- السقيفة : الشيخ محمد رضا المظفر  ص 183 -

نص رسالة الشيخ المظفر ردا على رسالة الأستاذ الملاح


إلى حضرة الأخ الفاضل عبد الله الملاح المحترم أهدي تحياتي العاطرة اطلعني الأخ قرة العين ( الغبان ) على رسالتكم إليه المؤرخة 3 ربيع الثاني 1373 فقرأت فيها الأدب الجم والتواضع المستحب والرغبة في الركون إلى الإنصاف في القول .

وهذا ما كنت أتوقعه بعد إن كان قد عرفك إلى ( الجواد ) من قبل . ولأجل أن لا تفوتني فرصة التعرف إليك فضلت أن أحرر بنفسي الجواب عن رسالتك وسامحني إذا تأخرت أياما اقتضتها طبيعة أشغالنا هذه الأيام .


وقبل كل حديث أحببت أن أذكر للأخ إن كل بحث وسؤال يمكن أن يعقب ويجاب عنه إذا استعمل الأسلوب الخطابي بمهارة ، عندما تكون العاطفة تأخذ أثرها في الجدل ، غير أني أرجو من الله تعالى أن يعصمني ويعصمك من أن تطلع رأسها خلال

هذه الأبحاث التي يجب أن يتبع فيها الحق للحق . وعلى ذكر العاطفة فإنك رعاك الله - بعد ما تفضلت من الثناء العاطر على كتاب السقيفة وصاحبه بما يعبر عن سمو نفسك .
 

 - ص 184 -

وأخلاقك - قلت : " ولكنه آثر إرضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه أولا من الحياد التام " .

صحيح إني لم يظهر على بحثي ال " خير الحياد التام بل ولا الحياد الناقص ، ويجب أن اعترف بذلك ، ولكن ما حيلتي إذا كان منطق البحث هو الذي ساقني إلى ذلك ، فلم أشأ أن أغالط القارئ أو أخادعه فيما توصلت إليه من رأي .


ولو كان البحث قد ساقني إلى الانحراف عن هنا الطريق لما عدوته . وحينئذ اتبع مسلكا آخر في أسلوب التأليف أو نشره . والله المطلع على السرائر هو الشاهد إذا كان ما أمليته بدافع العاطفة ولو بنحو لا شعوري . ولا ابرئ نفسي - كما قلت في مقدمة السقيفة - إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما عصم الله . ولا أطيل المقدمة ، فأقول ما عندي باختصار في الأبحاث التي أثرتها البحث الأول


 1 - إنك شككت في صحة حديث الغدير ، لأن البخاري ومسلما لم يروياه في كتابيهما . وإني لملتجئ أن أصارحك أنه لا يضر هذا الحديث المستفيض بل المتواتر أنهما لم يروياه بشخصهما ، لا سيما بعد أن استدركه عليهما الحاكم في المستدرك

( 3 : 109 ) و ( 4 : 381 ) وأكثر من ذلك صححه على شرطهما وكذلك في كنز العمال ( 6 : 390 ) . ثم هل تدري - يا أخي - كم ترك البخاري ومسلم من أحاديث
 

 - ص 185 -

صحيحة على شرطهما استدركت عليهما ؟ ويكفي أن تراجع مستدرك الحاكم . والله أعلم لماذا تركا هذا الحديث ونحوه ! وأرجو ألا تذهب بك الثقة بصحيحي البخاري ومسلم هذا المذهب ، حتى تجعل عدم روايتهما لحديث سببا في الطعن بذلك الحديث .


فقد رابني منهما ما يريب كل منصف طالب للحق ، فإنهما لم يرويا أبدا ولا حديثا واحدا عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، ولئن لم يكن إماما فعلى الأقل هو أوثق وأجل وأعلم فقهاء عصره ؟ بل لم يرويا عن أبنائه الأئمة كلهم . وما أقل ما

روياه عن آبائه حتى عن علي أمير المؤمنين عليه السلام وهو من تعرف . هذا كله في وقت قد أكثرا من الرواية عن جماعة كثيرة هم محل الريب بل الطعن فضلا عن المجهولين . ولو وسع الوقت وهذه الرسالة العابرة لذكرت لك العشرات من هؤلاء

الرواة . ولا محيص من أن أذكر لك جماعة منهم على سبيل المثال لتعرف أني على حق فيما قلت ولك علي أن لا أنقل إلا من علماء ورجال أهل السنة لتطمئن إلى قولهم : فمن هؤلاء الرواة ( أحمد بن عيسى المصري ) فقد ذكر ابن حجر في

تهذيب التهذيب والذهبي في ميزان الاعتدال : إن ابن معين حلف عن أحمد هذا أنه كذاب . ونقل في التهذيب عن أبي زرعة أنه أنكر على مسلم روايته عن أحمد هذا في الصحيح قال : " هؤلاء قوم - يعني مسلما ونحوه - أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا

شيئا يتشرفون به " وقال : " يروي - يعني مسلما - عن أحمد في الصحيح ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه . . . " وأشار إلى لسانه يعني أنه يقول الكذب .
 

 - ص 186 -

و( منهم ) إسماعيل بن عبد الله بن أويس ، فقد نقل في هذين الكتابين المتقدمين أعني التهذيب والميزان : " إن ابن معين قال عنه : لا يساوي فلسين . وقال أيضا : هو وأبوه يسرقان الحديث " ونقلا غير هذا من الطعون الشديدة فيه .


