- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 109 -

 4 - هل مات النبي محمد . . . ؟


نعم ! كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج في آخر فجر من حياته إلى الصلاة ، فصلى بالمسلمين الغداة . وكان هذا آخر عهدهم برؤية تلك الطلعة المحبوبة وذلك النور الإلهي .


ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الأرض بالمغيب من أفقها إلى أفق الحق الدائم ، وها هو ذا النبي مسجى بين أهله ينتدبون فيه حظهم ، والباب مغلق دون الناس . أنه يوم . . . ! وأي يوم هو على أهل المدينة والمسلمين ! . فقدوا . . . ؟ وأية نعمة فقدوا . . ؟ فقدوا الرحمة والإنسانية . فقدوا الأخلاق الإلهية . فقدوا
 

 - ص 110 -

حياتهم وعزهم ومجدهم . فقدوا طريق الحق اللاحب وصراط الله المستقيم ونوره المشرق بآياته الباهرة . . ! فقدوا نبيهم العظيم وأباهم الكريم . . ! فأعظم بيومه يوما ! وأعظم به فقيدا ! أنه يوم كان للمسلمين مضرب المثل فإذا بالغوا في يوم مصيبة قالوا : " أنه كيوم مات فيه رسول الله " .


وما تنتظر من المسلمين ساعة يسمعون الواعية والباب مغلق على من فيه ، إلا أن يهرعوا فيجتمعوا في مسجدهم والطرقات ، نكسا أبصارهم مطأطئي رؤسهم . ولم تبق عين لم تدمع ، ولا قلب لم يجزع ، ولا نفس لم يتقطع . وما ينتظرون هم . . ؟

لا شك ليس هناك ما يدعوهم إلى تكذيب النعاة . وإذ علموا آنئذ أن مجرى حياتهم قد تبدل راحوا - ولا شك - يتطلعون إلى ما يظهر لهم على مسرح العالم الإسلامي من حوادث ومفاجآت ، فتطيش لذلك عقولهم ، ويقوى حسهم بمستقبل هذا الدين الجديد

الذي أخذ بأطراف الجزيرة ، والمنافقون يتحينون به الفرص ، فتنهد عزائمهم ، ويستشرفون - على الأكثر - على خليفة النبي الذي سيقود الأمة لينقذ الموقف ، فيضربون أخماسا في أسداس . كل هذه الأفكار وأكثر منها - بغير شك - كانت تمر على
 

 - ص 111 -

رؤس ذلك الجمع الحاشد الطائش اللب الحائر الفكر ، الذي يحوم حول دار النبوة والوحي ، يرقب منها - على عادته - أن تبعث له بما يطمن خاطره ويهدئ روعه ويعرفه مستقبل أمره ، حتى أصبح الناس كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ( كما في الحديث ) .


ولكن . . ولكن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله ذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم ، إذ طلع صارخا مهددا " وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم " وراح يهتف بهم : " ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه

على الدين كله . وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته . لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي " . أتراك " لو خلوت بنفسك وأنت هادئ الأفكار " تقتنع بوحي هذه الفكرة من هذا الذي لا يقعقع له بالشنان ،

وأنت لا تدري لماذا رسول الله يقطع أيدي وأرجل من أرجف بموته ، أو بالأصح من قال بموته ؟

ولأي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل ؟

ومن أين علم أن رسول الله لا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله ؟

وما هذا الرجوع ؟

أرجوع بعد الموت أو بعد غيبة " كغيبة موسى بن عمران كما يدعيها عمر بن الخطاب في بعض الحديث " ولكنها أية غيبة هذه وهو مسجى بين أهله لا حراك فيه ؟

إلا أني أعتقد أنك لو كنت ممن ضمه هذا الاجتماع

 - ص 112 -

لذهبت بتياره ولتأثرت بهذا القول إلى أبعد حد كسائر من معك ما دام الاجتماع بتلك الحال التي وصفناها ، والخطيب هو عمر بن الخطاب ، وقد جاء بتلك الدعوة الثائرة ، في صرامة إرادة ورأي بلغا أقصى درجات الصرامة ، وقد استعمل المغريات

الخلابة للجماعات : فمن أمل بحياة الرسول وبإظهار دينه على الدين كله - إلى توعيد بقطع رسول الله أيدي وأرجل المرجفين بموته ، وتهديد منه ( أعني عمر ) بقتل من يقول مات رسول الله .


