كلمه المركز :
عديدة هى التساؤلات حول جدوى طرح مساله الامامه على اساس اطارها التاريخى الذى مضى عليه الزمن! كما انها قد تصبح منطلقا لاثاره الخلافات من جديد بين اعضاء البيت الاسلامى، وانبعاث الروح الطائفيه التى قد تهدد الوحده الاسلاميه والخطى المتسارعه باتجاهها.

والحقيقه ان مساله الامامه تخترق اطارها التاريخى لتصبح من اكثر المسائل حياتيه ومصيريه، ليس لمحتواها العقائدى فحسب بل لمعطياتها الفكريه فى الحياه الانسانيه، انطلاقا من رؤيتها السياسيه وجانبها الادارى والقيادى.

ومن هنا فهى لا ترتبط بزمن مضى بل انها تواكب الازمنه حاضرا ومستقبلا.

ولاهميتها الفائقه وحساسيتها فقد اضحت وعلى مدى تاريخ الاسلام محورا حيويا للبحث، وكانت واحده من مجالات علم الكلام، وبهذا فاقت غيرها من المسائل الاسلاميه الاخرى.

ان بحث الامامه يكمن فى الصميم من القضايا الاسلاميه، ذلك ان مساله الامامه منطلق مصيرى للامه الاسلاميه فى محاور عديده:

* فالى من يرجع المسلمين فى اخذ احكام الاسلام وحلول المشكلات الفكريه؟
* وبمن يقتدى المسلون بعد غياب النبى(ص)؟
* وما هو شكل النظام الاسلامى ومقومات الحاكم المسلم؟ واذا ما بحثت الامامه فى اطار من الحوار العلمى وفى اجواء من الخلق الاسلامى الرفيع، بعيدا عن كل اشكال التعصب والاساءه، فانها لن تكون باعثا على تاجيج النفس الطائفى، بل سيكون لها الاثر البالغ فى ردم هوه الخلاف والتقريب بين الاتجاهات الاسلاميه المختلفه.

ان روح الاسلام كشريعه ورساله تنطوى على مسووليه بالغه الاهميه وهى مهمه تطبيقها فى واقع الحياه.

فمعركه (احد) التى انطوت على درس عسكرى بالغ الاهميه قد انطوت على بعد آخر لا يقل اهميه عن مضمونها الحربى فحسب بل يفوقه بكثير، فالايه الكريمه فى قوله تعالى: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم) تستنكر بشده تراجع البعض واستعدادهم للتخلى عن مسووليتهم الاسلاميه الاكيده، فحتى مصرع النبى(ص) لن يكن مبررا لاى كان فى التخلى عن الرساله او الانقلاب عليها.

فالايه الكريمه بلهجتها الشديده توكد الحفاظ على النظام الاجتماعى باعتباره ضروره عقليه، وبالتالى استمرار مسووليه الجهاد فى غياب النبى(ص).

ولقد اصبحت مساله الحكومه من البديهات لدى المسلمين فيما بعد وهذا ما ظهر جليا خلال الجدل الذى احتدم فى سقيفه بنى ساعده عشيه وفاه النبى(ص).

فقد ظهرت مشكله الخلافه، وبرز النزاع داخل البيت الاسلامى ولكن احدا لم يتفوه بعدم ضرورتها.

وعلى بن ابى طالب(ع) الذى يعد الافضل فى تسنم هذا المنصب الحساس والذى راى (تراثه نهبا) لم يقف من الخلافه - التى حسمت فى غير صالحه - موقفا سلبيا طيله حياته بل تعاون معهم بالقدر الذى يدعم الكيان الاسلامى ويرسخ جذوره فى الحياه، ولم يسع ابدا فى اضعاف مركز الخلفاء وكان يدعم مواقفهم فى كثير من الاحيان، ومواقفه فى الازمات العاصفه تهتف بذلك.

ولقد استنكر(ع) بشده فيما بعد شعار الخوارج: (لا حكم الا للّه) بقوله: كلمه حق يراد بها باطل. نعم انه لا حكم الا للّه ولكن هولاء يقولون: لا امره الا للّه، انه لابد للناس من امير بر او فاجر يعمل فى امرته المومن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ اللّه فيها الاجل ويجمع به الفىء ويقاتل به العدو، وتامن به السبل ويوخذ به للضعيف، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر).

ان مساله القياده من حتميات الاسلام وقد شغلت مركزا حساسا بالغ الاهميه، بحيث يكون القائد فردا معصوما من الخطا مطهرا من الذنوب. ولقد تحقق هذا فى ظلال النبى(ص) الذى كان يجمع بين مسووليتين: اداء الرساله وقياده المجتمع الاسلامى، فهو مبلغ للوحى وحاكم للدوله، مبين للشريعه مسوول عن تنفيذها فى واقع الحياه الانسانيه.

ولقد حدث شرخ كبير بعد رحيل النبى(ص) والتحاقه بالرفيق الاعلى ذلك ان الذين تصدوا للخلافه لم يكونوا انبياء ولا ادعوا الاتصال بالسماء، كما لم يدعوا ايضا الامامه فى اطارها المعنوى ومضمونها الروحى، وكانوا يدركون تماما ان مستوياتهم العلميه، والاخلاقيه لا توهلهم ليكونوا ائمه هداه ومثالا للمسلمين.

وفى موتمر السقيفه اهملت الامامه تماما كزعامه روحيه، واحتدم الجدل حول الجانب السياسى فيها وقد بلغ حماسهم له ان اهملوا جميع الاعمال والمهام الاخرى وفى طليعتها مواراه الجثمان الطاهر لسيدنا محمد(ص) وهى مهمه تكفلها على بن ابى طالب بشكل اساسى.

وكانت الافكار والتيارات المتصارعه تتخذ من مساله القرابه وبعض الخدمات والاعتبارات القبليه منطلقا فى التاسيس لحق الخلافه.

ولم يتطرق احد الى مساله العصمه، والاعلميه كاساس فى مقومات الخليفه القادم، وهكذا حسمت مساله الخلافه بطريقه انطوت على قدر كبير من المخاطره بحيث عدها عمر بن الخطاب نفسه: (فلته) يتوجب عدم تكرارها فى المستقبل! غير ان هذا الحسم قد ادى ومع بالغ الاسف الى انفجار الاسلام..

ومن الموكد اننا سنجد جذورا لحرب الجمل وصفين وحتى ماساه كربلاء فى تلك البقعه الجغرافيه الصغيره حيث عقد الانصار جلستهم الطارئه فى سقيفه بنى ساعده لمواجهه مستقبل ما بعد الرسول(ص)! ان من المهم جدا دراسه الرويه الشيعيه التى توكد ان الامامه عهد الهى كما النبوه وان الامام كالنبى معين من قبل اللّه مع فارق واحد هو الوحى، فالنبوه تبليغ للرساله والامامه حراسه لها.

وهذا الكتاب الذى بين يديك عزيزى القارىء يقدم وعلى مدى احد عشر درسا مساله الامامه، مستعرضا الرويتين السنيه والشيعيه ومشيرا الى اشكال النظم فى الوقت الحاضر كما ويناقش مساله العصمه، ومنابع علم الامام، والتشيع فى التاريخ الاسلامى، واخيرا دور الائمه الاثنى عشر من اهل بيت النبى(ص).

مركز الغدير للدراسات الاسلاميه

 

الدرس الاول

موقع القياده فى الاسلام مقدمه

هل يثير الموضوع اختلافا فى الامه؟
قد يتصور البعض ان طرح هكذا موضوع سوف يثير جدلا بين الشيعه والسنه، وهو تصور خاطىء.

ذلك اننا عندما نغض النظر عن الجانب السياسى فى الموضوع، ليكون البحث فى اطاره العلمى فاننا سوف نكتشف ونتعرف اكثر فاكثر روى الفريقين وآرائهم، وهذا مايتيح الفرصه لتضييق هوه الخلاف والاختلاف بين المسلمين.

على ان البحث العلمى فى هذه المساله الحيويه سيكون معلما فى طريق حريه الفكر والتعبير عن الراى وسعه الافق لدى الفريقين، وسيزيد من اواصر المحبه ويعزز من علاقات الاخوه والتضامن، هذا اولا، وثانيا: ان الاتحاد فى ظلال الحقيقه ستكون له ثماره المفيده وعطاءه الثر، لان الانطواء على الحقائق وكتمانها والتشبث بالاتحاد الظاهرى لن يكون محورا قويا يمكن ان يشد من روابط الامه ويوحد فئات المجتمع الاسلامى.

وثالثا: ان صيحات الفرقه والطائفيه تستلزم صحوه جاده ومعرفه جوهريه بالاسلام وحقائقه، وهو ما ينشده القرآن الكريم فى الاداره والقياده والحكم، وهى اهداف لا يمكننا بلوغها فى اجواء متشنجه وآراء متعصبه لا ترى قيمه للاخر ولا وزنا.

المفهوم العام للامامه:

يتسع مفهوم الامامه ليستوعب المرجعيه الفكريه والزعامه السياسيه والقياده الدينيه.

