أوّلاً : الإمام علي عليه السلام

 قبل أن نتناول الحياة السياسيّة للإمام علي عليه السلام  وطبيعة المنهج الذي اتبعه من الأحداث بدءاً من مسألة السقيفة وانتهاءاً بقصة الحكمين، لابدّ من الإشارة ولفت الانتباه الى الظروف التي حالت دون نجاح الإمام في استلام زمام الأمر والسيطرة على الأوضاع إجمالاً، على أن تبقى لكلّ مسألة واجهت الإمام خصوصياتها التي سوف نستعرضها لدى تناول منهجه من القضايا المهمة التي تصدّى لها. فالظروف التي حالت دون نجاح الإمام في استلام زمام الأمر، ترجع بحقيقة الأمر الى تركيبة المجتمع الإسلامي الذي خلفه الرسول صلى الله عليه واله وسلم  هذه التركيبة التي كانت تستبطن قدراً عالياً من عدم النضوج والوعي الذي أثّر بدوره على الموقف من ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام . وقد استذكر اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض) ثلاثة موانع رئيسية تفاعلت فيما بينها لتدع الإمام عليه السلام  مقصيّاً عن الخلافة، بلا أنصار يذود بهم عن حقه، سوى الثلة المخلصة القليلة من أصحابه وهم قد نالهم نفس ما نال الإمام من جهل وغمط لشؤونهم، واستخفاف بمنزلتهم وانتهاك لحقوقهم.

 الموانع الثلاثة هي:

1 ـ التفكير اللاإسلامي من ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام  حيث كان المجتمع الإسلامي ما يزال جديد عهد بالإسلام، وما تزال الرواسب الجاهلية تعمل في أنفس الكثيرين من المسلمين، وبالخصوص رواسب التعصّب، والعشائرية والقبلية، والتي حالت دون تأييد المسلمين للإمام علي عليه السلام  إذ كانوا ينظرون الى مسألة ولاية الإمام بأنّها مجرّد زعامة آثرها الرسول صلى الله عليه واله وسلم  لابن عمه وقبيلته ولم يكونوا ينظرون لها من زاوية عقيدية وأنّها اختيار اللّه سبحانه وتعالى. يقول اُستاذنا السيّد الشهيد حول هذه النقطة:

 «وأنا أظن ظناً كبيراً أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام  لو لم يكن إبن عم النبي صلى الله عليه واله وسلم  لو أنّ الصدفة لم تشأ أن يكون الرجل الثاني في الإسلام، لو لم يكن من اُسرة محمد صلى الله عليه واله وسلم ، لو كان من عدي، أو لو كان من تميم، لو كان من اُسرة اُخرى، لكان لهذه الولاية مفعول كبير جد، لقضي على هذا التفكير اللاإسلامي ... لكن ما هي حيلة محمد صلى الله عليه واله وسلم  إذا كان الرجل الثاني في الإسلام ابن عمه، لم يكن له حيلة في أن يختار شخصاً دون شخص آخر وإنّما كان عليه أن يختار من اختاره اللّه سبحانه وتعالى».

2 ـ وجود قطاع واسع من المنافقين في المجتمع الإسلامي، نتيجة انفتاح المجتمع الإسلامي قُبَيل وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم  على مكة ودخول اُناس كثيرين الى الإسلام استسلاماً للأمر الواقع أو انتفاعاً أو طمعاً أو حرصاً على الجاه، وهؤلاء لم يكن ليروق لهم تزعّم الإمام علي عليه السلام  للتجربة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم  لما يعرفونه في الإمام من استقامة على الحقّ لا تدع لهم مجالاً للاستئثار بالمصالح والامتيازات التي كانوا عليها أو التي يطمعون بالحصول عليها، ولهذا عزفوا عن الإمام وتركوه وبايعوا غيره لما يمثّله غيره من تميّع ومرونة يمكن معهما ضمان استمرار الوجود الرخو للإسلام والذي به تضمن مصالح الطبقة المنافقة في المجتمع الإسلامي.

3 ـ حسد بعض الصحابة لأمير المؤمنين عليه السلام  لما كان يمثله الإمام من تحد  أخلاقي لهم، يقول اُستاذنا السيّد الشهيد حول هذه النقطة «علي بن أبي طالب عليه السلام  كان يمثل باستمرار تحدّياً بوجوده التكويني، كان يمثل تحدّياً للصادقين من الصحابة لا للمنحرفين من الصحابة، كان يمثل تحدّياً بجهاده. بصرامته، باستبساله، بشبابه، بكلّ هذه الاُمور، ... كان رد الفعل لهذا مشاعر ضخمة جداً ضد علي بن أبي طالب صلى الله عليه واله وسلم ».

 هذه الاُمور وعوامل اُخرى، شكّلت موانع كبيرة أمام الإمام علي عليه السلام  في تصدّيه لقيادة التجربة الإسلامية، ومن ثمَ، حالت دون تسلّمه زمام الاُمور والسلطة وإرجاع الاُمور الى وضعها الطبيعي.

