- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 52 -

 7 - النص على أبي بكر


لم نتوقف فيما مضى للاعتقاد بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو كل نصب الإمام إلى اختيار الأمة ، أو أهل الحل والعقد منهم خاصة . . .

وهنا نبحث عما إذا كان قد عين شخص الإمام بعده ، فمن هو هذا الإمام ؟ أصحيح أنه هو ( أبو بكر ) ؟

يقطع الباحث أن الأحاديث المروية في النص عليه موضوعة إذا كان يفهم منها النص المدعى .

وليس أدل على ذلك مما ثبت من تصريحاته نفسه ، ولا سيما عندما تمنى - قبيل موته - أن يسأل عن أشياء ثلاثة ترك السؤال عنها ، أحدها أمر الخلافة أنه فيمن حتى لا ننازع أهله .

ثم من تصريحات خليفته عمر ابن الخطاب لا سيما عندما دنت منه الوفاة فصرح أن النبي لم يستخلف .

ثم من تصريحات عائشة " وهي المدافعة والمنفحة عن أبيها وقد قامت بقسط وافر من تأييده وتثبيت خلافته " فنفت الاستخلاف لما سئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) ومن الغريب اعتذار ابن حزم : " أن هذا الأثر خفي على عمر كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله ( ص ) كالاستيذان وغيره ، أو أنه أراد استخلافا بعهد مكتوب ، ونحن نقر أن استخلافه لم يكن بعهد مكتوب . وأما الخبر في ذلك عن عائشة فكذلك أيضا . . . " . ولئن خفي هذا الأمر على عمر وعائشة فعلى غيرهما أخفى وأخفى ، على أن جملة إرادتها للعهد المكتوب فأبعد وأبعد . ( * )

 

 

 - ص 53 -

ويكفينا لعدم الوثوق بهذا النص المدعى أن نطلع على مجرى حادث السقيفة ، ونعرف استدلال من استدل على صحة بيعته بالإجماع .

أولا : تراه نفسه يوم السقيفة كيف قدم للبيعة عمر وأبو عبيدة ، فقال : " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين " .

أتراه كان لا يعلم بالنص عليه ، أو كان عالما به ولكنه أعرض عنه ؟ - لا شئ منهما يصح أن يقال .

ولا شئ أوضح من خطبته يومئذ إذ يقول فيها : " أن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب دارا ونسبا " .

بل لو كان نص عليه لما كانت العرب تعرف هذا الأمر إلا لشخصه بنص صاحب الرسالة .

وليس المقام مقام حياء من الدعوة إلى نفسه .

وعندي لا شئ أوضح من وضع الأحاديث في النص عليه .

 - ص 54 -

وأجد أن الذي ألجأ إلى وضعها أن من وضعوها بعد أن ضاقوا ذرعا بالاستدلال على خلافته بالإجماع ، مما وجدوه من مخالفة من خالف ممن لا يمكن إهمال شأنهم .

وهذا هو التعصب الذي يحمل صاحبه على الكذب والاختراع ، فيقف حجر عثرة دون وصول طالب الحقيقة إلى هدفه ، ويجعل النفس لا تثق بكل ما يرويه هذا المتعصب فيما يخص معتقده ، بل في كل شئ .

* * *


أما قضية تقديمه للصلاة فإن صحت ( وهي صحيحة بمعنى أنه صلى بالمسلمين ) ، فليس فيها أية إشارة إلى تعيينه للخلافة ، فضلا عن النص ، لأن الإمامة في الصلاة ليست بالأمر الخطير الشأن الذي لا يكون إلا لمن له الإمامة، ولا سيما على مذهب أهل السنة ، وكان ائتمام المسلمين بعضهم ببعض مما اعتادوا عليه ، وشاع يومئذ بينهم بترغيب النبي فيه ، فقد رود ( 1 ) أن أبا بكر صلى بالناس من دون إذن النبي ( ص ) لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .


