الفصل الثاني

الإمامة كالنبوة اختيارها بيد الله الحكيم الخبير

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ)

[القصص/69-70].

 

الإمامة – عند الشيعة الإمامية – من أصول الدين

وهي عبارة عن الاعتقاد بأن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين هو الإمام والحجة والخليفة لله بعد رسول الله(صلى الله عليه و آله)، وكذلك أبناؤه المعصومون من بعده أئمة وحجج الله على خلقه وخلفاؤه في عبادهِ وسفراؤه في أمره ونهيه.

كما يجب أن يعتقد - عندهم أيضاً - إن الإمامة إمرة إلهية كالنبوة أمرها بيد الله عَزّ وجَلّ لا بيد خلقه، لا بالاختيار والانتخاب من الناس، أمّا النبوة فقد اجمع المسلمون قاطبة على عدم الخيرة للناس في نصب النبي، ولا خلاف في ذلك لأحدٍ منهم.

وأمّا الإمامة فقد جوّز أهل السُنّة الاختيار في نصب الإمام، والحقيقة إنه تجويز لا نراه يتفق أبداً مع حكم الكتاب والسُنّة والعقل والإجماع، وإليك البيان.

 

بيان الأدلة الأربعة على عدم الخيرة للناس

الأول – الكتاب الكريم

أمّا الكتاب فيه آيات كثيرة تدل على عدم الخيرة للناس، فمنها قوله تعالى:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) فأخبر جلّ وعلا:

أولاً:- إنه هو الذي يخلق ما يشاء، أي إنه هو الذي يوجد ما يشاء إيجاده.

ثانياً:- إنه هو الذي يختار مِن خلقهِ مَن يشاء، وعطف الاختيار على الخلق والإيجاد لِيُعِلَم جميع عباده الذين يعتقدون إن الموجد هو الله وحده لا شريك له يُعْلِمهم أيضاً إن الاختيار كذلك بيده وحده لا شريك له وهو الخالق، وهو المختار،(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ).

ثالثاً:- نفى تبارك وتعالى – نفياً صريحاً – أن تكون الخيرة للخلق(مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) نعم الظاهر أن "ما" هنا نافية كما عليه المحققون كصاحب تفسير الميزان(1).

وقيل أن "ما" هُنا موصولة بمعنى الذي فيكون المعنى أن الله هو الذي يختار لهم الذي فيه الخيرة وعلى كِلا المعنيين تكون النتيجة إن الخيرة بيده لا بيد غيره.

رابعاً:- أخبر عن تنزيهه وتعاليه عن أن يشرك خلقه معه في الخلق والاختيار(سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، ثم بين جَل وعلا في الآية التالية الحكمة في ذلك، وهي حكمة واضحة جلية، تلك هي أن الخالق أعلم بنفسيات خلقه ومَن يصلح للرئاسة عليهم ومَن لا يصلح،(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ).

فإن قيل: هذا الاختيار المذكور في الاية مختص بمسألة النبوة دون غيرها؟ قلنا: ليس في صدر الآية أو ذيلها ما يُشْعِر – ولو من طرف خفي – بالاختصاص بالنبوة فقط، بل انّ إطلاقها – بما تحمل فيه من صراحة ووضوح – تأبى كل قيدٍ أو تأويل، كيف لا، والإمامة تُعتبر استمراراً لمقام النبوة وإتماماً للرسالة، وان اختيار النبي والإمام معاً بيد الله عَزّ وجَل.

وبهذا جاء النص الصريح عن النبي(صلى الله عليه و آله) الذي أنزل الله عليه القرآن وخاطبه بهذه الآية(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) على ما هو منقول عن كتاب محمّد بن مؤمن الشيرازي من علماء الجمهور المستخرج من التفاسير الاثنى عشر، عن أنس بن مالك قال: سألت النبي(صلى الله عليه و آله) عن هذه الآية(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) فقال(صلى الله عليه و آله) انّ الله خلق آدم من الطين كيف يشاء ويختار، وان الله اختارني وأهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا فجعلني الرسول، وجعل عليٌّ بن أبي طالب الوصي، ثم قال:(مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) يعني ما جَعَلْت للعباد أن يختاروا ولكني أختارُ مَن أشاء، فأنا وأهل بيتي صفوته وخيرته من خلقه(2).

وجاء في حديث الإمام الرضا(عليه السلام) في وصف الإمام والإمامة ومكانهما السامي، وهو حديث مهم وطويل، رواه جل علمائنا، وسنذكره إنّ شاء الله بعد هذا الفصل بكامله، ونذكر الآن محل الشاهد منه يقول(عليه السلام):  ورغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

 

محاورة ابن عبّاس مع الخليفة الثاني في الخلافة

ومّما يؤيد ذلك إنّ عبد الله بن عبّاس وهو حبر الأمة وعالمها وابن عم نبيها، والذي يُعَبّر عنه بترجمان القرآن قد احتجّ بهذهِ الآية(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) على الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أيام خلافته في كلامٍ دار بينهما ذكره المؤرخون في كتب التاريخ والأدب، وذلك حين قال الخليفة لابن عبّاس: أتدري يا بن عباس ما منع الناس منكم بعد رسول الله(صلى الله عليه و آله)؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكنّي أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجفخوا الناس جفخاً(3).