 

 المنهج القيادي عند الإمام علي عليه السلام

 لقد واجهت الإمام علي عليه السلام  عقيب وفاة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  معضلات ومشاكل غاية  في الصعوبة والتعقيد، فالوضع السياسي والاجتماعي في تلك الفترة أخذ يتحرك باتجاه وكيفيات متناقضة، وبعيدة عن روح الإسلام وقيمه وأخلاقياته. وكان الإمام عليه السلام  يشاهد بوادر انحراف وتدهّور واسعين في الدولة والمجتمع الإسلامي والمشاكل تأخذ أبعاداً أكثر تعقيداً وصعوبة، وفي كلّ تلك الظروف كان منهج الإمام علي عليه السلام  القيادي يسير بنسق واحد ومبدئية صارمة وأخلاقية مشهودة، من أجل هدف واحد هو إنقاذ المجتمع الإسلامي من صدمة الانحراف وتقويم التجربة، ونشر الهداية والاستقامة بعد أن ضرب الضلال والظلام أطنابه في المجتمع، وأنذر بنسف ما تبقّى من قيم صمدت أمام تيار الانحراف والتآمر الذي يوشك أن يقضي على الإسلام نهائياً.

 ويمكن إجمال موقف الإمام علي عليه السلام  من أهم القضايا التي واجهته على النحو التالي:

1 ـ موقفه من قصة السقيفة.

2 ـ موقفه من معاوية.

3 ـ موقفه من قصة الحكمين والخوارج.

 الإمام علي عليه السلام  وقصة السقيفة

 يمكن إيجاز موقف الإمام علي عليه السلام  من قصة السقيفة بخمس نقاط هي:

1 ـ معارضته السقيفة معارضة سلمية، وابتعاده عن اُسلوب المعارضة المسلّحة.

2 ـ قيامه بتعبئة الاُمّة تعبئة فكرية لفتح أنظارها على حجم الانحراف ولكي تكون بمستوى المسؤولية.

3 ـ منعه فاطمة الزهراء (ع) من الدعاء على الخلفاء.

4 ـ إرشاد المسلمين وتعريفهم الإسلام الصحيح.

5 ـ مبايعته الوضع الذي نتج عن السقيفة.

 أمّا عن النقطة الاُولى فإنّ السبب الأساس الذي لم يسمح للإمام علي عليه السلام  بمعارضة السقيفة بشكل مسلّح، أي باستخدام اُسلوب القوة، يرجع الى قلة أنصار الإمام الذين يتفهّمون الأوضاع التي حلّت بالمجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم  إذ الغالبية من الناس انطلت عليها المؤامرة وانصاعت مع الأمر الواقع الذي حدث أثناء السقيفة وفيما بعدها.

 وقد أشار الإمام علي عليه السلام  الى هذه الحقيقة في كثير من خطبه كقوله : «وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربه ... إلخ»كما أنّ هناك وقائع رواها التاريخ تؤكّد أنّ الإمام عليه السلام  كان حريصاً على معاجلة بدايات الانحراف بقطع دابره، وكان هميما في هذا الاتجاه، لكن قلة أنصاره وقلة المؤهلين لخوض غمار الجهاد والتصدّي بالسيف حالت دون تحقيق اُمنيته، وأرجأته لتغيير اُسلوب ا لمعارضة.

 فمّما دونه التاريخ مجي بعض الصحابة الى الإمام عليه السلام  لاستشارته في إعلان المعارضة على الخليفة الأوّل، فما كان من الإمام إلّا أن أجابهم بقوله: «وأيم اللّه لو فعلتم ذلك لما كنتم إلّا كحرباء، ولكنّكم كملح في الزاد وككحل بالعين ...»  بمعنى أنّ الإمام فضّل نهّيهم عن المعارضة لقلة عددهم بالقياس الى كثرة أنصار الوضع الجديد.

 وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام  قال : «جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك الى علي عليه السلام فقالوا: أنت واللّه، أمير المؤمنين وأنت أحق الناس وأولاهم بالنبي صلى الله عليه واله وسلم  هلمّ يدك نبايعك، فواللّه لنموتنّ قدّامك، فأراد أمير المؤمنين اختبار مدى صدقهم في مدّعاهم، فقال لهم : إن كنتم صادقين فاغدوا عليَّ غداً محلّقين. وعندما صار غد حلق أمير المؤمنين عليه السلام  رأسه، وحلق سلمان، وحلق مقداد، وحلق أبا ذر، ولم يحلق غيرهم، ثم انصرفوا، فجاءوا مرة اُخرى فقالوا له: أنت واللّه أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس وأولاهم بالنبي، هلمّ يدك نبايعك وحلفوا أيضاً، فقال لهم أمير المؤمنين:پ إن كنتم صادقين فاغدوا عليَّ غداً محلّقين ... فما حلق إلّا هؤلاء الثلاثة».