و( منهم ) عبد الله بن صالح المصري طعن فيه في التهذيب والميزان نقلا عن ثقاة العلماء بأنه يكذب وليس بشئ وليس بثقة ، وقال في الميزان : " روى عنه البخاري في الصحيح ولكنه يدلسه فيقول عبد الله ولا ينسبه " فانظر واعجب .


و( منهم ) عمران بن حطان السدوسي الخارجي المعروف ، وقد روى عنه البخاري وقد أكثر علماء الرجال من الطعن فيه ، وهو المادح لابن ملجم بقوله المشهور : يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا


و( منهم ) عنبسة بن خالد الذي كان على خراج مصر وكان يعلق النساء بالثدي ، فقال عنه يحيى بن كثير كما في التهذيب والميزان : " إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق لم يكن موضعا للكتابة عنه " .


و( منهم ) محمد بن سعيد الكذاب المشهور الذي صلبه أبو جعفر على الزندقة قال في الميزان : " روى عنه ابن عجلان والثوري ومروان الفزاري وأبو معاوية والمحاربي وآخرون ، وقد غيروا اسمه على وجوه سترا له وتدليسا لضعفه " إلى أن قال أحد العلماء : " قلبوا اسمه على مائة
 

 - ص 187 -

اسم وزيادة قد جمعها في كتاب " ثم قال في الميزان : " قد أخرج عنه البخاري في مواضع وظنه جماعة " .

و( منهم ) هشام بن عمار خطيب دمشق ومحدثها وعالمها قيل عنه : إنه حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها ، وقيل عنه غير ذلك . ومنهم . . . ومنهم . . . وما أدري ماذا أحصي لك من رواة الصحيحين على هذه الشاكلة .


قيل لمسلم - كما في التهذيب والميزان بترجمة سويد بن سعيد الهروي - : " كيف استجزت الرواية عن سويد " ؟ فقال : " ومن أين آتي بنسخة حفص بن ميسرة ! " . بالله عليك أيصلح هذا عذرا في الرواية عن الضعفاء ممن اشترط على نفسه أنه

لا يروي إلا عن ثقة مأمون ، وعند جعفر بن محمد الصادق وأبنائه وآبائه من العلم والحديث ما طبق الخافقين وما يغنيه عن أمثال سويد وحفص ؟ أفلا يساوي أهل البيت عنده أمثال أولئكم الضعفاء المطعون في صدقهم ؟ .


بالله عليك أيأخذ الإنسان المؤمن الموقن دينه من هؤلاء الرواة وأمثالهم ويوثقهم ثم يترك آل البيت ! أي عذر يتخذه الإنسان يلاقي به ربه يوم الحساب إذا كان ممن يعتقد بالله وبيوم الجزاء ويريد مخلصا أن يخلص إلى الحق الصريح إلا إذا أراد أن يخادع نفسه أو يداهن في دينه ؟


 2 - وأما قولك : " إن في سند الحديث من طعن فيه " فأظن يكفينا مراجعة الجزء الأول من كتاب الغدير لنعرف أن الطعن مهلهل لا سيما بعد أن نعرف أن الحديث ليس له سندا واحد يبقى مجال معه للطعن ، بل هو مستفيض إن لم يكن متواترا ، على أنه قد روى بسند صحيح على
 

 - ص 188 -

شرط الشيخين مسلم والبخاري كما نقلت لك عن مستدرك الحاكم وكنز العمال .


 3 - وأما حديثكم عن تدوين الحديث عامة كالقرآن ، فأن صريح القول فيه عندي الذي أدين به ربي ولا أغالط نفسي إنه ثبت من طرق الطرفين الصحيحة ( 1 ) التي لا ريب فيها أن نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إني تارك فيكم الثقلين

كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا . ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " . فقد قرن الهداية ( أبدا ) بالتمسك بهما معا لا بالتمسك بواحد منهما فكل حديث لا يرجع إلى الثقل الثاني لا أجد مجالا للتمسك به إلا إذا كنت لا أفهم الكلام العربي المبين أو أغالط نفسي .


دقق النظر - يا أخي - في هذا الحديث الجليل تجد ما يدهشك في مبناه ومعناه ، فما أبعد المرمى في قوله : " لن تضلوا بعدي أبدا " ولكن بشرط إذا تمسكنا بهما ( بهما ) لا بواحد منهما فقط . وما أوضح المعنى في قوله : " لن يفترقا " فمن فرق بينهما أيجد الهداية يا ترى ؟


وعلى هذا نستطيع أن نتنبه لماذا لم يأمر ( ص ) بتدوين الحديث كالقرآن فقد كفاه أنه ( ترك ) لنا الثقل الثاني الذي هو عدل القرآن

  * هامش *  
 

( 1 ) ومسلم قد رواه في صحيحة في فضائل علي من عدة طرق إذا كنت لا تصدق إلا بمسلم والبخاري .
أما البخاري فلم يروه ولكن الحاكم استدركه عليه ( 3 : 109 ) . ( * )

 

 

 - ص 189 -

الكريم حسب تعبيره وأمر بالتمسك به مقرونا بالتمسك بالثقل الأول ( القرآن ) ، فهو الذي كفل لنا دين النبي وقوانينه من وقوع الضلال فيها أبدا ( أبدا ) ما إن تمسكنا به مع القرآن ، وهو الذي يبين لنا كل ما أجمل في القرآن وما نزل من أحكام وما جاء من قوانين لا ( الحديث ) .


