- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 75 -

الفصل الثاني

تدبير النبي لمنع الخلاف


 

 - ص 76 -

 أ - بعث أسامة :


- 1 - مرض النبي صلى الله عليه وآله مرضه الذي انتقل به إلى الرفيق الأعلى ، فوجس منه خيفة الفراق ، وهو يعلم أن أمته على شفا جرف هار من بحر للفتن متلاطم والعرب مغلوبة على أمرها تحرق الارم عليه وعلى قومه وأهل بيته ،

وتنتهز الفرص للوثوب لأخذ ثأرها وهو على حذر منهم ، والمنافقون بالمرصاد بين ظهراني المسلمين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويعدون من أصحابه وهو على المسلمين منهم أحذر ، وليس عهد دحرجة الدباب في العقبة ببعيد .

وأكثر من ذلك هذه الأخبار ترد بخروج الأسود العنسي ومسيلمة يدعيان النبوة فتتكاثر أتباعهما .


ما أشد حال النبي وحزنه ، وهو يستدبر أمة هذه حالها وهي تستقبل الفتن كقطع الليل المظلم كما في الحديث . وقد رأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر في حديث آخر ( 1 ) .

ولكنه في هذا الموقف الدقيق مع ذلك يرمي بجيشه

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 8 : 168 باب نزول الفتن . ( * )

 

 

 - ص 77 -

اللجب إلى مكان سحيق ، إذ يعقد اللواء بيده للشاب أسامة بن زيد أميرا على الجيش بعد يوم واحد من ابتداء شكاته ، بعد أن كان أمرهم بالبعث قبل ابتداء مرضه .


ثم يضم تحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار وجلتهم ووجوههم منهم أبو بكر ( 1 ) وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وغيرهم ، ليحارب بهم أهل أبنى بناحية البلقاء من أرض الشام أولئك قتلة أبي أسامة زيد من الروم .


ثم يشدد في الخروج ويلعن المتخلف منهم ويغضب ذلك الغضب لتباطؤ القوم ولغطهم حول تأمير فتى يافع على
 

  * هامش *  
 

( 1 ) صرح بدخول أبي بكر في البعث أكثر المؤرخين ، منهم ابن سعد في طبقاته : ( 4 : 46 ) و ( 4 : 136 )
وابن عساكر في التهذيب ( 2 : 391 ) و ( 3 : 215 ) وصاحب كنز العمال ( 5 : 312 ) . وصاحب تاريخ الخميس ( 2 : 172 ) واليعقوبي في تاريخه ( 2 : 93 ) وابن أبي الحديد ( 2 : 21 ) ومحمد حسين هيكل من المتأخرين في حياة محمد ( 467 )

وغيرهم مما لا يحصى . ولم نجد تصريحا ولا تلويحا لأحد من المؤرخين بخروجه من جيش أسامة . وإنما يكتفي بعضهم بقول " وجوه المهاجرين " وما يؤدي هذا المعنى بدون تصريح باسم أحد ، ولكن بعضهم المؤلفين الجدليين حاول إنكار دخوله من غير حجة ظاهرة . ( * )

 

 

 - ص 78 -

شيوخ المسلمين ، فيقول : " أن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة " .


- 2 - لشد ما يعتلج العجب في نفوس المتفكرين من هذا الحادث ، فيعجب الإنسان .

" أولا " - أن تسند قيادة أعظم جيش إسلامي يومئذ ، في ذلك الظرف الدقيق الذي وصفناه ، في مرض النبي ، إلى شاب يافع لم يتجاوز العشرين من سنيه ( على جميع التقادير ) ، وهو لم يجرب الحروب بعد وبالأصح لم تسند إليه قيادة من هذا النوع ولا من نوع آخر . والجيش معبأ لجهاد أقوى أعداء الإسلام في ذلك الموقع البعيد عن العاصمة الإسلامية .


" ثانيا " - أن يؤمر هذا الفتى ، مع ذلك ، على شيوخ المسلمين الذين فيهم قواد الحروب ورؤساء القبائل وأصحاب النبي الذين يرون لأنفسهم مقاما أسمى ومنزلة رفيعة . ويرشحون أنفسهم لمنصب هو أعظم كثيرا من منصب قائدهم الصغير هذا .


