عمله على  هداية الاُمّة وبيان الأحكام الإلهية لها، وصيانة الرسالة من الانحراف، بالإضافة الى كون الإمام قدوة للاُمّة في أخلاقه وشمائله وسلوكه. هذا من جهة. ومن جهة اُخرى، فالإمام قائد للمجتمع يعمل على إدارته وحل مشاكله، وإنجاح الاُطروحة الإسلاميّة. خصوصاً إذا كان الإمام مبسوط اليد وله قدرة سياسية مؤثرة. أمّا إذا لم يكن الإمام مبسوط اليد، وليست بيده قدرته، فالحق الذي لا ينفك عن منصب إمامته هو هداية المجتمع وبيان الأحكام الشرعيّة له، فهو حق ثابت في جميع الظروف والأحوال.

 أمّا بالنسبة للاُمّة في علاقتها مع الإمام. فالحق الثابت عليها هو اتباع الإمام والاقتداء به وعدم الخروج عن طاعته.

 يقول الإمام علي عليه السلام  موضحاً دوره الديني والاجتماعي بعد إقصائه عن منصب السلطة السياسية: «واللّه لا دخلت المسجد - أي مسجد الرسول صلى الله عليه واله وسلم  - إلّا كما دخل أخواني موسى وهارون. إذ قال له أصحابه اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون. واللّه لا أدخل إلّا لزيارة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أو لقضية أقضيها. فإنّه لا يجوز لحجة أقامه رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أن يترك الناس في حيرة».

 فالإمام علي‏عليه السلام  رغم إقصائه من السلطة والخلافة لم يترك إرشاد الاُمّة وهدايتها لأنّه، «لا يجوز لحُجة أقامه رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  أن يترك الناس في حيرة».

 والقاعدة هذه تنطبق على جميع الأئمة عليهم السلام  حيث مارسوا مهمة قيادة الاُمّة وهدايتها دون أن يكترثوا لضغوط الواقع وقمع السلطات الظالمة. ورغم أنّ بعض الكتّاب المنحرفين طعنوا بسيرة الأئمة عليهم السلام  وميّزوا بينهم في العمل الاجتماعي متهمين بعضهم بعدم ممارسة وظيفتهم في قيادة المجتمع لكن حقائق السيرة المطهّرة للأئمة الأطهارعليهم السلام  تؤكد عكس ذلك وإنّ أبرز دليل على تصدّي الأئمة عليهم السلام  لقيادة المجتمع ومنع الانحراف فيه، هو موقف الطواغيت المعادي للأئمة عليهم السلام ، والذي كانت تعبّر عنه، المضايقات، والعيون المبثوثة حول الإمام، والسجون، ووسائل القتل المتنوّعة .. فالأئمة جميعاً ماتوا إمّا مسمومين أو مقتولين بحدّ السيف.

 فلماذا سلك الطواغيت هذا السلوك الظالم مع الأئمة لولا أنّهم صلوات اللّه وسلامه عليهم، كانوا من الناشطين في قيادة المجتمع والمعارضين للسلطات الطاغوتية في أزمانهم؟!

 فالإمام الحسن عليه السلام  الذي أوقع الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، عاد هذا الآخير للفتك بالإمام والتخلّص منه بدس السم إليه. ألا يدلّ هذا الفعل الشنيع على توجّس وخيفة من الإمام‏عليه السلام ، فلو كان الإمام قاعداً ومنصرفاً عن القضايا الاجتماعية والسياسية فلا حاجة لمعاوية عندئذٍ بقتل الإمام.

 والإمام موسى بن جعفرعليه السلام  الذي قضى عمره مسجوناً في طوامير هارون الرشيد دُسّ له السم أيضاً فقضى مسموماً مقتولاً فلماذا دسّ هارون الرشيد السم للإمام موسى بن جعفرعليه السلام ؟

 إنّ السبب الذي جعل هارون الرشيد يعتقل الإمام، هو نفسه الذي جعله يقدم على قتله، وهو عمق وسعة الولاء الشعبي للإمام، وقد خشي هارون الرشيد من مغبة تفجّره. لا سيّما وأنّ محاولات هارون الرشيد في استمالة الإمام الى جانبه باءت بالفشل جميعاً، بالخصوص الطلب الذي تقدّم به الى الإمام بزيارته مقابل إطلاق سراحه من السجن.