 وهناك رواية اُخرى عن الإمام علي عليه السلام  يقول: «اللّهم إنّك تعلم أنّ النبي صلى الله عليه واله وسلم  قد قال لي: إن تمّوا عشرين فجاهدهم وهو قولك في كتابك  (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) قال الراوي: وسمعته يقول: اللّهم وإنهم لم يتمّوا عشرين حتّى قالها ثلاث».

 وهكذا ومن خلال هذه الروايات يتّضح أنّ عدم وفرة الأنصار المخلصين للإمام عليه السلام  كان وراء عزوف الإمام عن استعمال اُسلوب القوة في مواجهة الانحراف، واقتناعه بالاكتفاء بالمعارضة السلمية كتعبير عن رفضه للأوضاع القائمة بعد أحداث السقيفة.

 أمّا بالنسبة للنقطة الثانية وهي قيام الإمام عليه السلام  بتعبئة الاُمّه فكرياً وإنضاج وعيها حول حجم الانحراف ووضعها أمام مسؤوليتها، فقد مارس الإمام هذا الدور على أكثر من صعيد واستثمر من أجل إنجاح مهمته هذه عدّة عوامل وإمكانات متاحة بين يديه،  فعلى الصعيد الاجتماعي حاول الإمام عليه السلام  إيضاح الوضع غير الطبيعي المنحرف الذي أعقب وفاة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  للاُمّة، وقد استثمر لهذه المهمة سيدة نساء العالمين بنت رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  فاطمة الزهراء (ع) مستعيناً بمنزلتها الاجتماعية لاستثارة عواطف المسلمين ومشاعرهم المرتبطة بها شخصيّاً باعتبارها ابنة الرسول الوحيدة الباقية بين المسلمين بعد وفاته صلى الله عليه واله وسلم ، ولهذا فإنّ الاستعانة بفاطمة الزهراء (ع) لاستثارة عواطف المسلمين المرتبطة برسول اللّه كان عملاً اُريد منه بالأساس حشد الجانب العاطفي في اطار التعبئة الفكرية التي مارسها الإمام على أكثر من صعيد.

 وفي هذا الاتجاه ورد أنّ الإمام علي عليه السلام  غالباً ما كان يصطحب الزهراء (ع) مع أبنيهما الحسن والحسين عليهما السلام  ويجوب بهم بيوت الأنصار والمهاجرين ويُحدّثهم عن المسألة مذكراً إيّاهم بمنزلتهم عليهم السلام عند رسول اللّه، وبالحق الذي اغتصب منهم، ويطالبهم بنصرة الحق وعدم السكوت على الظلم الذي لحق بآل بيت الرسول صلى الله عليه واله وسلم . كما أنّ الإمام عليه السلام  وعلى صعيد آخر، أوعز الى سيدة نساء العالمين أو أذن لها لكي تخطب في المسلمين حول مسألة فدك، وضرورة استرجاعها. وقد فعلت ذلك في مسجد أبيها صلى الله عليه واله وسلم  في المدينة، وكان القصد من  طرح مسألة فدك هو إيضاح جانب مهم من الجوانب التي تمّ الاعتداء عليها، يتميّز بماديته ووضوحه لدى المسلمين كافّة، وتوظيف هذه المسألة في هدف عملية التعبئة العامّة التي كان الإمام عليه السلام حريصاً على تنفيذها بالوسائل المتاحة والمشروعة، وإلّا فمسألة مثل فدك ماذا تعني بالنسبة للإمام مادّياً وهو القائل: «بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء فشحّت عليها نفوس قوم  وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم اللّه وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها غدا جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها ...».

 وإذا أمكن تصوّر أنّ الإمام عليه السلام  كان حريصاً على فدك لأهميتها الماديّة ولهذا أوعز لفاطمة الزهراء (ع) بالمطالبة بها، فإنّ ذلك يعبّر عن حرص تدعيم جانب الحق والاستفادة من مردودات فدك الماديّة - فيما لو استرجعاها - في سبيل إنجاح المعارضة.

 أمّا على الصعيد السياسي، فقد عمل الإمام عليه السلام  وفي إطار التعبئة الفكرية التي كان يقوم بها، على الموازنة بين موقفه المعارض من السلطة، وبين حرصه الشديد على عدم انهيار التجربة الإسلاميّة، وبين تقويم السلطة وتوجيه الإرشادات والنصائح لها بغية وضعها على الطريق الصحيح لتطبيق الإسلام. وكان مقتضى هذه الموازنة المعقّدة بين هذه الأهداف الثلاثة استخدام استراتيجية موحّدة في العمل ومواجهة الأحداث ضمن ضوابطها ومحدّداتها. فعلى صعيد المعارضة يذكر التاريخ  (أنّ جمعاً من الصحابة المخلصين استشاروا الإمام في أمر إنزال الخليفة الأوّل من على منبر رسول اللّه، فنهاهم الإمام عليه السلام  عن فعل ذلك مشيراً الى ردود الفعل المضادة من جهة، وقلّة عددهم من جهة ثانية، وحبّذ لهم الذهاب الى مسجد النبي صلى الله عليه واله وسلم  واستغلال فرصة وجود الخليفة في المسجد للتحدّث معه ومحاججته ونصحه، وفعل الصحابة ما بدا لهم من نصيحة الإمام على عليه السلام  فذهبوا الى المسجد وكان الخليفة الأوّل مرتقياً المنبر، فقام كلّ واحد منهم وتكلّم معه بكلام مفصّل  وحاججه الى أن اُفحم الخليفة ولم يستطع الجواب سوى أنّه قال وأمام الناس قولته المشهورة «وليتكم ولست بخير منكم أقيلوني أقيلوني»؟ ونزل الخليفة من على المنبر وطفق هو وصاحبه هامّين بالخروج من المسجد. ويذكر التاريخ أنّهما مكثا في بيتهما ثلاثة أيام متوارين عن الناس، ولم يحضرا المسجد، خشيه تكرار مثل ما حدث ...).

