- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 23 -

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد


في عام 11 للهجرة يفعل الدهر فعلته الأولى ، فيقلب صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي المجيدة كتبت بأحرف من النور الإلهي . كلها إيمان وصدق ، جهاد وتضحية ، فخر وقوة ، عز ومجد ، عدل ورحمة ، أخوة وإنسانية . يقلب الدهر هذه

الصفحة الناصعة بالخيرات والفضائل ، بأفول ذلك النور المقدس من الأرض ، فيستقبل بالمسلمين صفحة من كتابه التكويني مشوشة الخط قال عنها الكتاب التشريعي : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . . . ) .


لا شك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى ، في أن هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الإنسانية ، كان حدا فاصلا بين عهدين يختلفان كل الاختلاف : ذاك إقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى ، وهذا انقلاب عنه على الأعقاب . إذن نحن الآن أمام أمر واقع : مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم !
 

 - ص 24 -

ولا بد أن يكون المسلمون ( - كلهم ؟ - لا أدري الآن ) قد انقلبوا على أعقابهم . ولكن . . . بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب ؟ . * * *
 

أعطني من نفسك - أيها القارئ - وفكر بحرية ، والتمس لي حادثا ذا بال وقع بعد وفاة صاحب الرسالة مباشرة ، فنضح برذاذه جميع المسلمين ، فهل تجد غير حادث " السقيفة " ؟
 

ما أعظمه من حادث ! وهل تدري أن الشيعة تفسر الآية الكريمة به ؟ . فإذا ؟ ردنا الآن أن نبحث عن " السقيفة " ، فإنما نبحث عن أعم حدث في الإسلام ، وأول حوادثه بعد الوفاة ، له علاقته الخاصة بالآية الكريمة ، أتفسر به أم لا ؟ .
 

وعلى هذا الأساس قلت في المقدمة شرق فيها قوم وغرب آخرون فدخلت العقائد والأهواء في سرد الحادثة ، فكانت ذات ألوان ووجوه يكد فيها الباحث ، ويجهد مستهدف الحقيقة .

* * *

وما علي لو أدعي قبل الدخول في بحث السقيفة أن الآية الكريمة تفسر بحوادث الردة التي وقعت في خلافة أبي بكر.
 

 - ص 25 -

ولكني لا اطمئن إلى هذا الاحتمال ، ما دامت الآية تشعرنا بأن الانقلاب يقع بعد موت النبي مباشرة ، وما دامت هي خطابا لجميع المسلمين ، وأهل الردة - كيفما فرضناهم - هم أقل القليل من المسلمين ، بل في العدوة القصوى منهم .

وفوق ذلك نجد أن عمدة من نسميهم بأهل الردة هم المتنبؤن وأشياعهم ، كمسيلمة وأتباعه ، وطليحة وأوليائه . وهؤلاء كانوا في عهد النبي واستغلظ أمرهم بعده ، ما عدا سجاح التميمية ، وما كان لها كبير شأن وقد اندمجت بمسيلمة .

أما الأسود العنسي فقد قتل في حياة الرسول ولازم أنصاره طريقته بعده . وعلقمة بن علاثة ارتد في زمانه صلى الله عليه وآله . ومثله أم رفل سلمى بنت مالك وتابعوها . أفيصح أن نقول : إن هؤلاء انقلبوا على الأعقاب بعد النبي ، وكان الخطاب بالآية لهم ؟ اللهم إن هذا يأبى الإنصاف أن يصدق به ، عند من كان له شئ من حرية الرأي وصحة التفكير .

ومالك بن نويرة ( 1 ) . - مالك وادع سجاح ( والموادعة . المتاركة والمسالمة على ترك الحرب كما كان كعب القرضي موادعا لرسول الله ) . وليست الموادعة من الردة في شئ وأكثر من ذلك إنما كانت
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) وبه يضرب المثل المشهور : " فتى ولا كمالك " . ( * )

 

 

 - ص 26 -

منه لمصلحة المسلمين ، ليرد سجاح عن غزوهم في تلك الأصقاع النائية عن مركز المسلمين . وكان الذي أراد . وإن كانت تلك الموادعة ذنبا ، فقد أظهر هو وقومه التوبة بعد ذلك ، كما صنع وكيع وسماعة ، وهما وادعا سجاح أيضا ، وقبل المسلمون المحاربون توبتهما .

