- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 145 -

الفصل الرابع

علي مع الخلفاء


 

 - ص 146 -

 1 - الافتيات على الإمام


لا يشك التأريخ إن عليا عليه السلام - كما قدمنا - لم يكن على علم من اجتماع الأنصار في سقيفتهم ، حتى بعد ذهاب الثلاثة من حزب المهاجرين متكتمين ، وهم أبو بكر وعمر إذ ذهبا يتقاودان - على حد تعبير الطبري في تاريخه - وتبعهما أبو عبيدة .


بل لم يعلم الإمام بما تم في السقيفة إلا بعد خروجهم إلى المسجد في ضجيجهم " وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو محتجز يحث الناس على البيعة " ، فبلغه تكبيرهم ، وهو مشغول - لا يزال - في جهاز النبي . ولم يخرج إليهم إلا في اليوم الثاني .


وأول شئ يبدو دليلا على افتيات القوم عليه بالمشهورة ، وهم يشعرون بأنهم في مقام الخصومية له أنهم لم يخبروه بحادث اجتماع الأنصار عندما أسر عمر إلى أبي بكر وهو في بيت الرسول بالخبر ، وهما أيضا لم يخبرا أحدا غير أبي عبيدة الذي

تبعهما وحده حيث الاجتماع السري ، مع أن مثل الإمام أولى الناس بتدارك هذا الموقف الدقيق إن كان في اجتماع الأنصار خطر على الإسلام أو فتنة ، والأمور جارية على ظواهرها الطبيعية بين الإمام وبين هذه الجماعة .


ثم الأغرب أنهم لم يدعوه للمشاورة بل حتى للبيعة قبل أن يتم كل شئ ينتظر لبيعة أبي بكر .

ولا ينتهي التساؤل عما إذا

 - ص 147 -

ينبغي أن يرسلوا إليه من يخبره بالأمر على الأقل ! أما كانوا على حسن نية معه أو ثقة بموافقته لهم ورضاه ؟

نعم ! لقد وجدناهم قد قضوا أمرهم بينهم ، ودعوا الناس إلى البيعة أشتاتا ومجتمعين ، مستشعرين الكفاح والخصومة بل الخوف أمام حزب علي . ولذا انتهزوا فرصة انشغاله وانشغال أصحابه وبني هاشم بجهاز سيدهم .


ويشهد لهذا قول الطبري في تاريخه : " وجاءت أسلم فبايعت فقوي بهم جانب أبي بكر وبايعه الناس " ، تأمل كلمة ( فقوي بهم جانب أبي بكر ) ، لتفهم أن هناك جانبين متخاصمين يقوي أحدهما ويضعف الآخر ، وليس المراد بالجانب الآخر الأنصار لأنهم قد بايعوا في السقيفة ولم يبق إلا سعد بن عبادة وابنه ، وليس له كبير اهتمام وقد أهملت بيعته حسب إشارة بعض أبناء عمه .


أما علي فقد قلنا إنه جاءه الخبر عفوا لما سمع تكبير القوم في المسجد وهو حول النبي مشغول بجهازه . ولما بلغته حجتهم على الأنصار لم يكتم نقدها ، فقال كما في نهج البلاغة : " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " .



 2 - رأيه في بيعة السقيفة

قلنا في آخر الفصل الأول إنه لماذا لم يطالب الإمام

 - ص 148 -

صراحة بالنص عليه بالخلافة ، وهنا نقول : إنه مع ذلك لم يكتم رأيه في بيعة السقيفة ، فإن التأريخ لا يشك ، عند من ينظر إليه نظرة فحص وتمحيص ، أنه كان ناقما على ما أسرعوا إليه من بيعة أبي بكر ، وكان يعدها غضبا لحقه ، فلم يلاق

الحادث إلا بالاستغراب والاستنكار كما يبدو من كلمته السابقة التي قرأتها أخيرا ، ومن كلمات كثيرة منبثة في نهج البلاغة وغيره وأهمها الخطبة الشقشقية . وأقل ما يقال في إنكاره تخلفه عن البيعة حتى ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام .

على أن من الظلم نقول : إن الإمام تخلف عن البيعة ، وهو صاحب الأمر الذي يجب أن يؤتى إليه ، وإنما الحق أن نقول : إن الناس هم الذين تخلفوا عنه .


وأول إعلان له عن رأيه كان عند خروجه في اليوم الثاني من السقيفة بعد البيعة العامة - كما في مروج الذهب - فقال لأبي بكر : " أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا " .


وهذا القول صرخة في وجه الاستئثار عليه ، وتصريح بعدم الرضى بما تم ، وليس علي ممن يداجي أو يخاتل ولا ممن تأخذه في الله لومة لائم . ولذلك هم كانوا يفرون من التحرش به قبل تمام البيعة خوف إعلان خصومتهم ، فنرى أبا بكر في جواب كلامه السابق يعترف له ويقول : " بلى ! ولكن خشيت الفتنة " .


ويسكت التأريخ عن ذكر جواب الإمام ، أفتراه اقتنع

 - ص 149 -

بكلمة أبي بكر أو أغضى عن جوابها أو التأريخ أهمل الجواب .

ولكن عليا نفسه يقول من خطبة له عن هذه الحادثة : " فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه لا يدري ما يجيبني به " .

ولئن فرض إنه سكت هذه المرة فإنه لم يترك الدعوة إلى نفسه واستنكار حادث السقيفة ، وإن بايع بعد ذلك فلم يبايع عن طيبة خاطر واطمئنان إلى الوضع ، وهو الذي يقول بالصراحة في الشقشقية : " فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا " .


ثم التأريخ يحدثنا إنه لم يبايع إلا بعد أن صرفت عنه وجوه الناس بموت فاطمة الزهراء . وكم تذمر وتظلم من دفعه عن حقه مثل قوله من كلام له في النهج : " فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا " ويشير بهذا اليوم إلى عصره في خلافته * * *


هذا هو الصريح الواضح من رأي الإمام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها . ويكفي النظر في الشقشقية وحدها ، غير أن التأريخ قد يحاول أن يكتم هذه الصراحة ، لأنه لا ينكر على كل حال أن عليا مع الحق والحق مع علي ، فلا
 

 - ص 150 -

يمكنه أن يتهمه بالحيدة عن طريق الحق إذا اعترف بهذا الرأي منه ، وهو - أعني التأريخ - يريد أن يصحح ما وقع يوم السقيفة الذي لا يصح من دون رضى صاحب الحق وموافقته ، فيركن إلى المداورة .


ولكن في الحقيقة لا بد أن تتم على نفسها ، فإنه جاء في صحيحي البخاري ومسلم عدا كتب التأريخ والسير ما لا يخرج عن هذا القول : " إن وجوه الناس كانت إليه وفاطمة باقية فلما ماتت انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع أبا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها ستة أشهر " .


وجاء ما هو أصرح من كل ذلك في جوابه لكتاب لمعاوية ، إذ يتهمه معاوية بالبغي على الخلفاء والإبطاء عنهم وكراهية أمرهم ، فيقول الإمام منكرا لبعض التهم ومعترفا بالبعض الآخر : " فأما البغي فمعاذ الله أن يكون وأما الابطاء والكراهية لأمرهم فلست اعتذر إلى الناس في ذلك ) ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) راجع شرح النهج ( 3 : 409 ) . ( * )