- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 84 -

 ب - ائتوني بكتف ودواة :


قد شاهد النبي ( ص ) ما كان من أمر عرقلة بعث أسامة ، وهؤلاء القوم المتباطؤن لم ينفع معهم صعوده المنبر عاصبا رأسه في أشد حال لا تقله رجلاه مما به من لغوب ، مشددا عليهم النكير على مقالتهم في حق أسامة وتخلفهم عن البعث .


وهي أول حادثة من نوعها تمر على النبي في المدينة ، لا يطاع أمره ويتجاهل حكمه ، ويتساهل في غضبه ، ثم لا يستطيع أن ينفذ هذا الأمر وهو مصر على تنفيذه إلى آخر يوم من حياته إذ دخل عليه أسامة راجعا من الجرف فأمره بالسير غاديا .

لا شك أن مثل هذا الحادث يدعو إلى تدبير آخر سريع
 

 - ص 85 -

لإتمام الأمر لعلي ، ومنه يتأكد للنبي جليا ما عليه القوم من التواطؤ على عدم التقيد بالنص على علي .

وهم إذا كانوا في حياته لا يطيعون أمره في هذا السبيل فكيف إذن بعد وفاته . فلم يجد بعد هذا خيرا من أن يكتب لهم كتابا فاصلا لا يضلون بعده أبدا ، لأنه سيكون أمرا ثابتا لا يقبل التأويل والنكران والتناسي ، لا كالكلام الذي لا يحفظ إلا في الصدور وهي لا تسلم من دخل .

ما أعظمه من كتاب ؟ أهم لا يضلون بعده أبدا ؟ ما أعظمها من نعمة ! بالله أبالله أهكذا قال النبي ؟

نعم ! لما اشتد المرض به " يوم الخميس " وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب ، قال ( ص ) : " هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا " . فأية فرصة غالية هذه يجب أن يقتنصها الحاضرون لهم ولجيلهم وللأجيال اللاحقة حتى الأبد ؟ وأية

نعمة كبرى هذه لا تعادلها نعمة ! . . . أما كان على المسلمين أن يستغلوها أعظم غنيمة فيسرعوا إلى تلبية هذا الطلب ليخلد لهم الهدى ما بقوا ؟ فأي شئ كان يؤخرهم عن اقتناص هذه النعمة ؟ أوليس عمر بن الخطاب حال دون هذا التدبير ، فأوهى
 

 - ص 86 -

منه عقدته المحكمة ، فقال : " إن رسول الله قد غلبه الوجع - أو ليهجر - وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله " ! . فاختلف الحضور وأكثروا اللغط والنقاش ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر .

فما ترى نبي الرحمة صانعا بعد هذا ؟ أيكتب الكتاب وهو في زعم بعضهم على حال مرض غالب " حاشا النبي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " ، فكيف إذن يهتدون به ولا يضلون بعده أبدا ، وقد وقع فيه الخلاف من الآن ، وطعن بتلك الطعنة النجلاء التي لا سبر لها ولا غور .

فلم يجد روحي فداه إلا أن ينهرهم وينبههم على خطأهم فقال : " قوموا .

ولا ينبغي عند نبي نزاع " لتبقي هذه الحادثة حجة على مرور القرون .

حقا إنها لرزية من أعظم الرزايا سببت كل ضلال وقع ويقع بعد النبي .


وحق الابن عباس حبر الأمة أن يبكي عند تذكرها حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول : " إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ( ص ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب " .


وليفكر المفكر أي شئ كان يدعو عمر ليقول هذه المقالة القارصة في حق النبي المختار ، وما ضره لو كان يكتب هذا
 

 - ص 87 -

الكتاب ليعصم الخلق عن الضلالة أبد الدهور وسجيس الليالي ؟ أكان لا يجب أن يبقي الخلق على هدى لا يضلون ؟ أم كان يعتقد حقيقة أن النبي ليهجر .


ولكن لا يعتقد هذا الاعتقاد إلا من كان يجهل حقيقة النبي وما جاء به القرآن من الآيات التي ندد بها على المشركين . وليس ذلك عمر .