والزعامه الدينيه لا تعنى سوى تطبيق حقائق الاسلام فى واقع الحياه ولا تعنى سوى تحقيق الاهداف الانسانيه لرساله الاسلام، تلك الاهداف التى بعث سيدنا محمد(ص) من اجلها وجاهد فى سبيلها.

وقد يعنى مفهوم الامامه احيانا زعامه اجتماعيه محدوده او سياسيه فى نطاق معين، ولكن ما نحاول مناقشته هنا هو (الامام) بتلك المنزله الرفيعه التى تنطوى على بعد الهى عندما يتصدى انسان ليكون خليفه للنبى فى قياده الامه، وهدايه المجتمع، قياده تستوعب دنيا الناس وعقائدهم الدينيه فى ذات المسيره التكامليه التى بداها النبى(ص).

 

الرؤية السنية:
ينادى اغلب علماء اهل السنه على ان مفهوم الامامه لا يعنى شيئا سوى الخلافه، فهما اصطلاحان مترادفان، وبالتالى فالخلافه مسئوليه اجتماعيه ودينيه كبرى تتم من خلال الانتخاب.

والخليفه هو الذى يتصدى الى حل مشكلات المجتمع المسلم الدينيه كما انه مسوول عن استتباب الامن العام من خلال القدره العسكريه وحراسه حدود الدوله الاسلاميه، وعلى هذا فالامام ماهو الا زعيم عادى وحاكم اجتماعى.

 

مقومات الخليفه فى ضوء النظريه السنيه:
1 - الخليفه والامام - فى ضوء النظريه السنيه - انسان يتسلم مسوولياته بطريقه الانتخاب، فتكون الخلافه حينئذ مسووليه اجتماعيه وليست عهدا الهيا.

ومن هنا فهى مساله فرعيه فقهيا، وموضوعها فعل المكلف، واذن فهى تخرج عن دائره الاصول منطقيا عندما يكون موضوعها فعل اللّه عز وجل فتحتاج عندئذ تاسيسا عقليا فى استيعابها.

2 - التفوق علما وتقوى - ناهيك عن العصمه - ليس شرطا فى الخلافه، فحتى لو تجاوز الخليفه، حدود التقوى وسقط فى دائره الخطيئه فان هذا لن يشكل اخلالا فى خلافته.

وفى هذا يقول احد ابرز علماء السنه: (لا ينخلع الامام بفسقه وظلمه، وبغصب الاموال وضرب الابشار، وتناول النفوس المحترمه وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود).

3 - كيفيه الانتخاب: يجوز انتخاب الخليفه باحدى الطرق الثلاث:

اجماع الامه او اجماع اهل الحل والعقد.

الاستخلاف من خلال نص الخليفه السابق على اللاحق.

الشورى.

ومن الموكد ان آراء اهل السنه فى هذا المضمار ماهى استلهام لما حدث فى حقبه صدر الاسلام والطرق المختلفه التى حسمت فيها الخلافه.

ولا تمتلك ايا من تلك الطرق المذكوره اساسا عقليه ومنطقيا لكى يمكن بحثها فى هذا الاطار.

 

الرؤية الشيعية:
من وجه نظر الشيعه فان الامامه ليست الا شكلا من الولايه الالهيه، فهى عهد الهى كما النبوه، اذ يصطفى اللّه من يشاء من عباده، مع التاكيد على فارق هام هو ان النبوه تاسيس للرساله والامامه حراسه لها.

ومن هنا فان من الضروره بمكان ان يلى امر الامه بعد رحيل النبى(ص) انسان مصون من كل خطا منزه من كل خطيئه ونقص، وبعباره موجزه ان تتجسد فيه كل مقومات النبوه باستثناء الوحى.

وعليه فمن الضرورى جدا وجود فرد لائق عالم ومعصوم ليكون قدوه لامته فى مسارها التكاملى.

ان دور القائد فى تربيه المجتمع دور موثر وعميق حتى يمكن القول انه اكثر تاثيرا من محيط الاسره وعوامل الوراثه البيولوجيه.

يقول امير المومنين على(ع): (الناس بملوكهم اشبه منهم بابائهم) ولما كان اللّه عز وجل هو وحده الذى يعرف ذلك الفرد المعصوم، فهو وحده سبحانه له الحق فى انتخاب ونصب الامام.

اذن فالامامه عهد الهى، وهى مثل النبوه ليس للناس فى ذلك دور.

 

اهميه معرفه الامامه:
تقول النظريه الشيعيه انه لا يمكن فصل الخلافه عن الامامه، لانه لا يمكن الفصل بين قياده الرسول(ص) ونبوته.

ذلك ان الاسلام سياسيا ومعنويا كل واحد لا يقبل التفكيك ، كما ان البعد الروحى للاسلام جزء لا ينفك عن بعده السياسى.

واضافه الى الدور التربوى لوجود الامام كقدوه، ودوره ايضا فى حفظ وحده المجتمع وهدايته الى السعاده الابديه، فان هناك حاجه فطريه لوجود القائد فى الحياه الاجتماعيه، ولما كان الاسلام هو دين الفطره والذى يتناغم فى قوانينه مع حاجات الانسان اجتماعيا وفرديا، فانه من الضرورى ان يلبى الاسلام هذه الحاجه الفطريه فى الفكر الاجتماعى.

ان اللّه عز وجل قد وفر كل ماهو ضرورى فى تكامل الانسان ونموه جسميا وروحيا، فكيف يمكن حرمانه من هذه الحاجه الفطريه العامه والحيويه؟ ويعد اصل الامامه فى النصوص الاسلاميه روح الشريعه الاسلاميه والقلب النابض فيها، وان حذفه او تهميشه سيجعل من الدين جثه هامده لا حياه فيها ولا رمق.

يقول النبى الاكرم(ص): (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميته جاهليه) ومن خلال هذا الحديث نكتشف ان الجاهليه كانت خواء من التوحيد والنبوه والخلق الانسانى، وهذا ما يضفى على الحديث الشريف اهميه فائقه وحساسيه بالغه لارتباط الجهل بالامامه بالمصير الجاهلى.

تساول: قد يتصور البعض بان تعيين الامام امر لا ينسجم مع اسس الحريه والديمقراطيه، باعتبار ان ذلك سيحصل دون تدخل من الامه فى تحديد شخص القائد وخليفه النبى(ص) وبعباره اخرى عمليه فرض على الامه.

وهذا التصور ناجم من شعور يجعل من تعيين الامام مساويا للاستبداد.

على ان ما نشاهده من نظم استبداديه انما تاتى من خلال انقلابات عسكريه او تحولات اجتماعيه او تدخل اجنبى، وحينئذ يكون الراى الاول والاخير للدكتاتور او الطغمه الحاكمه، دون اعتبار لاى شرط من شروط الحاكميه.

فى حين ان الامامه وفق الرويه الشيعيه تضع شروطا ومعايير لا يمكن تجاوزها ومالم تتوفر تلك الشروط فى شخص فانه لن يكون اماما.

وكما مر سابقا فان اللّه عز وجل هو وحده الذى يصطفى من تتوفر فيه مقومات العلم والعصمه وغيرهما.

فالامامه اختيار الفرد الامثل من لدن اللّه ونصبه قدوه للناس وهاديا للامه.

وهو ذلك الفرد الذى يتمتع بخصائص مثلى فلا يغلبه هوى، ولا يصرعه مطمع، مطيع للّه طاعه مطلقه.

وهو يحكم فقط شريعه اللّه فلا راى له لان المشرع اللّه عز وجل وهو الامين على الشريعه، فقط.

ولما كان المشرع هو خالق الانسان المحيط باسراره وطموحاته ومصالحه الحقيقيه، والقائد فرد منتخب من لدن اللّه قد اصطفاه بعد ان حباه بالعلم والعصمه فاننا سوف نواجه صعوبه قصوى فى ان نتصور حكومه فى مثل هذا الاطار فتكون مستبده.

وهذا لا يتناقض مع حاكميه الامه التى آمنت بالاسلام واعتنقت رساله اللّه بملء ارادتها.

هل الديمقراطيه الاطار الامثل فى اداره المجتمع؟ عندما نريد الاجابه عن هذا التساول ينبغى اثاره بعض النقاط:

اولا: بالرغم من ان الديمقراطيه تعنى فى مفهومها اللغوى حكم الشعب ولكنها فى الواقع الحياتى تعنى حكم الاكثريه وليس كل الشعب.

ثانيا: هل يمكننا الادعاء بوجود الديمقراطيه حقا، وهل توجد فى الواقع حكومه ديمقراطيه؟ ثالثا: هل ان الحق فى جانب الاكثريه دائما؟ ولو صوتت الاكثريه لراى مخالف للعقل او الاخلاق او الشريعه فهل يعنى ان رايها صوابا؟ واذا وقفت الاكثريه ومن اجل اشباع غرائزها الى جانب الاباحيه فياترى ماذا سيكون موقفنا من ذلك ؟ الا تعد ظاهره الاباحيه والشذوذ الجنسى والتى ترعرت فى بلاد الديمقراطيه ماساه انسانيه واخلاقيه؟ الا يسعى الحاكم الذى فاز بالزعامه من خلال ترشيح الاكثريه له من اجل تحقيق تطلعات تلك الاكثريه مشروعه كانت ام غير مشروعه؟ من البديهى ان الانتخابات لا تسفر عن اختيار الفرد الاصلح، كما ان الاكثريه لا يمكن ان تكون ميزانا للحق والباطل.

