- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 120 -

 5 - وصول النبأ باجتماع الأنصار


لم يهدنا التأريخ إلى أن أبا بكر وعمر أي شئ صنعا مباشرة بعد حادثة إنكار موت النبي واجتماعهما ، وأين كانا قبل ذهابهما إلى السقيفة فهل دخلا إلى دار النبي معا والباب مغلق دون الناس ، أو أنهما وقفا على الباب ، أو أن أبا بكر وحده دخل الدار ؟ كل واحد من هذه الاحتمالات يستشعر فيه حديث . وجائر وقوعها جميعا .


ولكن مثلهما جدير به ألا يبارح دار النبي ( ص ) في مثل هذه الساعة ، وإذا كان شئ يحدث فإنما يحدث ها هنا ، ومحوره ؟ ذا المشغول بجهاز النبي ( علي بن أبي طالب ) ، ومن كان يتهم أن الأنصار تستبد بهذا الأمر على آل البيت والمهاجرين وتطمع فيه دونهم فتبادر إلى اجتماعها معرضة عن لهم شأن لا ينكر في هذا الأمر .


وأغلب الظن أنه لم يطل الزمن على وصولهما إلى الدار حتى جاء اثنان من الأوس مسرعين إلى دار النبي ، وهما ( 1 ) معن بن عدي وعويم بن ساعدة ، وكان بينهما وبين

  * هامش *  
 

( 1 ) ذكر ذلك في العقد الفريد ( 3 : 63 ) وفي الجزء الثاني من شرح النهج ولم نر غيرهما يصرح باسم الشخص المخبر . ولكن عمر بن  الخطاب نفسه يحدثنا أنه صادفها في ذهابهم إلى السقيفة ، فأشار عليهم بالرجوع ليقضوا أمرهم بينهم .

وأحسب أن عمر أراد أن يحفظ لهما هذه اليد ، فيكتم عليهما غايتهما هذه على قومهما دفاعا عنهما ، لأن الأنصار اجتمعت بعد بيعة أبي بكر في محفل فدعوهما وعيروهما بانطلاقهما إلى المهاجرين واكبوا فعلهما فخطبا فردت عليهما الأنصار وأغلظوا وفحشوا عليهما وكل منهما قال شعرا : ( راجع شرح النهج 2 : 11 نقلا عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار ) . ( * )

 

 

 - ص 121 -

سعد الخزرجي المرشح للخلافة موجدة قديمة ، فأخذ معن بيد عمر بن الخطاب ، ولكن عمر مشغول بأعظم أمر ، فلم يشأ أن يصغي إليه ، لولا أن يبدو على معن الاهتمام إذ يقول له : ( لا بد من قيام ) ، فأسر إليه باجتماع الأنصار ففزع أشد الفزع ،

وهو الآخر يصنع بأبي بكر ما صنع معن معه ، فيسر إلى أبي بكر بالأمر ، وهو يفزع أيضا أشد الفزع . فذهبا يتقاودان مسرعين إلى حيث مجتمع الأنصار ، وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح ، فتماشوا إلى الأنصار ثلاثتهم ( 1 ) .


أما علي وأما من في الدار وفي غير الدار من بني هاشم وباقي المهاجرين والمسلمين ، فلم يعلموا بكل الذي حدث وبما عزم عليه أبو بكر وعمر . ولماذا ؟ - ألم تكن هذه الفتنة التي فزعا لها أشد الفزع تعم
 

  * هامش *  
 

( 1 ) الطبري ( 3 : 208 ) ( * )

 

 

 - ص 122 -

جميع المسلمين بخيرها وشرها وأخص ما تخص عليا ثم بني هاشم ؟

أو ليس من الجدير بهما أن يوقفاهم على جلية الأمر ليشاركوهما على إطفاء نار الفتنة الذي دعاهما إلى الذهاب إلى مجتمع الأنصار مسرعين ؟

ثم لماذا يخص عمر أبا بكر دون الناس ثم أبا عبيدة ؟

ليس من السهل الإحاطة بأسرار ذلك التكتم وهذا التخصيص ، وهو موضوع بكر لم يقرع بابه الباحثون .


ولكنا إذا علمنا أن الجماعة كانوا يلاحظون في علي تلك الأمور التي ذكرناها في البحث السابق فيحذرون أن يستبق إلى بيعته مستبق ، نجد منفذا إلى خبايا هذا التكتم ونطمئن إلى أنهم رأوا الأصلح لهم أن يتداركوا الأمر بأنفسهم من دون أن يشيع الخبر وحينئذ يستطيعون أن يهيمنوا على الوضع ولا يقع ما يحذرون ، إذ يكبسون على الأنصار اجتماعهم السري في جو هادئ ممن يتحمس لعلي .


وهذا التخصيص من عمر يشجعنا على أن ندرك التفاهم السري بينه وبين أبي بكر بل بينهما وبين أبي عبيدة في هذا الشأن بل بينهم وبين سالم مولى أبي حذيفة .


ولذلك وجدنا عمر بن الخطاب يأسف عند الموت ألا يكون واحد من هذين " أبي عبيدة وسالم " حيا حتى يجعل الخلافة فيه من بعده ، مع أن سالما ليس من قريش .