 أمّا على صعيد تقويم السلطة وتسديدها بالنصح والإرشادات حفاظاً على التجربة الإسلاميّة من الانهيار، فالتاريخ سجّل لنا الكثير الكثير من المواقف المهمة التي وقفها الإمام عليه السلام  من الخليفتين الأوّل والثاني، وكيف كان حاضراً في أوقات شدّتهما وحرجهما حتّى قال الخليفة الثاني مادحاً الإمام في هذا الصدد: «لا أبقاني اللّه لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن» وقوله أيضاً: «لولا علي لهلك عمر»!.

 أمّا بالنسبة للنقطة الثالثة وهي منع الإمام علي عليه السلام  إبنة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  فاطمة الزهراء (ع) من الدعاء على الظالمين، فقد وردت روايات كثيرة تؤكّد أنّه غير مرة همّت سيدة نساء العالمين  3بالدعاء على الخلفاء، لكنّ الإمام علي عليه السلام  يتدارك الموقف ويمنعها من الدعاء لأسباب إنسانية بحتة، ذلك لأنّ دعاء فاطمة  3وشكاية أمرها الى اللّه تعالى لن تمر دون استجابة وهي التي قال عنها أبوها صلى الله عليه واله وسلم «إنّ اللّه ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاه» وقوله صلى الله عليه واله وسلم  عنها: «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني» ... إلخ، وبهذا فإنّ هذا الموقف يندرج في ضمن خطة الإمام على عليه السلام  العامّة والرامية الى إصلاح الاُمور ومعالجتها على نحو موضوعي من غير اضطرار لاتّخاذ مواقف اُخرى قد تنأى بالعملية التغييريّة الى غير أهدافها ومقاصدها.

 ومن الروايات الدالّة على هذه النقطة أنّه: «حينما أخرجوا علياً عليه السلام  ملبّباً خرجت فاطمة  3فقالت: أتريد أن ترمّلني من زوجي ... واللّه لأن لم تكف عنه لأنشرنّ شعري ولأشقنّ جيبي ولآتينّ قبر أبي ولأضجنّ الى ربي فأخذت بيد الحسن والحسين عليهما السلام  وخرجت تريد قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم  فقال علي عليه السلام لسلمان: أدرك إبنة محمد صلى الله عليه واله وسلم  فإني أرى جنبتي المدينة تتكفأن، واللّه إن نشرت شعرها وشقت جيبها وأتت قبر أبييها وصاحت الى ربها، لا يناظر بالمدينة أن يُخسف بها وبمن فيها، فأدركها سلمان وقال: يا بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم  إنّ اللّه بعث أباك رحمة فارجعي، فقالت: يا سلمان يريدون  قتل علي عليه السلام  ما علي صبر فدعني حتّى آتي قبر أبي فأنشر شعري وأشق جيبي وأصيح الى ربي. فقال سلمان: إني أخاف أن يخسف بالمدينة وعلي بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له الى بيتك وتنصرفي، فقالت: إذن أرجع وأصبر وأسمع له وأطيع».

 أمّا عن النقطتين الرابعة والخامسة وهما إرشاد الملسمين وتعريفهم الإسلام الصحيح، ومبايعته الوضع الذي نتج عن السقيفة، فإنّ الإمام عليه السلام  ومن واقع مسؤوليته الشرعيّة، استمر يعمل بنهجه في إرشاد الاُمّة وتعريفها الإسلام الذي نأت تجربة التطبيق الجديدة عن أحكامه وقواعده، وكان الإمام بحكم الوضع الذي نتج عن أحداث السقيفة مقصيّاً عن الإدارة السياسيّة المباشرة لاُمور الاُمّة، الأمر الذي جعل المجتمع الإسلامي يعيش بعمق خطرين فادحين خطر تنحية الرجال الاُمناء على الرسالة عن الإشراف عليها، وخطر تسلّم زمام الاُمور رجال غير مؤهّلين لقيادة التجربة الإسلاميّه وكان الوضع ينذر - وبكلّ المقاييس - بتصدّع المجتمع الإسلامي وانهياره. ولهذا فإن الإمام سارع الى إعلان البيعة للوضع السياسي الجديد الذي حلّ بعد السقيفة درءاً للشقاق والاختلاف والتشتّت ومنعاً من حصول المفاسد التي قد تنجم من ذلك، والتي ليس في المجتمع من مقوّمات استيعابها أو هضمها. كما أنّه عليه السلام  وعلى صعيد العمل مع الاُمّة استمر يدافع عن الرسالة ويدعو الى سبيل ربه ويرشد الناس ويقضي بينهم ويمارس جميع وظائفه وصلاحياته باعتباره وصيّاً لرسول اللّه وأميناً على الرسالة وهو الذي عبّر عن ذلك بقوله صلوات اللّه وسلامه عليه: «واللّه لا أدخل المسجد إلّا لزيارة رسول اللّه أو لقضية أقضيها، فإنّه لا يجوز لحجة أقامه رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم أن يترك الناس في حيرة ... ».