 وقصة سليمان عم هارون الرشيد معروفة، وهو الذي أمر أن يُنادى - بعد أن أخرج جثمان الإمام أربعة حمّالين يحملونه - : «أنّه من أراد أن يشيّع جثمان الطيّب ابن الطيّب فليشيّع جثمان موسى بن جعفرعليه السلام »، فحدثت تلك الضجّة المعروفة، وشيّع الإمام تشييعاً عظيماً.

 فلماذا فعل سليمان هذا الفعل وأمر بتشييع الإمام بتلك الصورةّ؟ هل كان مخلصاً للإمام موسى بن جعفر عليه السلام !!؟

 كلا لم يكن سليمان موالياً للإمام فضلاً عن كونه مخلصاً، بل كان من أنصار هارون الرشيد، ومن السائرين بركب الظالمين، ولكنّه فعل هذا الأمر لأنّه عرف بأنّ تشييع الإمام بهذه الطريقة يحمله أربعة من الحمّالين، ليس في صالح هارون الرشيد. فأراد أن يمتص الغضب الشعبي بهذه الطريقة. وفي هذه القصة دلالة على عمق وسعة الولاء الشعبي للإمام، وهو الذي خشي منه هارون الرشيد فارتكب تلك الحماقة فقتل الإمام عليه السلام .

 وكذلك الأمر بالنسبة لأئمتنا المتأخّرين كالإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام ، وبالأخص الإمام العسكري عليه السلام فرغم أنّهما كانا محتجبين عن قواعدهما الشعبية  (الشيعية) نسبيّاً، لأنّهما كانا يهيّئان الشيعة لاستقبال الغيبة، إلّا أنّهما لم يتخلصا من رقابة السلطات وعيونها المبثوثة التي تترصّد المولود المنتظر ابن الإمام العسكري عليه السلام .

 ولهذا عمد الإمام العسكري لإخفاء المولود  (الإمام صاحب الزمان  (عج) والتعتيم عليه، وحتّى إخفاء اسمه حفاظاً عليه من بطش السلطة الظالمة.

 وبكلمة واحدة نقول: إنّ أقلّ دليل يمكن أن نستدلّ به على الموقع القيادي والمؤثّر للأئمة عليهم السلام  في المجتمع، هو توجّس السلطات خيفة منهم ومطاردتهم والفتك بهم جميعاً عليهم السلام  باستثناء الإمام الحجة المنتظر  (عج) الذي هو غائب عن الأبصار.

 والإمام الحجة  (عج) هو الآخر ليس بعيداً عن التدخّل في القضايا الاجتماعية ولكن على نحو غير اعتيادي أو طبيعي بسبب ظروف الغيبة. والدليل  على ذلك قوله  (عج) في التوقيع المروي: «أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، وإني أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء». فالإمام، ينتفع به كما ينتفع بدف‏ء الشمس المغيّبة بالسحاب. وقد تحمل الرواية بقرينة ذيلها «إني أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء» على «الارتباط التكوينيّ» المرتكز على فكرة «لولا الحجة لساخت الأرض بأهله» أي أنّ الإمام هو قطب رحى الأرض وثباتها.

 ونحن لا نمانع من فهم هذا المعنى من الحديث بالمقدار الذي قبلناه من بحث الولاية التكوينيّة، ولكنّنا نقول إضافة الى هذه: أنّ هذه الرواية وكذلك روايات اُخرى تؤكّد أنّ الإمام الحجة  (عج) يمارس وظيفة الهداية والإرشاد للمجتمع، فالإمام الصادق يقول: «لم تخلُ الأرض منذ خَلَقَ اللّه آدم، من حجة للّه  فيها ظاهر مشهود، أو غائب مستور، ولا تخلو الى أن تقوم الساعة من حجة للّه فيها، ولولا ذلك لم يعبد اللّه.» ( تشر هذه الرواية الى ارتباط العالم بالإمام تكوينيّاً، وإنّما ذكرت ارتباط المجتمع بالإمام ارتباط هداية وإرشاد. ولم تقل «لولا وجود الإمام لساخ العالم أو لساخت الأرض!» وإنّما قالت «لولا وجود الإمام لم يعبد اللّه».