والانتخابات بهذه الطريقه تعنى هضم حقوق شريحه واسعه من المجتمع وهى الاقليه دون دليل منطقى مقنع، لانها ستكون تابعه لنظريات الاكثريه ومصالحها.

اما فى حاله الانتخاب الالهى، فان مصالح الجميع ماخوذه بنظر الاعتبار وهى مصالح حقيقيه بعيده عن الاهواء، لان فى ذلك تسليم لحاكميه اللّه، فليس هناك حكم للاكثريه ولا الاقليه بل حكم اللّه رب العالمين.

 

هل الامامه ضروره اجتماعيه؟
ربما يتساءل البعض عن اهميه الامامه والقياده لكى يقوم اللّه عز وجل بتعيين امام او تقوم الامه بانتخاب القائد؟ وفى معرض الجواب عن هذا التساول يجب القول ان امه ما اذا لم يكن هناك من يسوسها ويقودها فان الفوضى ستسود حياتها وبالتالى فانها ستكون عرضه للفناء.

ومن هنا فاننا نلاحظ وعبر مسار البشريه الطويل ظاهره القياده وهى تواكب التاريخ الانسانى.

وعلى هذا فاننا امام حالتين لا ثالث لهما، وجود الامام او عدمه والحاله الثانيه ستوول بالمجتمع الى الزوال، فتبقى اذن الحاله الاولى.

وما دامت الامامه والقياده ضروره اجتماعيه يبقى النقاش حول خصائص القائد فاما ان يكون عالما عادلا تقيا شعبيا وبعباره واحده صالحا واما ان يكون ظالما فاسدا شريرا انانيا وبعباره واحده ايضا طالحا.

ومن المنطقى هنا ان العقل والضمير يرجحان الاول.

على ان هناك اختيار آخر عندما نقف بين فردين احدهما صالح والاخر اصلح، فاضل وافضل، وهنا نواجه مساله الافضليه.

وهى المساله التى اثارت جدلا بين السنه والشيعه.

فاغلبيه اهل السنه يرون جواز امامه المفضول بوجود الافضل، وهى رويه تصطدم مع المنطق العقلى، لان العقل يرفض الترجيح دون مرجح فكيف يمكنه قبول ترجيح المرجوح على الراجح؟! وتاسيسا على هذا يبقى طريق واحد فقط وهو وجود الامام الذى يتفوق على اهل زمانه فى كل الخصال الطيبه.

فالرويه الشيعيه هى الرويه التى تنسجم ومنطق العقل والفطره والضمير.

ولا تنطوى هذه الرويه على ايه تحديد للحريه ولا على استبداد ولا على اى شىء يتناقض ويصطدم مع موقف العقل.

وهى رويه تنهض على اساس ان اللّه سبحانه هو خالق الانسان والمجتمع وهو اعلم بمصالحه الحقيقيه وارحم به من غيره، فيبقى اختياره هو الاصلح والاكثر انسجاما مع معطيات العقل وما تنطوى عليه الفطره البشريه السليمه.

 

الخلاصه:
1 - ان طرح مساله الامامه لا تتسبب فى خلق ازمه ما بل العكس سوف تضيق من هوه الخلاف وتعزز اواصر الاخوه الاسلاميه.

2 - الامامه فى مفهومها اللغوى بمعنى القياده وفى مفهومها الاصطلاحى تعنى قياده المجتمع دينيا ودنيويا وهى نيابه الرسول(ص). على ان للامامه مفهوم محدود آخر ينحصر بمعطياته اللغويه فقط.

3 - فى الرويه السنيه، الامامه مسووليه اجتماعيه عاديه لا يشترط فيها العلم ولا العصمه وتجوز امامه المفضول بوجود الافضل.

4 - ان نظريات اهل السنه ليست سوى استلهاما لما حصل فى الحقبه التاريخيه التى اعقبت وفاه الرسول(ص) وهى ايضا تبريرا لها.

5 - فى الرويه الشيعيه يكون الامام معصوما وعالما ولان اللّه سبحانه هو وحده الذى يعرف ذلك الفرد فهى اذن عهد الهى ومن هنا فالامامه فعل الهى يدخل فى دائره علم الكلام لتكون اصلا من اصول الدين يتطلب التاسيس له عقليا.

6 - ترقى الامامه من حيث الاهميه لتدخل دائره الاصول العقيديه للحد الذى يكون مصير من لا يعرف امام زمانه ان يموت ميته جاهليه.

7 - ان مساله الامامه لا تتناقض مع الحريه والديمقراطيه، مع التاكيد على وهميه الديمقراطيه فى الواقع العملى.

 

اسئله ومناقشه:
1 - ماهى الفروق بين الرويتين السنيه والشيعيه فى مساله الامامه؟
2 - ماهو الفارق بين المسائل الفقهيه والكلاميه؟
3 - عرف الامامه، وهل لهذه المفرده من قداسه فى القرآن الكريم؟
4 - اذكر دليلا عقليا حول وجوب معرفه الامام وآخر نقليا.
5 - هل يشكل تعيين الامام تناقضا مع الحريه والديمقراطيه؟ اشرح ذلك .
6 - هل تعد الديمقراطيه الاسلوب الامثل فى اداره المجتمع ولماذا؟

7 - ماهو الدليل العقلى فى ضروره الامام الافضل فى قياده المجتمع؟

 

الدرس الثانى
ضروره وجود الامام

الادله:

1 - دليل الحمه: ان الانسان وانطلاقا من فطرته السليمه ينشد الكمال الذى هو غائيه الخلق.

على ان المسار التكاملى الذى يحاول الانسان سلوكه تعتوره عقبات واخطار تجعل اكتشاف ذلك المسار لدى الانسان دون تسديد من آخرين امرا مستحيلا.

ومن هنا يتوجب وجود طريق يضمن تحقيق هذا الهدف لتتحقق غائيه الخلق.

وهذه المساله محلوله فى زمن النبى، غير ان التحدى مستمر بعد غياب النبى لانه لا ينحصر فى مقطع زمنى محدد.

واذن فوجود انسان كامل يكون معلما فى مسار الانسانيه امر ضرورى.

وهذا الانسان الكامل هو (الامام) اى الانسان المعصوم الذى يرفع لواء التوحيد ويتحلى بكل مقومات الامام كانسان كامل.

انه بمنزله الشمس التى تسطع فوق ذرى الانسانيه لتهدى الحائرين الى الطريق اللاحب.

وهو الانسان الذى تنعكس من خلاله فيوضات السماء، وحلقه الوصل بين عالمى الغيب والشهاده... الانسان الذى صانته السماء وحفظته من الخطا والخطيئه والنقص.

فمن المستحيل ان يحدد اللّه سبحانه غائيه الخلق فى الكمال المنشود ثم لا يجعل ذلك مجسدا فى انسان يكون دليلا وبرهانا على امكانيه تلك الغايه المنشوده.

2 - دليل اللطف: اللّه عز وجل لطيف بعباده، وقد غمرهم برحمته ولو تامل الانسان فى ماوهبه اللّه من نعم لوقف على حقيقه كبرى هى ان اللّه هو الرحمه المطلقه واللطف المطلق، فمثلا العين هذا العضو الذى نبصر به ما حولنا من جمال حفظها اللّه من الغبار بالاهداب ومن حبات العرق بالحاجب وهذا غيض من فيض فكل مافينا وما حولنا يهتف بهذه الحقيقه.

ومن لطف اللّه سبحانه ان جعل لنا دليلا ومرشدا، يهدينا الى طريق السعاده ويرشدنا نحو الكمال، لان ذلك حاجه انسانيه عميقه مودعه فى فطره الانسان وحاشا للّه ان يتركهم ظامئين فلا ينعم عليهم بهذه النعمه.

اللّه سبحانه اودع فينا الشعور بالظما وهو الذى خلق الماء لنرتوى واودع فينا البحث عن الكمال، فنصب لنا من يساعدنا فى تحقيق تلك الغايه الساميه.

3 - الادله النقليه: اضافه الى الادله العقليه التى مر ذكرها فهناك ادله نقليه فى اطار الايات والروايات وهذه طائفه منها:

الف - آيه الامامه: قال تعالى: (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال انى جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين).

ومعطيات الايه كما هو واضح ان منزله الامامه تختلف عن منزله النبوه هذا اولا وثانيا: ان مقام الامامه اسمى من النبوه ودليل ذلك ان اللّه عز وجل بشر ابراهيم بالامامه بعد ان كان نبيا، وثالثا ان الامامه عهد الهى لا يتدخل فيه الانسان فالامام اذن اختيار الهى لا انتخاب بشرى.

