- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 44 -

 4 - لا نص في قاعدة الاختيار


لنتنازل الآن جميع ما قلناه في البحث السابق من فساد تشريع قاعدة الاختيار ، ولكن ألا يجب علينا أن نسأل مدعي صدور هذا التشريع من النبي عن الدليل عليه في كتاب أو سنة .


وبودي أن يدلني أحد على قول الرسول في هذا الشأن ، فما سمعنا عنه أنه قال يوما : إن الاختيار في تعيين الإمام لأهل الحل والعقد ، أو أنه أمر الأمة باختيار الإمام بعده ، لا تصريحا ولا تلويحا . على أن الدواعي جد متوفرة لنقل مثل هذا القول ،

والقوة والحول في صدر الإسلام إلى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه ، فليس لأحد أن يدعي أن هذا الأثر قد خفي علينا أو امتنع الرواة عن نقله .


أجل ! إلا أن الله تعالى قال في كتابه العزيز : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) . إذن لم يثبت عن النبي قول وتصريح في هذا الأمر من الاتكال على اختيار الأمة ، بل قال تعالى : ( ما كان لهم الخيرة ) .
 

 - ص 45 -

فلنذهب الآن من طريق ثانية إلى إثبات صحة هذا التشريع ، فنقول : " أليس النبي كان غير غافل عن أمر الخلافة ! ولكنه سكت عن الحل لمشكلتها بطريق النص على أحد من أصحابه ، فلا بد أنه أوكل ذلك إلى اختيار أمته ، فيكون سكوته إذن دليلا على هذا الايكال " .


وهذا يقرب من التفكير الصحيح لأول وهلة ، إذا استطعنا التصديق بسكوته عن النص ، فلذلك لا يصح إلا إذا ثبت لنا أن لا نص هناك ، فوجب أن ننظر فيما تقوله أهل السنة والشيعة من النص على أبي بكر أو علي بن أبي طالب . وسيأتي في البحث ( 7 ) و ( 8 ) .


ولكن لو فكرنا قليلا ، فلا نرضى لمصلح عاقل فضلا عن النبي الكريم أن يرمز لهذا الأمر العظيم الذي وقع فيه أعظم خلاف في الأمة بمثل هذا الرمز الخفي . وما الذي يلجئه إلى مثل هذا الدليل الصامت - إن صح هذا التعبير - مع علمه بما سيقع بعده من انشقاق وخلاف تتسع شقته هذا الاتساع ، وتتخلله فتن وحروب أنهكت المسلمين وأفسدت روحية الإسلام ؟ ! .
 

أما كان الجدير - إذا لم يكن قد نص على أحد - أن يصرح لأمته بإيكال الأمر إلى اختيارهم ؟

ثم يحدده باختيار أهل الحل والعقد منهم ، أو يحدده بخصوص أهل المدينة أو

 - ص 46 -

أهل عاصمة الخلافة ، ثم يكتفي باختيار الواحد والاثنين منهم ( على ما يذهب إليه جماعة من علماء أهل السنة ) ، ثم يذكر شروط الإمام حتى يعرفوا من يجب أن يختاروه ! أكل هذه الأمور والقيود نستقيها من هذا الدليل الصامت ويكون هذا

السكوت حجة على من يشكك في واحد من هذه الشئون فيستحق عقاب الخالق الجبار ، ثم مع ذلك يخرج عن ربقة الإسلام ويدخل في زمرة الكافرين ؟ ! .


اللهم اشهد علي أني لا أستطيع أن أؤمن بصحة دليل صامت يدل هذه الدلالة الواسعة على أعظم الشئون العامة التي يعم بلاؤها جميع الخلق في كل زمان ومكان ، في وقت الحاجة إلى دليل ناطق وحجة واضحة . اللهم اشهد أني لا أستطيع أن أؤمن بذلك إلا إذا فقدت حرية التفكير ومسكة العقل .



 5 - اختلاف أمتي رحمة

وأخشى الآن أن أكون قد أخذت بقلمي النعرة المذهبية في بحثي السابق ، فبالغت في تشويه تلك الدعوى وخرجت عن خطتي التي رسمتها لنفسي .