فنظرت قريش لا نفسها فاختارت ووفّقت وأصابت، فقال أبن عبّاس: أيميطُ أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع؟ قال: قل ما تشاء، قال: أمّا قول أمير المؤمنين: أن قريشاً كرهت أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فإن الله عَزّ وجَلّ وصف قوماً بالكراهة بقوله تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد/10]، وأمّا قولك فتجفخوا الناس جفخاً (أو تجخفوا الناس) فلو جفخنا بالخلافة لجفخنا بالقرابة ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خُلُق رسول الله(صلى الله عليه و آله) الذي قال الله تعالى مخاطباً له:(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم/5]، وقال له:(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء/216]، وأمّا قولك فنظرت قريش لا نفسها فاختارت ووفقت وأصابت، فإن الله تعالى يقول:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله قد اختار من خلقه مَنْ اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت.

فقال عمر: على رسلك يا بن عبّاس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً وغشاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول، فقال ابن عبّاس مهلاً يا أمير المؤمنين لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الحسد والغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله(صلى الله عليه و آله) الذي طهرّه الله وزكّاه مع أهل بيته الذين قال الله لهم:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب/34].

وأمّا الحقد فكيف لا يحقد مَنْ غُصِبَ حقه ويراه بيد غيره؟

فقال عمر: أمّا أنت يا بن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي، قال: يا أمير المؤمنين إخبرني به، فإن يكُ باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يكُ حقاً فإن منزلتي عندك لا تزول به، قال: بلغني إنك تقول: اُخِذَ هذا الأمر "أمر الخلافة" حسداً وظلماً، قال: أمّا قولك يا أمير المؤمنين "حسداً" فقد حَسَدَ إبليسُ آدم فأخرجه من الجنة، فنحن بنو آدم المحسـودون، وأمّا قولك "ظلماً" فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق مَن هو؟….الـخ. أخيراً قال عمر لجلسائه:

 وآهاً – أي عجباً – لابن عباس ما رايته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه(4).

وشاهدنا من هذه المحاورة استشهاد ابن عباس بالآية الكريمة لمّا قال له عمر: "ولكن اختارت فريش لا نفسها" قال: قال الله تعالى:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) فلو كانت هذه الآية تخص النبوة فقط لما احتج بها ابن عباس في موضوع الإمامة، ولَرَدّ عليه عمر في محاورته معه، وهناك آياتٌ اُخر تصرح بأن الاختيار بيد الله لا بيد غيره مثل قوله تعالى:(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام/125]، وقوله تعالى:(وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [الدخان/33]، وقوله تعالى:(أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك/15].

ومن آيات الكتاب التي تدل على عدم الخيرة للناس حتى المؤمنين منهم قوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا) [الأحزاب/37].

والظاهر ان المراد من القضاء في هذه الآية هو القضاء التشريعي دون التكويني، وهو ما شرّعه الله وحَكَمَ به تشريعياً في شيء مما يرجع إلى أعمال العباد في شأنٍ من شؤونهم بواسطة رسولٍ من رسلهِ(5)، والمعنى ليس لأحدٍ من المؤمنين والمؤمنات إذا قضى الله ورسوله التصرف في امرٍ من أمورهم أن يثبت لهم الاختيار بغير ما شرّع الله لهم بحجة انتساب ذلك الأمر إليهم وكونه أمراً من أمورهم فيختاروا منه غير ما قضى الله ورسوله، لا، بل عليهم أن يتبّعوا إرادة الله وإرادة الرسول فهي المتقدمة على غيرها من الارادات.

ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة نقول: الإمامة أن كانت ممّا قضى الله بتركها وعدم تشريعها مثلاً – وحاشا اللطيف الخبير تركها – فلا يجوز للناس الخيرة في إثباتها، وإن كانت ممّا قضى الله إثباتها وتشريعها – وهو الحق – كانت كغيرها من الأحكام والتشريعات التي قضى الله عليها وأمر بها ولم يهملها فهي منه لا من غيره من الناس، فإذا خالفوا الله وعصوه واختاروا خلاف ما اختار الله فقد ضلّوا ضلالاً مبيناً.

ومنها قوله تعالى مخاطباً رسوله الأكرم(صلى الله عليه و آله):(يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأْمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأْمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) [آل عمران/155] .

وهذه الآية المباركة صريحة الدلالة على أنْ ليس للأمة واحادها أمرٌ ولا حكم في شيء من الأشياء مطلقاً، بل كلّه لله عَزّ وجَلّ، فإذاً لا يجوز اختيار الناس للإمام ونصبه من عند أنفسهم لانه من أعظم الأمور وأهمها حيث على الإمام تبني مصالح العباد الدينية والدنيوية وقبل هذه الآية بآيات خاطب الله رسوله(صلى الله عليه و آله) بقوله:(لَيْسَ لَكَ مِنْ الأْمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران/128].