 ولم يستثن الإمام عليه السلام  في هذا الأمر حتّى الخلفاء الذين اغتصبوا حقّه وتنكّروا له، إذ غالباً ما كان يشير عليهم في أوقات حرجهم وحيرتهم، بكلّ أمر مستحسن وصحيح وشرعي، بل ويقف منهم المواقف المشرّفة التي لا تليق إلّا بأمثاله وقد ذكر التاريخ الكثير من هذه المواقف والتي ليس أوّلها تلك الإشارة التي أشار بها على الخليفة الثاني بعدم ترك المدينة والخروج منها في واحدة من الحروب خشية انفلات الأوضاع وتضرر الوضع العام، ولم يكن آخر مواقفه إيعازه لإبنه الإمام الحسن عليه السلام  بمرافقة الجيش الإسلامي ومناصرته في إحدى الغزوات.

 

 الإمام علي عليه السلام  وموقفه من معاوية بن أبي سفيان

 حينما بُويع الإمام علي عليه السلام  على تولّي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفّان، قبلها مكرهاً وقال قولته الشهيرة: «دَعوني والتَمِسوا غيري ... واعلَموا أنّي إن أجبتكم ركبتُ بكُم ما أعلم، ولم أصغِ الى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمَعُكُم وأطوَعُكُم لمن ولَّيتُموه أمرَكُم ، وأنا لكم وزيراً خيراً لَكُم منّي أمير». وكان معنى هذا القول فيما يستبطنه من معاني أنّ الأمام عليه السلام  يطلب البيعة من الناس على المنهج والخط وليس على الخلافة والأمارة والسلطة بعدما استطاعت التجربة المنحرفة والمتعاقبة على تزييف معنى الخلافة وقيادة المسلمين، إذ أمست الخلافة في وجدان القطّاع العريض من المسلمين تشير الى المنصب ولا ترى في الرجال الذين يتعاقبون عليه ميزة في منهج أو شي‏ء آخر لا سيّما وأنّ الانحراف في قيادة التجربة الإسلاميّة بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  تحوّل بمرور الزمن الى نظرية وقواعد في الحكم استقرت بشكلها الأكثر انحرافاً في أيام خلافة عثمان، فكان الإمام علي عليه السلام  يمثّل الاتجاه الآخر والصحيح وقد برز هذا الأمر جلياً أيام خلافة عثمان عندما دخل الإمام عليه السلام  في صراع مكشوف وعلني معه ليثبت للاُمّة محتوى واُسس وأخلاقيات نظريته في الحكم الإسلامي وقيادة التجربة، وكانت الاُمّة مهيّئة أكثر من أي وقت مضى للإحساس بحقيقة الاُمور وحقيقة الاختلاف بين منهج الخلفاء ومنهج الإمام علي في رؤية الإسلام ووعيه وقيادة تجربته في الحكم والخلافة، لكن هذا التهيّؤ من قبل الاُمّة كان بحاجة الى كثير من الصقل والتدريب لكي يتحوّل من مجرد معرفة ونظر الى موقف عملي ونفسي‏غ لتحمّل أعباء ذلك الوعي فيما يتطلّبه من مواقف وحزم وصبر على المشاق، سواء في جانب التصدّي للانحراف وتحمّل النتائج أو في جانب الصبر على التطبيق الجديد للإسلام فيما يقرّره المنهج الآخر من زهد في الدنيا وعدالة في التوزيع والحكم والمجتمع قد لا تصبر عليها النفوس التي درجت وأشربت إتّباع المنهج السابق الذي كرّسه الخلفاء وتحوّل الى ميوعة مطلقة في التعامل مع الحدود والأخلاق الإسلاميّة زمن خلافة عثمان. ولهذا قال الإمام مخاطباً الاُمّة: «أنا لكم وزيراً خيراً مني لكم أميراً...» أي أن أكون بعيداً عن القرار «وزير» خير وأفضل من أكون في موقع القرار والمسؤولية «أمير» إذ أنّ الموقع الثاني يستبطن إصدار الأوامر والقرارات الصعبة التي تتطلّب قاعدة بشرية واعية ومطيعة قد وطّنت نفسها على خوض غمار الصعوبات، وعلى هذا الأساس فإنّ بيعتكم لي يجب أن تكون بيعة قد أخذت في حسابها جميع هذه الاُمور وإلّا «فأنا لكم وزيراً خيراً مني لكم أمير».

