- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 95 -

الفصل الثالث

بيعة السقيفة

 

 - ص 93 -

 1 - الدوافع لاجتماع السقيفة ( 1 )


تصور الأنصار أنهم الذين آووا ونصروا يوم عز الناصر ، وأسلموا يوم قحط المسلمين ، فبذلوا للإسلام نفوسهم وأموالهم ، فكانوا بحق " أنصارا " كما سماهم النبي صلى الله عليه وآله ، و " وحضنة الإسلام وأعضاد الملة " كما دعتهم الزهراء عليها السلام في خطبتها الشهيرة عند مطالبتها بالنحلة .


إذن ، لا بد أن يروا لأنفسهم حقا في الإسلام لا يغمط وسابقة ليست لغيرهم لا تنكر ، ولهم في تشييده يد مشهورة وذكر جميل . . وهذا ما يطمعهم في إمارة المسلمين كجزاء
 

  * هامش *  
 

( 1 ) السقيفة : الصفة ، والظلة ، وهي شبه البهو الواسع الطويل السقف . وكان لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج - وهم حي من الأنصار ومنهم سعد بن عبادة نقيبهم ورئيس خزرج - ظلة يجلسون تحتها هي دار ندوتهم لفصل القضايا اشتهرت " بسقيفة بني ساعدة " . اجتمع فيها الأنصار أوسهم وخزرجهم ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله .

 

 

 - ص 97 -

لتضحيتهم في سبيل الإسلام وكنتيجة لنجاحهم وتفوقهم على العرب في النصرة والإيواء .


ومن جهة ثانية : إنهم كانوا قد وتروا قريشا والعرب ، وأية ترة هي ؟ آووا ونصروا من سفه أحلامهم ، وهم يحرقون الأرم عليه ليقتلوه ، فتمنع عن جبروتهم بأولئك المستضعفين في نظر " أهل النواضح " وأكثر من ذلك أنهم قتلوا صناديدهم وأسروا رجالهم وجعجعوا بهم حتى دانت بأسيافهم العرب .


فكانت الأنصار - والحال هذه - تتخوف هؤلاء الذين وتروهم إذا خلصت إليهم الإمارة أن يأخذوهم بترتهم ، وهم عندئذ المغلوبون على أمرهم سوقة لا يملكون لأنفسهم قوة ولا دفاعا ، وكفاهم ما سمعوه من النبي ( ص ) مخاطبا لهم : " ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " .
 

والمناظرة التي وقعت يوم السقيفة كانت تشير إلى تخوفهم هذا ، بل صرح الحباب بن المنذر إذ يقول : " ولكنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم " .
 

وقد صدقت فراسته فتولى الأمر بنو أمية وكان ما كان منهم في وقفة ( الحرة ) المخزية التي يندي منها جبين الشرف والإنسانية ، ويبرأ منها الإسلام وأهله .


وشئ ثالث هناك : إذا كان صاحب الأمر هو علي بن أبي طالب ، فلم يخف عليهم حسد العرب له وتمالؤها عليه ،

 - ص 98 -

وهي موتورة له أكثر من أي شخص آخر من المسلمين بعد النبي ، فلا تمكنه العرب - وقريش خاصة - من أمورهم . وليس بعيدا عهد تأخر جيش أسامة والحيلولة دون كتاب النبي .


ولا بد أنهم علموا بمؤامرات هناك وتفكيرات أحسوها عيانا في جماعة من الناس . فالأنصار - والحال هذه - قد لا يرون كبير إثم في تطاولهم لمنصب الخلافة ، ما دامت خارجة عن معدنها ، ولا يأمنون أن يتولاها من لا يحمدون مغبة أمره ،

ولا يجدون غير ؟ هم ممن يتطاولون لها أولى بها في نصرة وخدمة وتضحية ، ولعلهم لأجل هذا لما يئسوا من الأمر بعد محاولتهم الفاشلة ورأوه : - خرج من أيديهم أيضا قال كلهم أو بعضهم : " لا نبايع إلا عليا " ( 1 ) ولكن بعد خراب البصرة.


هذه أسباب قد تقنع النفوس الاعتيادية على تنفيذ رغباتهم ، وتحملها على الاعتقاد بصحة ما يوحي إليها أهواؤها بقصد أو بغير قصد من جراء تأثير العاطفة ، فتعمى العين عن أوضح ما يقوم في في طريقها من نور للحق ودليل على فساد إيحاء النفس بنزعاتها ، وهذا ما يؤيده علم النفس .


وإذا نحن تفهمنا هذه الحقائق وتدبرناها جيدا استطعنا أن نعرف السر في استباق الأنصار - بهذه العجالة - إلى عقد
 

  * هامش *  
 

( 1 ) الطبري ( 3 : 198 ) وابن الأثير ( 2 : 157 ) وغيرهما . ( * )

 

 

 - ص 99 -

اجتماعهم سرا في سقيفتهم ، واستطعنا أن نعرف لماذا كان سريا بلا مشورة للمهاجرين ولا باقي للمسلمين .


أجل ! ما هو إلا لأنهم طلبوا الغرة من أصحاب الرسول وأهل بيته ، فانتهزوا فرصة انشغالهم بفادحهم العظيم وبجهازهم نبيهم ، ليحكموا البيعة لأحد نقبائهم وسيد الخزرج ، أو لأي شخص آخر منهم قبل أن يفرغ أهلها أو طالبوها .

وحينئذ ظنوا أن سيتم لهم كل شئ .