ولا يبقى بعد هذا مجال لمن قال أو يقول : " حسبنا كتاب الله " فإنه لو كان ( حسبنا ) وفيه الكفاية لما قرنه النبي بعدله الثقل الثاني . أليس كذلك يا قرة عيني ؟


وأستطيع أن أخلص من هذا الكلام إلى موافقتك ( موافقتك أنت ) أنه لا يصح الاعتماد على ( الحديث ) لأنه ليس بعدل للقرآن وإلا لو كان الحديث المعمول به عند الناس طريقا إلى إثبات الوحي الإلهي لكان النبي يأمر - كما قلت - بتدوينه كما أمر بتدوين القرآن .


بل أزيدك بأنه لم يقرن ( ص ) الحديث بالقرآن ولم تأت بذلك رواية معتبرة ولا آية ، بل أكثر من ذلك قد أخبر عن كثرة الكذابين عليه بعده وحذرنا منهم ، ولم يرو عنه أنه شجع على الحديث عنه . وهنا أعيد كلامك السديد فأقول معك : " أفيمكن أن يبني دين موحد على الحديث يصدقه أناس ويكذبه آخرون " .


إذن فليسقط ( الحديث ) من اعتبارنا جملة ، ولكنا إنما نستدل به لنتخذه حجة على من يراه حجة عنده من باب إلزام الخصم بما يعترف به ، فإن تنازل الخصم عن حجية الحديث وأنكره جملة ، قلنا له : بماذا تثبت تفاصيل الأحكام وخصوصياتها فإن القرآن فيه المجمل والمبين والمتشابه والمحكم والعام والخاص والناسخ والمنسوخ وليس فيه تفاصيل الأحكام
 

 - ص 190 -

وخصوصياتها ، فهذه الصلاة - مثلا - من أين تعرف أوقاتها وفرائضها وركعاتها وأجزائها وشرائطها ومقدماتها وما يتصل بها من أحكام لا تحصى ؟ فهل ترجع إلى اعتبار الحديث مرة أخرى ؟ - أم تلتجئ عندئذ إلى الاعتراف بالثقل الذي أرجعنا إليه النبي ( ص ) مع القرآن . - أم ماذا ؟


 4 - قولك سدد الله قولك : " لا يعقل أن يترك أمرها أي الخلافة إلى حديث كحديث الغدير " فيا قرة العين ليس الأمر منحصرا بحديث الغدير حتى يتم استغرابك فكم هي الأحاديث والآيات كما قرأت بعضها في السقيفة وهي يؤيد بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا إذا كان الواحد منها لا يكفيك .


أما وصفك لحديث الغدير بأنه ( لا تكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه أكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفة ) فإني أجلك من هذا الكلام فإنه ما على النبي من ضير أن تنسى حديثه الصحابة أو تتأوله ، بل ترك أمر الخلافة إلى الصريح

الفصيح من الكلام وبلغهم وإذا كانوا نسوه فالعيب فيهم لا في الحديث ، على أنا لا بد أن نقول : إنهم تناسوه لا نسوه ، ومن أين علمنا بأنهم نسوه . وأما الذين ذهبوا المذاهب المختلفة في تأويله فأولئك قوم من المتأخرين وليس هم من الصحابة كما يشعر به قولك وذلك لما ضاقوا

 - ص 191 -

ذرعا في الطعن في سنده فاضطروا لتأويله بالتأويلات التي تعرفها .


 5 - وأما آية " إنما وليكم الله . . . " فصحيح ما قلت فيها - على ما أعتقد - إنه لم يعهد التعبير في الكتاب العزيز عن المفرد بالجمع . وأزيدك أنه لو كان المراد التعبير بالجمع عن المفرد لقال : " الذين أقاموا . . وآتوا . . " .

والتعبير المضارع ( يقيمون . . ويأتون . . ) دليل على أن المقصود بها قاعدة كلية . وبتعبير منطقي - تعرفه إذا كنت درست علم المنطق - إن هذه قضية حقيقة معناها إن كل من فرض فيه إنه وقع منه هذا العمل أو يقع فهو ولي للمؤمنين ولاية كولاية

الله ورسوله ، لا قضية شخصية مشار بها إلى شخص أو أشخاص مخصوصين موجودين في الخارج ، وإلا لوجب أن يقول بصيغة الماضي أقاموا وآتوا . وعليه فالمقصود بالآية الكريمة إن كل مؤمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وهو في حال ركوعه

فهو له هذه الولاية العامة التي هي كولاية الله ورسوله .


وعلى هذا تكون الآية كبرى كلية لا يتألف منها وحدها القياس المنطقي ولا تنتج شيئا إلا إذا عرفنا الصغرى لها ، ولا يمكن الاستدلال بها وحدها مجردة بدون ضم الصغرى لها ، وليس منطوقها إلا كمنطوق القوانين العامة مثل أن يقول القانون

( كل من يحمل الشهادة الحقوقية له الحق أن يعين حاكما ) فإن هذا القانون لا ينفعنا في معرفة الأشخاص الذين يحملون الشهادة بل لا بد من الخارج أن نعرفهم بأشخاصهم لنعطي لهم هذا الحق .
 