ومن هنا نعلم أن أمر الإمامة ليس بيد مخلوقٍ مطلقاً حتى النبي(صلى الله عليه و آله) فضلاً عن أمته واحادها، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل بصراحة على أن الاختيار بيد الله لا بيد خلقه.

ولقد أجاد من قال:

نور الهداية لا يخفى على أحدٍ*** لو لا اتّباع الهوى والغي والحسدِ

قد بيّن الله ما يرضى ويسخطه*** منا وفرّق بين الغي والرَشدِ

بأحمدَ المصطفى الهادي وعترته*** مَن اهتدى بهداهم واستقام هُدي

إن الإمامة ربّ العرش نصّبها*** مثل النبّوة لم تنقص ولم تزدِ

والله يختار مَنْ يرضاه ليس لنا*** نحن اختيار كما قد قال فاقتصدِ(6)

الثاني - السُنّة

وأمّا السُنّة النبوية فهي تابعة للكتاب في ذلك وفي غير ذلك إذْ "ما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن كتاب الله صادفاً، ولا لأحكامه مخالفاً" – نص مقتطف من خطبة الزهراء الكبيرة – فهذا ابن هشام يروي في سيرته، والحلبي في (السيرة الحلبية)، وزيني دحلان في (السيرة الدحلانية)، ومحمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد)، وأبو القاسم السهيلي في كتابه (الروض الانف)، كما نقل عنهم الأميني في (الغدير) رووا كلّهم: أن النبي(صلى الله عليه و آله) لما عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله تعالى قال قائل منهم: أراَيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله عليه وعلى مَن خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال(صلى الله عليه و آله) ان الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء(7).

الثالث - العقل

وأمّا دليل العقل فإنه يدل على عدم الخِيرَة للناس في اختيار الإمام من جهاتٍ عديدة منها إن الإمامة من الوظائف الدينية باعتبار ان الإمام هو الحافظ للدين القائم به، وكل ما كان من الوظائف الدينية فليس أمره لغير الله، لأِنّ الدين لله فهو الذي يختار له حافظاً وراعياً له قائماً بهِ.

ثم إذا كانت عناية الله في العالم الإنساني واللطف بهم ان يهيئ لهم كل ما يحتاجون إليه فيسخّر لهم – بلطفه بهم – كل ما في السموات وما في الأرض، ويرسل السماء عليهم مدراراً بالمطر لحاجتهم لذلك، قال تعالى:(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأْرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية/14].

وان لا يترك جوارح الإنسان بلا مدبّر يدبرها وهو القلب، فكيف يتّخلف لطفه بهم فيترك العالَم خالٍ من رئيس يدبرهم ويرشدهم إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، وكيف يكل ذلك إليهم مع ان العقل السليم  يوجب أن يكون الإمام مكتنفاً بشرائط بعضها بل المهم منها من النفسيات الباطنة الخفية كالعصمة، والقداسة الروحية، والعلم الذي لا يضل معه في شيءٍ من الأحكام، إلى كثير من الشرائط التي تقوم بها نفس الإمام، وهذه شرائط لا يعلمها إلاّ الله العالِم بالضمائر المطِلّع على ما في السرائر:(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) لأن الأمة المنكفى علمها عن الغيوب لا يمكنها تشخيص مَن تحلّى بتلك الشروط، والغالب على خيرتها الخطأ.

قصة السبعين رجلاً الذين اختارهم موسى(عليه السلام)

ولك أكبر عبرة على ذلك ما قصّه الله في القرآن من قصة السبعين رجلاً الذين اختارهم موسى بن عمران إلى ميقات ربّه، وقد ذكرها الله تعالى في آياتٍ من القرآن منها قوله تعالى في سورة الأعراف:(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) [الأعراف/156].

ومنها قوله تعالى في سورة البقرة(وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة/56-57].

ومنها قوله تعالى في سورة النساء بقوله(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) [النساء/154].

ومجمل تلك القصة هي ان الله تعالى أمر موسى بن عمران أن يأتي إلى ميقاته ومناجاته وان يختار من قومه خيرتهم في رايه، فلما جاءَ بهم، وكلّمه الله، وسمع السبعون كلام الله له(فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) فهذا كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه وصلته بقومه وصلتهم به اختار من أعيانهم ووجوه رجالهم لميقات ربه سبعين رجلاً ممّن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم، وإذا بخيرته قد وقعت على المنافقين الذين وصفهم الله في تلك الآيات بالظلم وانهم قالوا جهلاً منهم بربهم(أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ) فإذا كان اختيار مَن اصطفاه الله للنبوة قد وقع على الأفسد دون الأصلح، وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا حينئذٍ أنّ الاختيار للأصلح ليس إلاّ لمن(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأْعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [المؤمن/20]، وهو الله وحده لا شريك له.