 وقد قبلت الاُمّة شورط الإمام - بعد أن بلغ الإصرار أشدّه على الإمام في قبول الخلافة - وكان مقتضى هذا القبول قبول المنهج الجديد في العمل السياسي والاجتماعي والإداري، وكانت خلافته بداية عهد جديد ونقطة تحوّل في الخط الذي وجد بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم  كما عبّر عن ذلك اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض). إنّ اُولى وأكبر العقبات التي واجهت الإمام علي  صلى الله عليه واله وسلم  فور تسلّمه زمام الاُمور هو انشقاق معاوية وتخلّف الشام عن الانضمام الى بيعته ( رفض الإمام عليه السلام  إقراره في منصبه، وبهذا امتطى الإمام عليه السلام أوّل صعوبة وخطى أوّل خطوة في إقامة منهجه الخاص بالحكم والإدارة خلافاً للمنهج السابق الذي درج عليه الخلفاء في إقرار معاوية في منصبه وصلاحياته في الشام.

 ورغم أنّ هناك من أشار على الإمام إقرار معاوية في إمارته على الشام أمداً معيّناً ريثما تستتب له الاُمور ثم يتّخذ قراره بعزله عن منصبه، نرى أنّ الإمام لم يستجب لهذا الرأي لوضوح الموقف عنده أزاء هذه المسألة، ولتوافر المبررات التي لا تسمح - بأي حال من الأحوال - بإتخاذ منهج آخر مسالم، وهذه المبررات ليست مبررات سياسية بحت لكي يستوي فيها الإمام علي عليه السلام  مع غيره فيما لو كان غيره خليفة للمسلمين، وإنّما هي مبررات أخلاقية لا تصدر إلّا عن الإمام، ولا تكون مقدّسة ومحترمة إلّا لأمثاله الذين  يضحّون من أجل المبادئ، ولن يكون غيره الذي لا يشابهه في سيرته ومبدئيته بمستعد لفعل ما فعله الإمام، ولهذا قال الأغيار الذين لا يشابهونه: إنّ إقرار معاوية في منصبه حيناً ريثما تستتب الاُمور للإمام علي عليه السلام  يعد من الحكمة السياسية، وإنّ استتباب الاُمور له هو الأهم فيما يكون عزل معاوية أمراً مهماً، والأهمّ متقدّم على المهم في حالة التزاحم. فلِمَ كان الأهمّ عند الإمام هو عزل معاوية ... ولِمَ يوحّد الإمام بين عزل معاوية وإقامة الدولة ولا يرى فيهما أمرين منفصل أحدهما عن الآخر لكي تأتي هنا «قاعدة التزاحم»؟

 لقد أفاد اُستاذنا الشهيد رحمه الله  في الجواب على هذا التساؤل وكتفسير لفعل إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام عدّة مبرّرات ومن جملتها ما يلي:

1 ـ لقد كان الإمام عليه السلام  لدى تسلّمه منصب الخلافة يهدف ويخطط لإيجاد وصنع قاعدة شعبية مبدئية له في العراق، وأنّ من ضروريات هذا الهدف التمسّك بالمبادئ ورفض المساومات وأنصاف الحلول مع المنحرفين لكي يكون قدوة في سلوكه ولكي تشعر الاُمّة بالمائز العملي بين التطبيق الصحيح للإسلام والتطبيق المنحرف الذي لم ترَ الاُمّة في العراق  سواه في  طول عهدها مع الإسلام بعد رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم .

2 ـ لقد جاء الإمام عليه السلام  في أعقاب المشاعر الثورية التي تألّبت ضد عثمان بن عفّان والتي نتج عنها مقتله، والمسلمون وقتئذٍ كانوا في  مرحلة تصاعد المعنويات وارتفاعها، وفي لحظة زخم ثوري سليم باتجاه القضاء على الانحراف ومحاولة بناء تجربة إسلاميّة صحيحة، وكان الإمام علي عليه السلام  بصدد استثمار هذه الحالة وتوظيفها في بناء المجتمع الجديد. فالمهمات التي كانت أمام الإمام تحتاج الى هذا النوع من الطاقة الحرارية والوعي وبدونهما لا يمكن خوض غمار الجهاد لإعادة بناء المجتمع والدولة، الأمر الذي لا يسمح بمهادنة معاوية وإبقاء الباطل ولو مؤقّتاً، لأنّ مهادتنه تعني قتل هذه الروح لما تؤدّيه من الشكّ في حقانيّة الإمام ومبدئيته.

