- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 151 -

 3 - الموقف الدقيق


يظهر للمتتبع أن الإمام كان يرى - عطفا على رأيه السابق - وجوب مناهضة القوم حتى يأخذ حقه منهم .

ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن حربه لأهل الجمل ومعاوية : " أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها " .


فانظر إلى موقع كلمته : " لسقيت آخرها بكأس أولها " ، فإنه يريد أن يقول : إن زهدي بالدنيا يدعو إلى أن أترك حقي في المرة الأخيرة كما تركته في المرة الأولى ، ولكن الفرق كبير بين الحالين : ففي الأولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان

الناصر دون هذه المرة ، فلا يسعني أن أعرض عنها هذه المرة وأسقيها بالكأس الذي سقيت به أولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى .


وأصرح من ذلك ما كان يقوله : " لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم " وهذا ما عده معاوية من ذنوبه ، وذلك فيما كتب إليه من قوله : " فمهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم

لناهضت القوم ، فما يوم المسلمين منك بواحد " ، ولم ينكر أمير المؤمنين عليه السلام هذا القول في جوابه على هذا الكتاب . وفي التاريخ مقتطفات تؤيد ذلك ، كما في تأريخ

 - ص 152 -

اليعقوبي : إن أصحابه الذين كانوا يجتمعون إليه طالبوه بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة ، وكأنهم ظنوا أن قد بلغوا العدد المطلوب " 40 ذوي عزم " فقال لهم : اغدوا على هذا محلقي الرؤس ، وهو إنما يريد أن يريهم أنهم لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة ، فلم يعد عليه إلا ثلاثة نفر .


وإذا كان هذا رأيه في المناهضة للقوم يبلغ - يا سبحان الله - هذه الشدة والصرامة فماذا تراه صانعا ؟ لنتركه الآن يحدثنا هو عن نفسه وموقفه الدقيق ، إذ يقول من الشقشقية : " وطفت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه " .


ثم يبين لنا كيف أن يده جذاء من خطبة ثانية . " نظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فظننت بهم على ا ت ؟ ؟ " .

فهو إذن بين أمرين لا ثالث لهما : إما المغامرة بما عنده من أهل بيته ، وإما الرضوخ للأمر الواقع ، أما الحالة الأولى ففيها خطر على الإسلام لا يتدارك فإنه إذا قتل هو وآل بيته ارتفع الثقل الثاني من الأرض " عترة الرسول " وافترق عن عديله

القرآن الكريم وهناك الضلالة التي لا هداية معها ، وقد قال النبي : " لا تضلوا ما أن تمسكتم بهما أبدا " أو " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وأما الحالة الثانية فإن في الصبر على هضم حقوقه إضاعة لوصية النبي ، وتعطيل لنصبه إياه إماما وخليفة من بعده .

 - ص 153 -

فأي الأمرين هو أولى بالرعاية لحفظ بيضة الإسلام ؟

وأنى لنا أن نتحكم في ترجيح أحد الأمرين ، ونعرف الإمام واجبه في هذا الأمر ؟ !


وما بالنا نذهب بعيدا ، فإنا نعرف ما صنع الإمام ، إنه استسلم للقوم وبايع كما بايع الناس بالأخير ، وقد قرر الرأي الأخير بعد أن طفق يرتئي بين أن يصول بيد جذاء أو يصبر على طخية عمياء عندما قال : " فرأيت الصبر على هاتا أحجى " فسدل دونها حينئذ ثوبا وطوى عنها كشحا .


على أنه لا يضيع وجه الرأي على الناظر في هذا الأمر ليعرف كيف كان الصبر أحجى ، لأنه لو نهض في وجه القوم مع قلة الناصر وحسد العرب له وترات قريش عنده ، لكان المغلوب على أمره ، وعندئذ يصبح نسيا منسيا ، ولربما لا يحفظه التأريخ إلا باغيا بغى على الدين كأولئك أصحاب الردة ، فقتل " بسيف الإسلام " وأضيع مع ذلك النص على خلافته .


وقد رأيناه مع بقائه حيا وانتهاء الأمر إليه بعد ذلك كيف غمط حقه وأعلن سبه وبقي الشك فيه إلى يوم الناس هذا ! وقد أشار إلى ذلك في كلامه لعمه العباس وأبي سفيان لما طلبا بيعته ، إذ قال لهما : " أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح . . . ثم قال : ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه "
 

 - ص 154 -

حقا ، لا ينهض في هذا الموقف إلا من لا يبالي إلا بالحرص على الملك ومطاولة الناس مهما كانت النتائج على الدين والصالح العام ، وأمير المؤمنين أحرص على الإسلام من أن يغرر به لأمر يقول عنه : " إنه ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها " .

