ثانياً - الإمام الحسن عليه السلام

 حينما تتناول حياة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام  السياسية يتمّ التركيز على قضية الصلح الذي اُبرم فيما بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، وتثار في هذا الاطار تساؤلات عن الأسباب التي دعت الإمام الحسن لمصالحة معاوية، وعن النتائج التي آل إليها الصلح، وعن جدوى المصالحة مع شخص مثل معاوية، وبالتالي يثار السؤال الرئيسي عن المنهج الذي انتهجه الإمام الحسن في هذه المسألة واختلافه عن منهج أبيه وأخيه من بعده عليهما السلام  حيث كان منهجهما قائماً على الثورة وعدم مهادنة الظالمين.

 ويبدو أنّ الكثير من هذه التسؤالات وأمثالها قد انطلقت على خلفية تصوّر غير ناضج ويفتقد للعلمية ومنهج التفسير التاريخي الصحيح، فتصوّر أنّ الأئمة عليهم السلام  يمارسون قيادتهم للمجتمع ومواجهة الانحراف بنسق وطريقة واحدة تصوّر خاطئ، لسبب بسيط هو أنّ كلّ إمام منهم يواجه ظروفاً مختلفة تحكم بالضرورة لانتهاج ما يراه الإمام مناسباً لظرفه الخاصّ في اطار الهدف الأساسي الذي يسعى لتحقيقه جميع الأئمة عليهم السلام ، وبالتالي فإنّ هدف الأئمة هو هدف واحد ومنهجهم في العمل السياسي والاجتماعي أيضاً منهج واحد، غاية الأمر أنّ منهج هذا الإمام المعصوم قد يظهر بصورة تبدو للوهلة الاُولى مختلفة عن الصورة التي تظهر في منهج الإمام اللاحق أو الآخر، ومردّ هذا الاختلاف الزائف هو استعجال النظرة وتجزئتها وفقدانها للرؤية الاستراتيجية الكليّة التي تطبع عمل وجهاد جميع الأئمة. فصلح الإمام الحسن مع معاوية كان بحقيقة الأمر حرباً على معاوية ولكنها حرباً  (باردة) لأنّها كشفت زيف معاوية أمام الاُمّة، وأبطلت حججه واُسطورته في أذهان الكثيرين من المغفّلين  به. وهذا الكشف حينما يوضع في اطار المعركة الشاملة التي قادها الأئمة مع الانحراف ومظاهره في المجتمع الإسلامي، تكتمل الصورة حيث يتناسق الموقف بصيغته اللاحقة مع ثورة الإمام الحسين عليه السلام  على يزيد بن معاوية وهكذا الى أن يتبلّور الموقف النهائي للاُمّة في إحكام الخط الإسلامي الصحيح في المجتمع وتحصين وحفظ شيعتهم من الذوبان في الاتجاهات الاُخرى المنحرفة.

 

 تفسير صلح الإمام الحسن عليه السلام  مع معاوية

 لا بُدّ من تفسير الصلح لمعرفة دواعيه وغاياته والنتائج التي تمخّضت عنه:

 وبالحقيقة هناك تفسيران يفسران إقدام الإمام على إبرام الصلح مع معاوية أحدهما خاصّ والآخر عامّ.

