- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 126 -

 7 - تأثير خطب أبي بكر على المجتمعين


من المتيقن أن الرجال الذين سادوا الأمم والجماعات فأحسنوا سيادتهم هم من أبرع الناس في علم الاجتماع وهم لا يشعرون . وإنما جبلوا على معرفة فطرية تشحذها التجارب التي تخلق في النفس الملكة على تطبيق النظريات عند الحاجة .


وأبو بكر وعمر هما من أولئك الناس الذين عرفوا خواص نفسية الجماعات وكيف يمكن التأثير عليها في الوقت المناسب كما دلت الحوادث المتكررة على ذلك .


ولا شك أن مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة أيضا هنا أتم من توفرها في اجتماع المسجد غب موت النبي الذي أشرنا إليه سابقا : فقد كان الاجتماع حافلا التجأ فيه سعد بن عبادة أن ينيب عنه ابنه أو بعض بني عمه في إلقاء كلامه ، فيرفع به صوته ليسمع المجتمعين .


وقد اجتمعوا لغرض واحد حساس أعني تأمير من يخلف ذلك النبي العظيم ، ليكون على رأس هذه الأمة الكبيرة القوية المستجدة ، وهم على ما هم عليه من الحال التي وصفناها من التوثب والشعور بالاستحقاق والتكتم .


وأظنك عرفت في البحث الأسبق إن الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو كيف يطلع فيه قرن العاطفة ويأرز

 - ص 127 -

رأس العقل والتفكير في المجتمعين فيصبح عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويقوى فيه سلطان المحاكاة والتقليد الأعمى .

بل تظهر عليه الأعراض المتناقضة ، فبينا تجده قد يقوم بأعمال وحشية جبارة تدل على شجاعة أفراده البالغة حدها تجده مرة أخرى يجبن من الصفير . وبينا تراه يأتي بأعمال صبيانية مضحكة تراه تارة أخرى يحكم التدبير والتنظيم .

وما ذلك كله إلا من سجية المحاكاة الموجودة في كل إنسان فتسود على المجتمع عندما يبطل حكم العقل وحينئذ يكون تابعا مسخرا لكل من يحسن تسخيره بالمؤثرات التي تهيمن على العاطفة كالمنوم تنويما مغناطيسيا .


ونحن إذا فهمنا جيدا هذه البديهيات عن روحية الجماعات ، ولاحظنا توفر شروط الجماعة الاجتماعية في جماعة السقيفة ، نفهم معنى تلك الأساليب التي اتبعها أبو بكر وصاحبه - كما سترى - للتأثير على المجتمعين يومئذ ونفهم سر تأثر جماعة الأنصار وانقلابهم الفجائي على أنفسهم ، فأخذ أبو بكر وعمر الأمر من أيديهم باختيارهم .


على أنهما في جنب قوة الأنصار واعتزازهم بجمعهم تلك الساعة لا يعدان شيئا ، وليس من المهاجرين معهما إلا أبو عبيدة بن الجراح كما سبق وسالم مولى أبي حذيفة على رواية . فاسمع الآن إلى الأساليب التي قلنا عنها : لقد رأينا سابقا كيف حرش أبو بكر بين الأنصار ، وأثار

 - ص 128 -

عواطف الأوس على الخزرج . وقد صادف منهم نفوسا متهيئة الوثبة على سعد . حتى استمالهم إلى جانبه وهم يشعرون أو لا يشعرون .

في حين أنهم يعلمون أن الأمر إذا كان للأنصار وأن تولاه رئيس الخزرج فهو إلى حيازتهم أقرب وإلى سلطانهم أدنى . ولكن للعاطفة هنا سلطانها القاهر على النفس لا يقف في وجهها أي سور محكم من المنطق والتفكير .


ولنفحص الآن " خطبته " التي واجههم بها في أول الملاقاة وقال عنها عمر : " ما شئ كان زورته في الطريق إلا أتى به أو بأحسن منه " فإنه ذكر فيها أولا ما للمهاجرين من فضل وسابقة في الإسلام بأنهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله

وبالرسول وأنهم أولياؤه وعشيرته وأحق أناس بهذا الأمر " أي الخلافة " من بعده . وأن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ، وأنهم لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم . . . ! ثم خاطب الأنصار فلم يغمط حقهم وسابقهم وجهادهم ، لكن . . . لكن من

غير استحقاق لهذا الأمر ، وإذا استحقوا شيئا فإنما هي " الوزارة " . . ولغيرهم . . . " الإمارة " ، فقال : - ( . . . وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام . رضيكم الله أنصارا لدينه ولرسوله وجعل إليكم هجرته ، وفيكم جلة أزواجه

 - ص 129 -

وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ) ( 1 ) .


وفي هذا البيان الشئ المدهش من إطفاء نار عواطفهم المتأججة ضد المهاجرين ، وإشباع نهمة نفوسهم الفخورة المتطاولة بفضلهم ، وجهادهم ونصرتهم ، وتقريبها إلى المهاجرين للاعتراف بفضلهم عليهم ، لأنه ليس أقوى على تخدير أعصاب

الجماعة الهائجة من الذهاب مع تيار روحهم المندفعين بها ، فأعطى لهم ما يسألون بلسان حالهم من الاعتراف بالفضل والجهاد وكل فخر يشعرون به متطاولين .


حقا لقد صدق وصدقوا ، فإن لهم الفضل الذي لا ينكر ، ولكنهم أخطأوا بزعمهم أن لهم بذلك حق الإمارة ، وهنا نجد أبا بكر يريد أن يحولهم عن هذا الزعم ، فيحذر أن يخدش عواطفهم بما ينقص منزلتهم ويحط من مقامهم ، فعدل عن التصريح بكلمة

الخطأ أو ما ينسق عليها من معناها ، واتبع أسلوبا آخر من البيان وأنه لمن السحر المأثور فلم يزد على كلمة : " فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم والوزراء " .


