- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 16 -

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد على سوابغ آلائه .
والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه النجباء .


- 1 -

تأثير العقيدة على المؤرخ

من أشق الفروض على المؤرخ أن نفض عن ردائه غبار التعصب لنزعاته الشخصية من دينية أو قومية أو وطنية ونحوها . بل لعله من شبه المستحيل أن ينزع من قلمه لحاء عقائده وأهوائه .


فإن النفس تلهم عقل صاحبها التصديق بميولها وعواطفها ، وكثيرا ما تقف سدا منيعا بين بصيص عقله والحقيقة ، وإن حاول أن يخرج من نفسيته التي ورثها ونشأ عليها . ويتحلل فكره من أسرها وسجنها ليحلق في جو الحق الطليق .


وإذا رأيت طائرا أسعده الحظ فتحرر من سجنه فالحقه إذا كنت حرا مثله ، فستجد أن جناحه مثقل بغبار

 - ص 17 -

السجن ، وأرجله لا تزال متأثرة بالقيود ، فيختلج في رفيفه ويتثاقل في طيرانه ، وقد يهوي أحيانا إلى الهوة غير مختار . هذا من حاول أن يتحرر من شخصيته الاعتقادية وتأثيرها عليه .


أما من يؤرخ لأجل غذاء عقيدته ، أو يؤلف إرضاء نفسه أو محيطه ، فاقرأه ألف سلام ! وأرجو من الله تعالى أن يوفقني لئلا أكونه . وأظنني غير مبالغ إذا قلت : إن المؤرخين من السلف على الأكثر - وأقول " على الأكثر " إذا أردت الاحتياط في

القول كانوا من النوع الثاني . بل حتى المؤرخين النوع الثاني . بل حتى المؤرخين في عصرنا لا يخرجون عن هذه الطريقة على الغالب . وإن تظاهروا بحرية الرأي وإنصاف الواقع والحق ، فظهر جليا - بالرغم على المؤرخ - نزعته على قلمه

ويتماشى تأريخه وتأليفه مع الروح التي يحملها ، فيختار من الأحاديث ما لا يفسد عليه رأيه ، ولا يصدق إلا بما يجري على هواه . فكم يكون الرجل عنده كذابا وضاعا ، لأنه نقل ما لا يتفق ومبادءه ، وكم يكون ثقة صدوقا لأنه لم يرو إلا أحاديث تؤيد طريقته .


- 2 -

اضطراب التاريخ

وهناك بلاء مني به التاريخ الإسلامي خاصة حماه

 - ص 18 -

بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين . ذلك كثرة ما لفقه الوضاعون والدساسون في القرون الأولى من الهجرة ، لا سيما القرن الأول فأشاحوا بوجه الحقائق وقلبوها رأسا لعقب . وليس أدل على ذلك من التناقص والاضطراب الموجود في أكثر

أحاديث الوقائع التاريخية ، فضلا عن الأحكام الشرعية ، ما عدا الاختلاف في خصوصيات الحوادث والأحكام مما يذهب بالاطمئنان إلى كل حديث . ولا أظن ناظرا في التاريخ لا يصطدم بهذه الحقيقة المرة . ولا يمكن أن يحمل كل ذلك على الغلط

في النقل والغفلة في الرواية . ولنعتبر بأهم حادثة يجب اتقانها عادة ، مثل يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ، فإنك تعلم كيف وقع الاختلاف في تعيين اليوم من الشهر بل في تعيين الشهر . وهذا أمر شهده جميع المسلمين وهزهم هزا عنيفا فلا

يمكن أن يفرض فيه النسيان أو الغفلة . فماذا ننتظر بعد هذا من تاريخ حروبه وأحواله ، ومن نقل أقواله وأحاديثه لا سيما فيما يتعلق بالشئون التي اختلف فيها المسلمون فتحاربوا عليها ، أو تشاتموا لأجلها فكفر بعضهم بعضا .


ولعل أسباب الوضع ثلاثة أشياء :

 1 - حب تأييد النزاعات والعقائد ، فيغري على الكذب ولعل ذلك يخدعه بأن الرأي الذي يعتقده حقا يسوغ له الوضع ، ما دام الموضوع في اعتقاده هو أو شبيه به .

 - ص 19 -

 2 - حب الظهور والتفوق فقد كان للمحدث في العصور الأولى المنزلة العظيمة بين العامة ، وبالحديث كان التفاخر والتقدم ، ويمتاز من كان عنده من الحديث ما ليس عند الناس ، فأغرى ذلك ضعفاء العقول وعبدة الجاه وعبدة الجاه ، فاحتالوا للحديث من كل سبيل ، حتى من طريق الوضع والتزوير .