 

بعض المنافقين لا يعلمهم إلاّ الله تعالى

وهذا نبينا محمّد(صلى الله عليه و آله) وهو سيد المرسلين وخاتم النبيين وافضل المخلوقين يخاطبه الله جل وعلا في القرآن المجيد بقوله:(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأْعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة/101].

فقوله تعالى لنبيه(لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) صريح في ظاهره ان هناك منافقون معه في المدينة مردوا على النفاق، أي لجّوا فيه واستمروا عليه، وهو لا يعلمهم، أي لا يعلمهم من نفسه وان كان الله سبحانه قد أعلمه بهم، وانه لولا إعلام الله له بهم ما علمهم، فإذن "لا يعلم الناس إلاّ خالق الناس".

وقد يقول بعض المفسرين: ان الخطاب في الآية وإن كان موجهاً للنبي(صلى الله عليه و آله) ولكن المراد به الاُمة، وهو من باب "إياكِ أعني وأسمعي يا جارة" أي ان الاُمة لا تعلمهم، وكيفما كان فالاُمة لا تستطيع – بصورة قطعية – اختيار مَن يصلح لأن يكون مرجعاً لها ويقوم بصالحها، والوجدان يعني عن البيان فكم رأينا أهل الحل والعقد، والتدبير والعقل اتفقوا على تعيين والٍ في قريةٍ أو حكم ثم تبيّن لهم خطأهم في ذلك فغيروه وبدّلوه فكيف تفي العقول الناقصة بتعيين رئيسٍ عامٍ على جميع الخلائق في أمور الدين والدنيا.

وأنّى يسوغ العقل ان تكون خيرة للخلق في الأمر مع وجود الأغراض والغايات، والميول والشهوات، ومع اختلاف الآراء وكثرة الأحزاب والفرق والطوائف المتشاكسة والمختلفة، وكم بالانتخاب هتكت حرمات واهينت مقدسات واختل الوئام واقلق السلام واضيعت حقائق، ودحض الحق الثابت حتى صار يطمع في الأمر طليق غاشم وخمّار سكير ومستهتر مشاغب ومبغض متعصب وأموي ناصب، وخلاصة القول: ان العقل يأبى من العزيز الحكيم ان يهمل الأمة مع نهاية رأفته بهم وغاية شفقته عليهم ولطفه لهم ولا يعيّن لهم رئيساً يقوّلون في المشكلات عليه، ويركنون في سائر الأمور إليه.

الرابع – الإجماع

 

لم يقبض الله نبياً حتى يعيّن له وصيّاً

أمّا دليل الإجماع فقد أجمع علماء المسلمين بجريان عادة الله تعالى من آدم إلى خاتم الأنبياء أنه لم يقبض نبياً حتى يعيّن له وصياً من بعده يكون خليفةً على أمته، فهذا آدم صفي الله وصيّه ولده هبة الله شيث، وهذا نوح شيخ المرسلين وصيه ولده سلم، أو سام، وهذا إبراهيم خليل الله وصيه ولده إسحاق، وهذا موسى كليم الله وصيه يوشع بن نون وهذا داوُد وصيّه ولده سليمان، وهذا سليمان وصيهُ آصف بن برخيا، وهذا عيسى روح الله وصيه شمعون الصفا، وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين لكل نبيٍ منهم وصي يقوم بالأمر من بعده.

راجع كتابنا (قبس من القرآن) في صفات الرسول الأعظم في فصوله ومنها الفصل الأول تحت عنوان (مقتضيات الخلود في الشريعة الإسلامية) والفصل الثالث تحت عنوان (الرسول الأعظم وبشائر الأنبياء به)(8)، راجع إذا شئت كتاب (الوصية) للعلامة المحقق علي بن الحسين المعروف بالمسعودي صاحب كتاب "مروج الذهب".

فكيف إذن تخلّفت هذه العادة الجارية بين رسل الله وأنبيائه بالنسبة إلى نبينا فقط هذا مع ان الله تعالى يقول في محكم كتابه المجيد مخاطباً له: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَ نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الأحقاف/10].

 

لا يسافر نبينا(صلى الله عليه و آله) ولا يبعث سرية حتى يعيّن له خليفة

واجمع المؤرخون وعلماء المسلمين أيضاً بجريان عادة نبينا(صلى الله عليه و آله) انه لم يسافر حتى يعيّن له خليفة بالمدينة حتى يرجع، ولم يبعث سرية قلّت أم كثرت إلاّ ويجعل لها قائداً والياً عليها، وقد يعيّن قوّاداً فيما إذا عُلم من الله ان القائد الأول سيقتل كما في سرية مؤتو حين عيّن ثلاثة قوادٍ وولاة وهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ونصَّ(صلى الله عليه و آله) انه إذا قتل الأول يقوم الثاني مقامه وإذا قتل الثاني فالثالث يقوم مقامه.