 وأيضاً قال سليمان الإعمش، فقلت للصادق عليه السلام : فكيف ينتفع الناس من الحجة الغائب المستور. قال عليه السلام «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب». وقد تكون هذه الرواية ناظرة أيضاً الى الجانب التكويني والى فوائد وجود الإمام الحجة  (عج) تحت الستار

 لقد تسائل اُستاذنا السيّد الشهيد محمد باقر الصدر  (رض) في كتابه «بحث حول المهدي» عن فائدة وجود الإمام وما المبرّر بعد أن فرض تحت الستار. فأجاب مفترضاً وجود ثلاث فوائد اجتماعية تصبّ في إنجاح وتمكّن الإمام  (عج) من ممارسة قيادته بدرجة أكبر.

 الفائدة الاُولى: الإعداد النفسي لعملية التغيير الكبرى. بمعنى: «أنّ عملية التغيير الكبرى تتطلّب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها مشحوناً بالشعور بالتفوّق، والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أُعِدَّ للقضاء عليها ولتحويلها حضارياً الى عالم جديد، فبقدر ما يعمر قلب القائد المغيّر من شعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها وإحساس واضح بأنّها مجرّد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسيّة على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتّى النصر.

 ومن الواضح أنّ الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يراد القضاء عليه من حضارة وكيان، فكلما كانت المواجهة لكيان أكبر ولحضارة أرسخ وأشمخ تطلّبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم. ولمّا كانت رسالة اليوم الموعود تغيّر عالماً مليئاً بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوّعة فمن الطبيعي أن تفتّش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالَم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالَم الذين نشأوا فى ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدالها بحضارة العدل والحقّ، لأنّ من ينشأ في ظل حضارة راسخة، تعمّر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها لأنّه ولد وهي قائمة، ونشأ وهي جبّارة، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة، وخلافاً لذلك شخص يتوغّل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن ترَ تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الاُخرى ثمّ تداعت وانهارت، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتاب تاريخ، ثمّ رأى الحضارة التي يقدّر لها أن تكوِّن الفصل الآخير من قصة الإنسان قبل اليوم الموعود، رأها وهي جذور صغيرة لا تكاد تتبيّن، ثمّ شاهدها وقد اتخذت مواضعها في أحشاء المجتمع البشري تتربّص الفرصة لكي تنمو وتظهر، ثمّ عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب بالنكسة تارة ويحالفها التوفيق تارة اُخرى، ثمّ واكبها وهي تزدهر وتتعمّلق وتسيّطر بالتدريج على مقدّرات عالم بكامله، فإنّ شخصاً من هذا القبيل عاش كل هذه المراحل بفطنة وانتباه كاملين ينظر الى هذا العملاق - الذي يريد أن يصارعه - من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسّه لا في بطون كتب التاريخ».

 ففرق بين ما لو يكون القائد المعدّ لدابر الظلمة مولوداً في عصر اُبّهة ذلك الظالم وهيمنته وسطوته، وما لو كان القائد موجوداً في عصر سابق. وما أكثر ما يرى خلال هذه المدّة الطويلة من الظلمة الذين يعاشرهم من أوّل نقطة ضعفهم وضئآلة وضعهم والى أن يصلوا الى نهاية طغيانهم والى أن يضمحلّوا مرّة اُخرى، ثمّ يعاصر آخر الأوضاع الظالمة التي بدأ أيضاً الطواغيت فيها بأدوار ضئالتهم الى أن تفرّعنوا وكان هذا القائد مأموراً بتطهير الأرض منهم ومن آثارهم فستكون للقائد عندئذٍ نفسيّة متهيّئة ومستعدّة للعمل الجادّ أكثر مما لو فتح عينيه منذ البدء في عصر اُبّهتهم وسيطرتهم.