" ثالثا " - أن يتباطأ المسلمون عن الالتحاق بهذا البعث بالرغم على إصرار النبي وتشديده النكير على المتخلفين ولعنه
 

 - ص 79 -

إياهم . ويكفي أن نعرف أن البعث وقع قبيل شكاته أو في أولها وقد استدامت علته أربعة عشر يوما ( على أوسط التقادير ) . وفي كل هذه المدة الطويلة يثاقل القوم عن الخروج .


وقد عسكر قائدهم الفتى بالجرف ، وهو عن المدينة بفرسخ واحد ( بعد أن عقد النبي له الراية بيده الشريفة ) ينتظر جيشه المتمرد أن يجتمع إليه ، فتخلق الإشاعات عن حال النبي فيرجع أسامة إلى المدينة برايته فيركزها على باب النبي ، ولكن

الرسول في كل مرة يأمره بالعودة ويحث القوم على الالتحاق به . ولكنه في اليوم الأخير يرجع مرتين في المرة الأولى يأمره النبي بالسير قائلا : ( اغد على بركة الله تعالى ) فيودعه ويخرج ، وفي المرة الثانية يرجع ومعه عمر وأبو عبيدة فيجد النبي يجود بنفسه ، ثم يلتحق بالرفيق الأعلى .


فماذا دهى المسلمين حتى خالفوا الصريح من أمر النبي هذه المدة الطويلة من غير حياء منه ولا خجل ولا خوف من الله ورسوله وتوطنوا على غضبه ولعنهم جهارا ، أتراهم استضعفوا النبي وهو مريض شاك فتمردوا عليه ، أم ماذا ؟


" رابعا " - أن ينكر هؤلاء المسلمون على نبيهم تأميره لهذا الفتى ، ثم لا يرتدعون إن نهاهم عن ذلك . وليس لهم على كل حال حق هذا الانكار إذا كانوا حقا قد تغذوا بتعاليم
 

 - ص 80 -

الإسلام وعرفوا أن النبي لا ينطق عن الهوى وما كان لهم الخيرة .


( خامسا ) - أن النبي قد علم بقرب أجله ويعلم أن الفتن قد أقبلت كقطع الليل المظلم ، فكيف يبعد جيشه وقوته عن العاصمة ومركز الدعوة ، بل كيف يخلي المدينة من شيوخ المهاجرين والأنصار وزعمائهم وأهل الحل والعقد منهم . فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم ، أكثر من هذه الظواهر التي يتصورها الناس .


- 3 - فهل نجد حلا لهذه المشاكل تطمئن إليه النفس الحرة ، بعد عرفاننا للنبي وعظمته وأنه لا يفعل ولا يقول إلا عن وحي وسر إلهي . - لم يصح عندنا تفسير لمشاكل هذا الحادث إلا بأن نقول إنه " ص " أراد :

( أولا ) - أن يهيئ المسلمين لقبول " قاعدة الكفاية " في ولاية أمورهم ، من ناحية ، عملية ، فليست الشهرة ولا تقدم العمر هما الأساس لاستحقاق الإمارة والولاية ، فإذا قال عن أسامة مؤكدا جدارته بالقسم ولام التأكيد : " وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة - يعني زيدا - وإن ابنه لخليق للإمارة " .
 

 - ص 81 -

وإذا علمنا أن علي بن أبي طالب هو المهيأ لولاية أمور المسلمين بعد النبي - على الأقل - أن فرض إنه لم يكن هو المنصوص عليه ، أفلا يثبت لنا أن قضية أسامة كانت لقبول الناس إمارة علي على صغر سنه يومئذ بالقياس إلى وجوه المسلمين وكان إذ ذاك لا يتجاوز الثلاثين ؟ وهذا ما يفسر به المشكل الأول والثاني في هذا البعث .


و( ثانيا ) - أن يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية أن يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة . وقد ثبت عنه إنه كان يتوجس خيفة على أهل بيته ولا سيما على علي ، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده .
 

ولذا نراه اوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى الرئاسة ، ولم يدخل فيه عليا ولا أحدا ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر ، فلم يذكر واحد منهم في البعث ، وهم ليسوا أولئك النكرات الذين لا يذكرون .