ورابعا ان الامام معصوم طول حياته، لان الخطيئه ظلم والامامه لا تنال الظالم، كما ان الامام منزه عن الشرك باللّه لان الشرك ظلم عظيم.

خامسا: ان الايه تثبت الامامه لابراهيم وبعضا من ذريته ولذا فان سيدنا محمد(ص) امام منذ بدء رسالته وهو ما جاء فى الاثر.

سادسا: ان الامام من اجل الناس، يعنى ان الامه تحتاج الامام.

ب - آيه اولى الامر: يقول القرآن الكريم: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى اللّه والرسول ان كنتم تومنون باللّه واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا).

ومعطيات الايه كما يلى:

اولا: انها تامر المومنين بطاعه ثلاثه: اللّه عز وجل، الرسول، واولى الامر.

ثانيا: ان طاعه اللّه - وهى طاعه واجبه عقلا - تختلف عن طاعه النبى واولى الامر.

وعلى هذا فاضافه الى اوامر اللّه الوارده فى قالب الايات والروايات فان طاعه النبى واولى الامر - فى اداره المجتمع - واجبه، ذلك ان طاعه اللّه من طاعه الرسول(ص): (ومن يطع الرسول فقد اطاع اللّه ومن تولى فما ارسلناك عليهم حفيظا).

فاضافه الى الاحكام الاوليه او الاساسيه توجد احكام ثانويه ضروريه فى اداره المجتمع كما يراها النبى او الامام.

ثالثا: على النبى واولى الامر ان يكونوا معصومين، وفى غير هذه الصوره سيحدث تناقض بين امر اللّه وامرهم.

وهذا ما يظهر جليا لدى فسق ولى الامر - الذى قد يشرب الخمر مثلا ويامر بشربها، فماذا سيكون موقف المسلم ازاء اوامر من هذا القبيل؟ ما هو موقفه بين واجب الطاعه وبين حرمه العمل؟! رابعا: ان اوامر اولى الامر تنسجم مع اوامر النبى وهو ما تفيده الايه من توحد فى طاعتهم، فقد جاء الفعل (اطيعوا) ليشمل الرسول واولى الامر معا.

خامسا: ان كلمه (الامر) قد ورد استخدامها فى القرآن فى ثلاثه معانى: بمعنى امر وجمعه (اوامر) وبمعنى عمل اذا ما جمعت فى (امور) وقد تعنى شيئا مجردا عن الماده فى مقابل كلمه خلق ومن الموكد ان المقصود المعنيين الاول والثانى فيكون المعنى ان اولى الامر اصحاب الحكم واصحاب الشان والاداره فى المجتمع.

سادسا: من هم اولو الامر؟ ان الايه لا تفيد باكثر من وجوب طاعه اولى الامر وعصمتهم.

ومن جانب آخر اننا نرى الذين تولوا امر المسلمين كانوا - باستثناء على(ع) - غير معصومين باجماع المسلمين.

ولقد سجل التاريخ كثيرا من احكامهم المخالفه لاوامر اللّه، وكان على بن ابى طالب(ع) ينبه الى الخطا فى تلك الاحكام حتى قيل (لولا على لهلك عمر).

وانطلاقا من هذا فان افرادا غير معصومين لا يمكنهم ان يكونوا اولى الامر، هذا فى الوقت الذى تصرح فيه الروايات بمصاديق اولى الامر الحقيقيين.

ومن جمله الروايات ما رواه جابر بن عبداللّه الانصارى انه سال رسول اللّه اثر نزول الايه عن اولى الامر: من هم؟ فقال(ص): (هم خلفائى - يا جابر - وائمه المسلمين من بعدى:

اولهم على بن ابى طالب ثم الحسن والحسين ثم على بن الحسين ثم محمد بن على المعروف فى التوراه بالباقر ستدركه يا جابر، فاذا لقيته فاقرءه منى السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر، ثم على بن موسى ثم محمد بن على، ثم على بن محمد، ثم الحسن بن على ثم سميى - محمد - وكنيتى حجه اللّه فى ارضه وبقيته فى عباده ابن الحسن بن على ذاك الذى يفتح اللّه على يديه مشارق الارض ومغاربها ذاك الذى يغيب عن شيعته، واوليائه غيبه لا يثبت فيها على القول بامامته الا من امتحن اللّه قلبه للايمان).

ويقول الامام الباقر(ع): (الائمه من ولد على وفاطمه الى ان تقوم الساعه).

ج - آيه الولايه: قال تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذى يقيمون الصلاه ويوتون الزكاه وهم راكعون). وفى هذه الايه الكريمه نجد حصرا من خلال (انما) للولايه باللّه والرسول والذين آمنوا فى الاطار الذى سجلته الايه، ومعنى هذا انتفاء ولايه الاخرين الذين هم خارج نطاق الايه.

د - آيه التبليغ: قوله تعالى: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس).

ويتفق محدثو الشيعه وطائفه كبيره من مفسرى اهل السنه ان الايه الكريمه نزلت فى منطقه (غدير خم) فى حجه الوداع فى آخريات حياه النبى(ص).

وجو الايه مشحون بحاله فريده فيها انذار شديد اللهجه ويتضمن امرا بالغ الاهميه عندما يكون تبليغ الرساله على مدى مده زمنيه تمتد الى ثلاثه وعشرين سنه مرهونا بتبليغه.

لقد كان النبى(ص) يعيش الايام الاخيره من حياته الشريفه، وقد نزلت الايه قبل حوالى سبعين يوما من وفاته.

وسيره سيدنا محمد(ص) بكل منعطفاتها الحاده والخطيره تكشف عن شجاعه واقدام عجيبين، فهو لم يرهب ولم يهب ايه قوه او جهه معاديه وكان يمضى قدما فى تبليغ كلمه اللّه، حتى طهر شبه الجزيره العربيه من الوثنيه ليبدا عهد اسلامى مشرق، وفى ظروف مثل هذه، وفى زمن دخل فيه الناس دين اللّه افواجا، فان خطر ما كان يهدد مستقبل ووحده المسلمين، ولذا نجد ترددا الى حدما فى اعلان النبى عن البلاغ الالهى الاخير.

ومن الموكد ان الرسول(ص) لم يكن ليرهب خطرا يهدد حياته الشخصيه وهو الذى اذا حمى الوطيس لاذ المسلمون به، كما عبر عن ذلك على(ع).

واذن فان الاعلان السماوى يتضمن تقديم شخص الخليفه القادم، وهذا ما سوف يزعزع ايمان البعض من الذين ما تزال الروح القبليه والتصورات الجاهليه تفعل فعلها فى نفوسهم..

فلسوف يقولون ان النبى يحاول ان يوسس ملكا عريضا لاسرته وقبيلته.

ومن اجل هذا نزل التطمين الالهى بان (اللّه يعصمك من الناس)، وعلى كل حال فلم يكن امام رسول اللّه الا ان يصدر امره بالتوقف فى تلك البقعه التى تدعى ب(غدير خم) وليعلن فى تلك الحشود ان عليا هو ولى المسلمين بعده.

وقد بدا النبى(ص) اعلانه التاريخى بعد ان مجد اللّه وحمده قائلا:

(ايها الناس: يوشك ان ادعى فاجيب وانى مسوول وانكم مسوولون فماذا انتم قائلون؟ قالوا: نشهد انك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك اللّه خيرا.

فقال: اليس تشهدون ان لا اله الا اللّه وان محمدا عبده ورسوله وان جنته حق، وان ناره حق، وان الموت حق، وان البعث بعد الموت حق، وان الساعه آتيه لاريب فيها وان اللّه يبعث من فى القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك .

فقال: وانى سائلكم حين تردون على عن الثقلين: كيف تخلفونى فيهما؟ الثقل الاكبر كتاب اللّه عز وجل، سبب طرفه بيداللّه تعالى، وطرفه بايديكم، فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتى اهل بيتى، فانه قد نبانى اللطيف الخبير: انهما لن ينقضيا حتى يردا على الحوض).

ثم دعا عليا(ع) فاخذ بيده ورفعه ليعرفه الى الناس وقال: ايها الناس من اولى بكم من انفسكم؟ قالوا: اللّه ورسوله اعلم فقال: من كنت مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه حيثما دار).

ولم تتفرق قوافل الحجيج فى طريق عودتها الى ديارها حتى نزل قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى رضيت لكم الاسلام دينا).

وجاء كبار الصحابه يهنئون عليا وانبرى شاعر الرسول(ص) ليخلد تلك المناسبه البهيجه بابيات شعريه جميله.

على ان هناك حشد كبير من الايات والروايات فى هذا المضمار ولكننا نكتفى بهذا القدر.

 

الخلاصه:
1 - هناك ادله عقليه ونقليه فى اثبات ضروره الامام ومنها دليل الحكمه الالهيه: وهو ان اللّه سبحانه اراد للانسان الكمال وهذا لا يتحقق فى غياب المثال الذى يجسد الكمال المنشود.