وفيها تنبيه على خطأهم من طرف خفي من دون التجاء إلى الكلمة التي بها تجرح عواطفهم وتثير الحزازات مع الثناء عليهم في نفس الوقت ثم إثبات الوزارة لهم .

  * هامش *  
 

( 1 ) الطبري ( 3 : 208 ) . ( * )

 

 

 - ص 130 -

وإذا أردت التدقيق في هذه الكلمة ترى الشئ الأعجب : فهو الآن يريد أن يفضل المهاجرين الأولين " الأولين بالخصوص ! " عليهم ، ليثبت لهم استحقاق الخلافة ، ولو كان وضعهما في طرفين وفضل المهاجرين لأثار ذلك بحفيظتهم وحرش بين

خصمين متطاولين من القديم ، فعدل عن منطوق مقصوده والتاف إليهم من طريق تفضيل الأنصار أنفسهم على الناس وألقى في الطريق كلمة " بعد المهاجرين الأولين " ، فتظاهر أنه يريد أن يقول : ليس أحد بمنزلة الأنصار .


وأن مقصوده ليس غير ، وإنما استثنى المهاجرين كأمر ثابت مقرر لا يتطرق إليه الشك وليس محلا للنقاش لا لأنه المقصود في البيان . ؟ ؟ نا إذ تهدأ تلك النفوس الجامحة في الجماعة راضية بما قيل لها وفق شعورها تتفكك أوصالها وترجع من حيث جاءت كأنما حصل لها كل ما تصبو إليه .


وهذا من انحطاط نفسية الجماعات ، فلا تشعر بالنتيجة التي يراد أخذها منها وإن خالفت تفكيرها عند التأمل ، لأن عادة الجماعة في الأفكار أن تقبلها جملة أو تردها جملة ، ولا طاقة لها على التأمل والتفكيك بين الأفكار ولا صبر لها على التمييز .

مضافا إلى أن الوعد بجعلهم الوزراء لا يفتاتون بمشورة ولا تقضي الأمراء دونهم الأمور يطمن من رغباتهم وأطماعهم ، ويذهب بخوفهم من الاستبداد عليهم وأخذ الثأر منهم ،

 - ص 131 -

ويسدل على ما حاولوه ستارا كثيفا من النسيان . وبعبارة أصح ، يأخذ أثره الوقتي وتلهو الجماعة عن صدق الوفاء ولا تحتاج إلى التدليل عليه ، ولا يكلف قائله إلا الوعد وبهرجة الكلام .


وهناك كلمتان أخريان في تلك العبارة التي حللناها لا يفوتنا أن نتعرف إليهما وإلى ما فيهما من معنى أخاذ الأولى - كلمة ( الأولين ) - فأبعدهم بها عن شعور الخصومة الموجودة للمهاجرين عامة .


والمهاجرون والأنصار حزبان متطاولان وقد كان تنافسهما أمرا واضحا للعيان في زمن الرسول وبعده حتى قال لهم النبي يوما : " ما بال دعوى أهل الجاهلية " ، وذلك عندما قال الأنصاري : " يا للأنصار ! " وقال المهاجري : " يا للمهاجرين - "

فأقبل جمع من الجيشين وشهروا السلاح حتى كاد أن تكون فتنة عظيمة ، في قصة مشهورة ( 1 ) - فتجد أبا بكر بتخصيص المهاجرين بالأولين كيف اتقى شعور الأنصار بخصومتهم لعامة المهاجرين ، وهم لا ينكرون ما للأولين من فضل وقد سبقوهم

إلى الإسلام وعبادة الرحمن على أنه بهذا التخصيص قرب نفسه وصاحبيه إلى هذا الأمر . الثانية : كلمة ( عندنا ) - فانظر إلى ما فيها من قوة

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع البخاري ( 2 : 165 و 3 : 126 ) . ( * )

 

 

 - ص 132 -

سحرية إذ رفع بها عن مقام القرن المنازع للأنصار ، وأخرجها عن الحزبين : الأنصار والمهاجرين ، ونصب نفسه بها كحكم بينهما يفضل هذا على ذاك ثم يختار لهم ما فيه الصلاح .


وهذا له الأثر البليغ في إخماد نار عاطفة التعصب عليه ، ويعطيه أيضا منزلة في نفوسهم هي أعلى وأرفع تجعل له نفوذ الحكم المستشار والزعيم للفريقين وعلى العكس فيما لو نصب نفسه مزاحما لهم مطالبا بحق يعود له ولحزبه . وشأن الجماهير أنها لا تنتظر الدليل على الدعاوي البراقة المبهرجة . لأن التصوير ولو بالألفاظ له الحكم الفصل على نفسياتها .


فارجع الآن إلى تلك العبارة ودققها ! وهي جعجعة تسحن الجماعات من غير طحن ، وإلا فمن المقصود بضمير ( عندنا ) يتكلم عنه أبو بكر غير جماعة المهاجرين وهو منهم ، وعلى تقديره فمن الذي خوله أن يمثل المهاجرين بشخصه ؟ . . . ولكنه جرد من نفسه " ومعه غيره " حكما مفضلا ، عنده المهاجرون أفضل من الأنصار وليس بمنزلة الأنصار أحد بعدهم .


فلا نعجب بعد عرفاننا هذه الأساليب التي لها القوة السحرية على الجماعات أن يأخذ أبو بكر بناصية الحال ، ويستهوي المجتمعين لينظروا إليه بقلوبهم لا بعقولهم ، فيصرفهم كيف يريد . فانتظر نتيجة تأثيره عليهم .