وحينما هاجر بعض المستضعفين من المؤمنين إلى أرض الحبشة من أذى قريش جعل عليهم والياً وهو جعفر بن أبي طالب(عليه السلام) يرجعون إليه في أمور دينهم وسائر شؤونهم، فكيف إذن يترك أمته كلها من بعده بلا راعٍ يرعاهم مع انه قد طالت أيّام مرضه قبل وفاته إلى ثمانية عشر يوماً، على ما نصّ عليه الطبراني في معجمه، أما كان يُسأل من قبل أصحابه وسائر الناس الوافدين عليه عن وليّ عهده والقائم مقامه من بعده مَن هو؟ هذا ما لا يكون أبداً بحكم العقل وهو مخالف للإجماع.

 

طريقة الخلفاء والرؤساء في الاستخلاف

ثم نرى طريقة الخلفاء والرؤساء الذين قاموا من بعده كل خليفة منهم يجعل له وصياً وخليفة من بعده يقوم مقامه، فهذا الخليفة الأول أبو بكر لم يهمل امر الأمة ولم ينس أمر الخلافة من بعده فقد نصّ بها على عمر، وهذا عمر لم يهمل أمر الأمة ولم ينس أمر الخلافة من بعدهِ فقد جعلها شورى بين ستة ليختاروا واحداً منهم، وصار عثمان الخليفة الثالث ببيعة عبد الرحمن بن عوف له، وهو أحد أصحاب الشورى(9).

ولولا مقتل عثمان والفتنة التي حدثت، لحدثنا التاريخ عن خليفة رابع ينص عليه عثمان لم يكن بالحسبان، ولكنّ معاوية بن أبي سفيان من بعده إدعى الخلافة لقرابته من عثمان وحيث انه راى الطريق معبداً له وممهداً فسار فيه.

ثم نراه – مع علمه بنفسه وانه غاصب لها، ومع علمه بابنه يزيد وما هو عليه من الخمور والفجور، مع هذا كله – لم يهمل أمر الخلافة بل نصَّ بها عليه من بعده، وهكذا بقية رجال الدولة الأموية، ومن بعدها الدولة العباسية الغاصبين لحق محمّد وآل محمّد نرى كل واحدٍ منهم لم يهمل أمر الأمة، ولم ينس أمر الخلافة بل ينصّ بها على مَن بعده.

وهكذا جرت سنّة الكون إلى يومنا هذا لابدّ للخليفة أو الملك أو الرئيس من وليّ عهدٍ، أو نائبٍ أول يقوم بالأمر من بعده، فكيف إذن تخلّفت هذه العادة والطريقة الكونية – الجارية في العالم الإسلامي والإنساني من يومه الأول إلى اليوم وإلى يوم القيامة – بالنسبة إلى خاتم الأنبياء المرسل إلى هذه الأمة المرحومة بأن يهملها ويتركها سدىً، هذا كله مع انقطاع الأنبياء والرسل وبقاء التكليف إلى يوم القيامة؟

وكيف يُعقل أن يترك النبي(صلى الله عليه و آله) أمته سدىً بلا راعٍ يرعاهم وهو الشفيق عليهم الرؤوف الرحيم بهم، قال تعالى:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة/128]، وقال جل جلاله:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء/108].

 

إنكار أمّ المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عمر على أبيه

أما كان(صلى الله عليه و آله) يَخشى على أمته الفتنة والاختلاف؟ وهذه عائشة دعت عبد الله بن عمر بن الخطاب بعد ما طَعَنَ أباه أبو لؤلؤة، وعَلِم إن أيام حياته قد انتهت أظهر أولاً انه سوف لا يستخلف أحداً بعده – لاقتضاء سياسته – وبلغ ذلك عائشة لذا دعت ابنه عبد الله وقالت له – كما في  كتاب الإمامة والسياسة -: يا بني ابلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمّد بلا راعٍ استخلف عليهم ولا تدعْهم بعدك هْملاً فأني أخشى عليهم الفتنة…الخ. بربّك قل لي – أيها المنصف – أفكانت عائشة اشفق على أمة محمّد(صلى الله عليه و آله) منه؟ بحيث هي تخشـى عليهم الفتنة – إذا تُركوا من غير خـليفة – وهو(صلى الله عليه و آله) لا يخشى على أمته الفتنة والاختلاف؟

 

وقوع الاختلاف والحروب الدامية بين الأمة

كما وقد وقعت الفتنة والاختلافات الكثيرة بعده، بل وقعت تلك الحروب الدامية من اجل الخلافة كحروب الرّدّةِ أيام الخلفاء الثلاث، وكحرب الجمل بين أمير المؤمنين(عليه السلام) وبين طلحة والزبير وعائشة وقد قتل فيها من الفريقين ثلاث وعشرون ألف قتيل، وثمانية عشر ألف من أصحاب طلحة والزبير، خمسة الآف من أصحاب علي، ذكر ذلك سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص(10).