2 - ان دليل اللطف يوكد وجود الامام انطلاقا من ذلك وهو ان اللّه لطيف بعباده فنصب لهم اماما يهتدون بهديه.

3 - هناك حشد من الايات والروايات تدل على الامامه وفى طليعتها آيات الامامه، اولو الامر، الولايه، التبليغ، اكمال الدين، التطهير، وآيه الصادقين... وغيرها.

4 - ان الامامه فى ضوء القرآن الكريم تعد مكمله ومتمه للدين.

5 - ان اغلب الروايات التى تبحث مساله الامامه والولايه توكد عصمه الامام واولى الامر.

6 - هناك طائفه من الروايات التى توكد امامه الائمه الاثنى عشر من اهل البيت وفى طليعتهم على بن ابى طالب(ع) ومنها: حديث الغدير، الثقلين، روايه جابر، حديث السفينه، حديث المنزله، والموده... وغيرها.

 

اسئله ومناقشه:
1 - اذكر دليلى الحكمه واللطف الالهيين فى اثبات الامامه.

2 - هل يعجز العلم والعقل البشريين فى هدايه الانسانيه الى شاطىء السعاده؟ لماذا؟
 3 - ناقش معطيات آيه الامامه.

4 - ماهى المعطيات الممكن استنطاقها فى آيه الموده (موده اهل البيت(ع)).

5 - هل يمكن القول بانحصار اصطلاح (المولى) فى يوم الغدير فى معنى المحبه فقط؟ ولماذا؟
6 - اذكر حديثى السفينه والمنزله.

7 - اذكر اربع آيات غير ما ورد فى الدرس - فى موضوع الامامه.

 

الدرس الثالث
موقع الامامه فى المجتمع الانسانى


الامام يمثل القلب النابض وسر الحياه فى المجتمع البشرى وبدونه يغدو المجتمع جثه هامده ليس غير.

فهو الانسان الذى ينعكس من خلاله الفيض الالهى ولولاه لساخت الارض باهلها.

وما آحاد الناس سوى مجموعه اصفار التى تبقى فاقده القيمه، فهو الرقم الذى يهب تلك الاصفار قيمتها الكبرى والهامه، هذا من جانب ومن جانب آخر فان المجتمع بحاجه الى محور تتبلور فيه وحدته، لانه هو الذى يبين للناس شريعه اللّه عز وجل، ويفسر للامه احكام الشريعه، ويكون لها امانا من الاختلاف والتمزق والانحراف.

 

ضروره تفسير القرآن:
القرآن الكريم هو المصدر الاساس فى استنباط احكام الاسلام والشريعه، وبين دفتيه تفصيل كل شىء. على ان القرآن الكريم قد بين الخطوط العريضه بعيدا عن التفاصيل ومن هنا وجب وجود فرد له قدره الاحاطه العلميه فى تطبيق كليات القرآن على التفاصيل، وله القدره ايضا على تاويل المتشابه من آيات القرآن الكريم، وبيان الحكم الاسلامى من مساله ما يبتلى بها المجتمع المسلم.

وهذا الفرد هو الامام، وهو المخاطب الاساس فى الخطاب القرآنى لعلمه بباطن القرآن، واطلاعه على ناسخه ومنسوخه، والمحكم من آياته والمتشابه، وسائر التفاصيل الاخرى من اسباب النزول وغيره.

وهو فى كل استنباط من آيات القرآن لا يعتوره خطا او التباس.

 

الامام هو العقل المفكر فى المجتمع:
كل مجموعه انسانيه تحتاج الى من يوحد مسارها الفكرى، سال الامام الصادق(ع) تلميذه هشام بن الحكم: (الا تخبرنى كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سالته؟ فقال هشام: يا بن رسول اللّه انى اجلك ولا يعمل لسانى بين يديك ! فقال الامام: اذا امرتكم بشىء فافعلوا.

قال هشام: بلغنى ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه فى مسجدالبصره يوم الجمعه، فعظم ذلك على فخرجت اليه ودخلت البصره يوم الجمعه، فاتيت مسجد البصره، فاذا انا بحلقه كبيره فيها عمرو بن عبيد، وعليه شمله سوداء متزر بها من صوف وشمله مرتد بها والناس يسالونه.

فاستفرجت الناس فافرجوا لى، ثم قعدت فى آخر القوم على ركبتين ثم قلت: ايها العالم انى رجل غريب تاذن لى فى مساله؟ فقال لى: نعم فقلت له: الك عين؟ فقال: يا بنى اى شىء هذا من السوال؟ وشىء تراه كيف تسال عنه؟ فقلت: هكذا مسالتى! فقال: يا بنى سل، وان كانت مسالتك حمقاء.

قلت: اجبنى فيها.

قال: سل.

قلت: الك عين؟ قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟ قال: ارى بها الالوان والاشخاص.

قلت: الك انف.

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟ قال: اشم به الرائحه.

قلت: الك فم؟ قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟ قال: اذوق به الطعم.

قلت: فلك اذن؟ قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟ قال: اسمع بها الصوت.

قلت: الك قلب؟ قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟ قال: اميز به كل ما ورد على هذه الجوارح والحواس.

قلت: اوليس فى هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال: لا.

قلت: وكيف ذلك وهى صحيحه؟ قال: يا بنى ان الجوارح اذا شكت فى شىء شمته او راته او ذاقته، او سمعته، ردته الى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك .

قال هشام:

فقلت له: فانما اقام اللّه القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم.

قلت: لابد من القلب والا لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم.

فقلت له: يا ابا مروان: فاللّه تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها اماما يصحح لها الصحيح، ويتيقن ما شك فيه، ويترك هذا الخلق كلهم فى حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم اماما يردون اليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك اماما لجوارحك ترد اليه حيرتك وشكك ؟! قال هشام: فسكت ولم يقل لى شيئا! ثم التفت الى فقال لى: انت هشام بن الحكم؟ قلت: لا.

قال: امن جلساته.

قال: لا.

قال: فمن اين انت؟ قلت: من اهل الكوفه.

قال: فانت اذن هو: ثم ضمنى اليه واقعدنى فى مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتى قمت.

فضحك ابو عبد اللّه (الصادق) وقال: يا هشام من علمك هذا؟ قلت: شىء اخذته منك والفته.

فقال: هذا - واللّه - مكتوب فى صحف ابراهيم وموسى.

 

دور الامام فى المجتمع:
لقد نهض الائمه(عليهم السلام) بمسوولياتهم فى صيانه الدين والشريعه من الانحراف، وكانوا نبعا فياضا للحقائق القرآنيه الخالده وكانوا من خلال سيرتهم الذاتيه النماذج المثلى للامه التى جسدت مسار الاسلام الاصيل.

فلقد مارس الامام على(ع) دورا مهما فى الاشراف التربوى والمسار القضائى والحقوقى فى فتره مابعد الرسول(ص)، فقد نقض احكاما قضائيه باطله ووقف بوجه تنفيذها واسس لاحكام اسلاميه فى القضاء.

كما جسد فى تلك الفتره المبكره تفوق الاسلام الفكرى والعقائدى من خلال الحوار مع زعماء الاديان من اهل الكتاب مجيبا عن الكثير من التساولات والشبهات.

ولهذا فان وجود الائمه(عليهم السلام) كان مصدر نمو ثقافى وانتشارا للفكر والمعارف الاسلاميه. وعلى كافه الاصعده.

ولقد كان دورهم موثرا وعميقا بالرغم من كل الظروف التى احاطت حياتهم بالقمع والارهاب والاضطهاد.

هذا ويمكن ان نبلور دور الائمه(عليهم السلام) فى اربعه محاور.

 

دور ائمه اهل البيت فى انتشار الحق:
الف - تفسير الشريعه: كان تفسير الشريعه وبيان احكام الاسلام وتطبيق عموميات الاسلام على تفاصيل الحياه الانسانيه احد اهم المحاور فى حياه الائمه من اهل البيت(عليهم السلام).

وما العلوم الاسلاميه الا من تاسيسهم(عليهم السلام)، وما آلاف الاحاديث التى تعد اليوم ميراثا انسانيا كبيرا الا من وحى كلماتهم، وما كلماتهم تلك سوى عشرات الاحاديث التى صدرت عن سيدنا محمد(ص) فنقلوها لنا بامانه واخلاص عبر الاجيال.

فكانت حيواتهم اضاءات كبرى فى مسار الحضاره والمدنيه الاسلاميه.

لقد قدم الائمه من اهل البيت خدمات جليله للامه بنقلها ميراث آخر النبوات فى التاريخ.

ونظره عابره على حجم الاحاديث الوارده عن اهل البيت يكشف عن الدور الضخم للائمه فى الحفاظ على ميراث الرسول(ص).

فقد اثبتت صحاح اهل السنه ثمانين حديثا فقط بروايه الخليفه الاول وخمسين حديثا للخليفه الثانى ولعثمان فى صحيح مسلم خمسه احاديث وفى صحيح البخارى تسعه احاديث.