وما باله لم يعتقد بهجر أبي بكر " وليس شأنه شأن النبي " لما أوصى بالخلافة ، وكان قد أغمي عليه أثناء تحرير الاستخلاف ، فأتم ذلك عثمان بالنص على عمر من دون علم أبي بكر ، خشية أن يدركه الموت قبل الوصية ، فأمضى ما كتبه عثمان لما استفاق . أم ماذا ؟


ليتني أستطيع أن أفهم غير أنه علم بما سيكتبه النبي من النص على علي ، وقد سبق للنبي أن عبر مثل هذا التعبير في العترة يوم الغدير إذ ذكر الثقلين كتاب الله وعترته أهل بيته ووصفهما بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ثم قال : " لن

تضلوا إن اتبعتموها " ( 1 ) أو على المشهور " لن تضلوا ما أن تمسكتم بهما أبدا " ففهم عمر من قوله : " لا تضلوا بعده أبدا " ماذا سيريد أن يكتب الرسول . ويشهد لتنبه عمر
 

  * هامش *  
 

( 1 ) مستدرك الحاكم ( 3 : 106 ) . ( * )

 

 

 - ص 88 -

لذلك قوله : " حسبنا كتاب الله " إذ فهم أن غرض النبي أن يقرن الثقلين أحدهما بالآخر فكأنه قال : يكفينا واحد منهما وهو الكتاب ولا حاجة لنا بالآخر ، وإلا فما كان معنى لقوله حسبنا . . . وهو يدعي هجر النبي " ص " .


فكانت هذه المقالة من عمر والمقالة بمشهد النبي للحيلولة دون الكتاب لعلي ، إقداما جريئا جاء في وقته المناسب له قبل أن تفوت الفرصة .


ولا يشبهه أي موقف آخر منه على كثرة مواقفه في إتمام البيعة لأبي بكر ، كما سنرى في إنكاره موت النبي وموقفه في السقيفة وبعدها فإنه هو الذي شيد ( 1 ) بيعت ؟ أبي بكر وكافح المخالفين . ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة :

فقد كسر سيف الزبير ، ودفع في صدر مقداد ، ووطأ سعد بن عبادة وقال : اقتلوه فإنه صاحب فتنة ، حطم أنف الحباب بن المنذر ، وتوعد من لجأ إلى بيت فاطمة عليها السلام وكان بيده عسيب نحل ( 2 ) بعد خروجهم من السقيفة يدعو الناس إلى

البيعة . . . ولا يستطيع الباحث أن ينكر من عمر بن الخطاب تمالؤه على علي بن أبي طالب ويقظته فيما يخص استخلافه . وكذلك جماعته الذين شاهدنا منهم التعاضد والتكاتف في أكثر
 

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع شرح ابن أبي الحديد ( 1 : 58 ) .
( 2 ) راجع كنز العمال ( ج 3 رقم 2346 و 2363 ) . ( * )

 

 

 - ص 89 -

الحوادث كأبي بكر وأبي عبيدة وسالم مولى حذيفة ومعاذ بن جبل وأضرابهم .

وكذا علي نفسه ظاهر عليه جليا ميله عن هؤلاء في جميع مواقفه معهم حتى أنه لم يبايع أبا بكر حتى ماتت فاطمة فبايع مقهورا ، ولم يدخل في حرب قط على عهد الخلفاء الثلاثة ، وهو هو ابن بجدتها وقطب رحاها .


وكان يتهم عمر إنه لم يشد أزر أبي بكر إلا ليجعلها له بعده فقال له مرة : " احلب حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا " ( 1 ) وقد صدقت فيه مقالته فاستخلف من قبل أبي بكر .
 

وهل يخفى على أحد ما كان في القلوب من تنافر ؟

ويكفي شاهدا أن نسمع المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وابن عباس كما رواها ابن عباس ( 2 ) . عمر " لابن عباس " : أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ ابن عباس : " وهو يكره أن يجيبه " إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني .

- : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، فتبجحوا

  * هامش *  
 

( 1 ) السياسة والإمامة : باب إمامة أبي بكر . وشرح النهج ( 2 : 5 ) .
( 2 ) الطبري ( 5 : 31 ) وابن الأثير ( 3 : 31 ) وشرح النهج ( 2 : 18 ) . ( * )

 

 

 - ص 90 -

على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت .

- : يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت .

- : تلكم :

- : أما قولك : " اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت " فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ومحسود . وأما قولك : " إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة " فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال : " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " .

- : هيهات ! والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك مني .

- : وما هي ؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلة منك وإن كنت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه .

- بلغني أنك تقول إنما صرفوها حسدا وظلما .

- : أما قولك : ( ظلما ) فقد تبين للجاهل والحليم . وأما قولك ( حسدا ) فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون .

- : هيهات ! أبت - والله - قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول وضغنا وغشا ما يزول .

