- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 133 -

 8 - نقاش المهاجرين والأنصار


قرأنا في الفصل السابق خطبة أبي بكر وما فيها من الأساليب فلنر مدى تأثيرها على المجتمعين وكيف كانت النتيجة ؟ : لم يرد عليه إلا الحباب بن المنذر في كلامه المتقدم في البحث رقم ( 2 )


وقد رأيناه لم يأت بشئ وكان أول منخذل أمام المهاجرين وإن ظهر بالقوة التي تلاشت في آخر كلامه كما شرحناه ، ففتح على نفسه باب الحجة الظاهرة إذ قال : " فمنكم أمير ومنهم أمير " ، على أنه ظهر جليا بمظهر المتعصب المغالب ، فاستهل كلامه بقوله : " املكوا عليكم أمركم . . . " وهذا مردود عليه معكوس الأثر ، وسيأتي .


وهنا . جاء دور عمر بن الخطاب فقال : " هيهات ! لا يجتمع اثنان في قرن . والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم . ولنا بذلك من أبى من العرب الحجة

الظاهرة والسلطان المبين . من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لا ثم أو متورط في هلكة " . فتجد كلام عمر هذا - وإن كان هادئا - لا يبلغ كلام أبي بكر ،
 

 - ص 134 -

إذ ظهر بمظهر الخصم المدعي بحق الإمارة .

وكأن أبا بكر فسح له المجال لأن يكون هو المدعي العام عن المهاجرين بعد أن نصب نفسه كحكم للمتنازعين .

كما نلاحظ أيضا أنه لم يشر إلى قضية النص على قريش أو على خصوص واحد منهم ، وإنما القضية قضية رضى العرب وإبائها وأن المهاجرين أولياء محمد وعشيرته .


ولذا قال علي عليه السلام بعد ذلك : " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " .


فقام الحباب بعد عمر فقال : " يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم - والله - أحق بهذا الأمر منهم فإنه

بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين . أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب . أنا شبل في عرينة الأسد . أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة . والله لا يرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف " . وهذه عصبية جاهلية وسوء قصد ظاهر .


فقال له عمر : " إذا يقتلك الله " فانتحى به الناحية الدينية إذ نسب القتل إلى الله تعالى ولم يقل يقتلك الناس . وهذا أسلوب من الرد فيه التهديد والتنديد على تلك دعوى الجاهلية منه .


فقال الحباب : " بل إياك يقتل " .

 - ص 135 -

وهذه مهاترة يلتجأ إليها ضعف الحجة وشدة الغضب ، فترى الحباب في كل ذلك كان قلق الوضين يرسل من غير سدد ، وتتضوع من فمه رائحة نفسه ، ولا يعرف أن يسر حسوا في ارتغاء .


فاقتحم في الميدان بجنان الفارس المدله المدل بقوته ونفسه ، ومن سيفه ولسانه تنطف دعوى الجاهلية الأولى البشعة في الإسلام ، تأباها عليه الصبغة الدينية المصطبغ بها المجتمع يومئذ ، وهو في الدرجة الأولى متأثر بالإسلام وتعاليمه ،

وللشعور الديني المكان الأول في تأثر الجماعات الدينية وانفعالاتها ، فما لم يستخدم هذا الشعور لا يرجى أن يحدث في الجماعة التعصب الذي يجعل الإنسان يرى سعادته في التضحية بنفسه وبكل عزيز فداء للمقصد الذي يوجه إليه .


فالحباب إن تولى الدفاع عن سعد وقومه نصرة لهم فهو الذي أفسد عليهم أمرهم أكثر من أي شخص آخر من حيث يظن الصلاح وبدلا من أن يقود المجتمعين للغرض الذي اجتمعوا لأجله قد خسرهم وأعطى القيادة - من حيث لا يشعر - لغيره

الذي عرف كيف تؤكل الكتف في استمالتهم واستعمال نفوذه فيهم . وكان أول ظهور هذه الخسارة قيام ابن عمه بشير بن سعد الخزرجي ، فنقض على الخزرج ما أجمعوا عليه فقال : " يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد
 

 - ص 136 -

المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا إلا رضى ربنا . نبينا والكدح لأنفسنا ، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي من الدنيا عرضا فإن الله ولي المنة علينا بذلك . ألا إن محمدا من قريش وقومه أحق به وأولى . وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم " .


أنظر إلى الشعور الديني كيف أخذ بأطراف كرم هذا الرجل ، متأثرا بدعوة أبي بكر وصاحبه ، خارجا على قومه بل على نفسه ، وكان بعد ذلك أول مبايع من القوم . ولا أعتقد أن ذلك كله عن نفاسة لسعد كما رماه به الحباب لما مد يده للبيعة

فناداه : " يا بشير بن سعد عققت عقاق ! ما أحوجك إلى ما صنعت ؟ أنفست على ابن عمك الإمارة ! " .

فقال بشير : " لا والله ولكن كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم " .


بل اعتقد أنه كان صادقا بعض الصدق أو كله فيما ادعاه عن نفسه فإن سير الحادثة كما وصفناه يدل دلالة واضحة على تأثر الجماعة بكلام أبي بكر وانقيادها إلى دعوته ولا سيما بعد ما صدر من الحباب ما يبعد النفوس عن دعوة قومه .

نعم ! وإنما كان مبدأ ظهور ذلك التأثير في بشير بن سعد ، فيصح أن نجعله ممثلا لشعور قومه تلك الساعة .
 

 - ص 137 -

 9 - المهاجرون يربحون الموقف


إن الحقيقة هي التي وصفناها لك . إن القوم قد تكهربوا بدعوة المهاجرين وتهيئوا لبيعة واحد منهم بالرغم من وجود التنافس بين الحزبين كما أشرنا إليه وصرح به أبو بكر في خطبته التي تقدمت في البحث ( 3 ) إذ قال : " فقد جلس بين لحي أسد

يقضمه المهاجري ويجرحه الأنصاري " وزاد في تهيئهم هذا منافسة الأوس للخزرج وحسدهم لسعد . وطبيعي أن تنافس القريب أكثر أثرا من منافسة البعيد مهما كانت .


ولذلك نرى أبا بكر لما سمع مقالة بشير لم يتأخر عن تقرير النتيجة من هذا النقاش ، فلا بد أنه علم بانقلاب الجمع تأثرا بدعوتهم كيف وهو قد هيمن عليهم ونومهم تنويما مغناطيسيا ، فيعرف كيف سخره وقاده فقدم للبيعة أحد الرجلين اللذين معه : عمر بن الخطاب وأبي عبيدة الجراح ، وقال : " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأيهما شئتم فبايعوا " .


وقد جرى في هذا الكلام هنا على نفس تلك الطريقة التي سلكها في خطبته المتقدمة في البحث ( 7 ) من ترفعه عن مقام المعارضة ، وتجريده من نفسه حكما للحزبين يختار لهما ما هو الصالح باجتهاده ، فاختار لهم أحد هذين الرجلين .


ولكن الجمهور كما قلنا ضعيف الرأي والاختيار ،

 - ص 138 -

لا يعرف أن يختار ولا يعرف أن يعين ما يختار ، ويبقى في مثل هذا الحال منتظرا إشارة من سخرة ونومه التنويم المغناطيسي أو لأي شخص آخر يفاجئه بإرادة قوية حازمة ، فلو أن أحدا من الحاضرين قام فبايع أحدا منهما عمر أو أبا عبيدة لبويع وانتهى كل شئ .


ولو أن أبا بكر عين واحدا لما تأخروا عن بيعته ، ولكن هذا الترديد بين الرجلين يظهر أنه كان مقصودا تمهيدا لإرجاع الأمر إليه ، ولعله عن تفاهم سابق واتفاق بين الثلاثة ليتعاقبوا هذا الأمر .

ولذلك تمنى عمر عند الموت أن يكون أبو عبيدة حيا ليعهد إليه .

أما هما فقد أبيا عليه وقال عمر : " لا والله لا نتولى الأمر عليك ابسط يدك نبايعك ! " قال هذا القول ولم يترك فرصة تستغل للرد والحجاج ، فحقق القول بالعمل ، وأقدم بإرادة جازمة لا تعرف التردد يتطلبها الموقف الدقيق ، فذهب ليبايع أبا بكر ،

ولم يتمنع أبو بكر فمد يده ، ولكن بشير بن سعد هذا الذي تقدمت خطبته سابق عمر بن الخطاب إليها فوضع يده بين يديهما مبايعا ، كأنما أراد بذلك أن يحرز الفضيلة في السبق أو ليبرهن على إخلاصه للمهاجرين ، بل هذا من اندفاعات الجمهور