هذا فى الوقت الذى اثبت كتاب غرر الحكم ودرر الكلم وحده لامير المومنين على بن ابى طالب اكثر من احد عشر الف حديث. اضافه لما اثبته اهل السنه فى مصادرهم ما يبلغ من مئات الروايات وهذا ابن ابى الحديد يقول:

(وما اقول فى رجل تنتمى اليه كل فضيله، وتنتهى اليه كل فرقه، وتتجاذبه كل طائفه، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وابو عذرها وسابق مضمارها، ومجلى حلبتها.

كل من برع فيها بعده فمنه اخذ، وله اقتفى وعلى مثاله اقتدى.

وقد عرفت ان اشرف العلوم هو العلم الالهى، لان شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه اشرف الموجودات، فكان هو اشرف العلوم، ومن كلامه اقتبس وعنه نقل واليه انتهى ومنه ابتدا.

فان المعتزله - الذين هم اهل التوحيد والعدل وارباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته، واصحابه، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ ابى هاشم عبداللّه بن محمد بن الحنفيه، وابو هاشم تلميذ ابيه وابوه تلميذه(ع).

واما الاشعريه: فانهم ينتمون الى ابى الحسن على بن اسماعيل بن ابى بشر الاشعرى، وهو تلميذ ابى على الحبائى، وابو على احد مشايخ المعتزله، فالاشعريه ينتهون بالاخره الى استاذ المعتزله ومعلمهم وهو على بن ابى طالب(ع).

واما الاماميه والزيديه فانتماوهم اليه ظاهر.

ومن العلوم: علم الفقه، وهو اصله واساسه، وكل فقيه فى الاسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه.

اما اصحاب ابى حنيفه كابن يوسف ومحمد وغيرهما فاخذوا عن ابى حنيفه.

واما الشافعى فقرا على محمد بن الحسن فيرجع فقهه ايضا الى ابى حنيفه.

واما احمد بن حنبل فقرا على الشافعى ويرجع فقهه ايضا الى ابى حنيفه، وابو حنيفه قرا على جعفر بن محمد وقرا جعفر على ابيه وينتهى الامر الى على(ع).

واما مالك بن انس فقرا على ربيعه الراى، وقرا ربيعه على عكرمه، وقرا عكرمه على عبد اللّه بن عباس، وقرا عبد اللّه بن عباس عن على(ع).

وان شئت رددت اليه فقه الشافعى بقرائته على مالك كان لك ذلك .

فهولاء الفقهاء الاربعه. واما فقه الشيعه فرجوعه اليه ظاهر.

وايضا فان فقهاء الصحابه كانوا عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن عباس، وكلاهما اخذا عن على(ع) اما ابن عباس فظاهر، واما عمر فقد عرف كل احد رجوعه اليه فى كثير من المسائل التى اشكلت عليه وعلى غيره من الصحابه، وقوله غير مره: لولا على لهلك عمر، وقوله لا بقيت لمعضله ليس لها ابو الحسن، وقوله:

لا يفتين احد فى المجلس وعلى حاضر، فقد عرف بهذا الوجه ايضا انتهاء الفقه اليه.

ومن العلوم علم التفسير، وعنه اخذ ومنه فرع واذا رجعت الى كتب التفسير علمت صحه ذلك ، لان اكثره عنه وعن عبد اللّه بن عباس وقد علم الناس حال ابن عباس فى ملازمته له وانقطاعه اليه، وانه تلميذه وخريجه، وقيل له: اين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال: كنسبه قطره الى البحر المحيط.

ومن العلوم: علم النحو والعربيه، وقد علم الناس كافه انه هو الذى ابتداه وانشاه واملى على ابى الاسود الدولى جوامعه واصوله).

وهذا الامر ينسحب على سائر الائمه من اهل البيت(ع)، فلقد تخرج على يد الامام الصادق العديد من اساتذه العلوم المختلفه وكان لهم شان كبير فى دنيا العلم والفلسفه، فقد نبغ (المفضل بن عمرو) و(مومن الطاق)، (وهشام بن الحكم) فى الفلسفه والكلام و (جابر بن حيان) فى الرياضيات والكيماء و (زراره) و (محمد بن مسلم) و (جميل بن دراج) و (حمران بن اعين) و (ابو بصير) و (عبد اللّه بن سنان) فى الفقه والاصول والتفسير.

ب - تربيه التلاميذ: وهو المحور الاخر الذى نشط فيه ائمه اهل البيت(عليهم السلام) من اجل اعلاء كلمه الحق.

لقد انتهل من فيض علومهم مئات بل آلاف من الظامئين للعلم والمعرفه، فسطعت اسماء لها اثرها فى دنيا العلوم والحضاره الاسلاميه.. . اسماء من قبيل (كميل بن زياد) و(اويس القرنى) و(رشيد الهجرى) و(ميثم التمار) و(عمار بن ياسر) و(عبد اللّه بن عباس) و (الاصبغ بن نباته) فكل هولاء كانوا تلامذه على(ع).

هذا مع التاكيد مره اخرى على ان تاسيس العلوم الاسلاميه جاء على ايدى الائمه او تلامذتهم.

لقد كانوا جميعا نبعا فياضا للعلم والمعرفه الاسلاميه، حتى لقد روى جابر بن يزيد لوحده سبعين الف حديث عن الامام الباقر(ع) وروى محمد بن مسلم ثلاثين الف حديث، وحتى قال ابن شهراشوب ان ما روى عن الامام الصادق ما لم يرو عن غيره وكان له اربعه آلاف تلميذ كلهم يقول حدثنى جعفر بن محمد الصادق، ومن بين تلامذته من اصبحوا ائمه لمذاهب اهل السنه وكان (مالك ابن انس) و(سفيان الثورى) و(سفيان بن عيينه) و(ابو حنيفه) وكذلك (محمد بن حسن الشيبانى) و(يحيى بن سعد) من جمله تلامذته من الفقهاء، ومن المحدثين: (ايوب البجستانى) و(شعبه بن الحجاج) و (عبد الملك بن جريج) وغيرهم.

ولو اردنا ان نستقصى من تتلمذ لدى ائمه اهل البيت لاحتجنا فى ذلك الى مجلدات ومجلدات ولاننسى ان لكل تلميذ من انتهل من علم الائمه كان له مئات وربما آلاف التلاميذ، ليكلوا بمجموعهم مسار الحركه العلميه انذاك.

اما فى الوقت الحاضر فيكفى ان ننظر الى الحوزه العلميه فى قم وهى تزخر بالاف الناس ممن ينهلون من علوم اهل البيت.

والى سائر المراكز العلميه والدينيه الاخرى التى اضحت بمنزله محيط علمى يزخر بالحركه والامواج، ولم يكن كل ذلك لولا تلك الروافد الصافيه المتدفقه والينابيع الثره العذبه.

وعلى عكس الجامعات والمركز العلميه التى اسسها الاستعمار لاغراض مشبوهه، فان حوزات الدين والعلوم الاسلاميه فى مذهب اهل البيت لم توسس الا للتقوى والعلم والحقيقه، وليس فيها الا ما ينطوى تحت رايه القرآن والاسلام من اجل ان تتحقق اهداف الرساله السماويه الخالده.

ج - الصراع السياسى: تزعم الائمه من اهل البيت وعلى مدى حيواتهم المباركه حركه المعارضه والمواجهه السياسيه، ولهذا فاننا نجد ان حياتهم قد انتهت بالموت قتلا او اغتيالا بالسم ولم يمت منهم احد لاسباب طبيعيه.

ولقد كان لكل منهم اسلوبه فى المواجهه واداره الصراع السياسى فى مواجهه الانحراف الحكومى فى عصره.

فقد تاتى المواجهه ايجابيه من خلال اعلان الثوره المسلحه وربما تاتى فى اطار من المقاومه السلبيه من خلال التزام الصمت وعدم تاييد الحكم، وهو الصمت الذى يدوى بصرخه الادانه للوضع القائم.

على ان تقديم الامام نفسه كنموذج ومثال اخلاقى يشكل تناقضا واضحا مع نموذج الخليفه الحاكم فى عصره وهذا ما يدفع الامه الى اجراء مقارنه فى الضمير وبالتالى ادانه شخص الحاكم وجهازه دولته وهو شكل من اشكال اداره الصراع فى الظروف المتاحه.

وربما يتجلى من الامام الجانب العلمى خاصه فى المنعطفات التاريخيه التى تواجه فيها الامه فراغا فى جبهه الصراع الفكرى مع الافكار المستورده والدخيله، والتى قد تروج لها الحكومات او تغض عنها الطرف.

وربما تاتى المواجهه فى شكل ادانه صريحه لجهاز الحكم والخلافه من خلال خطاب سياسى من الرفض والاستنكار والمقاومه.

