- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 59 -

 8 - النص على علي بن أبي طالب
 

إذن ، أفصحيح ما تقوله الشيعة من النص على علي عليه السلام ؟

أيها القارئ ! بودي أن تكون حياديا ، فلا تنظر إلى ما تقوله الشيعة عن هذا الرجل إلا بتقزز ، حتى لا أكلفك

 - ص 60 -

بالرجوع إلى كتبهم وأخبارهم . وأنا معك الآن سأطرحها جانبا وما يدرينا لعل حبهم وتعصبهم لصاحبهم يسوقانهم إلى القول عنه بما لم يكن ، كما ساق أهل السنة إلى رواية النص على أبي بكر . فلنأخذ حذرنا من الآن .


وبعد هذا أترانا نحذر من مؤلفات أهل السنة وصحاحهم في حق علي ، وهم أن تعصبوا فعليه ، لا له ؟

كلا ! فإن الكثير من محدثيهم يحذرون كل الحذر من رواة مدحه وفضائله ، فيقدح المؤلف منهم في الراوي الذي تشم منه رائحة الميل إليه ، ويرسلون الطعن في الحديث إرسالا فيقولون : " وفي متنه غرابة شديدة " ، وليس إلا لأنه لا يتفق وعقيدته ويكفي في الثقة بالمحدث أن يكون ممن يميل عنه كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمران بن حطان وأمثالهم .


وقبل ذلك نجد سيوف بني أمية مسلولة على رؤس الرواة لئلا ينسبوا فضيلة لهذا الذي ناصبوه العداء وسنوا سبه على المنابر والمعابر . ونجدهم كيف كانوا يغدقون بالأعطيات على الطاعنين فيه والمنحرفين عنه .


ولذا تراني أطمئن كل الاطمئنان - وأنت معي لا شك - إلى كل حديث خلص من هذه العقبات ، واستطاع أن يطلع رأسه من بين الأحاديث ظافرا بالصحة والتأييد ، فسجلته كتب أهل السنة وصحاحهم في فضل علي والنص على خلافته ، ومع هذا فستجدني لا أعتمد إلا على بعض
 

 - ص 61 -

الصحيح الثابت عند أهل الحديث منهم الذي بلغ حد التواتر أو كالمتواتر .

والحق أن لعلي منزلة كبرى عند أخيه وابن عمه ، يغبطه عليهما كل مسلم بل حسدوه عليها ، ولا ينكرها إلا مكابر ، حتى أن أم المؤمنين عائشة " على ما بينها وبين علي ما هو معروف " قالت فيه : " ما رأيت رجلا أحب إلى رسول الله منه ولا رأيت امرأة كانت أحب إليه من امرأته " .


وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمجد ويرحب بصهره عند كل مناسبة من يوم ولد صهره قبل البعثة بعشر سنين إلى يوم فاضت نفسه الزكية في حجره . وهذا مما لا يشك فيه مسلم ، وإنما الشأن فيما يدل على العهد إليه بالخلافة فلنقرأ بعض الأحاديث الصحيحة المتواترة أو المشهورة ، ولننظر ماذا سنفهم منها :


 1 - لما نزلت الآية الكريمة " وأنذر عشيرتك الأقربين " جمع النبي ( ص ) من أهل بيته أربعين رجلا في قصة معروفة - وكان ذلك في مبدأ البعثة - فعرض عليهم الإسلام وضمن لمن يؤازره وينصره منهم الأخوة له والوراثة والوزارة والوصاية

والخلافة من بعده فأمسكوا كلهم إلا عليا ، فقد أجابه وحده ، فأخذ برقبته ، وقال : " إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم - أو من بعدي على اختلاف الروايات - فاسمعوا له وأطيعوا " . فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض استهزاء ،
 

 - ص 52 -

ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام . يعنون ابنه ( 1 ) .


 2 - وفي غزوة الخندق لما برز علي إلى عمرو بن عبد ود قال ( ص ) فيه : " برز الإيمان كله إلى الشرك كله " . وذلك سنة 5 ه‍ .
 

 3 - وفي غزوة خيبر باهى به الذين تراجعوا بالراية فقال : " أني دافع الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار " فتطاولوا لها ، ولكنه دفعها إلى علي ، وذلك سنة 7 ه‍ .
 