وبهذه المقدمة نخلص إلى معرفة وجه الاستدلال بالآية على ولاية

 - ص 192 -

علي ، وذلك بضميمة الصغرى أي بضميمة معرفة نزولها ، وقد ثبت أنها نزلت في علي عندما تصدق بخاتمه وهو في حال ركوعه ، فتشخصت هذه القاعدة الكلية فيه باعتبار إنها نزلت فيه . ولم يعهد من غيره من الصحابة من آتى الزكاة وهو راكع لا قبله ولا بعده ، فانحصر هذا الكلي في فرد واحد بحكم نزول الآية فيه .


وأما الحكمة في التعبير بهذه القاعدة الكلية فلبيان إن عليا بالاستحقاق نال هذه المنزلة من الولاية لصدور هذا العمل منه الذي يعطي له هذا الحق ، والمفروض إنه لم يقع من غيره فتنحصر فيه هذه الولاية من دون باقي الصحابة .


 6 - أما آية ( المباهلة ) فأظن أن ما ذكرته عنها ستتراجع عنه عندما تعيد التأمل فيه فإنه قول غريب منك مع ذكائك وفطنتك ، لأنه واضح ليس المقصود من أنه نفسه أنه هو هو على وجه تبطل الاثنينية حتى يترتب عليه أنه لا يجوز أن يتزوج علي

ببنت محمد ( ص ) باعتبار أنها تكون ابنته أيضا ، فإن هذا لا يتوهمه عاقل ولا يتوقف عليه الاستدلال ، فإن محمدا محمد وعليا علي هما شخصان اثنان أحدهما ابن عم الآخر وأحدهما ولد قبل الآخر ومات قبله ، ولكل منهما مميزاته الشخصية التي

تختلف عن مميزات شخصية الآخر ، بل المقصود أنه نفسه تنزيلا أي أنه كنفسه وذلك مبالغة في تقاربهما واتحادهما في كثير من الأحكام المنزلة . وذلك يشبه قول الشاعر في مبالغته عن اتحاده مع حبيبه .

أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا

 - ص 193 -

فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا


في البحث الثاني قلت : " إذا صح أن النبي ( ص ) قد نص على الأئمة الاثنى عشر بعد أن فقد ابنه إبراهيم " لا يا أخي لم يدع أحد أن النص على الأئمة كان بعد فقد إبراهيم ولم يصح فيه حديث ، فمن أين جئت بهذا . ولا بأس أن ألفت نظرك إلى

أن هناك آية قرآنية أخرى نظير التي ذكرتها وهي قوله تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فماذا تقول فيها ( 1 ) ؟ وهلا تدري أن النبي لما نزلت هذه الآية ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) جمع عشيرته واستنصرهم وجعل لناصره

أن يكون أخاه ووصيه ووارثه وخليفته من بعده وكان علي صبيا فأجابه دونهم فقال في حقه : " إن هذا أخي ووصي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا " فخرجوا يتضاحكون من تأميره هذا الغلام على شيوخ قومه وفيهم
 

  * هامش *  
 

( 1 ) وما ذكرت أنها آية فلا وجود لها بنصها ، وإنما بمضمونها آيات نزلت في نوح وهود وصالح وشعيب ولوط عليهم السلام . والنازلة على لسان نبينا إنما هي آية القربى وآية أخرى في سبأ 47 ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ) وهما يفسر إحداهما الأخرى ، ويدلان على أنه ( ص ) سأل أجرا هو المودة في القربى ، ولكنه للمسلمين أي نفعه لهم . ( * )

 

 

 - ص 194 -

أبوه . بالله عليك كم سبقت هذه الواقعة في الزمن مولد إبراهيم . وتأمل في صبي لم يبلغ الحلم يقال له هذا القول من نبي لا يقول إلا عن وحي . أهذا جد أم هزل ؟ .


تأمل في هذا وحكم وجدانك واعرضه على إنصافك وأوله ما شئت أن تأوله فإنك لا محالة ستجد هذا الصبي أكبر من أن يقاس إلى الناس وقد أمر من يومه ذاك في مبدأ البعثة ، ثم فكر في قول من يقول إنه لا قيمة لإسلامه يومئذ وهو لم يبلغ الحلم كم يبلغ من درجة الإنصاف وقول العدل وقوة الحجة .


في البحث الثالث 1 - ذكرت أن الأنصار ساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة وجعلت دليلك مجئ معن وعويم إلى دار النبي لأخبار أبي بكر وعمر . ولكن الدعوى منك غريبة لا شاهد لها من التأريخ ، والدليل أغرب ، لأنه في ساعة الاحتضار

كان أبو بكر في السنح وما جاء إلى المدينة إلى بعد أن بلغه وفاة النبي فجاء إلى دار النبي فكشف عن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم على ما ذكره بعض المؤرخين ثم ذهب إلى المسجد حيث وجد عمرا يخطب الناس بأن النبي لم يمت ، ومن المسجد بعد أن هدأت سورة عمر ذهبوا إلى دار النبي ولا بد أن الأنصار حينئذ انسلوا إلى سقيفتهم .


 2 - استغربت من الأنصار أن يتنكروا للنص على علي ، ولكن

 - ص 195 -

اعتقد يا عزيزي لو أنك رجعت إلى ما ذكرته في السقيفة عن دوافعهم على تنكيرهم لكان لك مقنعا كافيا . وأما قولك : " فقد كان الأولى أن لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر بأمر أمته يعلم سلفا بأنهم لا يطيعونه فيه فيعرضهم

بذلك إلى غضب الله . . . " فإني أقول كيف يغيب عن فطنتك قوله تعالى : " فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين " .
وقوله : " إن أنت إلا نذير " . وقوله : " ولا تذهب نفسك عليهم حسرات . . . " وأمثال ذلك في القرآن كثير .


