- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 157 -

 4 - سلوكه مع الخلفاء


أما وقد تركنا الإمام يغضي عن حقه ويقرر بالأخير خطة الصبر على ما فيها من قذى وشجى فماذا تراه يتخذ من خطة في سياسته وسلوكه مع الخلفاء : أيستسلم فيسرع إلى بيعتهم كسائر الناس ويعمل لهم كما يعمل باق المسلمين أم يسلك بقدر ما تسمح به الضرورة وتقتضيه المصلحة للدين ؟


قد أبى بعض المؤرخين من القدماء والمحدثين إلا أن يصور الإمام مسالما إلى أبعد حدود المسالمة ، فيسرع إلى البيعة عن طيبة خاطر ورضى بمن نصب لها ، ولكن البحث الصحيح يأبى علينا أن نسلم بهذا التسرع في النقل أو الحكم : فقد ثبت

تأريخيا أن عليا لم يبايع أبا بكر إلا بعد موت فاطمة بضعة الرسول ، وفي تقدير ابن الأثير في تاريخه والبخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهم أنه ستة أشهر ، وفي كل هذه المدة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولا نهي ولم

يسمع له صوت في حروب الردة وغيرها . وأكثر من ذلك كان يطرق أبواب الأنصار وأهل السوابق ليلا حاملا معه فاطمة والحسنين يدعوهم إلى نفسه ويذكرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذا ما جعله معاوية من ذنوبه في كتابه السابق

الذكر ، ثم إنه كان يقرعهم بالحجة وينير لهم طريق المحجة ذلك قوله المتقدم : " فلما قرعته بالحجة " . وهل يظن الظان أنه كان يحاول في هذا العمل أن يتحولوا في البيعة وأن يتركوا ما أبرموه وهو الذي أسدل دونها
 

 - ص 158 -

ثوبا وطوى عنها كشحا ورأى الصبر على ذلك أحجى وهو الذي يدعوه العباس وأبو سفيان إلى البيعة فيأبى ؟ إن هذا الإباء وذاك الصبر لا يجتمعان مع تلكم المحاولة والدعوة إلى نفسه ما لم يكن يرمي الإمام من وراء ذلك إلى غرض أسمى مما

يظن ، إنه كان يقيم الحجة في عمله على أولئك الناس ويفهمهم خطأهم فيما ارتكبوا وتنكبهم عن الحق فيما أسرعوا وإلى ذلك يشير فيما قال : " اللهم أنت تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الطعام ولكن لنرد المعالم في دينك ونظر الصلاح في بلادك " .


ويؤخذ من طيات التأريخ أنه لم تأخذه هوادة في الدعاية والدعوة إلى مبدئه إظهارا لحقه وإقامة للحجة على سواه ، فلا ينكر التأريخ اجتماع أصحابه عنده طيلة أيام انعزاله ، فيعتبره الطرف الآخر كمؤامرة يحاول إبطالها خشية توسعها ، فيرسل من يفرق القوم المجتمعين فيجتمعون .


ولا ينكر التأريخ أيضا تطوافه على الأنصار وأهل السوابق كما قدمنا . ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة ، وهو أحرص على الشعائر الدينية والواجبات الإلهية من أن يجرأ مجترئ على اتهامه بالمسامحة فيها .


وهذه المقاطعة وما إليها إعلان صريح برأيه فيما عليه القوم ولذا نرى الخليفة أبا بكر يتذمر من موقف الإمام

 - ص 159 -

فعرض فيه من خطبة : " يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء كأم طحال أحب أهلها إليها البغي إلا أني لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت . إني ساكت ما تركت " . وفي هذا تخوف مما يظن أنه سيقع وتهديد بإذاعة أمر مكتوم .


ما أدري - ولا أظن أحد يدري اليوم - أي شئ هذا الأمر الذي يهدد الخليفة بإفشائه ، والظنون تذهب ولا تقف على شئ معين ! وزبدة المخض : إنا نفهم من كل ذلك أن خطة الإمام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة إلى مبدئه وأن يقعد حجزة

الضنين - على تعبير فاطمة نفسها - معتزا بوجودها ، وقد جاهدت معه في هذا المضمار جهادا له الأثر فيما بعد في تركيز مقام الإمام في ذهنية المجتمع الإسلامي . ولا ننسى خطبتها البليغة التي يرن صداها إلى اليوم .


ولذا نراه بعد وفاتها يبدل خطته ، فبايع ، ويبايع معه أهل بيته وأصحابه ، ويدخل فيما يدخل فيه القوم . ولكن إلى حد محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينية للاحتفاظ بالجامعة الإسلامية .