وهذا أبو بكر يدي مالكا إذ قتله خالد بن الوليد وخلا بزوجته ليلة قتله ، فهل تفسر بهذا آية الانقلاب ؟ . ولا ذنب لمالك - إذ عد من أهل الردة - إلا أن قاتله بطل المسلمين يومئذ وقائدهم . وحقيق عليهم أن يدافعوا عن فعلته ويبرروا عمله .

فليكن مالك مرتدا يستحق القتل ! وما يهمنا أن نشين مالكا بما يستحق وبما لا يستحق ، ما دامت كرامة خالد محفوظة مصونة من النقد ! . عمر بن الخطاب يريد أن يؤخذ خالد بقتله لمالك ونزوه على زوجته وأبو بكر يعتذر عنه ( أنه اجتهد فأخطأ ) .

وما الخطأ على المجتهدين بعزيز . وهذا من أوليات أبي بكر ، إذ يجعل الاجتهاد عذرا للمخالفة الصريحة للقانون الإسلامي . وأبو بكر لم يقل لمتمم أخي مالك أنه ارتد فقتل بل قال له : ما دعوته وما قتلته ، لما قال له متمم من أبيات :

أدعوته بالله ثم قتلته * لو هو دعاك بذمة لم يغدر

 - ص 27 -

نعم ! التاريخ ينزه مالكا . وقضى الدفاع عن خالد أن يحكم بعض الكتاب في هذا العصر بكفر مالك وارتداده ! .

* * *

ومن هم أهل الردة غير هؤلاء ؟ . - مانعوا الزكاة. - مانعوا الزكاة ؟.

من هؤلاء بأسمائهم وقبائلهم ! ليت أحدا يرشدني إليهم ! فقد وجدت التأريخ يجمجم في ذكرهم فيحصر ، ويروح ويغدو فلا يجد غير المتنبئين وأشياعهم . وأبو بكر لما قال كلمته المشهورة : ( لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ) ، فإنما قالها عندما جاء

وفد طليحة المتنبئ المتقدم ذكره يطلبون الموادعة على الصلاة وترك الزكاة ، لا في قوم غير المتنبئين . وإذا كانوا - وربما كانت بعض القبائل المجهولة امتنعت عن الزكاة - فهل العصيان بترك واجب ، وهم يقيمون الصلاة يكون كفرا وارتدادا ؟

بأي مذهب وبأي دين ؟ فليتأول المتأولون ما شاؤا . ولم يعرف عنهم أنهم أنكروا وجوب الزكاة بقول ، حتى يكونوا من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين . وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين

 - ص 28 -

وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم وجود غير المتنبئين أنهم امتنعوا عن أدائها . وتغلق دعوى المدعي أن هؤلاء أنكروا بيعة أبي بكر التي كانت عن غير مشورة من المسلمين كما صرح به عمر بن الخطاب ، فلم يعترفوا له بإمامة وولاية حتى يؤدوا له الزكاة .

ولعلهم كانوا يطالبون بخلافة من كان النص من النبي على خلافته ، فأهمل مطالبتهم التأريخ . هذه احتمالات لا يفندها التأريخ والاعتبار ، وادعتها الشيعة فيهم ، فما لنا بتكذيبها من برهان ، فالأحسن لنا ألا نعترف بوجودهم كما أهمل التأريخ أسماءهم وقبائلهم .

ومهما كان الأمر ، فإن استطاع الكاتب أن يثبت الانقلاب بأول حدث في الإسلام ، فلا يهمه ماذا سيكون شأن الحوادث اللاحقة ، بل يستعين على تفسيرها بتفسير الحادث الأول ، وكفى ! وأجدني مضطرا قبل كل شئ إلى أن أقف مع القارئ

على ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله ، من حل للخلاف بعده : إما في وصية باستخلاف أحد ، أو في قاعدة مضبوطة يرجعون إليها ، أو أنه أهمل الأمر وتركهم وشأنهم ، لأن هذا البحث له علاقة قوية في موضوع بحثنا ، يتوقف عليه تفسير كثير من الحوادث .

 - ص 29 -

إذن سنعقد الكتاب علي أربعة فصول :

الفصل الأول - في موقف النبي تجاه الخلافة
الفصل الثاني - في تدبيره لمنع الخلاف
الفصل الثالث - في بيعة السقيفة
الفصل الرابع - موقف علي بن أبي طالب .