وفي الحقيقة أن الرسول عليه أن يبلغ الأمر الإلهي وليس عليه أن لا يطيعه الناس . ولا يصح أن يتنازل عنه لمجرد أنه يعلم سلفا أنهم لا يطيعونه ، وإلا لوجب أن يترك كثيرا من الأحكام أو كلها لأنه يعلم سلفا أنهم - كلهم أو بعضهم لا فرق - لا يطيعونه .

ومن المواقع التي يعلم سلفا أنهم لا يطيعونه فيها ومع ذلك بلغها قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " فإنه أجمع المفسرون وأهل الحديث أنه لم يعمل بهذا الحكم إلا علي عليه السلام ( 1 ) .


يا عزيزي إن الله تعالى يقول : " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " ثم يقول عن المؤمنين بالخصوص : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " فإذا كان تعالى يعلم سلفا ورسوله يعلم سلفا أن الناس أكثرهم لا يؤمنون وأن يؤمنون أكثرهم في إيمانهم مشركون ، فيكون - على قولك - إرسال الرسل وتبليغ الأحكام للناس من قبلهم تعريضا
 

  * هامش *  
 

( 1 ) هذا الحديث مما ترك روايته البخاري ومسلم أيضا واستدركه عليهما ( * )

 

 

 - ص 196 -

لا كثر الناس وأكثر المؤمنين منهم إلى غضب الله وتذهب جهود الرسل في هدايتهم سدى . أهذا هو المنطق يا قرة عيني ؟

أيترك الله دينه وأحكامه لسواد عيون الناس لأنه يعلم سلفا أنهم يعصونه ؟

لا يا أخي إن الحق يجب أن يبين والحكم يجب أن يوضح سواء أطاع الناس أم عصوا وما على الرسول إلا البلاغ في البحث الرابع قلت عن بعث أسامة : " إن رسول الله ( ص ) لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء " .


وأقول : نحن بعد أن تثبت عندنا النصوص على علي فإنا نعرف كيف لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم ، فقد بين وأوضح وكرر وأكد ، ولكنه بعد أن اتضح لديه إن كل هذه التأكيدات والبيانات ستخالف على كل حال وإن هناك جماعة سوف لا تطيع الأمر في علي فأراد أن يبعدهم عن المدينة بهذه الطريقة .


وليس هذا من تدبير الضعفاء بل من التدبير الحكيم بعد أن نعرف ملابسات الواقعة كما أوضحناها في كتاب السقيفة . نعم نتصوره من تدبير الضعفاء إذا نحن أنكرنا تلك النصوص على علي وتصريحات النبي في حقه وأنكرنا إن المسلمين يوم
 

  * هامش *  
 

( 1 ) الحاكم على شرطهما ( 2 : 482 ) مع الاجماع على نقله فلماذا تركه الشيخان ؟ ( * )

 

 

 - ص 197 -

الغدير سلموا عليه بأمرة المؤمنين . نعم إذا أنكرنا تلك النصوص جملة وتصورنا أن النبي أراد البيعة لابن عمه سرا فدبر ذلك التدبير الخفي لإبعاد خصومه فلا نتصور النبي حينئذ - وحاشاه - إلا جبانا ضعيفا يريد أن يخاتل المسلمين في ابن عمه .


ولكن - يا أخي - كل هذا التدبير إنما يكون مقبولا حكيما إذا كان قد وقع بعد ما أعلن أمر ابن عمه فلم تنفع معهم كل تلك التوصيات وعلم إصرارهم على المخالفة فأرسل هذا البعث ، وإن لم ينفذوه فقد أقام به الحجة البالغة عليهم ، وإلا فلماذا خالفوا أمره فيه ولماذا تباطؤا واعترضوا على تأمير أسامة ؟ وقد بسطنا كل ذلك في كتاب السقيفة .


ولا يشك التاريخ في وقوع البعث ولا في تأخر المبعوثين عن تنفيذه ولا في تألم النبي منهم وغضبه عليهم وإصراره عليه مرة أخرى . ولا يصح تفسير ذلك بغير ما ذكرنا إلا إذا كنا ننكر النصوص على علي جملة ، فهذا أمر آخر ولا كلام لنا مع هذا المنكر فإن مثله لا يستطيع أن ؟ تسيغ هذا التفسير قطعا .


أما تقديرك أن جيش أسامة هذا لو رجع بعد أن يفتح وقد وجد الأمر قد تم لعلي قد ينتقض فيحارب من في المدينة ، فهذا احتمال من الجائز أن يقع وأن لا يقع ، ولكن لو وقع منهم فإنهم يكونون كأهل الردة الخارجين على إمام زمانهم يحاربون

وتكون الحجة عليهم لا سيما مع سبق النصوص وبيعتهم لعلي يوم الغدير ولم يبق مجال للتأويل أو تجاهل النص على علي بعد تمام البيعة له .


في البحث الخامس إنك تشك في صحة حديث الكتاب الذي أراد النبي أن

 - ص 198 -

يكتبه . وأنا أقول لا مجال لهذا الشك بعد ثبوته برواية أهل الحديث والتاريخ والتفسير . ولا بد من التسليم به بعد إن كان متواتر النقل أوفي حكم المتواتر .