 4 - ولما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة وبين المهاجرين والأنصار بعدها بخمسة أشهر ، اصطفى عليا لنفسه فآخاه ، وقال له : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " . ثم لم يزل يكرر هذه الكلمة في مناسبات كثيرة ، منها لما سد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب علي ، ومنها غزاة تبوك لما خله على المدينة سنة 9 ه‍ .


وفي رواية ابن عباس زيادة " أنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " ( 2 ) ؟

  * هامش *  
 

( 1 ) من الغريب ما صنعه الأستاذ محمد حسين هيكل . إذ يذكر هذه الحادثة في كتابه " حياة محمد " في الطبعة الأولى ويهملها في الطبعات الأخرى من غير تنبيه .
( 2 ) وصححها الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه . ( * )

 

 

 - ص 63 -

 5 - وقال له : " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " . وبعد ذلك كان يعرف المنافق ببغضه لعلي .
 

 6 - وقال : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " . وبعد أن نفى ذلك عن أبي بكر وعمر قال : " ولكنه خاصف النعل " وكان علي يخصف نعل رسول الله ساعة ئذ في الحجرة عند فاطمة .


 7 - وكان عند النبي طاير طبخ له ، فقال : " اللهم آتني بأحب الناس إليك يأكل معي " فجاء علي فأكل معه . 8 - وقال : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " .

 9 - وقال : " أقضاكم علي " .

 10 - وقال : " علي مع الحق والحق مع علي ، لن يفترقا حتى يراد علي الحوض " .

 11 - وأثبت له غير مرة الوراثة والوصاية ، وأوضح أنهما وراثة ووصاية نبوة ، فقال مرة : " لكل نبي وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب " ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع ميزان الاعتدال في ترجمة شريك . وقال عن رواية محمد بن حميد الرازي ليس بثقة مع أنه قد وثقه أحمد بن حنبل وأبو القاسم البغوي والطبري وابن معين وغيرهم . ونقل هذا الحديث عن السيوطي في اللآلئ وعن الحاكم . ( * )

 

 

 - ص 64 -

وقال له علي مرة :  " ما أرث منك ". قال صلى الله عليه وآله : " ما ورث الأنبياء من قبل كتاب ربهم وسنة نبيهم " ( 1 ).

 12 - وقال سنة 8 ه‍ : " إن عليا مني وأنا من علي لا يؤدي عني إلا أنا وعلي " .

 13 - وقال : " إن عليا مني وأنا من علي ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " .

 14 - وقال : " أنت ولي كل مؤمن بعدي " .

 15 - وسد أبواب المسجد غير باب علي ، فكان يدخل المسجد جنبا ، وهو طريقه ليس طريق غيره . قال عمر بن الخطاب : " لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاثا لئن تكن لي واحدة منها أحب إلي من حمر النعم : زوجته فاطمة بنت رسول الله ، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له ما يحل فيه ، والراية يوم خيبر " .

وكذلك روي عن ابن عمر . ولما روجع النبي في فتح باب علي قال : " إنما أنا عبد مأمور ما أمرت به فعلت إن أتبع إلا ما يوحى إلي " .


 16 - ولما آخى النبي بين كل اثنين من المهاجرين ، وذلك قبل الهجرة اصطفاه لنفسه فآخاه وقال له فيما قال : " أنت أخي ووارثي . أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " . وكذلك صنع وقال لما آخى بين المهاجرين والأنصار ،
 

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع كنز العمال ( 5 : 41 ) . ( * )

 

 

 - ص 65 -

فاصطفاه لنفسه مع أن كلا منهما من المهاجرين وذلك بعد الهجرة بخمسة أشهر .
ولا يزال يدعوه أخي في مناسبات لا تحصى .
 

 17 - ويوم الغدير ، بعد الرجوع من حجة الوداع سنة 10 ه‍ أمر بالصلاة ، فصلاها بهجير ، وقام خطيبا على مائة ألف أو يزيدون ، حيث تفترق قبائل العرب .