3 ـ لقد جاء الإمام  وهو بصدد القضاء على مظاهر الفساد الحكومي والإداري الذي خلّفه معاوية في الدولة والمجتمع الإسلامي، واجتثاثه مع جميع تأثيراته وجهازه الإداري الفاسد، ولم يكن بالإمكان - حتّى في منطق السياسة - إقرار معاوية ومهادتنه لأنّ من شأن هذا الإقرار توطيد سلطته وإسباغ المشروعيّة على نظامه الحكومي والإداري وهذا يتناقض مع ما كان يستهدفه الإمام من إضعاف موقف معاوية وصولاً الى إزالته من الشام، كما أنّة يتناقض مع ما كان يستهدفه الإمام من إفهام الناس حقيقة المعركة بينه وبين معاوية.

4 ـ لم يكن الإمام عليه السلام  ضعيفاً حين تسلّم منصب الخلافة وكانت جميع المؤشّرات تؤكّد انتصار الإمام على خصمه المنكفئ في الشام الحريص على إبقائها تحت سلطته، متشبّثاً بشعار المطالبة بدم الخليفة الثالث وملمحاً الى اتّهام الإمام علي في ذلك، وعلى أساس خلفية هذا الأمر انشق معاوية من الانضمام الى بيعة الإمام وحاول تعبئة الناس ضده، وكان هذا كل ما يملكه من سلاح ضد الإمام. أمّا الإمام فقد كان يمتلك جميع عناصر القوة التي تمكّنه من دحر عدوه، وقد تمكّن منه فعلاً لولا خدعة عمر بن العاص التي قلبت مقاييس القوة بين الإمام ومعاوية. وهذه الحقيقة بذاتها لا تدع مجالاً للمصالحه أو المساومة مع العدو، بل تدفع لمحاربته بغية اجتثاث جذوره، وهذا ما فعله الإمام استناداً الى ثقته بعناصر القوة التي يمتلكها، وضعف خصمه وعدوه.

 

 موقف الإمام من قصة الحكمين والخوارج

 إنّ محنة الإمام وحرجه من مسألة الحكمين، ومسألة الخوارج، جلية ولا تحتاج الى بيان. حيث رضخ الإمام لتحكيم الحكمين رغم عدم إيمانه بهما، ثم ابتلائه بعد ذلك بأولئك الذين رفضوا التحكيم وهم الخوارج، وكان موقف الإمام من  كلتا المسألتين حرجاً، لأنّه بطبيعة الحال، موقف من كلا طرفي النقيض أو من النقيضين المرفوضين لديه، وللاختصار وبيان مدى حرج الإمام في هاتين المسألتين نورد القصة المعروفة التي وردت في واحدة من روايات أهل البيت وهي محادثة جرت بين رأس اليهود والإمام، حيث يسأل رأس اليهود الإمام علي عليه السلام  عن الامتحانات التي امتحن بها محتجاً عليه بما ورد  في  الكتب القديمة من أنّ الوصي يُمتحن بأربعة عشر امتحاناً سبعة في زمن الرسول صلى الله عليه واله وسلم  وسبعة بعد الرسول، ويقول للإمام: ما هي امتحاناتك يا علي؟.

 فيجيب الإمام علي عليه السلام  على هذا السؤال بالتفصيل، وهنا نذكر محل الشاهد فقط وهما الامتحانان السادس والسابع كما ورد في الرواية. فعن الامتحان السادس يذكر الإمام قصة رفع  المصاحف والحكمين فيقول: «... فرَفَع المصاحف يدعو الى ما فيها بزعمه فمالت الى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء خيارهم وجهدهم في جهاد أعداء اللّه وأعدائهم على بصائرهم فظنّوا أنّ أبن آكلة الأكباد له وفاء بما دعى إليه فأصغوا الى دعوته وأقبلوا بأجمعهم في إجابته فأعلمتهم أنّ ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه  وأنّهما الى النكث أقرب منهما الى الوفاء فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري وأبوا إلّا  إجابته كرهت ام هويت شئت أم أبيت حتّى أخذ بعضهم يقول لبعض إن لم يفعل فألحقوه بابن عفّان وادفعوه الى ابن هند برمته فجهدت علم اللّه جهدي لم أدع علّة في نفسي إلّا  بلّغتها في أن يخلّوني ورأيي فلم يفعلوا وراودتهم على الصبر على مقدار فواق ناقة - بمعنى الفاصل بين حلبتين - أو ركضة فرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ وأومأ بيده الى الأشتر وعصبة من أهل بيتي فو اللّه ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلّا مخافة أن يقتل هذا وهذا أومأ بيده الى الحسن والحسين فينقطع نسل رسول اللّه عليه السلام  وذريته ومخافة أن يُقتل هذا وهذا وأومأ بيده الى عبد اللّه بن جعفر ومحمد بن الحنفيّة فإنّي أعلم لولا مكاني ... إلخ».