وكحرب صفين بين علي ومعاوية، وقد قتل فيه من الفريقين قيل: مائة ألف وعشرة الآف، وقيل: قتل فيه خمس وتسعون ألف، سبعون ألف من أصحاب معاوية، وخمس وعشرون ألف من أصحاب علي، وأقل ما قيل فيه: سبعون ألف، خمس وأربعون ألف من أصحاب معاوية، وخمس وعشرون ألف من أصحاب علي(عليه السلام)(11) كما في أعيان الشيعة، وكحرب النهروان وقد قتل فيه بالاتفاق المشهور أربعة الآف، تسعة من أصحاب علي والباقون من الخوارج، وكواقعة الطف التي أستؤصِلت فيها ذرية رسول الله(صلى الله عليه و آله) وقد قتل فيها من الفريقين ما لم يضبط لكثرتهم، وكواقعة الحرّة بين يزيد وأهل المدينة، وقد قتل فيها من المهاجرين والأنصار وأبنائهم وسائر المسلمين اللائذين بضريح سيد النبيين عشرة الآف وسبع مائة وثمانون رجلاً(12).

ولم يبق بعدها بدري، وقتل من النساء والصبيان عدد كثير وكان الجندي من جنود يزيد يأخذ بيد الرضيع أو رجله ويجذبه من يدّ أُمه فيضرب به الأرض فيخلط لحمه بعظمه ودماغه بدمه وأمه تنظر إليه، نص على ذلك ابن قتيبة الدينوري في (الإمامة والسياسة)(13).

ثم أمِروا بالبيعة ليزيد على أنهم خِولٌ له وعبيد ان شاء استرق وان شاء أعتق، فبايعوه على ذلك وأموالهم منهوبة ونساؤهم مسلوبة ودماؤهم مسفوكة واعراضهم مهتوكة حتى قال السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء): افتض في تلك الوقعة ألف عذراء من بنات المهاجرين والانصار، وقال ابن الطقطقي في تاريخه المعروف بـ(الفخري): انّ الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها و يقول لعلّها افتضت في واقعة الحرّة.

 

إمامة أهل البيت أمان من الفرقة

فلو انهم تعبدوا بنص الرسول على علي(عليه السلام) لما وقع شيء من ذلك وَلَبقي الأمر بيد أئمة الهدى ولعَاشت الأمة كلها بسعادةٍ وهناء بلا فرقة ولا اختلاف، ولكانت الدنيا لهم جنة اوُلى، وهذه هي العِلة في تشريع الله للإمامة وجعلها في أهل البيتe كما أشارت إلى ذلك الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء في خطبتها بمسجد أبيها وقد تعرضت? فيها إلى فلسفة العقائد والعبادات والأحكام الإسلامية، وذكرت موضوع الإمامة وفلسفتها فقالت?: وجعل – الله – إمامتنا أماناً من الفرقة.

نعم لما غُصبت الخلافة منهم وقع ما وقع بين الأمة من الاختلاف والاقتتال كما ذكرت ذلك أيضاً في خطبتها الصغيرة التي خطبتها على نساء المهاجرين والأنصار حين جئن إليها يعدنها: بقولها: فابشروا بسيفٍ صارم، وسطوة معتدٍ غاشم، وبهرجٍ شاملٍ دائم، واستبدادٍ من الظالمين، يدع فيأكم زهيداً وجمعكم حصيداً فياحسرةً لكم وأنى بكم وقد عمّيت عليكم اتلزمكموها وأنتم لها كارهون.

وهذا البيهقي ينقل في (سننه) عن صحيح مسلم: ومحب الدين الطبري في (الرياض النضرة)، وأبو نعيم الاصفهاني في (حلية الأولياء)، وابن الجوزي في (سيرة عمر)، كما في الغدير، وغير هؤلاء: ان عبد الله بن عمر دخل على أبيه بعد ما طُعِن، وقال له: يا أبة ان الناس يتحدثون انك غير مستخلف ولو كان لك راعي ابل، أو راعي غنم ثم جاءَك وتَركَ رعيته لرأيت أن قد ضيّع "أو فرط" ورعية الناس أشدّ من رعية الإبل والغنم، ماذا تقول لله إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟(14).

ومعلوم ان هذا القول – من ابن عمر – بتشبيهه الرعية بالغنم، والخليفة بالراعي من ابلغ الأدلة على ان الاستخلاف من الأمور الضرورية التي لا يجوز لمثل عمر ان يتركها ويغفل عنها فكيف إذن يتركها رسول الله(صلى الله عليه و آله) ويغفل عنها، وهو أكمل البشر يا مسلمون؟

 

الإشارة إلى نصوص رسول الله(صلى الله عليه و آله) على علي بالخلافة

وهذه نصوص رسول الله(صلى الله عليه و آله) على علي بالخلافة يحدثنا عنها علماء التاريخ، ورواة الصحاح والسنن والفضائل والمناقب من مبدأ أمره إلى منتهى عمره تصريحاً تارة وتلويحاً أُخرى.

