- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 36 -

 3 - إيكال الأمر إلى اختيار الأمة


لنختار الآن لحل هذه المشكلة أنه صلى الله عليه وآله وسلم أو كل أمته إلى اختيارهم ، أو إلى اختيار أهل الحل والعقد منهم خاصة في تقرير شئون الخلافة . فهل يصح هذا الفرض للحل ؟ .


أما أنا - أيها القارئ - لا أستطيع أن اقتنع بأن هذا الفرض يكون حلا مرضيا لهذه المشكلة ، ولعلك أنت ترى مع من يرى أن تعيين الرئيس بالانتخاب من أرقى التشريعات الحديثة وقد سبق إليه الإسلام ، فهذا من مفاخره . فوجب علينا أن نبحث هذه

الناحية العلمية بدقة ، وأملي - كما هو مفروض - أنك تعطيني من نفسك النصف وتفكر معي تفكيرا حرا ، بعيدا عن تأثير العاطفة التي تقضي علينا أن نتمسك بهذه المفخرة للإسلام .


ولا ينبغي لنا أن نحاول هذه المحاولة ، فربما نلصق به ما ليس له ، ولعلها لا تثبت للبحث مفخرة يمتدح بها ، فنكون قد نقضنا غرضنا الذي نريده من إثبات الفضيلة للإسلام بالسبق إلى هذا التشريع . والذي أدعيه الآن أن إرجاع الأمة مدى الدهر

إلى اختيارها في تعيين الرئيس لها هو عين الفوضوية التي أردنا التخلص منها في البحث السابق ، وليس معناه إلا إلقاء الأمة في أعظم هوة من الخلاف لا حد لها ولا قعر .
 

 - ص 37 -

وسر ذلك أن الناس مختلفون متباينون ، ليس بينهم اثنان يتفقان في فكر أو عاطفة أو ذوق أو عادة أو عمل ، حتى التؤمين ، إلا من التشابه القريب أو البعيد من غير اتفاق حقيقي ، كاختلافهم في أجسامهم وسحنات وجوههم ، وتشابههم في ذلك .


بل الناس مختلفون في كل شئ من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم يتفق لشخصين أن يتفقا تحقيقا حتى في بصمة الأصابع ، حتى قيل إن كل فرد من الإنسان نوع برأسه .


وعليه ، فيستحيل أن تتفق أهل بلدة واحدة على حكم واحد أو عمل واحد ، فضلا عن أمة كبيرة كالأمة الإسلامية على توالي الزمان . وبالأخص إذا كان الحكم مسرحا للعواطف والأغراض الشخصية والتحيزات كالحكم في الزعامة العامة .


ومن هذا نستنتج أن الرأي العام الحقيقي غير موجود أبدا ، بل يستحيل وجوده لأية أمة في العالم ، ومن خطل الرأي أن يطلب الإنسان تكوين الرأي العام ، وتوحيد اختيار الأمة بأسرها لأمر من الأمور ، على أن محاولة ذلك يستحيل أن تسلم من

منازعات دموية واضطرابات شديدة إذا كان تكوينه يراد لأمر ذي شأن ، إلا أن يكون هنا حاكم يفصل بين المتنازعين بماله من القوة القاهرة لمخالفيه ، كما هو موجود فعلا في الانتخابات الجارية عند الأمم المتمدنة ، فإن تحكيم الأكثرية ذات القوة الطبيعة خير علاج على منازعاتهم في الأمور العامة .
 

 - ص 38 -

وتحكيم الأكثرية في الحقيقة فرار من محاولة تكوين الرأي العام الحقيقي ، بل هو اعتراف باستحالته ، ومع ذلك لم يسغن غالبا الرجوع إلى الأكثرية ليكون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات أخرى تنضم إلى قوته الطبيعية ، أهمها سلطة الحكومة

والقانون العام القاضي بتحكيم الأكثرية الذي أصبح بحكم التقليد لا مسيطرا على معتنقيه . وبتوسيط أمثال هذه الأمور تمكن التسوية بين الأكثرية على رأي متوسط ، وإلا فالاتفاق الحقيقي على تفاصيل الأمور يستحيل حتى في الأكثرية .