وهل تراني أخفف من وطأة تلك السورة ، فأطمئن إلى

 - ص 47 -

تعليل مقبول لذلك الصمت ، بأن أقول : إن الرسول إنما ترك بيان هذا الأمر ليوقع الخلاف بين أمته رحمة بهم لما روي عنه : " اختلاف أمتي رحمة " ؟ .

ولكن هيهات ! إن لم تؤول الكلمة بما يتفق ومبادئ الإسلام ( 1 ) فإنها الكذب الصراح على داعية الوحدة ومقاتل نزعات الجاهلية الأولى بسيف من الأخوة الإسلامية انتشل العرب من هوة عميقة للتفرق والنزاع والنزال .


إن أكبر ظاهرة للإسلام بل من أعظم أعماله ، تلك الدعوة إلى الوحدة المطلقة بأوسع معانيها وتحطيم الفروق حتى بين الشعوب والأمم المختلفة . ألا ( إنما المؤمنون إخوة ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) هذه الكلمة مروية من طرق الطرفين . والوارد في تفسيرها عن آل البيت غير ما يتخيل من ظاهرها ففي علل الشرايع : " أنه قيل للإمام جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام : إن قوما يروون أن رسول الله قال : " اختلاف أمتي رحمة " ، فقال : صدقوا ، فقيل : إذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب ، قال : ليس حيث تذهب وذهبوا إنما أراد قول الله عز وجل ( فلولا نفر من كل فرقة طائفة . . ) واختلاف أهل البلدان إلى نبيهم ثم من عنده إلى بلادهم رحمة . . . " الخبر .

ومثله في معاني الأخبار للصدوق ، وفيه : " إنما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين الله ، إنما الدين واحد " . ( * )

 

 

 - ص 48 -

وليس هناك شئ في الإسلام غني عن البرهان بل عن البيان مثل دعوته إلى الوحدة والعمل لها بكل الوسائل ، ليكون المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .


وقد تجلى ذلك ظاهرا في كثير من الأحكام العملية : في وجوب الحج وصلاة الجمعة والجماعة وحرمة الغيبة واللمز والغمز والقذف . . . وما إلى ذلك مما لا يحصى ، وبعد هذا أيمكننا أن نجرأ فندعي أن الرسول يدعو إلى الخلاف ! وأكثر من ذلك يسعى إلى التفرقة ، وأية تفرقة هي ؟ إن هذا لبهتان عظيم وزور مبين ! اللهم إني استجير بك من شطحات القلم والتفكير .



 6 - الاجماع على قاعدة الاختيار

وهنا لا بد أن ننصف في القول فلا نجري الكلام على عواهنه ، فأني لم أعرف عن إخواننا أهل السنة أنهم فسروا هذا الصمت المدعى بذلك التفسير إلا من قل .


وعلى الأقل أنهم لم يجعلوه وحده دليلا على إيكال أمر الخلافة لاختيار أهل الحل والعقد ، وإنما يستدلون بإجماع أهل الصدر الأول على كفاية اختيار أهل الحل والعقد ، بدليل بيعة أبي بكر يوم السقيفة .

وعندهم الاجماع حجة لما روي عنه عليه الصلاة والسلام ،" لا تجتمع أمتي على الخطأ "و" ولا تجتمع أمتي على ضلال "
 

 - ص 49 -

ولكن الشيعة لا يعتبرون مثل هذا الاجماع . وإنما يعتبرون الاجماع إذا كشف عن رضى إمام معصوم حيث يكون داخلا في أحد المجمعين . وبيعة أبي بكر لم تقترن بموافقة الإمام علي بن أبي طالب فلم يتم عندهم الاجماع الذي يكون حجة .


ويذهبون إلى أكثر من ذلك ، فيقولون إن الاجماع بكل معانيه لم ينعقد على صحة بيعة أبي بكر ، لمخالفة علي الذي يدور معه الحق حيثما دار ومخالفة قومه بني هاشم وسعد بن عبادة وابنه وجماعة من كبار الصحابة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار والزبير وخالد بن سعيد وحذيفة اليمان وبريدة وغيرهم .