إنهما الخوف والأمل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والإرادة الصارمة لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على أفكار الجماعة الاجتماعية وأي تخدير بهما لأعصاب المجتمعين .


ومن وراء ذلك أن شأن المحبين يتعللون في موت حبيبهم إذا نعي بالأوهام ولا يرضون لأنفسهم التصديق بموته لا سيما مثل فقيدهم هذا العظيم الذي يجوز عليه ما لا يجوز على البشر .


ولا شك أن مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة في الاجتماع الفجائي المضطرب الأفكار المتأثر بهذا الحدث العظيم المتحفز للحوادث المجهولة والمفاجآت المنتظرة .


ومن البديهي أن الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو تتكون منه روح واحدة مشتركة حساسة تتغلب على نفسيات أفراده الشخصية ، وتكون هذه الروح خاضعة
 

 - ص 113 -

لمؤثرات لا حكم لها غالبا على روحية الفرد لو كان خارج الاجتماع . وأهم خواص هذه الروح أنها تكون عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويبطل فيها حكم العقل وسلطانه ويقوى سلطان المحاكاة والتقليد الأعمى .


ولذلك لا تفكر الجماعات إلا بأحط فكرة فيها ، وتقبل أيضا كل فكرة تعرض عليها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابة وإن خرجت عن حدود المعقول . ومن أقوى المؤثرات شخصية الخطيب وصرامة رأيه .


فلا نستغرب قناعة المسلمين يومئذ برأي عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأي وإن لم ينقل لنا صريحا قبولهم له ، كما لم ينقل في الوقت نفسه اعتراض أحد عليه سوى أبي بكر وقد جاء متأخرا .


وإذا أبيت فعلى الأقل شككهم في موت النبي وألهاهم عن التفكير فيما يجب أن يكون بعده وفيما سيحدث من حوادث منتظرة ، لأنهم - لا شك - التفوا حوله عجبين مستغربين وهو مستمر يبرق ويرعد مهددا حتى ( أزبد شدقاه ) .


ولكلمة ( الارجاف ) هنا التأثير البليغ في إقلاع أفكار الجماعات عن الدعوى التي يدعونها لأنها من الألفاظ الخلابة التي تتضمن التهجين الشنيع للدعوى والاشمئزاز منها إلى أبعد حد ، إذ تشعر هنا أن مدعيها من المنافقين الذي لهم غرض مع النبي والإسلام ، فقال : " . . . ممن أرجف بموته "
 

 - ص 114 -

ولم يقل ممن ادعى أو قال . وهذا كاف للتأثير على الجماعات وتكوين الشعور بكراهية دعواها .


ويشهد لتأثير كلامه على سامعيه التجاء أبي بكر لما جاء من السنح ( 1 ) أن يكشف عن وجه النبي ليتحقق موته ، ثم يخرج إلى الناس مفندا مزاعم عمر ، وعمر مستمر يحلف أنه لم يمت . وطلب إليه أن يجلس - فلم يجلس - ثلاث مرات ، فقال له :

" أيها الحالف على رسلك " . . ثم قام خطيبا في ناحية أخرى وقد اجتمع حوله الناس فتشهد وقال - وعمر مستمر وقد تركه الناس - : " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . . . " . ثم تلا هذه الآية الكريمة : " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . . . " .


و ( شاهد ثان ) : أن الناس لما سمعوا كلام أبي بكر أصبحوا كأنما أخرجوا من مأزق أو أطلقوا من عقال ، فإنهم تلقوا الآية وكلهم وراحوا يلهجون بها " فما تسمع بشرا من الناس إلا يتلوها " .

