- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 9 -

مقدمة


كان المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر قد أشرف على نشر الكتاب في طبعته الثانية ، وقد سجل هذه الكلمة القيمة التي نعيد نشرها في هذه الطبعة معتزين بها .
 

- 1 -

موضوع هذا البحث قديم جدا وقد سبق أن عالجته عشرات الأقلام في مختلف العصور وكان مسرحا لكثير من عواطف الكتاب تلاعبت فيه بأساليبها الخطابية التي لا يراد بها غير تركيز عقيدة أصحابها من طريق اللف والدوران ولم يسلم من آفاتها إلا القليل .


وعلى كثرة من كتب فيه في عصرنا الحاضر لم أجد - في الغالب - من أخضعه للتطور فغير في مناهج البحث ، وجدد في طريقة الاستنتاج وبدل في أساليب العرض إلى ما يلائم
 

 - ص 10 -

أذواق العصر فكانت حاجته كبيرة إلى من يعالجه معالجة موضوعية مجردة من ناحية ، ويأخذ بيده إلى حيث يرجى له من التطور الذي تقتضيه مناهجنا العلمية الحديثة من ناحية أخرى .

واشتدت الحاجة قبل عدة من سنين حين كثر البحث في هذا الموضوع كثرة تلفت إليها الأنظار وحين ازدحمت عليه العواطف فأساءت استغلاله وتركته عرضة لأحداث ومشاكل اجتماعية يذكر الكثير من القراء مدى مفعولها في هذه الأوساط وكان لا بد لهذا الطغيان العاطفي من أحداث رد فعل في نفوس بعض الباحثين المجردين ممن تهمهم رسالتهم العلمية قبل كل شئ .

وكان سماحة شيخنا العلامة المظفر - مؤلف هذا الكتاب - في طليعة أولئك الباحثين كما كان كتابه هذا نتيجة لرد الفعل الذي أحدثه ذلك الطغيان .

- 2 -

أما الكتاب فقد وفق في عدة نواحي وفق في نظرته لبحثه نضرة موضوعية خالصة لا يلمس فيها للمؤلف أية عاطفة ولا يدرك فيها أي تحيز وإذا قدر له أن ينتهي في بحثه إلى حيث تنتهي عقيدته المذهبية فليس ذلك إلا لأن منهجه العميق

انتهى به إلى هذه النهاية ، ووفق في منهجه العلمي الدقيق القائم على التماس ملابسات شتى ألقت كثيرا من الأضواء على هذه الحادثة التاريخية بالإضافة إلى ما عرض من النصوص الواردة فيها خاصة ناقدا لها جميعا نقدا دلاليا دقيقا مجليا مفاهيمها

 - ص 11 -

على حسب ما يقتضيه الفن معتمدا في ذلك أصح الطرق الموصلة إليها مختارا من الأحاديث ما اتفق عليه الثقات من أئمة الحديث لدى الطائفتين المسلمتين ، ووفق أخيرا في أسلوبه في العرض وتنظيمه لبحثه تنظيما فنيا ينتهي بك إلى نتائجه من أقرب الطرق وأيسرها ببيان رائع جذاب .

والحق أن الكتاب يعتبر مرحلة تطورية مهمة أوصل بها المؤلف هذا البحث إلى عصره الذي يعيش فيه وهو من الكتاب القلائل في هذا الموضوع التي أدت وظيفتها كاملة .

- 3 -

ولعل القارئ الكريم يود أن يعرف مدى أثر هذا الكتاب في نفوس الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون وكيف استقبلوا بحوثه الحرة وإلى أي مدى كان إقبالهم عليه أو إعراضهم عنه ، والحقيقة أن الناس لم يتفقوا عليه بحال فقد انقسموا حوله طائفتين

رضيت عنه أولاهما وحمدت لمؤلفه أسلوبه المجرد وأطرته إطراء عاطرا وخير من يمثلها من الأعلام سيد هذا الفن في عصرنا الحاضر سماحة آية الله العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين مؤلف كتاب المراجعات وغيره مما يعتبر فتحا

في البحوث الكلامية التي خضعت للمنهج العلمي في عصرنا الحاضر فقد كتب حفظه الله إلى مؤلفه كتابا يعرب فيه عن رأيه فيه وفي مؤسسته التي يرأسها ، نذكره هنا بنصه اعتزازا بثقته بالكتاب وإكبارا لرأيه

 - ص 12 -

بالمؤسسة التي احتضنها المؤلف واعتبر بحق ، رائدها الأول وحافظ سيرها وتوازنها منذ تأسيسها حتى اليوم وهذا نص الكتاب :

بسم الله الرحمن الرحيم السلام على أمير المؤمنين وسيد الوصيين ورحمة الله وبركاته أيد الله شيخنا العلامة البحاثة المجاهد الشيخ محمد رضا المظفر وأعز أقطاب مجمعه الثقافي الديني لمنتدى النشر وسلام الله عليه وعليهم وحي الله منهم أرواحا طيبة طاهرة تصدع بالحق في منتداه الكريم .