وإذا كانوا لم يلاحظوا في علي ما قلناه ، فمن هو أجدر منه بالإخبار بهذا الأمر ومن أجدر من قومه بني هاشم ، وعلي

 - ص 123 -

ليس ذلك الرجل الذي يستهان بشأنه ويستصغر قدره حتى لا يستشار ولا يخبر بمثل هذا الأمر الخطير ، وهو أن لم يكن منصوصا عليه بالخلافة فإن مؤاخاة النبي له مرتين دون سائر الخلق وجعله منه بمنزلة هارون من موسى وهو أحب الناس

إليه ومولى كل من كان مولاه وولي كل مؤمن بعده ووارثه ووصيه ويدور الحق معه كيفما دار . . . كل هذا وغيره ما شئت أن تحدث يجعل له المنزلة الأولى في هذا الشأن ليستشار على الأقل .


ولئن كان مشغولا عنهم بجهاز النبي ( ص ) فجدير بأن يكون على خبر من ذلك ليكون ردا لهم عند حدوث ما يكره ، وهم مقدمون على أمر عظيم ، وعلي من لا ينكر في شجاعته وبطولته وإيمانه وتفانيه في سبيل نصرة الإسلام .


ولكنه بالرغم من ذلك كله لم يعلم بالحادث إلا بعد أن سمع التكبير من المسجد عاليا ، وقد فرغوا من اجتماع السقيفة وجاءوا بأبي بكر يبايعونه البيعة العامة .


ولست في تعليلي هذا أدعي الإحاطة بأسرار هذا التكتم وإنما ذكرت ما يبدو لي عند البحث مقتنعا أنه أهم أسراره وعسى أن يكون هناك من يستطيع أن يشبع الموضع بحثا ، فيزيدنا علما على علم أو يكشف لنا إنا على جهل .
 

 - ص 124 -

 6 - تأثير دخول المهاجرين في اجتماع الأنصار


لنجئ الآن مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة إلى السقيفة ، فنرى الأنصار مجتمعين يتداولون الحديث ، وسعد بن عبادة بينهم مزمل وجع يخطب فيهم وقد ترأس حفلهم مرشحا للخلافة .
 

ولا نشك أن الأنصار الآن في لغط وحماس ، قد أخذت الأنانية والفخر بأطرافهم معدين للوثبة عدتها ، يريدون في اجتماعهم السري هذا أن يقبضوا على ناصية هذا الأمر العظيم ، وليس أمامهم من يطاولهم .
 

وإذ يدخل عليهم وجوه المهاجرين فجأة لا بد أن يسقط ما في أيديهم بافتضاح أمرهم قبل إبرامه ، وبتخوفهم من خروجه من أيديهم بعد ما قالوا وصنعوا . ولا بد أن يرتبكوا لذلك ويقوى فيهم شعور الخذلان .

 

وقد عرفنا نفسياتهم التي يتغلب عليها الضعف ، فيتغير عليهم مجرى الحادثة . وهنا ينقلب الدور فيتهيئون لمواجهة هذا الحادث الجديد بما يقتضيه : فمن كان يبغض الإمارة لسعد وجد الفرصة قد حانت للانتقاض عليه ، وبالعكس أصحابه الذين يوادونه لا بد أن ينقلبوا مدافعين .


وهذا أول تبدل في حالهم وانخذال في اجتماعهم . وبعد دخول جماعة المهاجرين هذا الاجتماع وسؤالهم عن

 - ص 125 -

هذا المزمل من هو ؟ وما شأنه ؟ نرى عمر يذهب ليبتدئ المنطق ، وقد زور في نفسه مقالة في الطريق ليقولها بين يدي أبي بكر ، وكان يخشى جد أبي بكر أو حدته ، وكان ذا جد كما يقول هو .


ومن الواضح أن الموقف دقيق جدا يدعو إلى كثير من اللين واللباقة رعاية لهذه العواطف الثائرة المتحفزة ، ولكن أبا بكر يمنع عمر من ابتداء الكلام ، وكأنه هو أيضا يرقب شدته وغلظته المعرفتين فيه فانطلق يتكلم ، وما شئ كان زوره عمر إلا أتى به أو بأحسن منه على ما يحدثنا عمر نفسه .


ولقد كان أبو بكر يحسن المعرفة بما يتطلب هذا الوضع من الرفق والسياسة ، أولا ترى لما كادوا أن يطأوا سعدا قال قائل : قتلتم سعدا . . فقال عمر وهو مغضب : " اقتلوا سعدا قتله الله إنه صاحب فتنة " فالتفت إليه أبو بكر قائلا : " مهلا يا عمر ! الرفق هنا أبلغ " .


ولا أعتقد مع ذلك أن عمر كان يجهل ضرورة الموقف ، ولكني أخاله - وقد تمت البيعة لأبي بكر - لم يجد حاجة لكثير من هذا اللين والمداراة ، وقد أخذ بموافقة الأنصار إلا القليل ، وتحقق فشل سعد وانخذاله . فهو إذن يعرف موضعي اللين والشدة . ولعله - وهو رجل الساعة بعد أبي بكر - أراد أن يظهر بالغلظة لينطق أبا بكر بكلمة اللين .