وبعد أن نعى نفسه إليهم ذكر الثقلين كتاب الله وعترته وأنهما لن يفترقا ولن يضلوا بالتمسك بهما أبدا ، أخذ بيد علي وقال : أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! وكرر السؤال عليهم وأجابوا . ثم قال : فمن كنت مولاه فعلي

مولاه ( وفي أحاديث كثيرة : من كنت مولاه فعلي وليه ) . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيثما دار " فلقيه عمر بن الخطاب فقال له : هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 1 ) أو " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 2 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) مسند أحمد ( 4 : 281 ) وعن تفسير الثعلبي . وفي الصواعق المحرقة في الشبهة 11 عن أبي بكر وعمر معا .
( 2 ) تفسير الرازي في قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك " . ( * )

 

 

 - ص 66 -

هذه هي الأحاديث التي أخذتاها من الصحيحة ، اكتفاء بهذا القليل عن كثير لا تسعه هذه الرسالة .


أما الآيات فقد قال ابن عباس : " نزلت في علي ثلثمائة آية من كتاب الله تعالى " . ولم يعرف من طريق أهل السنة إلا مائة .

ونختار منها ثلاث آيات :

 1 - آية " إنما وليكم ؟ ورسوله والذين آمنوا والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " . وقد نزلت فيه إذ تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة ، فأثبت الولاية له كولاية الله ورسوله على الناس . وهي مثل الأحاديث التي جعلت له تلك الولاية الإلهية .


 2 - آية التطهير ، إذ جمع النبي ( ص ) عليا وزوجه وابنيهما معه في كساء واحد ، فنزلت الآية بإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم . وهذه العصمة التي تشترط في الإمامة .


 3 - آية المباهلة ، إذ باهل بأهل بيته أولئكم ، نصارى نجران في قصة مشهورة ، وجعل عليا بنص الآية نفسه .


ونحن لما اعتقدنا أن طريقة الاختيار لا يصح أن يقال إن النبي عول عليها في تعيين الخليفة من بعده ، فمن الضروري أن ينص على واحد من أصحابه ، ولكن لم يكن أبا بكر فمن هو إذن ؟

ليس هناك شخص ورد فيه ما ورد في علي يصح أن

 - ص 67 -

يكون نصا كهذه الأحاديث مع الآيات التي يؤيد بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا : فقد نصت على أنه وارث النبي وراثة نبوة ، ووصيه ، وأخوه ، ونفسه ، وولي المؤمنين بعده ، وأولى بهم من أنفسهم ، ومنزلته منه منزلة هارون من موسى عدا منزلة النبوة ، وخليفته من بعده ، ويدور معه الحق كيفما دار لن يفترقا ، وهو أقضى الأمة ، وباب مدينة علمه ، المطهر من الرجس .


وهذه صفات لا تكون إلا لإمام معصوم وخليفة للنبي يختاره الله ورسوله للأمة . وهل يمكن أن يكون شخص أولى بالمؤمنين من أنفسهم ووليهم بعد النبي وهو سوقة كسائر الناس تجب عليه طاعة غيره والسمع له ؟ - هيهات ! .


ولكن كل واحدة من هذه الكلمات التمس لها بعض الباحثين في الإمامة تأويلا ، احتفاظا بكرامة الصحابة واتقاء من نسبة مخالفة نص النبي إليهم .
 

ونحن نقول لهؤلاء المؤلين إذا كنتم قد عرفتم حسن نوايا هؤلاء الصحابة ، وهم في الوقت نفسه مجتهدون على رأيكم فلا استغراب في مخالفة الصريح من كلام النبي ( ص ) وليس الخطأ على المجتهدين بعزيز .


ثم إنا عرفنا عنهم عدم تعبدهم : بالنصوص في كثير من الأمور التي تفوت الحصر ، كتوقفهم في بعث جيش أسامة وتأميره حتى أغضبوا النبي فقال ما قال وبالأخير امتنعوا عن الخروج حتى قبض ، وكاعتراض عمر على صلح
 

 - ص 68 -

الحديبية ، وكمنعه من إملاء الكتاب الذي قال عنه النبي لن تضلوا بعده أبدا . وما إلى ذلك .
 

فنحن الآن بين أمرين إما أن نؤول هذه الأحاديث بما يصح وبما لا يصح وأما أن نقول إن أولئك الصحابة قد تأولها لأمر ما ولا شك أن الثاني أقرب إلى البحث العلمي والتفكير الحر المستقيم ، لأنا وجدناهم قد تأولوا في حياة النبي النصوص الصريحة التي لا تقبل التأويل كما سمعت بعضها .