 3 - ما بذله الأمويون وأشياعهم من كل غال ورخيص للمحدثين على وضع ما يؤيد دستهم وملكهم وأهواءهم ، ولا سيما فيما يحط من كرامة آل البيت ، وفيما يرفع من شأن أعدائهم وخصومهم ، فكثرت القالة يومئذ واتسع الخرق ، حتى طعن الإسلام طعنة نجلاء لم يبرأ منها إلى يوم الناس هذا .


- 3 -

خطة الكتاب فلذا وذاك أصبحت

وأنا كثير الشك والتحفظ في جملة مما ينقله المؤرخون والمحدثون ، وأقف حائرا عند كل حديث يتعلق بالخلافات المذهبية خاصة . فكيف بي ، وأنا أقحمت نفسي في البحث عن أول حادث في الإسلام نشب فيه الخلاف بعد الرسول وانشق فيه المسلمون طائفتين ذلك حادث ( السقيفة ) ! .
 

 - ص 20 -

كيف بي ، وقد وقفت بين نفس تطالبني بأن أرضيها في عقيدتها ، وبين تأريخ هذا حاله قد أحيط بالشكوك والشبهات وقد كتب في الحادثة الطرفان ، فشرفت طائفة وغربت أخرى . ولكني أريد الآن أن أتحرر من عقيدتي وأتمرد على نفسي فأقف حرا على نشز من الإنصاف والتروي ، وأمسح عن عيني غبار التعصب لأرى تلك الحقيقة الواحدة وهي واحدة في كل شئ -

فهل أراني أستطيع علاج ما بي ؟
هذا ما أشكه في نفسي وواجب علي ألا أثق بها ، فما السبيل إذن ؟
ثم ماذا سأصنع في علاج الناحية الأخرى : ناحية التاريخ المظلم ؟
- إنها لمزلة للقدم ، ولها ما بعدها ؟ .
- دعني أرجع أدراجي ؟ . -

لكنه الهوى في النفس وعزيمة صحت من عهد المعمي من عهد ليس بالقريب لا كشف لنفسي ، أو لغيري - إذا جاء لي - ذلك اللغز المعمى ، ومن يستطيع أن يدافع ذلك من نفسه . على أني أجد في بحثي سلوة ومتعة يلذ لي فيه أن المس بعض

الحقائق عن بصيرة ومتعة أخرى أن أسجله انتاجا باقيا للناس . وأيضا لما كنت أحاول - إن صدقتني المحاولة - أن أحيط بأسرار الحادثة وفلسفتها ونتائجها ، فلا يكون ما أكتبه تأريخا مجردا جافا وأحدوثة خالية من ذوق ، فإن ذلك يستحثني على
 

 - ص 21 -

المضي في البحث ويشجعني على إخراجه للناس . وإن كان فيه صعوبة أخرى قد تقحمتها وجب إلي عبؤها الثقيل .

وبعد التفكير والمحاولات مدة طويلة هديت إلى شئ واحد بالأخير أرجو أن ابتعد بسببه عن تأثير العواطف ولعبها بالعقول واقترب من الحق والصدق ، هو أن أكثر من مراجعاتي لمؤلفات من أخالفه في الرأي من ناحية مذهبية ، بل أجعلها هي

المصدر في البحث وظني أن بهذا سيحصل التفاعل من الجانبين : عقيدتي وهذه المصادر ، لينتج ما قد يسمونه ( الوسط في الرأي ) أو تكون الحقيقة قد اهتديت إليها بهذه الحيلة ، إن طاوعتني . وقد أخذت على نفسي في هذا الكتاب أن أسجل

خلاصة مطالعاتي ومحاكماتي التاريخية ، بعد أن سبرت كثيرا من المصادر القديمة التي أشرت إليها آنفا ، فإذا كنت أذكر حديثا أو حادثا تأريخيا توافرت المصادر على ذكره وتوقيفه ، فإني لا أذكر معه تلك المصادر توفيرا على القارئ خشية

إعناته بدون جدوى ، إلا بعض الأحاديث التي ينفرد بها مصدر أو مصدران ، فإني اضطر اضطرارا إلى ذكر المصدر في التعليقة تنويرا لذهن القارئ غير المتتبع . وكل جهدي أن أضع بين يدي القراء صورة مصغرة مما اهتديت إليه من أفكار ، أرجو أن تكون خالصة من تأثير

 - ص 22 -

العواطف والنزعات حرة هي الحق كله أو قريبة من الحق ، وبالله التوفيق ومنه التسديد .

شهر رمضان 1353 هجرية

المؤلف محمد رضا المظفر