وهذا الرجوع إلى الأكثرية آخر ما توصل إليه الإنسان بعد العجز عن تحصيل الاتفاق الحقيقي وبعد أن فشل البشر على ممر تلك القرون الطويلة التي أنهكته بالتجارب القاسية ، فوجد ذلك خير ضمان للسلام في الأمم . وليس معنى ذلك أن الأكثرية

لا تخطأ ، كيف والجماعات دائما تفكر بأحط فكرة فيها ، ومن مزاياها أنها خاضعة لسلطان العاطفة ، فهي علاج لفض المنازعات ليس إلا ، لا لضمان تحصيل الرأي المصيب .


وبهذا البيان نخرج إلى فكرة أن تعيين الرئيس أو غيره بالانتخاب الذي هو من أرقي التشريعات الحديثة معناه الرجوع إلى الأكثرية دائما التي أصبحت من التقاليد المرعية عند الناس في هذا العصر ، وهذا لم يسبق إليه الإسلام ، ومن يدعي أن النبي صلى الله عليه وآله أوكل أمته إلى اختيارهم

 - ص 39 -

في تقرير شئون الخلافة لا يدعي أنه شرع قانون الأكثرية لأنه ليس لهذه الدعوى شاهد في زبر الأولين ، على أنه - كما ذكرنا - لا يسلم من الخطأ ، فلا يسوغ لنا أن ننسبه إلى من لا ينطق إلا عن وحي ولا يريد إلا الحق .


وإذا ادعى أنه أوكل الأمر إلى اتفاق أمته واختيارهم جميعا ، فمن خطل الرأي ، إلا إذا جوزنا عليه أن يطلب المستحيل أو تعمد إيقاع أمته في منازعات دائمية تفضي إلى إزهاق النفوس وإضعاف القوى المادية والأدبية ، ثم إلى ضعف كلمة الإسلام

في الأرض . فتلخص أن هذا التشريع أعني تشريع تعيين الإمام بالانتخاب لا يصح لنا أن ننسبه إلى منقذ البشرية من الضلالة إلى الهدى الذي لا ينطق إلا عن وحي ، سواء فسرناه بالأكثرية أو باتفاق الجميع . * * *


ومهما حاولنا إصلاح هذا التشريع بتفسير الأمة بأهل الحل والعقد منها خاصة ، فلا أجد هذه المحاولة تسلم من ذلك النقص البارز فإن أهل الحل والعقد وكبار الأمة هم بؤرة الخلاف والنزاع . فإن الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس ، لا ينفكون عن تحيزات فيهم أعظم منها في غيرهم . ويندر أن يتجردوا من أهواء نفسية وأغراض
 

 - ص 40 -

شخصية ، تجعل كل فرد يشرئب إلى هذا المنصب الرفيع ما هئ له ووجد مجالا لارتقائه ، ولو عن غير قصد ، بل عن رغبة نفسية كامنة هي غريزية لا يفطن لها صاحبها أو لا يعدها باطلا وخروجا عن محجة الصواب .
 

بل حب النفس قد يحمله على الاعتقاد بأن زعامته أصلح للأمة وأجدى ، فيوحي الهوى للنفس البرهان المقنع على صحة رأيه . وللمعتقد أن يعتقد أن الخليفة أبا بكر تفطن إلى سوء عواقب هذا الشريع ، فأسرع إلى تعيين الخليفة من بعده ،

بالرغم على جدة هذا التشريع الذي به كان خليفة ، وعلى تركزه في النفوس تتوقف صحة خلافته . كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة ، وكان أدق من سم الخياط ، مع غفلة الناس يومئذ عن الأمر ، وانشغالهم بفاجعة نبيهم .


وهكذا حذا حذوه خليفته ، فاخترع طريقة الشورى من ستة أشخاص ، وهي تبعد كل البعد عن قاعدة الرجوع إلى اختيار أهل الحل والعقد ، على أن وجدنا هؤلاء - وهم ستة لا غير - لم يتفقوا على رأي واحد ، فلعبت دورها التحيزات والعواطف ، فصغى رجل لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، على حد تعبير الإمام علي بن أبي طالب .