وربما تاتى المواجهه فى شكل آخر من اشكال الصراع عندما يقوم الامام بالتاثير على بعض رموز الحكم للتخفيف من حده الانحرافات والتجاوزات والعمل على ايجاد تيار سياسى اسلامى داخل اجهزه الحكم يدفع بالدوله الى اهداف قريبه من اهداف الاسلام وهو ما يحقق من مصالح الامه ولو قدرا ضئيلا. فمن يطالع مواقف الامام على بن ابى طالب وسبط النبى الامام الحسن بن على يكتشف دورهما فى تصحيح المسار الثقافى ودفعه بالاتجاه الموازى للاسلام وكانت تجربتها فى الحكم تجربه ثريه ظلت وستظل معينا للفكر السياسى الاسلامى.

د - تقديم المثال العملى: لقد جسد الائمه من اهل البيت وهم ذريه رسول اللّه(ص) حقائق الاسلام فى سيرتهم الذاتيه.

فاصبحوا من خلال ذلك نماذج حيه ملهمه للاسلام الاصيل..

الاسلام الذى جاء به آخر الانبياء فى تاريخ البشريه.

لقد كانوا قدوه للامه واسوه لكل المومنين، حتى محض وجودهم وبغض النظر عن كل نشاط سياسى او ثقافى يشكل تهديدا للنظام القائم، لانهم يكشفون من خلال سيرتهم النموذجيه سوءات الحاكمين.

 

الخلاصه:
1 - الامام يمثل القلب النابض فى المجتمع البشرى وبدونه تغدو الامه جثه هامده، فهو الانسان الكامل الذى يمنح للوجود الانسانى معانيه.

2 - ان القرآن يضم الخطوط العريضه فى اصول المعارف الاسلاميه، وهو يحتاج الى تفسير وتطبيق للقواعد العامه على تفاصيل الحياه وهى مهمه لا ينهض بها الا الامام الذى هو وارث علوم الرساله.

3 - لو شبهنا المجتمع باعضاء الانسان فان الامام يشكل مركز العقل والقوه المفكره.

4 - ان دور الائمه من اهل البيت(عليهم السلام) يتبلور فى اربعه محاور:

الف - تفسير الشريعه.

ب - تربيه التلاميذ ليكونوا السواعد القويه فى مسار الاسلام الاصيل.

ج - اداره الصراع السياسى ضد حكام الجور.

د - تجسيد المثال الحى والقدوه الحسنه من خلال سيره ذاتيه مشرقه مستوحاه من القرآن الكريم.

5 - ان الميراث العلمى العريض فى مراكز العلم والمعرفه هو من آثار الائمه من اهل البيت(عليهم السلام).

 

اسئلة ومناقشة:
1 - لماذا تحتاج البشريه الى امام؟ 2 - لماذا يحتاج القرآن الكريم الى تفسير ومن هو القادر على تفسيره؟ ولماذا؟ 3 - باى شىء شبه هشام بن الحكم الامام؟ لماذا؟ 4 - ما هو دور ائمه اهل البيت(عليهم السلام) فى اعلاء كلمه الحق؟ 5 - اذكر نماذج اخطاء الحاكمين فى تفسير وبيان الاحكام الاسلاميه.

6 - اذكر امثله على اسلوب الائمه فى تصحيح المسار الثقافى والسياسى فى حياه المسلمين.

 

الدرس الرابع
خصائص الائمه

مقدمه: ينفرد الشيعه - من بين الفرق الاسلاميه - باشتراط العصمه للامام، ويعتقدون بان على الامام كما هو النبى ان يكون معصوما عن الخطا مصونا من الوقوع فى الخطيئه.

فالقائد الذى يتحمل مسووليات كبرى فى قياده الامه والعقيده اذا ما اخطا فان خطاه سيجر على الامه وبالا وسيودى بها الى السقوط فى مهاوى الانحراف، وبالتالى سوف تتهدد كل القيم الاسلاميه فى ظل زعامته بالانسحاق والزوال.

وستكون العصمه وهى القوه المتوقده فى الاعماق الضمان الوحيد من السقوط فى الهاويه.

اجل العصمه تلك الملكه التى تستمد قوتها من الايمان العميق والنفس المتوهجه بالحقائق الالهيه، هى صمام الامان الذى يحمى القائد من الانحراف والوقوع فى الخطيئه كبيره كانت ام صغيره ظاهره كانت ام باطنه.

 

العصمه ليست ملكه جبريه:

ولا يعنى وجود العصمه فى الامام انه انسان مسلوب الاراده وان اللّه يمنعه من الوقوع فى الخطا جبرا او قهرا، فالامام كانسان ينطوى على حريه فى الاختيار واراده فى العمل، ولكن درجه الايمان التى بلغها تجعله يشعر بحاله من الشهود الكامل واليقين القاطع فيرى الاشياء على حقيقتها.. يرى قبحها فاحشا مما يضعف من احتمالات ارتكابه للمعصيه الى درجه الصفر بل ان مجرد خطور ذلك فى باله سيكون منتفيا تماما.

يقول محمد بن عمير: (ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم فى طول صحبتى اياه شيئا احسن من هذا الكلام فى صفه عصمه الامام؟ فانى سالته يوما عن الامام اهو معصوم؟ قال: نعم قلت فما صفه العصمه فيه؟ وباى شىء تعرف؟ قال: ان جميع الذنوب لها اربعه اوجه لا خامس لها: الحرص، والحسد والغضب، والشهوه. فهذه منفيه عنه، لا يجوز عليه ان يكون حريصا على هذه الدنيا وهى تحت خاتمه، لانه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز ان يكون حسودا، لان الانسان انما يحسد من هو فوقه، وليس فوقه احد، فكيف يحسد من هو دونه، ولا يجوز ان يغضب لشىء من امور الدنيا الا ان يكون غضبه للّه عز وجل، فان اللّه عز وجل قد فرض عليه اقامه الحدود، وان لا تاخذه فى اللّه لومه لائم، ولا رافه فى دينه، حتى يقيم حدود اللّه عز وجل.

ولا يجوز ان يتبع الشهوات ويوثر الدنيا على الاخره، لان اللّه عز وجل حبب اليه الاخره كما حبب الينا الدنيا، فهو ينظر الى الاخره كما ننظر الى الدنيا، فهل رايت احدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح، وطعاما طيبا لطعام مر، وثوبا لينا لثوب خشن، ونعمه دائمه باقيه لدنيا زائله فانيه؟!).

وخلاصه الامر ان الامام يتمتع برويه علميه عميقه وايمان راسخ ويقين كامل وتقوى صادقه تبلور لديه ملكه العصمه التى تصونه عن ارتكاب المعصيه والوقوع فى الخطا.

 

الادله فى ضروره العصمه:

كثيره هى الايات والروايات التى تبين عصمه الامام اضافه الى الادله العقليه.

الف - الادله العقليه:

1- ان وجود الامام هو الضمان الوحيد فى هدايه الانسانيه نحو السعاده الحقيقيه والتى تتجسد فى الكمال المنشود. وفى غياب العصمه سيهتز ذلك الضمان فى نيل السعاده، وهى غائيه الوجود التى خلق اللّه العالم على اساسها.

2 - ان احتمال الخطا البشرى فى فهم شريعه الاسلام ونظامه الاجتماعى وارد مما يوكد ضروره الامام. فوجود الامام لازم فى تصحيح المسار الاجتماعى وحمايته ودفعه فى الاتجاه المطلوب.

فاذا جاز على الامام الخطا وجب وجود امام آخر يحذره ويحفظه ويسدده وهو امر يوقعنا فى الدور والتسلسل وهو باطل فى ضوء المنطق العقلى.

3 - يجب ان يحظ ى الامام بثقه الامه، لحصول قناعه وايمان كاملين بكل افعاله واقواله، وبالتالى انقياد المجتمع واتباعه له فى الطريق الصائب باعتباره القدوه والنموذج والمثال.

ولو اهتزت هذه الثقه من خلال احتمال الخطا فى الامام فلن تكون طاعته واجبه ملزمه، وسيكون لدينا امام دون ماموم وهو وضع مرفوض عقلا.

على ان الادله العقليه اكثر فى هذا المضمار ولكننا نكتفى بهذا القدر.

ب - الادله النقليه:

1 - آيه التطهير: قوله تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا).

ويستوعب الرجس فى اطاره اللغوى كل ما يلوث الانسان ظاهره وباطنه.

ومن الطبيعى من خلال جو الايه وسياقها ان اراده التطهير لا تدخل فى دائره التشريع بل، ان هناك اراده تكوينيه.

ذلك ان اللّه عز وجل ومن خلال هذه الايه لم يحرم عليهم ارتكاب الحرام والمعصيه فهى مساله شامله تشريعيا لا تستثنى احدا ولا تنحصر باحد.

فهناك اذن اراده الهيه فى تطهير نفوس افراد اصطفاهم ليكونوا نماذج كامله تجسد غائيه المسار الانسانى وامكانيته.

ولو كانت الاليه منحصره فى اطار التشريع لما كانت مجدا لاهل البيت النبى(ص)، لما استدعى الامر سيدنا محمد(ص) ان يجمعهم تحت كسائه اليمانى ثم يقول: اللهم هولاء اهل بيتى، فى خطوه لتجذير اولئك الافراد الطاهرين فى الضمير المسلم.