ولا أعتقد بصحة ما يروى أن النبي هو الذي قدمه للصلاة وأنه صلى أياما ، لأن أبا بكر كان من جيش أسامة من غير شك - وسيأتي - وقد نهي النبي عن التخلف عنه ،

 

* هامش *

 
 

( 1 ) راجع صحيح البخاري 1 : 8 . ( * )

 

 

 - ص 55 -

وشدد في الاسراع بإنفاذه ، فكيف يجتمع هذا مع تقديم النبي له للصلاة مدة مرضه ؟

نعم الثابت أنه صلى صلاة واحدة وهي صلاة الغدير يوم الاثنين يوم وفاة النبي ( ص ) ، وقبل أن يتمها خرج صاحب الرسالة يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض من الوجع فصلى بالناس صلاتهم وتأخر أبو بكر .


فإن عائشة هي التي روت أمر النبي بتقديمه لا غيرها ، وأنها راجعته في ذلك حتى قال لها غاضبا : " إنكن لأنتن صواحب يوسف " وهي نفسها تروي خروجه في نفس تلك الصلاة ( 1 ) .

وكان خروجه بهذه الحال إلى الصلاة يوم وفاته وهو يوم الاثنين .

ولو أن النبي كان قدمه للصلاة إشارة إلى خلافته ، فلماذا خرج بهذه الحال المؤلمة، وصلى بالناس صلاة المضطرين جالسا ؟

ولا معنى ما يقال : " أنه صلى أبو بكر بصلاة النبي وصلى الناس بصلاة أبي بكر " فمن هو الإمام إذن ؟

إن كان أبا بكر فلم يكن قد صلى بصلاة النبي ، وإن كان النبي فلم تكن الناس قد صلت بصلاة أبي بكر ، وتأويله - إن صح - أن النبي جالسا فلا يرون شخصه وكان مريضا فلا يسمعون

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري ( 1 : 78 و 84 في حديثين ) . وصحيح مسلم في باب استخلاف الإمام إذا عرض له من كتاب الصلاة . ( * )

 

 

 - ص 56 -

صوته ، فكانت الناس تعرف ركوعه وسجوده بصلاة أبي بكر الذي كان بآرائه لما تأخر عن مقامه .


والأحاديث مضطربة في هذا الباب ، مع أن أكثرها عن عائشة أم المؤمنين واختلافها الجوهري في ستة أمور :

 1 - ( في علاقة عمر بالصلاة ) فيذكر بعضهم أن النبي قال : ( مروا عمر ) بعد مراجعة عائشة عن أبيها فأبى عمر وتقدم أبو بكر وبعضها ذكر أنه ابتداء أمر عمر ، فقال عمر لبلال قل له أن أبا بكر على الباب . وحينئذ أمر أبا بكر .

وبعضها ذكر أنه أول من صلى عمر بغير إذن النبي فلما سمع صوته قال : " يأبى الله ذلك والمؤمنون " وفي بعضها أنه أمر أبا بكر أن يصلي نفس الصلاة التي صلاها عمر بالناس ، وفي بعضها صلى عمر وكان أبو بكر غائبا .

وفي بعضها أن النبي أمر أبا بكر وأبو بكر قال لعمر صل بالناس فامتنع .


 2 - ( في من أمره النبي ليأمر أبا بكر ) ، فبعضها تذكر عائشة ، وبعضها بلالا ، وبعضها عبد الله بن زمعة .


 3 - ( فيمن راجعة في أمر أبي بكر ) ، فبعضها تذكر عائشة وحدها راجعته ثلاث مرات أو أكثر ، وبعضها تذكر عائشة راجعته ثم خالت لحفصة فراجعته مرة أو مرتين ، فلما زجرها النبي قالت لعائشة : " ما كنت لأصيب منك خيرا " .
 

 - ص 57 -

 4 - ( في الصلاة المأمور بها ) ، فبعضها يخصها بصلاة العصر وبعضها بصلاة العشاء ، والثالث بصلاة الصبح .


 5 - ( في خروج النبي ) ، فبعضها تذكر أنه خرج وصلى ، وأخرى تقول أخرج رأسه من الستار والناس خلف أبي بكر ثم ألقى الستار ولم يصل معهم .