وأما ما ذكرت من سبب الطعن فيه ففيه كثير من فضول القول فيما يتعلق باحتمال أنه كان قرآنا فإنه ليس مجال لهذا الاحتمال ولا يتصوره أحد بل هو كتاب أراد أن يسجله للمسلمين لئلا يضلوا بعده فأبوا لأنفسهم هذه النعمة . وكونه باردة لم يسبق لها

مثيل منه ( ص ) فهو صحيح ولكن لا يوجب ذلك إنكارا للحديث وهل تعجب من النبي أن يصنع شيئا لم يسبق له نظير لا سيما وأنها بادرة تقع في أخريات أيامه قصد بها أن يفارق أمته عن شئ يسد عليهم باب الخلاف والضلال .


إن النبي أعظم من أن تستكثر عليه مثل هذه البادرة . وأما قولك : " ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهي ولا يستطيع أحد مخالفته " فهذا صحيح ولكن عمر لم يمنعه بقوة سيف أو سيطرة على المسلمين أو على النبي وإنما منعه لأنه ألقى شبهة تثير

الخلاف مدى الدهر وهي أن النبي كان يهجر أو غلبه الوجع ما شئت فعبر ، وأقل الناس يستطيع أن يصنع ذلك لا سيما إذا وجد أعوانا وأنصارا وبالفعل قد وجد عمر أولئك الأعوان إذ رأينا المسلمين الحاضرين قد اختلفوا على فرقتين ، فبطل مفعول

الكتاب الذي كان المقصود منه أن لا يضلوا بعده أبدا كيف وقد صار هو نفسه موضوعا للنزاع والجدال والنبي حاضر بينهم وأمام عينيه حتى أغضبوه وقال : " " قوموا عني ولا ينبغي عند نبي نزاع " . ولا يريد النبي أن ينفذ مثل هذا بقوة السيف أو العشيرة فإن طبيعة الموضوع تأبى ذلك لأن هذا يزيد في الخلاف ويعقده .
 

 - ص 199 -

نعم صحيح قولك : " ولم يزد عمر على أن رأى رأيا حين قال : إن الرجل قد غلبه الوجع . . . " ولكن هذا الرأي لا بد أن يحول دون تنفيذ الكتاب لأن طبيعة الموضوع تقتضي أن يحول هذا الرأي دونه كما قلنا ، فنعرف السر في عدوله ( ص ) عن تنفيذ الكتاب ونعرف كيف جاز له العدول عنه .


وما أدري أي أمر جوهري أعظم من كتاب يؤمن الناس من الضلال أبدا ، وهل المقصود من الدين شئ فوق هذا ، حتى تقول أنت " ولو كان الأمر متعلقا بأمر جوهري من أمور الدين . " وبذلك البيان تعرف يا أخي مدى قولك بالأخير " وإلا لترتب

على ذلك أن النبي ( ص ) كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولا أظن مؤمنا يقول بذلك " فإني أكرر القول بأن النبي إنما عدل عنه - لا خشية من عمر وغيره - ولكن الشبهة التي أثارها وتقبلها بعض الحاضرين بالفعل فاختلفوا بحضوره

لا تبقى مجالا للكتاب ، لأنه - بالعكس - سيكون سببا للضلال والخلاف أبد الدهور بعد إن كان المقصود منه تأمين البشر من الضلال ، فلا بد أن يعدل عنه روحي فداه ، ولا ينفع معه التدبير بإخراج عمر ولا أي تدبير آخر حتى بقتله كما تقول ، لأن

الشبهة قد وقعت رضوا أم أبوا ، وكل قول وفعل حينئذ من النبي بعد هذا يكون موضعا لهذه الشبهة بأنه من الهجر وغلبة الوجع .


وحق لابن عباس وغير ابن عباس بعد هذا أن يبكي ويبكي بل حق له أن تتفطر كبده ألما لفوات هذه النعمة الكبرى التي لا تعادلها نعمة ، مهما كان مقصود

 - ص 200 -

النبي من ذلك البيان الذي لا يضلون بعده أبدا سواء كان هو النص على علي أو علي أي شئ آخر . ونحن رجحنا أن يكون المقصود هو النص على علي للدلائل والإشارات التي ذكرناها في كتاب السقيفة ومن جملتها قول عمر : " حسبنا كتاب الله "

الذي هو صريح في أن ما يريد أن يبينه النبي هو عدل للقرآن ، ويسرع إلى أذهاننا حينئذ حديث الثقلين وأنه هو المستهدف في البيان والمنع منه .


ثم إنك تسأل عن الحاجة إلى الكتاب بعد نص الغدير وغيره ، فإن الحاجة إليه ما كان يستشعره النبي من عزم جماعة على تجاهل تلك النصوص كما وقع فعلا .


وأما قولك : " ومن نسي حديث الغدير وأنكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا " فإني لم أستطع فهمه ولم أعرف فيه وجه كون الكتاب أشد نسيانا ، فإن ما هو مكتوب أثبت مما ينقل على الأفواه وكيف يتطرق إليه

النسيان أو النكران وهو حجة ثابتة مكتوبة ، على أنه لو وقع يكون أقرب عهدا إلى الناس من حديث الغدير لو كان بعد العهد هو السبب في النسيان أو النكران كما أردت أن تقول .


