- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 140 -

 10 - النتيجة


نستنتج من سير الحادثة إن طريقة بيعة أبي بكر لم تكن طريقة اختيار بالمعنى الصحيح ( 1 ) ويحقق معنى أنها كانت " فلتة " وقى الله شرها على حد تعبير عمر بن الخطاب .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) فنصدق كلمة الأستاذ محمد فريد أبي حديد في مقاله " نظرة في نظام بيعة الخلفاء " المنشور في مجلة الرسالة المصرية العدد 10 .

 

 

 - ص 142 -

وقد رأينا السرعة التي جرت بالحادث لم تبق مجالا للمفكر أن يشحذ فكره ولا للمعارض أن يقيم حجته ، فكانت مفاجأة في مفاجأة . مع أن العاطفة العدائية عند الأوس المهيجة من أبي بكر كان لها الأثر الفعال في تقريب النتيجة ، وساعدها بل أشعل أوارها إن المجتمعين انطبعت فيهم أوصاف الجماعة الاجتماعية ، مما يذهب عنهم صحة الاختيار والحكم .


فلا بدع إذا لم يثق الباحث المفكر باختيار جماعة السقيفة ، ولا يغتر به دليلا على صحة هذه الطريقة من البيعة في الإسلام . وقد أشرنا في الفصل الأول إلى أن عمر نفسه قال عنها : " فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه " .


ولا غرابة أيضا إذا لم يدافع أحد عن النص على علي بن أبي طالب ، وقد اندفع المجتمعون بتيار جارف لا يقف في سبيله شئ ، ونحن نعرف رأي المهيمنين على الاجتماع في علي ، وهم يبتعدون أن يتم له شئ من ذلك .

أفتراهم يدعون إليه في هذا المجتمع الذي أسس على الإعراض عن النص فيه .


وإذا قال بعد ذلك بعض الأنصار أو كلهم " لا نبايع إلا عليا " كما سبق فقد قلنا إن ذلك بعد خراب البصرة ، فإن هذا الجمهور أصبح لا يملك اختياره وتفكيره وشعوره بواجبه الديني لما قلناه من تكهربه بتيار تلك القوة السحرية
 

 - ص 143 -

قوة الاجتماع التي تجعل أعماله أعمالا لا شعورية ، على أن أساس الاجتماع ارتكز على طمع الأنصار من جهة تخوفهم من جهة أخرى " على ما شرحناه فيما تقدم " .

وهذان لم يتركاهم يفكرون في واجبهم الديني فبعد أن أفحموا وغلبوا واندفعوا مع الغالبين ، وتلك هي فطرة البشر .

ويشهد على ما نحسه من الضعف الديني في تلك الأحكام العاجلة والقرارات الخاطفة في اجتماع السقيفة ، إنه مما تقرر في تلك النهزة أمران عامان :

 1 - إن الأنصار لا حق لهم في هذا الأمر .

 2 - إنهم الوزراء لمن كانت له الإمارة .

مع أن الأول شك فيه أبو بكر نفسه بعد ذلك إذ تمنى فيما تمنى لو سأل النبي عنه ، والثاني هذا المنصب المزعوم - وزارة الخليفة - لم يعط لأحد منهم لا في عهد أبي بكر ولا بعده ، بل هذا المنصب لم يحدث لأحد إلا في عهد العباسيين .


وبهذه النتيجة التي حصلنا عليها من سير حوادث السقيفة وملابساتها يسهل علينا أن نفسر بها الآية الكريمة " أفإن مات أو قتل انقلبتم . . . " . فإن الاجتماع كان - على كل حال - انقلابا على الأعقاب حتى لو لم نؤمن بالنص من قبل النبي صلى الله عليه وآله على من سيكون خليفة من بعده ، لأن الاجتماع كما قلنا من أصله كان افتياتا على المسلمين ولم
 

 - ص 144 -

يكن مستندا إلى قاعدة إسلامية أو تصريح من الرسول . وكذلك ما قرره الاجتماع لم يكن إلا قرارا خاطفا تحكمت فيه العواطف في المبدأ والمنتهى ، وليس فيه مجال الرجوع إلى النص .


وإلى هنا نستطيع أن نرجع إلى ما قلناه في التمهيد أنه كيف تفسر الآية بحوادث السقيفة وأرجو من القارئ أن يرجع من جديد إلى بحث السقيفة ليأخذ بأطراف الموضوع على ضوء هذه النتيجة .


ومن نفس الحادثة نستطيع أيضا أن نؤيد النص على الإمام علي عليه السلام ، لأن ما ورد فيه من تلك النصوص لو لم تكن لتعيينه خليفة وكانت لمجرد الثناء وبيان فضله ولم يكن الاجتماع لاستغلال الفرصة لمخالفة النص وكان اجتماعا طبيعيا

شرعيا - لو لم يكن كل ذلك لوجب أن يكون هذا الرجل الذي هو من النبي بمنزلة هارون من موسى في مقدمة المجتمعين وعلى رأسهم ومعه أهل بيته ولما كان ينعقد الاجتماع ولا يقرر فيه شئ من دون مشورته وموافقته ولكن - كما سبق - كل

ذلك لم يقع . بل الحادثة من مبدأها إلى منتهاها أخذت على أن تقع على غفلة منه ومن بني هاشم إلى آخر لحظة منها وأهمل شأنهم وكأنهم لم يكونوا من المسلمين أو لم يكونوا من الحاضرين إلا بعد أن تم كل شئ .