وأشهرها نصّ يوم الغدير بعدما رجع النبي(صلى الله عليه و آله) من حجة الوداع، وقد اجتمع عنده في ذلك اليوم مائة ألف أو يزيدون من الناس، فنادى النبي لعلي بالولاية العامة، ورفعه حتى بان بياض إبطَيْهما، ونادى فاسمع – كما هو المتواتر من طرق الفريقين:-

أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وادر الحق معه حيثما دار.

ثم أمر المسلمين أن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين لتتّم له البيعة في حياته ولا يختلف فيه أحد بعد وفاته، فتسابق الناس للسلام عليه بإمرة المؤمنين وتهنئته بالمقام الرفيع، وكان في مقدِمّة مَن هنّأهُ بذلك أبو بكر وعمر، فقالا له: كما في مسند أحمد بن حنبل، والصواعق المحرقة لابن حجر وغيرهما: هنيئاً لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمنٍ ومؤمنة(15).

وحين تمّت البيعة له أنزل الله تعالى على رسوله(صلى الله عليه و آله) (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِْسْلاَمَ دِينًا) [المائدة/4]، فكان إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب بالإسلام ديناً للمسلمين بولاية علي أمير المؤمنين.

ولقد أجاد مَن قال:

مواهب الله عندي جاوزت أملي*** وليس يبلغها قولي ولا عملي

لكنّ أفضلها عـــــندي وأشرفها*** ولايتي لأمير المؤمنين علي

شرائط الإمامة، واجتماعها في علي وأبنائه الطاهرين(عليهم السلام)

وكان(عليه السلام) جامعاً لشرائط الإمامة، متحلياً بأفضل صفات الكمال بخلاف غيره من الأصحاب، ولقد أجاد السيد الحميري حيث يقول:

أُقسِمُ بالله وآلائه***والمرء عما قال مسؤول

إن علي بن أبي طالب***على التقى والبر مجبول

وإنه كان الإمام الذي***له على الأمة تفضيل

يقول بالحق ويعني به***ولا تلهّيه الأباطيل

كان إذا الحرب مرتها القنا***وأحجمت عنها البهاليل

مَشى إلى الموت وفي كفه***أبيض ماضي الحد مصقول

مَشْيَ العَفرنى بين أشباله***أبرزه للقنص الغيل

ذاك الذي سَلّم في ليلةٍ***عليه ميكائيلٌ وجبريل

جبريل في ألفٍ وميكال في***ألفٍ ويتلوهم سرافيل

ليلةَ بَدرٍ مَدَواً أنزلوا***كأنهم طيرٌ أبابيل

فسلّموا لمّا أتوا حذوه***وذاك إعظام وتبجيل(16)

            وشرائط الإمامة كثيرة منها العصمة من الذنوب والخطأ وعدم النسيان والسهو في شيء من أمور الدين.

 

تعريف العصمة لغةً واصطلاحاً

والعصمة في معناها اللّغوي المنع، قال تعالى حاكياً على لسان ابن نوح يخاطب أباه وجواب أبيه له(قالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ) [هود/44].

فقوله:(سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) أي يمنعني من الغرق في الماء، وهذا معنى العصمة لغةً.

وأمّا معناها اصطلاحاً: فالعصمة قوة تكوينية في العقل والعلم موهبةٌ من الله لمن شاء من عباده – تمنعهم من اقتراف المعاصي مع قدرتهم عليها، لأنهم ان لم يكونوا قادرين عليها لا فخر ولا فضل لهم في اجتنابها، لانهم غير قادرين اصلاً على اقترافها، وبالإجمال ان الإمام المعصوم لا يترك واجباً أبداً ولا يفعل محرّماً مطلقاً مع قدّرته على الترك والفعل وإلاّ لا يستحق مدحاً ولا ثواباً.

والشيعة هي التي تشترط العصمة – بهذا المعنى – في الإمام كما هي شرط في النبوة، قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات) القول في العصمة: إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع وتأديب الأنام – معصومون كعصمة الأنبياء لا تجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة، ولا سهو في شيءٍ من الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذاهب سائر الإمامية إلاّ مَن شذَّ منهم(17).

وقال العلامة الحلي في كتابه ( نهج الحق) ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً، لأنهم حفظة الشرع، والقوّامون به، فحالهم في ذلك كحال النبي، ولأنّ الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف للمظلوم من الظالم، ورفع الفساد وحسم مادة الفتن، وإن الإمام يمنع القاهرين "أي الظالمين مِن التعدي، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، ويقيم الحدود والفرائض ويواخذ الفساق ويعزّر مَن يستحق التعزير، فلو جازت عليه المعصية وصدرت منه انتفت هذه الفوائد وافتقر هو إلى إمام آخرٍ يرفع فسادَه وهكذا فيتسلسل، والتسلسل باطل بالإجماع، إذ لا بّد وإن ينتهي الأمر إلى إمام لا تصدر المعصية منه أبداً(18).