 الفائدة الثانية: الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القياديّة. بمعنى : « أنّ التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارات المتعاقبة والمواجهة المباشرة لحركتها وتطورها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القياديّة لليوم الموعود، لأنّها تضع الشخص المدّخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكلّ ما فيها من نقاط الضعف والقوة ومن ألوان الخطأ والصواب وتعطي لهذا الشخصيّة قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها، وكل ملابساتها التأريخيّة.».

 الفائدة الثالثة: الاقتراب من مصادر الإسلام الاُولى. بمعنى: «أنّ عملية التغيير المدّخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معيّنة هي رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أن تتطلّب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الاُولى، قد بُنيت شخصيته بناءاً كاملاً بصورة مستقلّة ومنفصلة عن مؤثّرات  الحضارة التي يقدر لليوم الموعود أن يحاربه».

 إنّ افتراضات اُستاذنا السيّد الشهيد هذه حول فائدة الغيبة الطويلة للإمام الحجة الغائب  (عج) واجهت اعتراضاً مفاده: « أنّ الإمام الحجة وهو إمام معصوم ملهم من قبل اللّه سبحانه وتعالى، لا يحتاج الى كثرة التجارب لغرض الإعداد النفسي وتعميق الخبرة القياديّة لأنّه حاصل على هذه الملكات بحكم إمامته.».

 إنّ هذا الاعتراض غير وارد على هذه الفائدة التي ذكرها اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض)، وذلك لأنّه لا تنافي بينها وبين افتراض أنّ الإمام مزود بالعلم والمعرفة مباشرة من قبل اللّه تعالى، فتسديد الإمام عليه السلام  من قبل اللّه قد تختلف طريقته، فتارة عن طريق الإلهام، واُخرى بهذا النحو الذي ذكره اُستاذنا السيّد الشهيد رحمه الله  - وهو التجارب - ويتمّ تكميله بهذا الاُسلوب وثالثة بالجمع بينهما. وهذا محتمل الصحّة ولا تنافي بين الأمرين.

 أمّا بالنسبة الى مقارنه هذه النقاط - التي ذكرها اُستاذنا السيّد الشهيد - مع الرواية التي أوردتها حول أثر وجود الإمام الحجة في زمن غيبته «أمّا وجه الانتفاع بي  في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، وإني أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء» فلا شي من التقارب بينهما، لأنّ الرواية غير ناظرة الى هذه النقاط، ومضمونها لا يشير إليها. لكن الذي تشير إليه هذه الرواية هو امتداد تأثير الإمام القيادي والاجتماعي والتكويني على طول غيبته، كما أنّ الشمس توثّر وهي خلف السحاب.

 تنوّع الأدوار القياديّة للأئمة عليهما السلام

 تكاد تكون قيادة الأئمة للمجتمع  الإسلامي، من البديهيّات المعروفة في التأريخ الإسلامي، رغم أنّ قيادتهم لم تجر بنسق واحد، وطريقة واحدة، بمعنى أنّها مرّت بمراحل وأدوار تأريخية يكمّل بعضها البعض الآخر، وتحديد الأدوار القياديّة للأئمة الأطهار عليهما السلام  بداية ونهاية يرجع الى تصوّر يتّفق مع طبيعة الأحداث المنظورة في خطّ تأريخ الإسلام، فيما يتعلّق بأعمال الأئمة ومواقفهم من الدولة والمجتمع والاُمّة التي خلّفها رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وبمواقف الحكم المنحرف من الأئمة أنفسهم، كما أضح ذلك اُستاذنا السيّد الشهيد في محاضراته التي طبعت في كتاب «أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف».