لنسمعه يحدثنا هو عن تبديل خطته في كتابه إلى أهل مصر : " فأمسكت يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله ،

 - ص 160 -

فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم . . " .


ولم تكن نصرته للإسلام وأهل إلا بسكوته عن حقه ومتابعته للقوم ، ونصيحته لهم في مواقع النصح ، وإلا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف إلى يوم بويع بالخلافة .


وماذا يظن الظان في من جاهد وجالد في سبيل الإسلام عشرين عاما ، وفي كل هذه المدة كان سيفه يقطر من دماء المشركين ، ولم تثر حرب إلا وهو ابن بجدتها ، وحامل لوائها ، ومقطر أبطالها والمقذوف في لهواتها ؟

ماذا يظن الظان فيه عندما يجلس جلس البيت عن هذا الدين الذي قام بسيفه ، وقد تألبت العرب عليه واشرأبت أعناق النفاق ؟

والجهاد فرض من فروض الإسلام ، أكان ذلك زهدا في الجهاد وتواكلا عن الواجب ، أم ماذا ؟


أهناك غير ما نقول من رأيه في المقاطعة إلا ما تدعو إليها ضرورة المحافظة على الجامعة . وقد يقول القائل : إن الخلفاء هم الذين لم يدعوه إلى الدخول معهم في الحروب والاشتراك في الحكم لمصلحة يرونها ، وما كان يجب عليه أن يقدم نفسه

متبرعا ، كما لم يدع إلى ذلك جميع الهاشميين ، ولم يسمع أن هاشميا اشترك قائدا في حرب أو حكم في عهد الخلفاء الثلاثة . ويشهد لذلك

 - ص 161 -

المحاورة ( 1 ) بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس حينما يدعوه إلى العمل في حمص ، فيقل لابن عباس : " وفي نفسي شئ لم أره منك وأعياني ذلك " ثم يصرح بذلك الشئ : " إني خشيت أن يأتي علي الذي هو آت وأنت في عملك فتقول : هلم إلينا ولا هلم إليكم دون غيركم أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم " .


فيقول ابن عباس : فلم نراه فعل ذلك ؟ فقال عمر : والله ما أدري أضن بكم عن العمل ، فأهل ذلك أنتم ، أم أخشى أن تبايعوا بمنزلتكم منه ، فيقع العقاب ولا بد من عتاب ؟ وعندئذ يمتنع ابن عباس عن قبول العمل ويقول : إن أعمل لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينيك .


أليست هذه المحاورة شاهدة على أن الخلفاء هم الذين كانوا يمتنعون عن استعمال بني هاشم خوف أن يستغلوا مناصبهم للدعوة إلى أنفسهم ؟ وللمجيب أن يجيب ، فيقول : إن امتناع الخلفاء عن استعمال علي وبني هاشم - إن صح - فهو دليل آخر على سيرة الإمام معهم ، واستعماله خطة يخشون معها أن يأخذ وقومه ناصية الأمر إن تولوا عملا من الأعمال . على إنا لا
 

  * هامش *  
 

 ( 1 ) راجع مروج الذهب ( 1 : 427 ) . ( * )

 

 

 - ص 162 -

نعدم شاهدا على أن عليا هو الذي كان يمتنع عن قبول أعمالهم ، فلنستمع إلى الحديث الذي جرى بين الخليفتين عمر وعثمان . يشير عثمان على عمر : " ابعث رجلا - أي لحرب فارس - له تجربة بالحرب ومضر بها . عمر : من هو ؟ عثمان : علي

بن أبي طالب ! عمر : فالقه وكلمه وذاكره ذلك ، فهل تراه مسرعا إليه ؟ فيخرج عثمان . ويلقى عليا ، فيذاكره فيأبى علي ذلك ويكرهه " . تأمل استفهام عمر وشكه في قبول علي ، ثم امتناع علي وكراهته للأمر ! وما نستنتج من ذلك ؟


من هذا وأمثاله نعرف ماذا كان علي عليه السلام يتبع في سيرته مع القوم ، وما كان يجري عليه في معاملته معهم ، حتى كان يخفت صوته في جميع الحروب والمواقف ، وكأنه ليس من المسلمين أو ليس موجودا بينهم ، وهو منهم في الرعيل الأول ،

اللهم إلا صوته إذا استشير ونبراس علمه إذا استفتي ، حتى اشتهر عن عمر كلمته " لولا علي لهلك عمر " أو " لا كنت لمعضلة ليس لها أبو الحسن " . وتتبع استشاراته وأحكامه في كثير من الوقائع يخرج بنا إلى موضوع آخر يحتاج إلى كتاب آخر انتهى 29 جمادى الأولى 1368 ه‍ .