 أمّا التفسير الخاصّ. فهو ما بيّنه اُستاذنا السيّد الشهيد  (رض) حول المرض الذي كانت الاُمّة مبتلاة به، وهو مرض الشكّ، حيث كانت الاُمّة تشكّ في طبيعة الصراع الذي كان ناشباً بين الإمام الحسن عليه السلام  ومعاوية وتتصوّره صراعاً من أجل حيازة السلطة، وليس صراعاً بين الحق ممثلاً بالإمام الحسن‏عليه السلام  وبين الباطل ممثلاً بمعاوية بن أبي سفيان، وإنّما هو صراع بين سلطانين. ولم يكن أمام الإمام الحسن عليه السلام  من سبيل لمعالجة هذا المرض إلّا بمصالحة معاوية لأنّ الصلح وحده هو القادر على كشف حقيقة معاوية وإذا ما كشفت الاُمّة حقيقة معاوية سوف تدرك أنّ حربه على الإمام الحسن عليه السلام  إنّما هي حرب ظالمة، وأنّ الإمام الحسن عليه السلام  إنّما يدافع عن الحق وعن الرسالة وليس عن السلطان والجاه والرئاسة، وبالتالي فإنّه سوف يصار الى تعرية بني اُميّة وكشف زيفهم وبطلانهم، وبهذا يُزال مرض الشكّ الذي كانت الاُمّة مبتلاة به فلا  تشكّ بعدئذٍ بحقانيّة الأئمة فى دفاعهم عن الرسالة، ولا تصدّق بشعارات بني اُميّة الكاذبة الزائفة.

 وأمّا التفسير العامّ فهو الذي يفسر  نهوض الأئمة بالأمر على أساس الأمر الواقع، فالإمام عليه السلام  لا ينهض بالأمر إلّا عندما تتوافر لديه قوة ومقدرة تكفي لإنجاح مهمته وفق المقاييس المعقولة، ولا يشترط في هذه القوة أن تكون اكبر من قوة العدو من الناحية الماديّة، بل يكفي أن تكون متوافرة على شروط القوة المعنويّة الاُخرى، والإمام الحسن عليه السلام  لم يحصل على هذه القوة حتّى بالحدّ الأدنى الذي يمكن أن تستمر بواسطته المجابهة، ولهذا اضطر الى إيقاع الصلح مع معاوية.

 وهناك نصوص وروايات تؤكّد  هذه الحقيقة، حقيقة كون الإمام الحسن ما كان يمتلك  القوة التي تمكّنه  من الاستمرار في مواجهة معاوية، واضطراره لمصالحته، نختار نصين أحدهما خطاب له عليه السلام  يخاطب به أصحابه ويبيّن فيه هذه المسألة: «أما واللّه ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنّتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكُنّا لكم، وكُنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تصدّون قتيلين قتيلاً بصفين تبكون عليهم وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر، وإنّ معاوية قد دعا الى أمر ليس به عز ولا نصَفَة فإن أردتم الحياة قبلناه منكم وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات اللّه وحاكمناه الى اللّه، فنادى القوم بأجمعهم بل البقية والحياة»!!

 والنص الآخر رواية مروية عن زيد بن وهب الجهني قال: «لما طُعن الحسن عليه السلام  بالمدائن أتيته وهو متوجع وقلت ما ترى يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم  فإنّ الناس متحيّرون، فقال الإمام الحسن عليه السلام أرى واللّه معاوية خيراً لي من هؤلاء. يزعمون أنّهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي، واللّه لإن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خيراً من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي واللّه لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سلماً فواللّه لإن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمّن عليّ فتكون سبّة على بني هاشم الى آخر الدهر ومعاوية لا يزال يمّن بها وعقبه على الحي منّا والميت.».

 إنّ هذا النص، والنص الذي قبله، يعطياننا فكرة واضحة عن مدى الصعوبات التي كانت تواجه الإمام الحسن عليه السلام والتي لم تترك أمامه خياراً سوى المصالحة مع خصمه اللدود، ليس اضطراراً وحسب، وإنّما دفعاً لخصمه نحو الزاوية الحرجة، التي يضيق بها فكر وسلوك معاوية، فما لبث بعد حين إلّا ونقض الصلح وقد تهكم عليه معلناً عن حقيقته، فكان هذا الأمر كاشفاً عن سياسة معاوية وبطلانه، ومؤكّداً حقانيّة الإمام عليه السلام  واستقامته وحكمته، وبذلك انتهى دور الإمام الحسن عند هذه المهمة العظيمة التي مهّد بها السبيل الى أخيه الإمام الحسين عليه السلام .