- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 99 -

 2 - نفسية الأنصار


حاولنا في البحث السابق أن نتشبث بما يرفع الأنصار عن سوء النية والقصد ، ولكنا نؤمن بأن ما قلنا عنهم لا يخرج عن عده من الوساوس التي لا تبرر عمل المرء من الناحية الدينية .


على إنا نرجو أن يكونوا معذورين فيما عملوا لئلا نخسر عددا وفيرا من الصحابة . أما نفس عملهم - سواء كانوا بسوء نية أم لا - فلا يسعنا أن نحكم بصحته ، فنا مهما فرضنا الحقيقة من جهة النص على الإمام فإن استبدادهم هذا وتسرعهم في عقد

اجتماعهم لنصب خليفة منهم لا يخرج عن عدة خيانة للإسلام وتفريطا في حقوق المسلمين بلا مبرر ، وفي وقت قد دهمت الإسلام فيه هذه الفاجعة

 - ص 100 -

الدهيماء ، والمسلمون كالمذهولين بمصابهم لا يعلمون ماذا سيلاقون من العرب وأعداء الإسلام .

ولا نريد الآن نجلس في دست القضاء لنحكم لهم أو عليهم ، ولعل هناك من يرى صحة عملهم فلا نضايقه ، وإنما مهمتنا أن ندرس الأسباب التي دعتهم إلى عملهم هذا ، وأن ندرس نفسياتهم .


في البحث السابق رأينا أن خدمتهم للإسلام الممتازة هي التي خيلت لهم الحق في الخلافة أو في سلطان المسلمين .

وهذا نعرفه من حجتهم على لسان المرشح منهم للخلافة - سعد بن عبادة - في خطبته ذلك اليوم ، ينضم إلى ذلك تخوفهم من أن يخلص الأمر إلى من قتلوا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم ، مع اعتقادهم بخروج الأمر عن أهله ، ويدل على هذا الأخير - كما تقدم - طلبهم مبايعة على بعد اليأس .


هذه الأسباب التي استطعنا عرفانها . وكل ذلك تقدم ، وفيها قبس نسير على ضوئه لمعرفة نفسياتهم . فإنا نعرف من مجموعها إنهم في محاولتهم كانوا مدافعين أكثر منهم مهاجمين ، والدفاع دائما يكون عن الشعور بالضعف والانخذال وهذا الشعور من أعظم الأدواء النفسية لمن أراد الظفر في الحياة ، إذ ينشأ منه الوهن في العزيمة والضعف في
 

 - ص 101 -

الإرادة والاضطراب في الرأي والتدبير . وكل ذلك كان ظاهرا على الأنصار في اجتماعهم بالسقيفة .

والشاهد على ذلك : انقسامهم على أنفسهم وانسحابهم أمام خصومهم كما سترى، وأعظم من ذلك تنازلهم إلى الشركة في الأمر من قبل أن ينازعهم منازع ، أعني قبل مجئ جماعة المهاجرين إليهم ، إذ قال قائلهم : " فإنا نقول إذن - أي عندما ينازعوننا -

منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا " ، فقال لهم سعد : " هذا أول الوهن " . والحق أنه أول الوهن وآخره . ثم يستمر معهم هذا التنازل حتى مجئ المهاجرين ، فكرروا هذه الكلمة بالرغم على تنبيه سعد لهم أنها من الوهن .


وهذا يكشف - أيضا - عن سماحة في نفوسهم ولين في طباعهم ، ويصدق ما قلناه إنهم مدافعون أكثر منهم مهاجمين ، فلم يطلبوا الإمارة ليملكوا مقدرات الأمة وشئونها بل ليدفعوا ضرر من يخافون ضرره ، فاكتفوا بالشركة التي يحصل بها الغرض

من الدفاع . والإنصاف أن الأنصار لا ينكر ما هم عليه من استكانة واستخذاء وقصر الرأي والتدبير ، وضعف في العزائم ، ولا سيما أمام دهاء قريش وقوتها ، وإن حاول بعضهم - وهو الحباب بن المنذر - أن يستر هذا الضعف . إذ قال في خطابه
 

 - ص 102 -

ذلك اليوم : " يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم . وأنتم أهل العزة والثروة . . . " . فاطرد خطبته على هذا الأسلوب زاعما أن سيرفع من منعتهم

وبأسهم ويسد خللهم ، ونهاهم عن الاختلاف وحذرهم عواقبه حتى قال : " فإن أبى هؤلاء فمنكم أمير ومنهم أمير " . ولكنه - كما ترى - بينا هو محلق في السماء رفعة وتعاظما ويملي إرادته قوة إذا به يهبط إلى الحضيض ضعفا ، إذ يقول : " فإن أبى

هؤلاء . . " ونقول له : فإن أبى هؤلاء الشركة أيضا فما أنتم صانعون ؟ لا شك أن ذلك الضعف الذي يملي عليه التنازل هو ذلك الضعف عينه موجود أيضا سيملي عليه التنازل عن جميع الأمر ، كما وقع . وهذا من تنازل الخائر المغلوب على أمره

وتدبيره . وكانت عليه بذلك الحجة الظاهرة ، فقال له عمر بن الخطاب : " هيهات لا يجتمع اثنان في قرن " أو ما ينسق على هذا المعنى ، على أن الحباب هذا من أقوى من وجدنا يومئذ وأشجعهم قلبا وأجرأهم لسانا ، وأغلظهم على المهاجرين ، لولا سعد بن عبادة .