في البحث السادس 1 - قلت : " إن ما نسب إلى الإمام . . . يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير " وأنا أستميحك عذرا إذا قلت لك : إن كلامك هذا غير فني فإن ما ذكرته من قولي الإمام : " احتجوا

 - ص 201 -

بالشجرة . . . " و " أفسدت علينا . . . " لا معنى لأن يقال فيه أنه يدل دلالة صريحة على نفي الحديث ، لأنه لا دلالة لفظية فيه على ذلك ، وأقصى ما يمكن ادعاؤه أنهما يدلان بالدلالة العقلية على نفيه باعتبار أنه ترك الاستدلال بحديث الغدير في موقع كان الأولى أن يستدل به ، فعدوله عند دليل على عدم ثبوته وإلا لاستدل به . وهذه الدلالة لا تسمى دلالة صريحة .


ونحن ننكر عليك حتى هذه الدلالة العقلية لأنه لم يكن في موقع الاستدلال بحديث الغدير حتى يكون تركه دليلا على عدم ثبوته في القول الأول ، لأنه جاء احتجاجا على من احتج باستحقاق الخلافة بالقرابة من الرسول فقال لهم : إذا كان ذلك سببا

للاستحقاق فمن كان أكثر قرابة وأقرب فهو أولى بالاستحقاق . والتشبيه بالشجرة والثمرة من التشبيهات البديعة في الباب فإنه لبيان أولوية الاستحقاق للأقرب لأنه هو الثمرة التي هي أولى من أصل الشجرة بالاستفادة منها بل الثمرة هي الغاية المقصودة من الشجرة . وليس هذا موردا لذكر النص لأنه من باب النقض على المستدل بحجته .


وأما القول الثاني فعلى تقدير صحة نقله فإن قوله : لم ترع لنا حقا " كلام عام يجوز أن يراد به النص ويجوز أن يراد مطلق الحق الذي صورته في كلامك . وهذا التصوير الذي ذكرته وأطنبت فيه ليس في كلام الإمام دلالة عليه وإنما هو من اجتهاد الكاتب حينما تخيل أن الإمام لا نص عليه فلا بد أن تكون احتجاجاته وشكواه ناشئة من اعتقاده بالأحقية .
 

 - ص 202 -

 2 - ؟ تحدثت عن قصة انصراف الناس عنه بعد موت فاطمة فإنه كلام غريب فإنه لا ربط له بقصة النص وإنما تلك القصة ترتبط بقصة التجاء الإمام إلى مسالمة القوم بعد الانصراف عنه .


 3 - تقارن بين قول الإمام : " فنظرت فإذا ليس لي معين . . . " وبين آية " كنتم خير أمة . . . " لتستدل من الآية على تكذيب نسبة هذا القول إليه . وأزيدك إنك بهذا الاستدلال تستطيع أن تكذب كثير من الأحاديث النبوية مثل أحاديث الحوض ونحوها الدالة على ارتداد أصحابه بعده وتبدلهم ورجوعهم القهقري والمروية في الصحاح .


غير أني أحيلك على كتب التفسير لمعرفة مدى دلالة هذه الآية . وما علينا من كتب التفسير ! لننظر بأنفسنا إلى مدى دلالة هذه الآية على المقصود : إن دلالتها تكمن في كلمة ( كنتم ) فإن كانت على ظاهرها من دلالتها على الماضي المنقطع بمعنى إنهم

كانوا فيما مضى خير أمة ثم لم يستمر ذلك لهم فلا ينافيها أن تكون الأمة قد انقلبت بعد الرسول على الأعقاب لأنه قال : كنتم خير أمة ، ولم يقل أنتم خير أمة أبد الدهر .


ولكن بعض المفسرين أول معنى ( كنتم ) فقال : إنها للماضي الاستمراري مثل قوله تعالى : " وكان الله غفورا رحيما " وأنا شخصيا كذلك أفهم هذا المعنى من الآية ، غير أن الذي يشكل علينا إن المسلمين لم يكونوا في جميع عهودهم على ما تصف الآية الكريمة يأمرون بالمعروف وينهون عن

 - ص 203 -

المنكر لا سيما في مثل عهودهم الحاضرة التي لم يبق فيها من المعروف حتى رسمه فضلا عن أن يكون كلهم من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .


هذا هو الواقع المرير الذي لا سبيل لنا من إنكاره والمكابرة فيه فكيف نتصور انطباق الآية على عهودنا وأمثالها . وعليه فليس الإشكال يخص الأمة الإسلامية في أول عهودها بعد النبي بل في جميع عهودها الغابرة والحاضرة فكيف نستطيع التوفيق بين

واقع أمتنا المحزن وبين دلالة الآية على امتداح هذه الأمة وتفضيلها على سائر الأمم لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ كيف التوفيق يا ترى ؟


والذي يخطر في بالي من الجواب على ذلك أحد أمرين ( الأول ) وهو الأرجح عندي أن الآية قد تقدمتها آيات أخر ذكرت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن هذا التشريع كما يبدو منها أنه من مختصات المسلمين المخاطبين بهذا

الوجوب على أن يتولى بعضهم هذا الأمر ثم ذكرت نهي المؤمنين عن أن يتفرقوا ويختلفوا من بعد أن جاءتهم البينات فتبيض وجوه بعض وتسود وجوه آخرين ثم قال : " كنتم خير أمة . . . " لبيان أنه لما كانوا خير الأمم لا ينبغي أن يختلفوا وسر

أنهم خير الأمم لأنه قد شرع لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس المقصود الأخبار عن أنهم كلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا سيما أن المخاطب

 - ص 204 -

بالوجوب بعض المسلمين على نحو الوجوب الكفائي ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف . . . ) .