أما عمر فقد صعق إلى الأرض وصدق

  * هامش *  
 

( 1 ) وهو يبعد عن المسجد بميل واحد " وفي الرواية عن عائشة " وكذا في معجم البلدان ولعله اعتمد على هذه الرواية . ولكن السنح هو عالية من عوالي المدينة وأدنى العوالي - بتقدير نفس المعجم - يبعد أربعة أميال أو ثلاثة .

 

 

 - ص 115 -

حينئذ بموت النبي بعد أن تحقق إن الآية من القرآن ، كما يقول . * * *


لله أبوك يا بن الخطاب ! ما أدهشني بك ، وأنت أنت ، إذ تقف ذلك الموقف الرهيب حالفا مهددا ، لتنكر أمرا واضحا ، ألم يعلمك الإسلام حقيقة محمد فتنكر أنه يموت ؟ ثم تسمي مدعي موته ( مرجفا ) ؟ - لا ؟ - لا ؟ ولكنك تحاول أن تقنع الناس

أنه غاب موسى بن عمران ، فيرجع ليقطع الأيدي والأرجل . إلا أنه - بالله عليك - أية غيبة هذه ؟

وأنت أعجب وأعجب حين تسرع مصدقا وتنقاد طائعا لقول قاله أبو بكر لا يكذبك ولا يصدقك ، بعد ذلك التوعيد والتهديد . أو لست أنت كنت تعترف أنه يموت بعد أن يظهر دينه على الدين كله ؟

فأي دليل كان في الآية ناقض قولك فأقنعك حتى صعقت إلى الأرض . والآية لا تدل على أنه يموت يوم مات ! . . . ؟


وأعجب من ذلك وقوفك بعد يوم معتذرا فتقول : " فإني قلت بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله . ولكن كنت

 - ص 116 -

أرجو أن يعيش رسول الله فيدبرنا ويكون آخرنا موتا " ( 1 ) .

فأين هذا الرجاء الفاتر من تلك الصرخة المعلنة وذلك الحلف والتهديد وطعن القائل بموته بالإرجاف ؟

وأين هذا الاعتذار الهادئ من تلك الدعوى الثائرة ؟

إن لك لسرا عظيما ! يبدو لي أن عمر كان أبعد من أن يظهر بهذه السهولة لقارئي هذه الحادثة . ومن البعيد جدا وفوق البعد أن يعتقد مثله أن النبي لا يموت يوم مات ، وهو الذي قال في مرضه - كما سبق - بكل رباطة جأش : " إن النبي قد غلبه الوجع . . . حسبنا كتاب الله " .


فأي معنى تراه لقوله " حسبنا " لرد الكتاب الذي أراده النبي لأمته بعد موته ، لو لم يكن معتقدا أنه سيموت وأن كتاب الله يغني عن أي شئ آخر يريد أن يقرنه النبي به وهل تراه قال ما قال دهشة بالمصيبة ؟

فما باله لم يعتذر بذلك بعد يوم وقد سمعت اعتذاره ! بل ما باله لم يزد دهشة

  * هامش *  
 

( 1 ) اقتبسنا مجموع هذه العبارة من كنز العمال ( 3 : 129 و 4 : 53 ) ومن تاريخي الطبري وابن الأثير والبخاري ( 4 : 152 )
والسيرة الدخلانية ( 2 : 347 ) ولفظ ( كنت أرجو أن يعيش . . . ) في الصحيح والسيرة . والمروي في هذه الكتب وغيرها بألفاظ متقاربة جدا وتختلف بما لا يضر بالمعنى .

 

 

 - ص 117 -

لما تحقق أنه قد مات ! هيهات أن يكون قد دهش فيخفي عليه موت النبي وهو هو من نعرف .

وبعض الناس قد جهلوا عمر بهذا وأبعدوا ، فقالوا : من يجهل مثل هذا الأمر الواضح المعلوم بالاضطرار جدير بألا يكون إماما راعيا للأمة . . . والتجأ بعضهم الآخر أن يعتذر عنه بأن ذلك من فرط دهشته .