وبعد فقد أخذت هديتكم القيمة كتاب " السقيفة " بعين الشكر ثم استشففت فيه أثر الجهد النبيل الجدير بالمؤسسة العلمية الطالعة بما انتظمه من سلامة البحث وسمو التفكير وحسن الأداء على وجه سد فراغا في المطبعة النجفية .

وكنا فيمن عقد الأمل " بالمنتدى " يوم تأسيسه وناط به الرجاء أن يكون له الأثر المحمود في توجيه الناشئة الدينية وبناء الجيل الطالع وتجديد ميراث النجف في بعث يلائم التطور الحاضر ويماشيه في مداه الطويل ووسائله المنوعة وذلك أني رأيت من قديم أن الهدى لا ينتشر إلا من حيث ينتشر الضلال وعلى هذا رجوت أن تكون المطبعة وتنويع المنهج

 - ص 13 -

الدراسي وإحياء العلوم الإسلامية المذخورة كل هذا من رسالة منتداكم المرجو ولم تخلفوا الظن ولله الحمد فإن الذي يبلغنا من أخباركم السارة وآثاركم النافعة يثلج الصدر وينعش الأمل وليس شئ كأثركم الأخير هذا السفر الجليل داعيا إلى الاطمئنان

والاستبشار بمستقبل نير يضع النجف الأشرف في مكانه الأسمى ومحله الأرفع والسلام عليكم ورحمة الله عبد الحسين شرف الدين ولهذا الكتاب الكريم نظائر من الكتب من أعلام الباحثين الذين يألفون هذا النمط من التفكير تركنا ذكرها الآن اكتفاء بهذه الرسالة الجليلة .

أما الطائفة الأخرى التي لم يبد أنها ارتاحت لهذا الأسلوب من البحث واعتادت على مواجهة مثله بأعصاب متوترة توجهها العاطفة حسبما تريد فخير من يمثلها مؤلف كتاب " رد على السقيفة " وهذا الرد إذا استثنينا منه ما حشد فيه مؤلفه من ألفاظ السباب الخارجة على آداب البحث والتي يفزع إليها العاطفيون عادة إذا أعوزتهم الحجة لم يخلص لنا منه إلا القليل .

وهذا القليل وضع في حضرته للنقد والجدل مقياسا لا نتفق عليه معه بوجه وما أدري إلى أي حد يتفق معه الآخرون من باحثي قومه عليه فهو يرى كما يبدو من مجمع الكتاب - إن المقياس لديه في كل شئ يتعلق بالموضوع هو

 - ص 14 -

ميوله الخاصة ، فالأحاديث التي لا تتفق معها أحاديث موضوعة وإن أجمع ثقات المحدثين من الطرفين على تصحيح أسانيدها مع أن بعضها متواتر لا يشك بصدوره عن النبي ( ص ) بحال ، والأحاديث التي توافق هواه صحيحة وأن حكم أرباب

الجرح والتعديل من قومه بوضعها وشخصوا الواضع وعينوه ، ومداليل الأحاديث يجب أن تصرف عن ظواهرها إذا لم تؤيده وإن خرج الكلام على الأصول الموضوعة في هذا الفن إلى آخر ما هنالك مما لا يقتضي التعرض له في صدور هذا الكتاب

على أن هذا ليس غريبا على حضرته ما دام يواجه التأريخ بهذه الذهنية ، ولكن الغريب من مجلة مصرية تنطق بلسان هيئة محترمة قرأ محرروها الرد ولم يقرؤا الأصل فاستعاروا منه أسلوبه في الشتم ونحوا على الكتاب وصاحبه باللوم والتقريع مع أن ( التبين ) كان أليق بهم وبمكانتهم العلمية لئلا يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين .

- 4 -

وعلى أي حال فأن لجنة المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر لم تجد ما يصلح للرد على هذا وأمثاله أكثر من السماح للناشر الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي بإعادة طبعته للمرة الثانية وتمكين القارئ الذي لم يقدر له الحصول على نسخة منه من الاطلاع عليه تاركة للقراء وحدهم حق الحكم له أو عليه ، ولا يفوتنا أن نشكر الناشر على ما بذل في

 - ص 15 -

نشره من جهد ونسأله تعالى أخيرا أن يلهمنا جميعا الصواب والسداد

5 رمضان سنة 1372 هـ