وهل لمن يحسن الظن بهم إلا أن يعتقد أنهم لم يقصدوا مخالفة النبي عصيانا ، وإنما كانوا يظنون المصلحة فيما ينقدح لهم من رأي ، وقد اعتادوا أن يشاورهم في الأمور اتباعا لأمر الله تعالى " وشاورهم في الأمر " فانسوا التدخل حتى في الشؤون العامة التي يأمر بها النبي ويعقدها .


ومن جهة ثانية نرى امتناع دخول التأويلات التي تسمعها من الباحثين على بعض هذه الأحاديث ، منها ( حديث الغدير ) وهو آخر النصوص وآية ( إنما وليكم الله . . ) وحديث ( ولي كل مؤمن بعدي ) . فقد أولوا المولى والولي في كل ذلك بالناصر

أو المحب . وهذا بعيد كل البعد في حديث الغدير ، لأن أهل اللغة إن فسرت المولى والولي بالناصر والمحب فقد فسروها بمالك التصرف .

وهل تفهم معاني الألفاظ المشتركة إلا بقرائنها ؟

والقرينة الحالية واللفظية صريحة في هذا المعنى الأخير :

 - ص 69 -

فإن النبي قام خطيبا على مائة ألف أو يزيدون بحر الهجير ، وهل يصح عند العقل أن يقف هذا الموقف الخطير وهو يريد أن يفهم الناس أن عليا ناصر للمؤمنين أو محب لهم ؟

وأية حكمة في بيان هذا الأمر الواضح فتسترعي هذا الاهتمام من النبي الحكيم وأيضا - وبعد أن ينعى نفسه ويذكر الثقلين - يأخذ بيد علي ويرفعه إليه حتى يبين بياض إبطيهما . ويستنشدهم : " ألست أولى منكم بأنفسكم " . فما هذه التوطئة ؟

أكانت كلاما مطروحا لا فائدة فيه أم أنها لتوضح ما سيفرغ عليها فقال : " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " ؟ لا شك أنها قرينة لفظية صريحة في بيان أن عليا مثله أولى من المؤمنين بأنفسهم . والمولى كما قلنا هو " مالك التصرف " أو " الأولى بالشئ

منه " ، كما تقول : السيد مولى العبد ، أي مالك لتصرفه ، أو أنه أولى بالتصرف في شئونه منه . ولا حاجة إلى دعوى أن المولى بمعنى كلمة ( الأولى ) فقط ، حتى يعترض عليها المعترض فيقول : لا يصح أن يقال " مولى منه " كما تقول " أولى

منه " . بل أن معنى كلمة " المولى " معنى مجموع هذه العبارة ( الأولى بالشئ منه ) الذي يساوق معنى مالك التصرف .


ومنها - وهو أول النصوص - الحديث : " إن هذا أخي

 - ص 70 -

ووصي وخليفتي فيكم - أو من بعدي - فاسمعوا له وأطيعوا " . وهو حديث ثابت لا شك فيه ، فهل تجد عبارة هي أصرح من هذه العبارة للنص على الخليفة والإمام ؟

ولو قرأنا نص أبي بكر على خليفته لم نر إلا عبارة " إني أمرت عليكم عمر بن الخطاب " .

وهذه لا تشبه تلك في صراحتها ولا تقاس عليها في قياس ، فأين صراحة الإمارة من صراحة الخلافة ؟

والإمارة تكون في الجيش وتكون في كل شئ ، والخلافة لفظ كان يجري على لسان النبي والمسلمين ولا يراد منه إلا هذا المعنى فعندما تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش " لا نشك في المراد بكلمة ( خليفة ) كما لا نشك في كلمة قريش .

فلماذا لا نفهم من كلمة ( خليفتي ) هذا المعنى ؟

وهل استعملها في يوم من الأيام في معنى آخر ؟

والفرق بين نص النبي ونص أبي بكر أن أبا بكر لم يحدث بعده ما يأخذ بالأعناق إلى التأويل والتشكيك ، لأنه قد عمل به وانتهى كل شئ .