 ويذكر الإمام كيف أنّه أراد أن يعيّن ابن عباس لموضوع الحكمين إلّا أنّهم أبوا عليه إلّا أن يعيّن أبا موسى الأشعري، وهكذا قبل الإمام الحكمين تحت تأثير الضغوط التي واجهها والتي على رأسها إنفضاض اتّباعه وقلّة ناصريه.

 أمّا الموقف الحرج الآخر الذي واجهه الإمام فهو موقف الخوارج الذين خرجوا عليه يطالبونه بنقض موقفه من الحكمين بعد أن كانوا من السبّاقين في تأييد الحكمين وتوجيه الضغوط على الإمام للرضوخ لمطاليبهما في قبول فكرة الحكمين، هؤلاء الذين كانوا يوصفون بالزهد والورع  والتهجّد في تلاوة القرآن حتّى وصف تهجّدهم بالقرآن بأنّ لهم دوياً كدوي النحل. يقول الإمام عليه السلام  لرأس اليهود واصفاً أولئك الخوارج: « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم كان عهد إليّ أن أقاتل في آخر الزمان من أيامي قوماً من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب يمرقون بخلافهم عليّ ومحاربتهم إياي من الدين مروق السهم من الرمية»!! وكان هؤلاء الخوارج قد جاءوا الإمام علي وقالوا : «لقد كنّا زللنا حين رضينا بالحكمين وقد بان لنا زللنا وخطؤنا فرجعنا الى اللّه وتبنا فارجع أنتَ يا علي كما رجعنا وتب الى اللّه كما تبنا وإلّا تبرّأنا منك»! لكنّ الإمام لم يوافق هؤلاء الخوارج في مسألة الرجوع عن تحكيم الحكمين. فلماذا لم يتراجع الإمام عن موقفه ذاك ويستجيب لدعوة الخوارج؟ ألم يكن من المناسب إرضاء الخوارج وكسب ودّهم بغية الاستفادة منهم في حربه ضدّ معاوية لا سيّما وأنّ مسألة التحكيم قد التقى عندها عدم رضا الطرفين بفارق أنّ الإمام علي قد اُكره على تأييد الحكمين وأنّ الخوارج عدلوا عن رأيهم بعد سبق التأييد والموافقة منهم ..؟

 

 وللإجابة على هذا التساؤل نذكر نقطتين:

 النقطة الاُولى: معرفة الإمام عليه السلام  بالظروف التي آلت الى رجحان كفة معاوية على كفته في الحرب، وأنّها - أي الظروف - لم تزل ماثلة لم يطرأ عليها أي تغيير يصب في مصلحة الإمام، فالوهن الذي أصاب أصحاب الإمام نتيجة لرفع المصاحف ولغير ذلك لم يزل ثابتاً، الأمر الذي يعني أنّ أيّة مواجهة جديدة مع معاوية محكوم عليها سلفاً بالفشل هذا من جهة، ومن الجهة الثانية أنّ الاعتماد على الخوارج في هذا الأمر لا يعدّ أمراً حصيفاً لأنّ هؤلاء ليسوا ممن يعتمد عليهم في مثل هذه الاُمور لا سيّما وأنّهم هم الذين قد تناقضوا في مواقفهم وسبّبوا الحرج تلو الحرج للإمام. فهل يمكن بعد ذلك استعادة الثقة بهم والاعتماد عليهم في المسائل الحسّاسة والخطرة؟!

 النقطة الثانية: هي أنّ أخلاق الإمام عليه السلام  لا تسمح بنقض العهد الذي أبرمه في مسألة تحكيم الحكمين، وكما هو معلوم فإنّ الإسلام يحث المؤمنين على التزام عهودهم حتّى ولو كانت مع المشركين. يقول اللّه تعالى:  (إلّا الّذينَ عاهدتمْ من المشركينَ ثمَّ لمْ ينقُضوكم ولم يُظهروا عليكمْ أحداً فأتمّوا إليهم عهدَهم الى مدّتِهم إنّ اللّهِ يُحبُّ المتَّقين). كذلك قوله تعالى:  (وإنْ أحَد مِنَ المشرِكينَ استَجارَكَ فأجرهُ حتّى يسمَعَ كلامَ اللّه ثمَّ أبلِغهُ مأمَنَه)وفي معنى هذه الآية الآخيرة هو أنّه لو أخذ مشرك الأمان من مؤمن بغرض المجي وسماع  كلمة الحق لكنّه بعد ذلك لم يذعن للحق ولم يؤمن به وأراد الرجوع من حيث أتى لا يجوز حينئذٍ الغدر به وقتله بدعوى استمراه على الضلالة بل الواجب إبلاغه الى مأمنه سالماً.

 وبهذا فإنّ الإمام لم يجد بُداً من الاستمرار على العهد الذي اُبرم معه في مسأله الهدنة مع معاوية وتحكيم الحكمين، ولم تكن المبررات متوافرة وقتئذٍ لاعتبار العهد لاغياً أو منقوضاً. لقد كان للإمام علي في ذلك اُسوة حسنة برسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  في تعاهده على الصلح مع المشركين  في الصلح الذي عُرف بصلح الحديبية.