استدلال بايه التطهير: احتج الامام على(ع) فى اجتماع مجلس الشورى الذى اعقب وفاه الخليفه عمر بن الخطاب بايه التطهير قائلا: (... فانشدكم باللّه هل فيكم احد انزل اللّه فيه آيه التطهير حيث قال: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) غيرى؟ قالوا: اللهم لا).

ولقد روت ام سلمه عن النبى(ص) لما نزلت آيه التطهير: (...

فاخذ (النبى) فضل الكساء فغشاهم به ثم اخرج يده فالوى بها الى السماء ثم قال: اللهم هولاء اهل بيتى وخاصتى، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

فالنبى(ص) يفسر آيه التطهير على انها شهاده: لاهل البيت(عليهم السلام) بعصمتم.

 

من هم اهل البيت ؟

ولدى البحث عن الجواب نجد التاريخ يقول فى سبب نزول الايه الكريمه الانفه الذكر ما يلى:(فى بيتى نزلت: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) جاءت فاطمه ببرمه فيها ثريد، فقال(ص) لها: ادعى لنا زوجك وحسنا وحسينا. فدعتهم فبينا هم ياكلون اذ نزلت هذه الايه، فغشاهم بكساء خيبرى كان عليه وقال: (اللهم هولاء اهل بيتى وحاميتى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

ويروى عمر بن ابى سلمه ربيب النبى(ص) قائلا: (نزلت (انما يريد...) فى بيت ام سلمه فدعا النبى(ص) عليا وفاطمه، وحسنا وحسينا، وعلى خلف ظهره فجللهم بكساء ثم قال: اللهم هولاء اهل بيتى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

قالت ام سلمه: وانا معهم يا نبى اللّه؟ قال: انت على مكانك وانت الى خير).

وتروى عائشه: (خرج النبى(ص) غداه غداوه وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن فادخله، ثم جاء الحسين فادخله ثم جاءت فاطمه فادخلها ثم جاء على فادخله ثم قال: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا).

وقد روى عن الامام على ان الرسول كان ياتى كل يوم فجرا فيناديهم للصلاه قائلا: الصلاه يرحمكم اللّه ثم يقرا آيه التطهير.

2 - آيه الامامه والولايه وآيه الصادقين - وقد مر ذكرها - تدل على عصمه اولى الامر.

3 - روايه ابن عباس عن رسول اللّه(ص) قوله: (انا وعلى والحسن والحسين وتسعه من ذريه الحسين معصومون مطهرون).

4 - روايه ابى الحمراء: (حفظت من رسول اللّه(ص) ثمانيه اشهر بالمدينه ليس مره يخرج الى صلاه الغداه الا اتى باب على فوضع يده على جنبتى الباب ثم قال: الصلاه الصلاه (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا).

5 - قول الامام الرضا(ع): (الامام: المطهر من الذنوب، المبرا عن العيوب، والمخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين وعز المسلمين، غيظ المنافقين وبوار الكافرين).

وهناك روايات عديده فى هذا المضمار.

وخلاصه القول ان الامام يجب ان يكون معصوما فى بعديه العلمى والعملى فهو مصون من الخطيئه وهى (العصمه العمليه) ومصون من الخطا وهى (العصمه العلميه).

انه مفسر القرآن ومبين احكام الشريعه، والانسان الذى تحققت فى اعماقه كل الكمالات الانسانيه لتخرج من دائره القوه الى دائره الفعل، فهو النموذج الذى ينشده الاسلام.

انه - وهو الذى طوى مراحل المسار التكاملى للانسان - يمثل الصراط المستقيم فى حركه الاسلام.

انه بمنزله المرآه التى تنعكس فيها كل حقائق الاسلام وقد بلغ من الصفاء والطهر درجه اننا لن نجد فى حياته حتى شائبه واحده.

فهو القدوه المثلى والاسوه الحسنه، وفى غير هذه الحاله فليس هناك من ضمان الهى فى توجيه حركه الانسان التكامليه باتجاه الغايه المنشوده.

وانطلاقا من كل هذا فاننا لا يمكننا ان نغض النظر عن عصمه من يتصدى الى بيان الاحكام حتى فى الحقبه التى تسبق تسلمه مهامه.

وبعباره اخرى ان الامام يجب ان يكون معصوما عن الخطا فى كل مراحل حياته.

لا يشوب عقائده انحراف ولا يعتوره خطا فى القياده الدينيه وفى تبليغ الرساله وتطبيقها فى واقع الحياه.

فكيف يمكن فى مثل هذه الحاله ان نثق بقياده من امضى شطرا من عمره فى السجود للاصنام والخضوع للاوثان وفى ارتكاب الاثام؟! بل ويستمر فى ارتكاب الاخطاء حتى فى مده خلافته!! هل العصمه

هل العصمة العلمية جبرية؟

ان سلب القدره والاراده - فى مساله الوقوع فى الخطا او ارتكاب الخطيئه - من ذات الامام معناه انتفاء قيمته الذاتيه وسلبه المجد الاخلاقى، وفى هذه الحاله لن يكون قدوه وحجه على غيره.

واما فى عصمته العلميه فلا اشكال فى امكانيه انتفاء وقوع خطا ما فى تنفيذ او تطبيق الرساله، وهو امر يحصل باراده من اللّه وتسديد منه عز وجل.

الهدايه الباطنيه: مقدمه يمكن تقسيم الهدايه الى قسمين:

الاول هدايه تحصل من خلال وضع معالم فى الطريق وهى هدايه ظاهريه نراها فى حركه الانبياء.

وهدايه اخرى وهى الهدايه الباطنيه التكوينيه تحتاج الى قدره فاعله فى الوجود وولايه تكوينيه والهادى القادر على التصرف فى القلوب، ينبغى ان يكون اهلا فى توجيه الانسانيه نحو المعبود.

ومثالا على ذلك ما نشاهده فى الظاهره المغناطيسيه.

فالبوصله تشير الى الشمال والجنوب. وهى لا تنفك تشير الى الشمال المغناطيسى وفى كل حاله من التغير وفى كل بقعه من العالم تبقى البوصله تشير الى الشمال لماذا؟ لان القطبين الشمالى والجنوبى فى الارض ينطويان على مجال مغناطيسى هائل له القدره فى التاثير على الارض باسرها.

ومن هنا فاين ما يكون المغناطيس فانه سيتاثر بالجاذبيه المغناطيسيه لقطبى الارض، وسيتجه بالاتجاه المناسب لذلك التاثير.

فحتى ولو كان هناك ملايين البوصلات لاتجهت جميعا بنفس الاتجاه.

ولذا فان الامام هو واسطه الفيض، وهو مجال هدايتى هائل وموثر فى العالم، فاين ما وجد قلب طاهر انجذب باتجاه ذلك المجال الهدايتى للامام والذى يقع فى الاتجاه الالهى.

الامام والهدايه الباطنيه: من خصائص الامام هى (هدايته بالامر) وهى ليست الهدايه الظاهريه التى تاتى فى اطار تشريعى.

انها منزله خاصه يفيضها اللّه على الامام، وهى شكل من اشكال الجاذبيه والهدايه الروحيه، التى يبلغها المرء من خلال معاناه نفسيه واشراقات سلوكيه.

فهى منزله خاصه بالامام، وقد بلغها بعض الانبياء كابراهيم الذى جمع بين النبوه والامامه.

القرآن والهدايه الباطنيه: من خلال التامل فى الايات القرآنيه نكتشف ان الامام يخطى باسمى مرتبه من الحياه الروحيه والمعنويه، انه يعيش تلك الحاله من الهدايه الباطنيه.

والقرآن الكريم الذى يثبت (الهدايه بالامر) فانه يحدد للامام شرطين هما: الصبر واليقين، يقول القرآن الكريم: (وجعلنا منهم ائمه يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا من الموقنين).

ومن خلال هذين الشرطين، الصبر واليقين وهما المقومان لهذا الشكل من الهدايه نكتشف ان تلك الهدايه ليست هدايه تشريعيه، لان الاخيره لا تنطوى على شروط، فكل يمكنه ذلك.

وهناك فى آيه اخرى ذات الاشاره فى قوله تعالى: (وجعلنا منهم ائمه يهدون بامرنا).

وهنا نوكد مره اخرى على ان للامر فى اسلوب الخطاب القرآن ثلاثه معان وفى الايتين السابقتين اريد المعنى الثالث عندما يكون مفهوم (الامر) فى مقابل مفهوم (الخلق) الذى يعنى الوجود الفورى وغير التدريجى والمجرد عن الماده واعراضها كما هو الحال فى اطلاقه على الروح.

وفى آيه الامامه عندما اتخذ اللّه ابراهيم اماما.

عن الامام الصادق(ع) قال: (ان اللّه اتخذ ابراهيم عبدا قبل ان يتخذه نبيا واتخذه نبيا قبل ان يتخذه رسولا، واتخذه رسولا قبل ان يتخذه خليلا واتخذه خليلا قبل ان يتخذه اماما.. فلما جمع له هذه الاشياء - وقبض يده - قال له: (يا ابراهيم انى جاعلك للناس اماما).