 واُستاذنا السيّد  الشهيد  (رض) ذكر في الكتاب المذكور ثلاث مراحل تأريخية  في قيادة الأئمة عليهم السلام للمجتمع وهي:

 المرحلة الاُولى: وهي مرحلة تفادي صدمة الانحراف، وقد عبّر عنها  (رض) بقوله: «هذه المرحلة هي التي عاش فيها قادة أهل البيت عليهم السلام  مرارة الانحراف، وصدمته بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وكانت مرارة الانحراف، وصدمة هذا الانحراف التي كان من الممكن أن تمتدّ وتقضي على الإسلام ومصالحه وعلى الاُمّة الإسلامية، فتصبح قصة في التأريخ لا وجود لها في خط الزمن المستمر. الأئمة عليهم السلام  في هذه المرحلة عاشوا صدمة الانحراف وقاموا بالتحصينات اللازمة بقدر الإمكان، بكلّ العناصر الأساسيّة للرسالة ضد صدمة الانحراف، فحافظوا على الرسالة الإسلاميّة نفسها ... وتبدأ هذه المرحلة  بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، وتستمر الى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت عليهم السلام .».

 المرحلة الثانية: وهي مرحلة بناء الكتلة الواعية وقد عبّر عنها اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض) بقوله: «هي المرحلة التي شرع فيها قادة أهل البيت عليهم السلام  بعد أن وضعوا التحصينات اللازمة وفرغوا من الضمانات الأساسية ضد صدمة الانحراف - ببناء الكتلة، بناء الجماعة المنظومة تحت لوائهم، الشاعرة بكلّ الحدود والأبعاد من المفهوم الإسلامي المتبنّي من قبلهم عليهم السلام  ... حتّى تكون هذه الجماعة هي الرائد والقائد والحامي للوعي الإسلامي الذي حُصّن بالحدّ الأدنى. هذا العمل مارسه الإمام الباقر عليه السلام  على مستوى القمة وقلنا إنّ هذه المرحلة استمرت الى زمن الإمام الكاظم عليه السلام  وفي زمن الإمام الكاظم عليه السلام  بدأت المرحلة الثالثة».

 المرحلة الثالثة: ظهور الكتلة الواعية بمستوى تسلّم زمام الحكم. وقد وصف اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض) هذه المرحلة بقوله: «لا تحدّد  (هذه المرحلة) بشكل بارز من قبل الأئمة عليهم السلام  أنفسهم، بل يحدّدها بشكل بارز، موقف الحكم المنحرف من الأئمة أنفسهم، وذلك لأنّ الجماعة التي نشأت في ظل المرحلة الثانية التي وضعت بذرتها في المرحلة الاُولى، نشأت وتمّت في ظل المرحلة الثانية، هذه الجماعة غزت العالم الإسلامي، وقتئذ ، وبدا للخلفاء أنّ قيادة أهل البيت عليهم السلام ، أصبحت على مستوى تسلّم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الإسلامي الى حضيرة الإسلام الحقيقي، وهذا خلّف بشكل رئيسي ردود الفعل للخلفاء تجاه الأئمة عليهم السلام  من أيام الإمام الكاظم عليه السلام » وهذه المرحلة امتدت من زمن الإمام الكاظم الى الإمام العسكري عليه السلام .

 وقبل أن نشرع في الحديث عن أئمّة الدور الأوّل والظروف المحيطة بكلّ واحد منهم وفق التقسيم الثلاثي لأدوارهم العامّة، لابدّ  من إشارة توضيحية مهمة للاُسلوب والمنهج المتّبع من قبلهم في قيادة الاُمّه وتوجيهها، حيث أنّ الأئمة عليهم السلام  اختصوا بأداء منهجي معيّن في القيادة يختلف عن باقي الناس المتصدّين لنفس المهمة، إذ الأئمة ليس كباقي الناس، فاختصاصهم  من قبل اللّه تعالى بالعصمة والنزاهة وقربهم الداني من رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم وإيكال مهمة الإمامة لهم والنصّ عليهم دون غيرهم، كلّها اُمور جعلت منهجهم القيادي يتّصف بخصوصية تتلائم وطبيعتهم هذه.