وهذا ما يفسر تباطؤ القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الإشاعات في المعسكر عن وفاة الرسول ، مع إصراره " ص " ؟ ذلك الاصرار العظيم . ولم يمكنهم أن يصرحوا بما في نفوسهم ، فاعتذروا بصغر قائدهم ، وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي وعصيان أمره الصريح . فكان الغرض إخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر
 

 - ص 82 -

له ، بعد أن اتضح للنبي أن التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم ، كما امتنعوا عن السير تحت لواء أسامة وهو لا يزال في قيد الحياة ، فقدر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شئ لخليفته المنصوب من قبله ، فليس يسعهم إلا أن ينضووا حينئذ تحت جماعة المسلمين ورايتهم .


و( ثالثا ) - أن يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة ، ليقيم الحجة لهم وللناس بأن من يكون مأمورا طائعا لشاب يافع ولا يصلح لإمارة غزوة مؤقتة كيف يصلح لذلك الأمر العظيم وهو ولاية أمور جميع المسلمين العامة ، وهي في مقام النبوة وصاحبها أولى بالمؤمنين من أنفسهم .


وزبدة المخض أن بعث أسامة لا يصح أن يفسر إلا بأنه تدبير لإتمام أمر علي بن أبي طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدم النص على علي وقرب أجل النبي " ص " ؟ وعلمه بأن هناك من لا يروق له ولاية ابن عمه ، وبمقتضى الدلائل

الموجودة في الواقعة نفسها : من تأمير فتى يافع وتكديس وجوه القوم وقوادهم في البعث وعدم دخول علي ومن يميل إليه وامتناع جماعة من الالتحاق بالجيش وحث النبي على تنفيذه وغضبه من اعتراضهم وتخلفهم ، وهو في مرض الفراق والظرف دقيق على المسلمين . فهذا البعث في الوقت الذي كان تدبيرا لإخلاء المدينة
 

 - ص 83 -

لعلي وحزبه كان حجة على المستصغرين لسنه ودليلا على عدم صلاح غيره لهذا المنصب العظيم . فإذا كان الاخلاء لم يتم لتمانع القوم وعرقلتهم للبعث فإن الحجة ثابتة مع الدهر .


ولا يصح للباحث أن يدعي إن السبب الحقيقي لتخلف القوم هو ما تظاهروا به من عدم الرضى بإمارة قائدهم الصغير ، وإن تذرعوا به عذرا لإخفاء تلك الشنشنة التي عرفها النبي من أخزم ، لأنا نرى أن لو كان هذا هو السبب الحقيقي ، لما تنفذ

البعث بعد أن تم أمر الخلافة الذي به زال المانع الحقيقي ، والمسلمون إلى النبي أطوع منهم إلى أبي بكر لو كان يمنعهم صغر القائد . ولم يتأب عمر نفسه بعد ذلك أن يخاطب أسامة بالأمير طيلة حياته اعترافا بإمارته .


أما الشفقة على النبي - إن لم تكن عذرا آخر تذرعوا به - فلا يصح أن تكون سببا حقيقيا ، إذ ينبغي أن يكونوا عليه أشفق بالتحاقهم بالبعث ، وقد غضب أشد الغضب من تأخرهم على ما فيه من حال ومرض .


ولئن ذهبوا يسألون عنه الركبان كان أكثر برا بنبيهم من أن يعصوا أمره ويغضبوه ذلك الغضب المؤلم له .

ولو أن القوم كانوا قد امتثلوا الأمر لأصابوا خيرا كثيرا ولتبدل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدلا قد لا يحيط به حتى الخيال " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون "
 

 - ص 84 -

ولما وقع ما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب دموية أنهكت قوى الإسلام وأضعفت روحية الدين حتى انفصمت عرى الجامعة الإسلامية سريعا وانتهكت حرمات الأحكام الدينية ، فعاد الإسلام كما نشاهد اليوم غريبا كما بدئ .


أي أمر عظيم وتدبير حازم صنعه النبي لسد باب كل خلاف يحدث ؟ " وكل أفعاله عظيمة " لو تم ما أراد . ولكن لا أمر لمن لا يطاع .