ولا شك لم يخف على الخليفة عمر استحالة حتى اتفاق الجماعة الصغيرة ، فحكم فيها الأكثرية ، وعند التساوي فالكفة الراجحة التي فيها عبد الرحمن بن عوف . ومع ذلك

 - ص 41 -

حدد لهم الوقت بثلاثة أيام ، وأعطى السلطة التنفيذية لغيرهم ، ليقهرهم على تنفيذ خطته . لماذا كل هذه القيود التي وضعها ، مع تهديدهم بالقتل إن تأخروا عن الموعد ولم يبرموا العهد ؟ لا شك أنها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي

لمثل هذا الأمر . إذا ألقى حبله على غاربه . وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطة ، اتقاء للخلاف والنزاع على الإمارة الذي لا ينفك عادة عن إراقة الدماء ، في وقت أراد ألا يتحمل تبعة تعيين شخص الخليفة بعده ، أو أنه

في الأصح لم يجد نفسه تميل كل الميل إلا لتعيين أحد الثلاثة الذين قد ماتوا يومئذ ، وهم أبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ومعاذ بن جبل .

* * *
ولا أعجب أن يكون أبو بكر وعمر تفطنا إلى ما في تشريع إلقاء الأمر على عاتق اختيار الأمة من فساد ، وما ينجم منه من جدال وجلاد .


ولكن عجبي ممن يتسرع فينسب ذلك التشريع إلى النبي الحكيم الذي لا يفعل إلا عن وحي ولا يحكم إلا بوحي . ومع ذلك يدعي الإسلام وعرفان الرسول العظيم . ولو كان للخليفة عثمان كلمة تسمع ورأي يطاع يوم
 

 - ص 42 -

حوصر وأيس من الحياة ، لما تأخر عن تعيين من يخلفه قطعا . ولكن الموقف كان أبعد من أن يتحكم عليه بمثل ذلك ، وهو محاط به ليخلع .


ومما يزيدنا اعتقادا بعقم هذا الحل لمشكلتنا الاجتماعية الخطيرة ، إنا لم نعرف خليفة تعين بهذه الطريقة إلا أبا بكر وعلي بن أبي طالب ، وأبو بكر كانت بيعته فتنة أو فلتة وقى الله شرها على حد تعبير عمر عنها وهو نفسه الذي شيد أركانها ، ومع ذلك قال عنها : ( فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه ) ( 1 ) .


أما علي عليه السلام ، فبعد تمام البيعة له ( الشرعية بنظر أصحاب هذا الرأي ) قد وجدنا كيف انتفض عليه نفس أهل الحل والعقد ، والإسلام بعد لم يرث والعهد قريب ، وهؤلاء المنتقضون هم جلة الصحابة . فكانت حرب الجمل فحرب صفين اللتان أريقت بهما آلاف الدماء المحرمة هدرا ، وانتهكت فيهما حرمات الشريعة ، وشلت بهما حركة الدين الإسلامي .


ولم نعرف بعد ذلك خليفة تعين إلا بتعيين من قبله أو بحد السيف ، ولقد لعب السيف دورا قاسيا جعل العالم الإسلامي يمخر في بحر من الدماء . ولم يجرئ الطامعين بالخلافة على

 

* هامش *

 
 

( 1 ) كنز العمال - ج 3 - رقم 2326 وغيره . ( * )

 

 

 - ص 43 -

خوض غمار الحروب إلا سن هذا القانون .


قانون الاختيار ، فمهد السبيل لطلحة والزبير أن يشعلا نار حرب الجمل ، ومهد لمعاوية ما اجترم ، ولابن الزبير تطاوله للخلافة وهو القصير ، وللعباسيين ثورتهم على الأمويين ولغيرهم ما شئت أن تحدث والحديث ذو شجون .


إلى هنا أجد من نفسي القناعة والاطمئنان إلى القول بفساد تشريع تعيين الإمام باختيار أهل الحل والعقد . وهيهات أن يكون من النبي الحكيم مثل هذا التشريع . وكيف يخفى عليه ضرر هذا التشريع ، ولا يخفى على عائشة أم المؤمنين يوم تقول لعمر على لسان ابنه عبد الله : ( لا تدع أمه محمد بلا راع . استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فإني أخشى عليهم الفتنة ) .


وما أدري لماذا لم يشر أحد على محمد عليه أفضل التحيات أن يستخلف أو يبين على الأقل طريقة الاستخلاف حتى لا يفتتنوا ، كما أشارت عائشة على عمر ؟

ولماذا لم يسأله أحد عن هذا الأمر ، وهم يسألونه عن الكبيرة والصغيرة لماذا ؟ . . . ؟


والمرجح أنه سئل فأجاب ، ولكن التأريخ هو المتهم في إهمال مثل هذه القضية . على أن تأريخ الشيعة لم يمهل مثل هذا السؤال والجواب الصريح عليه .