وفيما عندي أن الطرفين لم يعرفاه حق عرفانه ولم يصلا إلى غوره وتدبيره في هذا الحادث المدهش . فإن من يعتقد أن النبي قد غاب فيحلف لا يقنعه مثل حجة أبي بكر فيرتدع . ومن خبل بالمصيبة فهو عند اليقين بها أدهش وأدهش . * * *


ويكفي المتدبر في مجموع نقاط هذه الحادثة أن يفهم هذا الذي لا يختل بالحرش ، فيعرف أن وراء الأكمة ما وراءها ، ولا يضعه حيث وضعه الناس .

ألا تعتقد معي إنه كان يخشى أن يحدث القوم ما لا يريد ، وقد اشرأبت الأعناق - بطبيعة الحال - إلى من سيخلف النبي ، وهذه ساعة طائشة ، وأبو بكر بالسنح غائب ، وهو خدنه وساعده ، وهما أينما كانا هما .

ولعلهما

 - ص 118 -

وحدهما وقد تفاهما في هذا الأمر . . . فأراد أن يصرف القوم عما هم فيه ، ويحول تفكيرهم إلى ناحية أخرى ، إن لم يجعلهم يعتقدون غياب النبي . حتى لا يحدثوا بيعة لأحد من الناس قبل وصول صاحبه .


وليس هناك من تحوم حوله الأفكار إلا عليا للنص عليه كما نعتقد أو لأنه أولى الناس ، ما شئت فقل " حتى كان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله " ( 1 ) .


وكانوا يلاحظون في علي بن أبي طالب صغر سنه ( 2 ) وحسد العرب وقريش خاصة إياه ، وتمالؤها عليه ، ولا تعصب الدماء التي أراقها الإسلام إلا به ، لأنه الأمثل ، في عشيرة الرسول على عادة العرب وبسيفه قتل أكثر أبطالهم .


ويلاحظون " رابعا " كراهة قريش لاجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم فيبجحون على قومهم بجحا بجحا كما يراه عمر فيما سبق في الفصل الثاني من محاورته مع ابن عباس .


ويلاحظون " خامسا " أنه سيحملهم إذا ولي الأمر على الحق الأبلج والمحجة البيضاء وإن كرهوا " على حد تعبير عمر نفسه " ، والحق مر في الأذواق .

ويظهر أن عمر كان بطل المعارضة في إمارة علي كما

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ( 2 : 8 ) .
( 2 ) راجع الإمامة والسياسة . ( * )

 

 

 - ص 119 -

شاهدنا موقفه في قصة الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي وفي مواقفه التي أشرنا إليها في الفصل الثاني ، فلا نعجب إذا رأيناه يقف هذا الموقف ليلهي الناس عما يخشاه من استباق أحد إلى بيعة علي قبل مجئ أبي بكر .

أما إنه هل كان يدري كيف سيخرج من هذا المأزق الذي أدخل نفسه فيه فأغلب الظن أنه غامر بنفسه ليقف الناس عند حدهم . وعلى صاحبه إذا جاء أن يدبر الأمر حينئذ .


وأقوى الشواهد على هذا التعليل ما قلناه من سرعة قناعته بقول صاحبه أبي بكر، وهو لا يمس دعواه تكذيبا . . . وليس إلا أن جاء أبو بكر ووقف خطيبا والتف حوله الناس وهو يعلم من أبو بكر فقد انتهت مهمته وانقلب الدور ، ولم يبق إلا أن يخرج

من موقفه الحرج بلباقة ، لئلا يحسوا بهذا التدبير فينتقض الغرض ، فصعق إلى الأرض كأنما تحقق موت النبي من جديد مظهرا القناعة بقول صاحبه . ثم لم يلبث أن راح يشتد معه لعملهما كأنما نشط من عقال ولم يقل ما قال ، ولم يظهر ما أظهر

من الدهشة والاضطراب ، حتى رمي بالخبل وهو عنه بعيد ، فقد ذهب بعد ذلك إلى السقيفة مع أبي بكر حينما علما باجتماع الأنصار السري ووقفا ذلك الموقف العجيب . وسنحدثك :