إلى هنا لعلنا لمسنا شيئا من نفسية الأنصار وأدركنا مقدار الضعف في نفوسهم ، والوهن في عزائمهم ، والاضطراب في
 

 - ص 1033 -

تدبيرهم . كيف وقد تجلى ذلك في الحباب لسانهم المفوه وخطيبهم المصقع ذلك اليوم ، وهو أقوى شكيمة وأكثرهم اعتدادا بنفسه وقومه ، وكان يدعي بينهم " ذا الرأي " .


بقي علينا أن ندرك لماذا كل هذا الحذر من الحباب من اختلافهم إذ يقول : " ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم " ؟ - لا بد أنه كان يحس بشرارة الخلاف تقدح ، ويتوجس خيفة من الانتقاض وهذا ما سنبحث عنه في الآتي .



 3 - الأنصار حزبان

إذ قيل الأنصار أرادوا البيعة لسعد ، فإنما هم الخزرج فقط دون الأوس ( 1 ) . وإذا كان الأوس اجتمعوا في السقيفة مع الخزرج فإنما هو على ظاهر الحال ، ولحس مشترك بالخوف ممن قتلوا آباءهم وأبناءهم أن ينالوا الإمارة ، وهم يبطنون في نفس الوقت للخزرج كمين أحن تتغلغل في صدورهم ، فإن بين الحيين دماء مطلولة ما زال نضخها على سيوفهم وجروحا
 

  * هامش *  
  ( 1 ) ولذا يقول المؤرخون عند ذكرهم لبيعة الأوس : " فانكسر على الخزرج ما كانوا أجمعوا عليه " . ( * )  

 

 - ص 104 -

بالغة لإيلام صدعها ولا يرجى رأبها .

وكان آخر أيام حروبهم يوم ( بعاث ) المشهور وهو قبل الهجرة بست سنين ، وهو سبب إسلامهم - على ما قيل - إذ جاء أحد القبيلين بعد يوم بعاث إلى مكة يستنجد قريشا على الفريق الثاني ، فالتقوا بالنبي ( ص ) وهداهم الله تعالى إلى الإسلام .

وكان رئيس الأوس يوم بعاث حضير الكتائب أبو أسيد بن حضير هذا الذي أفسد الأمر على سعد وبايع أبا بكر ومعه الأوس . وكان رئيس الخزرج عمر بن النعمان ، أبو النعمان صاحب راية المسلمين يوم أحد ( 1 ) .


ولم يلطف الإسلام كثيرا من تنافسهم وتحاسدهم ، وإن أطفأ بينهم نار الحروب ، فقد كانا يتصاولان تصاول الفحلين ، لا تصنع الأوس شيئا إلا قالت الخزرج نفاسة : لا يذهبون بهذا فضلا علينا . فلا ينتهون حتى يوقعوا مثله . وكذلك إذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مقالتهم وصنعت صنعهم ( 2 ) .


ومن منافساتهم التي بلغت حد الافراط يوم استعذر رسول الله من عبد الله بن أبي سلول المنافق الشهير وهو من الخزرج فقال : " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع العقد الفريد ( 2 : 250 ) .
( 2 ) الطبري ( 3 : 7 ) وابن الأثير ( 2 : 66 ) . ( * )

 

 

 - ص 105 -

بلغني عنه أذاه في أهلي . " إلى آخر ما قال ، فقام سعد بن معاذ رئيس الأوس فقال : " يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك " فترى سعدا كيف تجاهل الشخص

المعنى وتحفظ عند ذكر الخزرج مما يدل على شديد تنافسهم فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج فقال لابن معاذ : " كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك لما أحببت أن يقتل " فقام أسيد بن حضير ابن عم سعد بن معاذ فقال

لابن عبادة : " كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين " . فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت ( 1 ) .


هكذا هم الأوس والخزرج حزبان متنافسان متحاسدان وإنما سعد بن عبادة بادئ بدء - يوم السقيفة - أراد أن يستميل الأوس باسم الأنصار ، وهم حزب واحد أمام حزب المهاجرين وقريش ، فقال - معرضا بخصومهم في خطبته على الأنصار - :

" يا معشر الأنصار أن لكم سابقة في الدين وفضيلة ليست لقبيلة من العرب " . ويقصد المهاجرين . وهكذا مضى في خطبته يضرب على هذا الوتر إلى أن أجابوه جميعا : " أن

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع البخاري ( 2 : 6 و 3 : 24 ) . ( * )

 

 

 - ص 106 -

وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما أمرت ، نوليك هذا الأمر ، فأنت لنا مقنع ولصالح المؤمنين رضى " . ثم إنهم ترادوا الكلام فيما إذا أبت المهاجرين من قريش بيعتهم ، فقالت طائفة : " إذن نقول منا أمير ومنكم أمير " .