أما نص النبي فقد بقى قولا في صدور الرجال وصحائف الكتب ولم يعمل به ، فسلبت صراحته وأدخل عليه التأويل احتياطا في حمل الصحابة على أحسن الأعمال . ولئن درئ الطعن عنهم فلا يجلون عن الخطأ ، وما هو بعزيز على مثلهم .
 

 - ص 71 -

على إنا لا نريد أن ندخل في البحث عما يجب أن يقال في عذر الأصحاب ، وإنما الغرض أن نفهم مدى دلالة هذا الحديث في نفسه قاطعين النظر عن كل ما صدر عن الأصحاب ، فلا نجد كلمة هي أوضح وأصرح من كلمة ( وصيي ) وكلمة ( خليفتي ) ، ثم تعقيبهما بالأمر بالسمع والطاعة .


وينسق عليه حديث رقم ( 11 ) : " لكل نبي وصي ووارث وإن وصي ووارثي علي بن أبي طالب " . ويعلم من هذا بصراحة أنها وصاية نبوة لا وصاية اعتيادية ، ووراثة نبوة على نسق الوصاية لا وراثة مال أو عقار ، فإن عليا ابن عمه

وابن العم لا يرث مع البنت ، ولا معنى لوراثة النبي لأنه نبي غير أن يكون بمنزلته في الولاية العامة ووجوب السمع والطاعة ، أما العلم فكل المسلمين ورثوه منه فلا اختصاص لعلي إلا أن يراد من العلم معنى آخر لا يشترك فيه الناس ، وهو الذي يكون من مختصات النبوة ، فيكون على المقصود أدل وأدل .


أما باقي الأحاديث فلو لم يكن كل واحد منها نصا على إمامته ، فعلى الأقل أنها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا على إمامته ، فعلى الأقل أنها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا لا يقبل الاحتمال والتأويل ، لا سيما بعد أن بينا فساد القول بتشريع إيكال الأمر إلى اختيار الأمة
 

 - ص 72 -

وقلنا إنه لا بد أن يكون واحد من الأصحاب قد نص على خلافته النبي " ص " . لا تزال هناك شبهة مستعصية على الباحثين ، ولا يزال يكررها الكتاب حتى يومنا هذا . وهي : إن هذه الأحاديث لو كانت للنص على خلافته ، كما تقوله الشيعة ،

فلماذا لم يتمسك بها هو ، ويحتج بها على القوم لو كانوا قد أخذوا حقه ؟

ولماذا لم يحتج بها أصحابه أو باقي المسلمين في اجتماع السقيفة ؟

والحق أنها شبهة قوية هي أقوى متمسك لإنكار النص ، بل ليس شئ غيرها يستحق أن يذكر في معارضة تلك النصوص ، فيلجأ إلى تأويلها وتفسيرها على غير وجهها .


والباحثون أجابوا عنها بعدة أمور يطول علينا استقصاؤها ، ولكن الذي يرضي نفسي وأدين به ربي أن أقرر ما يلي : إن مولانا أمير المؤمنين لما انتهى الأمر بالناس إلى مبايعة أبي بكر خليفة ، فهو قد أمسى بين أمرين لا ثالث لهما :

أما أن يستسلم للأمر الواقع ، فيترك كل مطالبة علنية صريحة إبقاء لكلمة الإسلام .

وأما أن يجاهد حتى يثبت حقه ، وهو نفسه قال : " وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء " .

ولما اختار الأمر الأول وهو أعرف بما اختار إذ يقول : " فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى " فلم يبق وجه لمطلبته العلنية بالخلافة ، وقد طوى عنها كشحا
 

 - ص 73 -

وأسدل دونها ثوبا ولو أنه كان يعلن بالمطلبة فلا بد أن يتبعها بالسعي إلى تنفيذها مهما أوتي من حول وقوة ، وفي ذلك تطويح بكلمة الإسلام وبنائه السامق وسيأتي تمام البحث في الفصل الرابع .


أما أصحابه فله تبع ، وفي السقيفة قال الأنصار كلهم أو بعضهم : " لا نبايع إلا عليا " ولكنها كلمة ذهب في فضاء التاريخ منسية وقد عالجناها في غير موضع من هذا الكتاب كما يأتي .