ولا يساوي عنده نعله التي لا تسوى درهما ، إلا إذا كان يقيم حقا أو يدحض باطلا . ولذلك ، ينصح الناس في كلامه الذي أشرنا إليه مع العباس وأبي سفيان ، وهما يحثانه على قبول البيعة ، فيقول : " شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المناظرة ، وضعوا عن تيجان المفاخرة " .


وكأنه في كلامه هذا يحس منهما إذ دعواه لهذا الأمر الآنفة من الخضوع لأخي تيم ، و ( تيم ) على حد تعبير أبي سفيان أقل حي في قريش ، فهما ينظران إلى الأمر من ناحيته القبلية ، والعصبية الجاهلية . أما فقهه هو فكما قال من كتاب له في جواب

معاوية في خصوص هذا الأمر : " وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه " ، وهو غير فقههما فإن العباس مشى إليه أبو بكر وجماعة ليلا ، لما عرفوا موقفه ، فأطمع في الخلافة له ولولده ، بعد نقاش انتهى بالإعراض عن النزاع .


وأما أبو سفيان فقد نقل ابن أبي الحديد ( 1 : 30 ) وغيره أن عمر كلم أبا بكر فقال إن أبا سفيان قد قدم وإنا لا نأمن شره ، فدفع له ما في يده فتركه ، وكان أبو سفيان قد بعث قبل وفاة النبي على الصدقات .
 

 - ص 155 -

ثم لنفترض ثانيا أنه ما كان ليقتل لو ناهض القوم ولكن مع ذلك فالصبر على ترك حقه كان أحجى وأجدر لأن منازعتهم كانت - لا شك - تجر إلى الفتنة وتبعث على الفرقة ، والإسلام بعد لم يتغلغل في نفوس العرب ولم يضرب جرانه في الجزيرة ، وقد اشرأبت الأعناق للانتقاض عليه .


فهو إذ وطن نفسه على ما هو أمر من طعم العلقم كما يقول بالتنازل عن حقه ، كان يخاف ويخشى ، ولكن لا على الحياة - وهو هو ابن أبي طالب في شجاعته واستهانته بالحياة ، الذي كان يقول : والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها -

بل كان خوفه على الدين من التصدع وعلى جامعته من التفرق ، فسالم إبقاء لكلمة الإسلام واتقاء للخلاف والشقاق في صفوف المسلمين فيرتدوا جميعا على أعقابهم ، والمفروض ليس عنده القوة الكافية لا ظهار كلمة الحق وإقامة السلطان .

وهو يشير إلى هذا الخوف فيما يقول في هذا الصدد من خطبته في النهج : " ما شككت في الحق مذ رأيته . لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه . أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال . اليوم توافقنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم

يظمأ " . فهو في هذه الكلمة يتأسى بموسى عليه السلام إذ رموه بالخيفة ولكن فرقا بين الخوف على الحياة والخوف من غلبة الباطل : وهذا أفضل تفسير لقوله تعالى : " فأوجس في نفسه خيفة " وفيه تبرئة لنبي الله من الوهن والشك وما أدق
 

 - ص 156 -

معنى كلمة " من وثق بماء لم يظمأ " بعد تقديم قوله : " ما شككت في الحق مذ رأيته " وقد رأى الحق وهو ابن عشر سنين ! .

ويوضح لنا ذلك جوابه المشهور لأبي سفيان لما جاءه مستفزا على أبي بكر وهو يقول : " فوالله لئن شئت لأملؤها خيلا ورجلا " وأنت تعرف ما قال له الإمام أنه قال : " أنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وأنك والله طالما بغيب للإسلام شرا لا

حاجة لنا في نصيحتك " ما أعظم هذه الصرامة والصراحة منه لمن يريد أن يبذل نفسه وقومه في ظاهر الحال ناصرا ومعينا على خصومه وهو يشكو فقد الناصر .


نعم أن الدين الذي بذل له مهجته كان عنده فوق جميع الاعتبارات ، وإن استهان به غيره ، وقد رأينا أبا سفيان كيف أسرع في الرجوع عن وعده ووعيده لما تركوا له ما في يده .


وأمير المؤمنين قد صرح بغرضه هذا بعد ذلك في جوابه الذي أشرنا إليه عن كتاب معاوية كما في النهج والعقد الفريد إذ قال عن إبائه على أبي سفيان : " حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الإسلام " .