 فالأئمة من جهة يشتركون مع باقي الناس في أنّهم يعيشون في المجتمع ويؤدّون دورهم الاجتماعي على نحو طبيعي، وتواجههم الأحداث والظروف بنفس الكيفية التي تواجه الآخرين، كما أنّ كيفية تفاعلهم مع الأحداث والوقائع يتمّ أيضاً بشكل طبيعي، أي بشكل بشري «إنّما أنا بشر مثلكم...» تتكافى‏ء فيه قدراتهم الظاهريّة مع قدرات البشر العادية. ولكن الأئمة في الوقت نفسه، وبحكم الخصوصيات والمؤهلات التي يتميّزون بها (العصمة، الإمامة، والقرب من رسول اللّه) يعون الأشياء والوقائع ويدركونها بشكل مختلف وربما مغاير عن باقي الناس لسببين أساسيين:

 الأوّل: أنّ وعي الناس للأحداث والوقائع، غالباً ما تؤثّر فيه الأهواء النفسيّة والجهل وما الى ذلك  من صفات يتّصفون بها، لكنّ الأئمة براء منها لعصمتهم واستقامتهم، وبهذا فإنّ الأئمة عليهم السلام  يعون الأشياء وعياً عقليّاً محضاً خالصاً من المؤثّرات النفسيّة.

 الثاني: أنّ الأئمة عليهم السلام  ولقربهم من رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، ولمهمة الإمامة التي اُنيطت بهم، أخبرهم الرسول صلى الله عليه واله وسلم  بالحوادث والوقائع الاجتماعية العامّة والخاصّة التي ستقع لكلّ واحد منهم. ولهذا فالأئمة عليهم السلام  كانوا يعلمون بالأحداث ولا يُباغتون بها كما يُباغت الإنسان العادي.

 ولكنّ ثمّة سؤال مهمّ في هذا الصدد. هو: هل كان الأئمة عليهم السلام يعملون وتصدر منهم ردود الأفعال على أساس علمهم هذا، أي على أساس معرفتهم المسبقة بالأحداث والوقائع..؟ وكيف إذن يتمّ التوفيق بين استجابتهم للأحداث وفق ذلك العلم وبين ما يترائى من توافق استجاباتهم مع الأسباب الظاهريّة المألوفة؟

 والجواب على هذا الاستفهام المعقول. هو أنّ الأئمة كانوا يعملون ويخطّطون لقضايا المجتمع، ولِما تواجههم من أحداث بمستوى طبيعي من السلوك وفق السنن والعلل الظاهرة لها، وكان علمهم الخاصّ أمراً يوفّر لهم رؤية وعمقاً واقعيّاً ومستقبليّاً لإدراك ماهيّة القضايا الاجتماعية إدراكاً صحيحاً من شأنه تعزيز قدراتهم القياديّة ومهماتهم التغييريّة في المجتمع.

 فالرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم  كان يعلم بأنّ الكثير من أصحابه سوف يرتدّون بعده، وكان يعلم بنواياهم، ومستويات تديّنهم وإيمانهم وهو الذي قال «سيرتد الناس بعدي إلّا ثلاث»، ومع ذلك كان عمله وتخطيطه للاُمور يجري بشكل طبيعي وفق ظواهر الاُمور ومجريات السنن الطبيعية فمثلاً، عندما جهّز الرسول جيش اُسامة بن زيد وأمر بعض الصحابة بمرافقة الجيش تحت إمرته، كان صلى الله عليه واله وسلم  يعلم بأنّ اُولئك «الصحابة» المأمورين بمرافقة الجيش سوف لن يخضعوا لأمره ولن يطيعوه ولكنّه صلى الله عليه واله وسلم  لم يعمل بعلمه المسبق عنهم، بل عمل بظاهر الحال  ريثما تظهر النتائج بشكل طبيعي. والأمر نفسه، عندما أفضى الرسول بعلمه لابن عمه ووصيه الإمام علي عليه السلام  عن مآل الاُمور بعده فأخبره عن ارتداد الناس وتنكّرهم لخلافته، ورغم ذاك لم يعمل الإمام علي عليه السلام  إلّا بظاهر الاُمور، وهكذا الأمر مع باقي الأئمة عليهم السلام ، فالإمام الحسين عليه السلام ورغم علمه بأنّه سوف يقتل وتُسبى عياله ويُحال بينه وبين أهدافه، لكنّه أعلن لدى خروجه من مدينة جده صوب مكة والعراق للثورة على حكومة يزيد بن أبي سفيان، عن أهداف موضوعيّة ودعا الناس الى مؤازرته رافعاً شعار الثورة على الظلم والانحراف المتمثلين بحكومة يزيد، وداعياً الى إقامة حكومة الإسلام العادلة فقوله عليه السلام : «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي» وقوله عليه السلام : «يزيد رجل فاسق فاجر شارب للخمر قاتل النفس المحرّمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله» وكذلك قوله عليه السلام : «ألا ترون الى الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً حقّ»وقوله: «فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برم»  ونحو ذلك من الكلمات إن دلّت على شي‏ء فإنّما تدلّ على المنهج الواقعي والموضوعي للأئمة في قيادة المجتمع، وهو منهج تربوي اُريد له أن يعطي ثماره في تكوين وعي الاُمّة على اُسس صحيحة وأصيلة.