 - ص 91 -

- : مهلا ! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش ، فإن قلب رسول الله من بني هاشم .

- : إليك عني ؟ * * *


نقلنا هذه المحاورة بطولها لأنها تجلي كثيرا من الغوامض في بحثنا ، فهي تكشف لنا :

( أولا ) - عما في نفوس الطرفين من نزوان بغضاء كامنة يستطير شرارها . وهذا ما أردنا استكشافه الآن وسقنا لأجله المحاورة .

و( ثانيا ) - عن أن القوم كانوا قد تعمدوا منع الأمر عن آل البيت ، وأن منعهم كان عاطفيا كراهة اجتماع النبوة والخلافة فيهم خشية تبجحهم ، وقد فسر ابن عباس هذه الخشية بالحسد وأنها من الظلم . واستشعر الألم الكامن من تأكيد هذه الكلمة ( بجحا بجحا ) .

و( ثالثا ) - عن أن الإمامة إنما هي باختيار الله ، وأن الخلافة في آل البيت مما أنزله الله ، وليست تابعة لاختيار قريش وكراهتهم .

 - ص 92 -

و( رابعا ) - عن أن ظلمهم لآل البيت بأخذها منهم مشهور يعرفه كل أحد . وهذان الأمران الأخيران صرح بهما ابن عباس على شدة تحفظه واتقائه غضب عمر الذي لم يسلم منه بالأخير . ولم يرد عليه عمر الرد الذي يكذب هذا التصريح أكثر من

الطعن فيه وفي بني هاشم ثم الزجر له بقوله : " إليك عني " . وهذا الزجر ينطق صريحا بالعجز عن الجواب ، فختمت به المحاورة . والغرض من كل ذلك أن إقدام عمر الجرئ ، على نسبة الهجر إلى النبي المعصوم ، وعلى دعوى أن كتاب الله

وحده كاف للناس بلا حاجة إلى شئ آخر على عكس تصريح النبي ، لا يستغرب منه ما دام القصد منع الأمر عن علي . وقد اتضح أن بينهما ما لا يستطيع التأريخ نكرانه والتمويه فيه . وأما اعتذار بعض الناس عنه بأنه ظهر له أن الأمر ليس للوجوب

فهو اعتذار بارد لا يقره العلم . فمن أين ظهر ذلك ؟ أمن قول النبي " لا تضلوا بعده أبدا " - وهل هناك أمر أعظم مصلحة في الحكم الشرعي تجعله للوجوب من هداية الخلق أجمعين إلى أبد الدهور - أم من وقوع النزاع وغضب النبي وزجرهم بالانصراف . وإذا كان قد فهم الاستحباب فلماذا يرده بأشنع كلمة لا يواجه بمثلها الرجل العادي من
 

 - ص 93 -

الناس لا سيما عند المرض ، أعني كلمة الهجر والهذيان ، مهما لطفت العبارة بتحويلها إلى كلمة " قد غلبه الوجع " . ثم أي معنى حينئذ لقوله : " حسبنا كتاب الله " ، وهو رد على النبي وتدخل في مصلحة الحكم وأساسه ، وكان يغنيه أن يقول لا يجب علينا امتثال الأمر . * * *


والخلاصة إن الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي ( ص ) من نفس وصفه له : " لا تضلوا بعده أبدا " ومن نفس رد عمر " حسبنا كتاب الله " ومن قرائن الأحوال المحيطة بالقصة بعد سبق توقف البعث عن الذهاب نعرف أن المقصود منه النص على

خليفته من بعده وهو علي بن أبي طالب ، لا سيما أن كل خلاف بين المسلمين وكل ضلال وقع ويقع في الأمة هو ناشئ من الخلاف في أمر الخلافة فهو أس كل ضلالة .


ولو تركوا النبي يكتب التصريح بالخلافة من بعده لما كان مجال للشك والخلاف إلا بالخروج رأسا عن الإسلام . وليس بالبعيد أنه ( ص ) امتنع عن التصريح شفاها أو كتبا بعد هذه القصة بالنص على خليفته لئلا يأخذ اللجاج بالبعض إلى الخروج على

الإسلام ، فتكون المصيبة أعظم على الإسلام والمسلمين وهذا ما حدا بعلي عليه السلام إلى المجاراة والمماشاة ، فلذا قال في خطبته الشقشقية : " فطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء . . . فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى . . . ) . وسيأتي في الفصل الرابع الكلام عن موقفه مع الخلفاء تفصيلا .