ولم يبايع من بايع منهم بعد ذلك إلا قهرا واضطرارا حفظا لبيضة الإسلام وتوحيدا لكلمة المسلمين . ولا يصح بحال أن يدعي أن هؤلاء ليسوا من أهل الحل والعقد ، وهم من تعرف .


ويقول الشيعة أيضا : لم يتكرر بعد ذلك تعيين الإمام باختيار أهل الحل والعقد ، حتى نؤمن بحصول الاجماع على صحة الاختيار في تعيينه ، لأن كل خليفة تعين إنما تعين بنص السابق عليه أو بحد السيف والقوة ، ما عدا علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو إمام بالنص من النبي ( ص ) ولا شأن لاختيار الأمة في إمامته .

* * *


هكذا اختلف الطرفان ، وأجدني الآن حائرا إزاء أدلة

 - ص 50 -

الطرفين . وإذا أردت أن أعالج في بحثي حادث السقيفة فإنما أعالجه من عدة نواح هذه أهمها ، فهل أستطيع أن استنتج الحكم الفاصل لإحدى الطائفتين ؟ هذا ما قد يكشفه مستقبل البحث ، وكل آت قريب . ولا أتنبأ بالنتيجة قبل وقتها .


وكنت راغبا في بحثي هنا أن أحصل على نتيجة حاسمة قبل الدخول في تفسير حوادث السقيفة ، بل قبل الدخول في البحث عن النص على الإمام بعد النبي في هذا الفصل ، ولكني هنا وجدت هذه المسائل متداخلة بعضها آخذ برقاب بعض .


ومع ذلك أجد بإمكاني أن أضع تقريرا يقرب من التفكير الصحيح مع الإعراض عما يقوله الطرفان في هذا الشأن ، مستعينا بما تقدم في الأبحاث السابقة ، فهل تعيرني تفكيرك لحظة لا حظ أنك لا تشك - وأنا معك - أن النبي ما فاه ولا ببنت شفة عن

قاعدة انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد ، مع أن الواجب يدعو للبيان الصريح ، كما قلنا آنفا ، فلماذا سكت عن ذلك ؟ . أكان إهمالا وتوريطا للمسلمين في الخلاف والنزاع ، أو أنه لم يشرع مثل هذا التشريع ؟ والثاني هو الأقرب للصحة .

وعليه فما قيمة الاجماع - إن تم - مع علمنا بأن هذا الأمر ليس من الدين ولم يشرعه الله على لسان نبيه ، على أنا وجدنا في
 

 - ص 51 -

أبحاثنا السالفة أن البرهان الصحيح يقودنا إلى الاعتراف بفساد هذا التشريع ، فنعلم بنتيجة أن النبي لم يشرعه لأمته ، فلا بد أن نتهم الاجماع المدعى بإحدى التهم المتقدمة . هذا من جهة .


ومن جهة أخرى ، أنا لا أدري أن هؤلاء الذين أقدموا على الاجتماع في السقيفة لعقد البيعة بدون مشورة من جميع الموجودين في المدينة وغيرهم على أي سناد استندوا وبأية حجة اجتمعوا والمفروض أن لا حجة إلا الاجماع ، وهو - على فرضه -

بعد لم ينعقد على صحة عملهم ؟ فهذا العمل من أساسه كان بغير حجة قائمة ولا بينة واضحة ، ولذا قال عمر لسعد بن عبادة : " اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنة " . فلأي شئ استحق القتل ولم يكن يدعو إلا إلى نفسه كما دعا غيره ؟ ولماذا كان صاحب

فتنة ؟ - ليس إلا لأن دعوته من غير حجة قائمة . وإذا كان قد ثبت من النبي صحة انقاد الخلافة باختيار أهل الحل والعقد ، ويكتفي بمثل القوم الذين اجتمعوا في السقيفة يومئذ فلم يكن قد دعا سعد إلا إلى ما هو مشروع لا يستحق عليه قتلا ولا غضبا

أما النص المروي : " الأئمة من قريش " فلم يكن معروفا عند المهاجرين يومئذ أو أنهم لم يريدوا أن يعرفوه ، ولذا لم يستدلوا له ذلك اليوم ، بناء على ما هو الصحيح وإنما استدل الخليفة أبو بكر بالقرابة من الرسول وأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا بهذا الحي من قريش .