( الثاني ) إن المراد أنكم تأمرون بالمعروف من حيث مجموعكم ولو بامتثال البعض وإن كان ذلك البعض قليلا باعتبار أن ذلك البعض من الأمة يعمل باسمها كأنه يقول : إنكم خير الأمم لأن فيكم من يأمر بالمعروف وليس كذلك باقي الأمم .

وهذا كما نقول مثلا إن الأمة الانكليزية احتلت العراق ، وليس المراد أن جميع الأمة احتلته بل بعض جيوشها وذلك باعتبار أن ذلك البعض منها وكان عمله باسمها .


في البحث السابع 1 - تسأل عما إذا كان تناقض بين قول الإمام : " لو وجدت أربعين ذوي عزم . . " وبين قوله : " فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس . . . " فإني لم أعرف وجها للتناقض بين القولين فإن الإمام في الأول يقول : لو وجدت

الأربعين على هذه الصفة لناهضت القوم ، ومعنى ذلك أنه لم يجد الأربعين فلم يناهضهم يعني أنه سالمهم ، ثم صرح في الثاني بأنه أمسك يده عن نصرتهم غير أنه لما رأى راجعة الناس عن الإسلام فرأى أن المصيبة في ذلك أعظم من مصيبة فوت الولاية فالتجأ أن ينصر الإسلام لأجل ذلك ، لا نصرة للأمراء ولا لكونهم عنده أهلا للنصرة كما هو مدلول كلامه .
 

 - ص 205 -

وأنت ترى أن أحد الكلامين يتصل بالآخر ويكون متمما له ، فأين التناقض ؟ أما إنه لو ناهض القوم بالأربعين عندما يجدهم فإنك تحتمل أن تدور عليه الدائرة كالحسين فهذا تكهن لم يعترف به الإمام وهو من ظاهر كلامه كان جازما بأن الأربعين على هذه الصفة لو وجدهم لكانوا كافين له في النصرة على خصومه .


أما أنه يكون ذلك ثلما للإسلام لو انتصر عليهم ، فمن أين نفهمه إذا فرضنا أنه انتصر على غاصبي حقه من الخلافة التي هي بنص النبي وبها حينئذ قوام الإسلام لا هدمه إلا إذا كنا لا نعترف بالنص فهذا أمر آخر .


وأما كفاية نصرة مالك بن نويرة فعلى تقديره فهو واحد من ذوي العزم إذا كان هو حقيقة من ذوي العزم الذين يشترطهم الإمام فيكف تفرض أن الحجة قد قامت عليه بمالك وحده على أنه كونه يعترف بحقه شئ وكونه من ذوي العزم شئ آخر .


وأما سؤالك عن اتفاق قوله عليه السلام : " فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله إن أرى فيه ثلما أو هدما " مع ما ذهبت إليه من تقاعس الإمام عن نصرة الخلفاء إلا بمقدار الضرورة فإنه واضح الاتفاق لأن الإمام في صدر كلامه ذكر أنه أمسك يده ولكن ضرورة حفظ بيضة الإسلام دعته إلى النصرة . وهذا صريح بأن الضرورة هي التي دعته إلى ذلك
 

 - ص 206 -

والضرورات تقدر بقدرها لا أن النصرة ابتدائية بدافع نفسي ليناقض ما قلته عنه ، بل هذا الكلام مما يؤيد قولي ويؤكده وهو يدل على أن العمل الذي يعلم أنه يضر بالإسلام يتركه ويعمل ما يرى عمله ضرورة إسلامية ، فكيف كان قوله هذا يدل على أنه يحجم عن الفعل أو القول الذي يكون خذلانا للإسلام كما رغبت أنت أن تقوله وتتصوره عن هذه الكلمة .


نعم إن الإمام أعظم وأجل أن يتقاعس عن عمل يراه واجبا لنصرة الإسلام ، ومن أين يدل كلامه المنقول أو كلامي المسطور على خلاف ذلك فإذا تباطأ أبو الحسن فإنما تباطأ عن شئ يكون فيه نصرة لأبي بكر وعمر ولم يتباطأ عما تدعوه الضرورة

الإسلامية إلى فعله ، وإنما لم يشترك في الحروب لأنه حينئذ يكون مأمورا لهم وهذا ما كان يتحاشاه بل يتحاشونه معه . وما ذكرته في السقيفة عن ذلك ففيه الكفاية .


وأما قياسه في الاشتراك في الحروب بعمر وعثمان وطلحة وأمثالهم فقياس مع الفارق البعيد ، لو كان هناك قياس ، وأبو الحسن من تعرف في حروبه أيام النبي وأيام خلافته ولم يشترك قبله ولا بعده من الخلفاء بنفسه في الحروب ، فكيف يقاس

غيره به وكيف لا يستغرب عدم اشتراكه في الحروب أيام الخلفاء قبله وكيف لا يدل ذلك على عدم تعاونه معهم معاونة صادقة ؟ هذا ما أردت أن أقوله - يا قرة العين - في جوابات

 - ص 207 -

أسئلتك واعذرني إذا كنت قد رمزت لك رمزا في كثير من الأبحاث اقتصادا في الوقت واستعجالا في الإجابة للشواغل التي دهمتني في خلال تسجيل هذه الرسالة فعاقتني عن الاسراع إلى إتمامها في الوقت المناسب .

وتقبل التحيات من المخلص محمد رضا المظفر

***