 6 - ( في كيفية صلاة النبي بعد الخروج ) ، فيذكر بعضها أنه ائتم بأبي بكر بعد أن دفع في ظهره ومنعه من التأخر . وبعضها أن أبا بكر تأخر وائتم بالنبي . وبعضها أن أبا بكر صلى بصلاة النبي والناس بصلاة أبي بكر . وبعضها أن النبي ابتدأ بالقراءة من حيث انتهى أبو بكر .


 7 - ( في جلوس النبي إلى جنب أبي بكر ) فبعضها تذكر جلوسه إلى يساره ، وبعضها إلى يمينه .


 8 - ( في مدة صلاة أبي بكر ) ، فبعضها تجعلها طيلة مرض النبي ، وأخرى تخصها بسبع عشر صلاة ، وثالثة بثلاثة أيام ، ورابعة بستة ، ويظهر من بعضها أنه صلى صلاة واحدة .


 9 - ( في وقت خروج النبي إلى الصلاة ) ، فبعضها صريحة في أنه خرج لنفس الصلاة التي أمر بها أبا بكر ، وبعضها صريحة في أنه خرج لصلاة الظهر بعد صلاة أبي بكر أيما ، وبعضها صريحة في خروجه لصلاة الصبح .
 

 - ص 58 -

وهذه الاختلافات كما رأيت في جوهر الحادثة .

ولم يظهر من الأخبار تعدد أمر النبي له بالصلاة ولا تعدد خروجه .

وهذا كله يذهب بالاطمئنان بتصديقها في خصوصيات الحادثة لا سيما فيما يتعلق بأمر النبي له ، نعم يعلم منها شئ واحد على الاجمال هو صلاة أبي بكر بالناس قبل خروج النبي .


ولعل أبا بكر كان مخدوعا في تبليغه أمر النبي ، كما جاء في الحديث أن عبد الله بن زمعة خدع عمر بن الخطاب فبلغه أمر النبي له بالصلاة . وأحسب أن أصل الواقعة أن النبي ( ص ) أمر الناس بالصلاة لما تعذر عليه الخروج من دون أن يخص

أحدا بالتقديم ، فتصرف متصرف ، وتأول متأول . ولما بلغ ذلك أسماع النبي التجأ أن يخرج يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض من الوجع ، فصلى بالناس جالسا صلاة المضطرين ، ليكشف للناس هذا التصرف الذي استبد به عليه .


واستغرب توبيخه لعائشة لما راجعته عن أبيها إذ قال لها : " إنكن لأنتن صواحب يوسف " .
لماذا هذا التوبيخ القارص ؟
وأي شئ صنعته تستحق به هذا اللوم ؟

ألا أنها ضنت على أبيها بهذه الكرامة ، فلئن لم تستحق المدح فعلى الأقل لا تستحق مثل هذا التوبيخ .

ومن هنا يتطرق الشك أيضا في صحة تقديم النبي لأبي بكر ،

 - ص 59 -

ويبدو أنه كان من أمرها وتدبيرها ، فلذا وجهت إليها هذه الكلمة اللاذعة ، لا لمراجعة هناك . ولا شك أنها ترغب لأبيها كل فضيلة وتلزه لزا .
 

ولذا التجأت أن تعتذر عن مراجعتها المستغربة منها التي ادعتها بأنها إنما كانت تحب أن يصرف عن أبيها لأنها رأت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقام النبي أبدا وأنهم سيتشأمون به في كل حدث كان .
 

ألا تراها كيف بعثت إلى أبيها تدعوه لما بعث النبي إلى علي يدعوه ليوصيه ، وكذلك صنعت حفصة لأبيها ، ولكن النبي لما رآهم قد اجتمعوا أمرهم بالانصراف وقال : فإن تلك لي حاجة أبعث إليكم " ( 1 ) .

وهذا قول من عنده ضجر وغضب باطن .

والنتيجة : أنه ليس هناك ما يستحق أن يسمى نصا ، ولا إشارة إلى خلافة أبي بكر .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) الطبري " 3 : 195 " . ( * )