فقال سعد : " هذا أول الوهن " وقد سبقت الإشارة إليه . وفي الحقيقة أنه أول الوهن وتنازل منهم عرفنا فيما سبق دلالته على مبلغ ضعف إرادتهم أمام إرادة قريش حتى قبل مواجهتهم ، بل يدل أيضا على تخلخل صفوفهم ووجود خلاف كامن كمون

النار في الرماد ، فلم يتأثروا بدعوة سعد ، وأبطأوا عليه حتى داهمهم المهاجرون ، وهم إنما أسرعوا إلى عقد هذا الاجتماع ليسبقوا الحوادث ، وإلا فقد كانت الفرصة الكافية لبيعته من قبل أن يعلم جماعة المهاجرون باجتماعهم فتكبسه عليهم .


لولا أنهم أضاعوها باختلافهم وتباطؤهم حتى مضى الوقت . ومثل هذه الأمور - بعرف الساسة - لا تقبل الأناة والإبطاء . والحق أن الأوس كانوا غير مرتاحين لبيعة سعد ، وهم يتنافسون مع الخزرج في أتفه الأشياء وأدناها ، وكأنهم كانوا لا

يريدون أن يبدأوها بالخلاف خشية أن يقال : " أوس وخزرج " ، وفي هذه الكلمة ما فيها من معان لا تتفق وروحية الإسلام ، فيبتعدون عنها ما استطاعوا على أن المجاملة محفوظة
 

 - ص 107 -

بين الطرفين .

ولذلك لما رأوا المجال للوثبة واسعا نقضوا أمر سعد وما اجتمعت عليه الخزرج ، وهذا عندما رأوا أن الخلاف جاء من الخزرج أنفسهم بمقالة بشير بن سعد الخزرجي ، وستأتي ، وباسراعه إلى بيعة أبي بكر ، وقد كان أول المبايعين .


وأيضا رأوا أن الدعوة ضد سعد إنما جاءت من قبل غيرهم وهم المهاجرون . فظهرت منهم حسيكة الخلاف والتنافس ، وقال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير زعيمهم : " لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا كبر "


فقام أسيد فبايع ومعه الأوس ، وليسأل السائل هل جعل لهم نصيب فيها بمبايعتهم لأبي بكر ؟ ولكنه التنافس هو الذي أملى عليهم هذا القول ومنافسة القرابة أبعد أثرا وأعظم مفعولا .


هذا ولا ينكر ما لأبي بكر من كبير أثر في استمالة الأوس إلى جانب المهاجرين ، فقد وقف موقفا مؤثرا وكان يعرف من أين تؤكل الكتف فلم يفته ما كان يعلمه من التنافس بين الحيين ، حتى استغله لإنقاذ الموقف وبرع في هذا الاستغلال ، فقد قال في

ذلك اليوم : " أن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج ، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا
 

 - ص 108 -

تداوى فإن نعق منكم ناعق جلس بين لحيي أسد يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري ) ( 1 ) .


فانظر إلى كلمة ( لم تقصر ) وما لها من بليغ أثر في القلوب المتحاسدة وما بها من تحريض لأحد المتناظرين على نظيره المتطاول .

نعم ! إنها لتجعل لكل من الحيين الكفاية تجاه الحي الآخر ، فإن تطاول أحدهما - وهم الخزرج الآن - فحقيق بالآخر أن يتطاول لها ككفتي ميزان ، من غير فضيلة يختص بها المتطاول .

فلا تسل كيف أشرأبت أعناق الأوس لهذا الأمر ؟ وبعدها أنظر كيف ذكر الترات السابقة ونبش الدفائن .


وهذا ما يثير بالحفائظ ويوقظ الضغائن . وهنا راح يستدل على خطأ تولي أحد الحيين لهذا الأمر ، لأنه يقع بين خصمين الدين : فرماهم بالمسكنة كما يقول ابن دأب عيسى بن زيد .


استطعنا في هذا البحث أن نلمس التنافس بين الأوس والخزرج لنعرف مدى تأثيره على مجرى حادث السقيفة ، كما عرفنا أن أهل الدعوة - عند التحقيق - إنما هم الخزرج فقط ، ولم تشاركهم الأوس مشاركة جدية .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) البيان والتبيين ( 3 : 181 ) . ( * )

 

 

 - ص 109 -

فلنترك الأنصار الآن مجتمعين في السقيفة يتبارون الخطب ويتحمسون لجهادهم وتضحيتهم ، وسعد بن عبادة قد ترأس حفلهم يخطبهم ويقول في آخر خطبته : " استبدوا بالأمر دون الناس فإنه لكم دون الناس " .


ولنذهب ميممين المهاجرين وباقي المسلمين حول دار النبي في المسجد ، لنراهم ماذا هم صانعون !