 أمّا تفصيل الحديث عن الأئمّة عليهم السلام  وفق التقسيم الثلاثي الذي عرفته عن اُستاذنا الشهيد رحمه الله  فنحن هنا نقتصر لضيق الوقت على التحدّث عن أئمّة الدور الأوّل مؤجّلين الحديث عن أئمة الدورين الأخيرين لمناسبة اُخرى إن شاء اللّه.

 

 أئمة الدور الأوّل

 تمتد المرحلة الاُولى في قيادة الأئمة للمجتمع - وهي مرحلة تفادي صدمة الانحراف - بعد  وفاة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم وتستمر الى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت عليهم السلام ، فيكون الإمام علي عليه السلام بداية لها، وهو أوّل أئمة أهل البيت عليهم السلام  الذين شاهدوا بداية انحراف التجربة الإسلاميّة في نطاق الدولة وفيما بعد في نطاق المجتمع، بعد أن حيزت الخلافة عنه وتلقّفها بعض الصحابة متنكرين لوصية رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم ، ومجازفين بحداثة التجربة وجدّة عهد المسلمين بالإسلام، فوضعوا كيان الدولة على حافة الانهيار بعد أن اتخذت القيادة طريقاً غير طريقها الصحيح وكان من الطبيعي على حد تعبير اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض) أن ينمو الانحراف ويتسع حتّى يحيط بالتجربة نفسها، فتنهار الزعامة التي تشرف على تطبيق الإسلام، وحينما تنهار الدولة، وتنهار زعامة التجربة ينهار تبعاً لذلك المجتمع الإسلامي، لأنّ المجتمع الإسلامي يتقوّم بالعلاقات التي تنشأ على أساس الإسلام، فإذا لم تبقَ زعامة التجربة لترعى هذه العلاقات وتحمي وتقنن قوانين لهذه العلاقات، فلا محالة ستتفتت هذه العلاقات وتتبدّل بعلاقات اُخرى قائمة على أساس آخر غير الإسلام، وهذا معناه زوال المجتمع الإسلامي.

 وبهذا فإنّ الأئمة عليهم السلام  وبعد ظهور انحراف التجربة الإسلاميّة الناشئة، واتساع آثار هذا الانحراف الى الدرجة التي أودت بالتجربة نفسها، وامتداد الآثار السيئة لهذا الانهيار الى الاُمّة وتهديد كيانها بالتفتّت، وقف الأئمة على خطين، وقد أسماها اُستاذنا الشهيد  (رض)ب :

 الخط الأوّل: هو خط تسلّم زمام التجربة، زمام الدولة، ومحو آثار الانحراف، وإرجاع القيادة الى موضعها الطبيعي.

 الخط الثاني: هو  خط تحصين الاُمّة ضد الانهيار، بعد سقوط التجربة وإعطائها من المقّومات القدر الكافي، لكي تبقى وتقف  على قدميها.

 فكيف عمل الأئمة عليهم السلام  على هذين الخطين ضمن المراحل الثلاث لأدوارهم القياديّة في المجتمع الإسلامي؟. هذا ما سنقتصر في الحديث عنه بإيجاز على إئمّة الدور الأوّل مستعرضين المعالم والدلالات الأساسيّة في اُسلوب قيادة كل إمام منهم.