المدهشة بنتيجة انفعالهم بالمؤثرات التي تطرأ عليهم . وهو من أبلغ الشواهد على ما قلنا من تكهرب نفوس جمهور السقيفة بتلك المؤثرات التي استعملها أبو بكر بتلك
 

 - ص 139 -

الحذاقة واللباقة ، فإن لبعض الألفاظ والجمل سلطانا لا يضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل . ألفاظ وجمل يفوه بها الخطيب خاشعا أمام الجمهور ، فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الوجوه هيبتها وتعنو القلوب لها احتراما كأن فيها قوة إلهية أو موجة

سحرية ، فتثير تارة في النفوس أشد الصواعق من الغضب ، وتسكنها تارة إذا جاشت فتمزق أشلاءها وتقودها إلى حيث يريد المتكلم راضية قانعة ( 1 ) .


ويظهر أن عمر أيضا أدرك حقيقة الموقف وكيف قد ربحه المهاجرون فلم يبق إلا أن يصدر أحدهم الحكم الفاصل في تعيين من يبايع منهم ، فأقدم على بيعة أبي بكر - كما رأيناه - غير متردد ولا متخوف ولا مستشير ، ومد يده مسرعا .


وإلا فإن الأمر أعظم من أن يتم بهذه السرعة والسهولة التي كانت : بإقدام شخص واحد يعقد البيعة لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس أنه صاحبه المنحاز إليه في وقت هو أحد ثلاثة أو أربعة من الحزب المعارض لقوم في عقر دارهم معتزين بقوتهم يريدون أن يملكوا أعظم سلطان لأعظم أمة ، وهو لم يأخذ رأيهم وتصديقهم على ما أراد ( 2 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع كتاب " روح الاجتماع " المعرب لغستاف لبون ص 113 .
( 2 ) على أنه قال بعد ذلك في خلافته : " فمن بايع أميرا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة يقتلا " راجع كنز العمال الجزء الثالث رقم الحديث 2323 . ( * )

 

 

 - ص 140 -

وإنما أقدم كأن الأمر لا يدور إلا بينه وبين أبي بكر كأمر ثابت لا شك فيه .

وهذه مغامرة خطيرة لها ما بعدها ، ولم تكن منه إلا لأنه أدرك نضج القوم وتهيئهم لبيعة أحد المهاجرين . ولذلك لم نجد معارضة من القوم ، بل الأوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد أن قالت ما قالت كما تقدم في البحث ( 3 ) .


ثم تبعهم جميع الأنصار ما عدا سعدا ومن كان شديد التعصب له كابنه قيس والحباب . ولا شك أن للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم ، أو تيار الكهرباء في سلكه ، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة

وتسابقهم إليها ، كأنما تفوت دونها الفرصة ، فأقبلوا من كل جانب يبايعون أبا بكر ، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الأنصار كلهم ، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميرا على جميع المسلمين ، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع ، فحمل إلى داره صفر اليدين .


وهذا ألطف شئ في تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه في أعماله وآرائه وشدة نزقه ، فإنه لا يعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال في نزعاتها ، ولا المحافظة على الآداب العامة المصطلح عليها ، وهو مع ذلك كثير النسيان لأحواله السابقة .

 - ص 141 -

أما الحباب - ولا ينبغي أن ننساه - لما رأى إقبال الناس على البيعة انتضى سيفه ، فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف ، فأخذ منه . فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة ، ولكن من المعلوم أنه لم يصنع شيئا ولم يستطيع رد جماح أي شخص من قومه حتى تمت البيعة مرغما ، وصدق فيه وفي قومه المثل المشهور " رب ساع لقاعد " .


وليتني أراه في تلك الساعة كيف كان حاله فتزبد شدقاه ويتميز غيظا ويعض على أنامله وقد ملكت حواسه سورة الغضب ، وماذا كان يقول لقومه ولنفسه بعد ذلك الذي مضى منه من التهديد والوعيد ثم ذهب هباء وخار ضعفا ؟


لا شك أنه لو كان من أبناء هذه المدينة الحديثة متشبعا بعاداتها ، لكان - هو على مثل هذه الحال - ضحية الانتحار ليتخلص من شنارها ويستر عارها .