 

اشتراط العصمة غير خارجٍ عن الأدلة

وهذه العصمة التي اشترطتها الشيعة في الإمام ليست مسألة تدعو إلى الغرابة أو العجب، أو هي خارجة عن الأدلة الإسلامية، ذلك لأن فاعل المعصية ظالم حسب النص القرآني قال تعالى:(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) [البقرة/230]، وقال عَزّ وجَلّ:(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [الطلاق/2]، وقال سبحانه:(هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود/19]، وقال تباركت أسماؤه:(فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) [آل عمران/95]، إلى أمثال هذهِ الآيات وهي كثيرة في القرآن المجيد.

وهنا العاصي الذي سّماه الله ظالماً لا يمكن أن يكون مرجعاً عاماً للأمة بعد نبيها، ومتحملاً المسؤوليات الشرعية المرتبطة بالله تعالى ودينه وشرائعه كلها وهذا هو ما نصّ عليه القرآن المجيد بقوله تعالى:(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة/125].

نعم هكذا يبدوا أنّ اشتراط العصمة في الإمام ليس من غرائب الأفكار أو من عجائب المعتقدات كما يبدو من كلام بعض الباحثين في المذاهب الإسلامية، بل ان ذلك الشرط هو المنسجم مع النصوص الشرعية القطعية، والفكر الديني الأصيل، بالإضافة إلى دليل العقل السليم.

لقد أقام المهوسون الدنيا وأقعدوها على الشيعة لأنهم قالوا بعصمة الأئمة، ولو كان لهم أدنى خبرة بكتاب الله وسنة نبيه، مع الإنصاف والرجوع إلى الحق لقالوا بمقالة الشيعة، وما ذنب الشيعة، إذا فرضت عليهم الأدلة القطعية الكثيرة القول، بل العقيدة بإمامة أئمة الهدى من أهل بيت نبيهم والاعتراف بعصمتهم من مطلق الذنوب والخطأ.

ألم يأمر الله تعالى بإطاعتهم مطلقاً، ويقرن إطاعتهم بإطاعة الرسول، تماماً وكمالاً بحيث يجعلها بميزان واحدٍ وأمر واحدٍ وذلك بقوله تعالى:(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأْمْرِ مِنْكُمْ) [النساء/60]، راجع ما ورد في تفسيرها عن النبي(صلى الله عليه و آله) (إكمال الدين) للصدوق، وراجع ما كتب في دلالتها العلاّمة السيد محمّد تقي الحكيم في كتابه (الأصول العامة) ص159-ص164.

ألَمْ يُعْلن الله جل وعلا إذهاب الرجس عنهم دون غيرهم، والرجس الأعمال القبيحة والذنوب والمآثم، وإنه تعالى طهرهم منه تطهيراً تاماً بقوله عز من قائل:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب/34].

راجع ما كُتب حول الآية، (الكلمة الغراء) للسيد شرف الدين، و(الأصول العامة) للسيد الحكيم، وكتاب (الإجماع) للسيد محمد صادق الصدر، وَالّفَ في الموضوع السيد محي الدين الموسوي الغريفي كتاباً يشتمل على 288 صفحة أسماه (آية التطهير في الخمسة أهل الكساء)(19).

ألم يخلّفِ الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله) في أمته الكتاب والعترة ويُعلِنَ لهم ان التمسك (أي العمل) بهما موجب لعدم الإضلال المؤبد والمؤكد، وانهما (أي الكتاب والعترة) لن يفترقا، ولن يخالف أحدهما الآخر إلى يوم القيامة بقوله(صلى الله عليه و آله) إني مخلّف فيكم الثقلين، وفي نصٍ خليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة، وهو مروي عن عشرات من الصحابة والقرابة في اكثر من مائة مصدر من مصادر السُنّة فضلاً عن غيرهم.

راجع ما كتبناه حول الحديث في كتابنا (قبس من القرآن) واَلّفَ في الموضوع الشيخ نجم الدين العسكري كتاباً تعرّض فيه لبعض مصادر الحديث ونصوصه، وأدخله في ضمن كتابه، (محمد وعلي وبنوه الأوصياء)، كما ألّفت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية كتاباً خاصاً في الحديث أسمته، (حديث الثقلين)، وألّفَ في الحديث أيضاً كتاباً خاصاً العلاّمة الكبير الشيخ محمّد حسين المظفر أسماه (الثقلان) استعرض فيه بعض مصادره الموثوقة، ومفادهُ يقع الكتاب في مائة وعشر صحائف، وأمّا مَن استعرضه في ضمن مؤلفه أو احتج به فهم كثير لا يمكننا حصرهم، ولعل أوسع من كتب في الحديث صاحب كتاب (العبقات)(20).

ألم يأمر(صلى الله عليه و آله) أمته بالاعتراف بولاية علي وذريته، وانهم لن يخرجوا الأمة من باب هدىً، ولن يدخلوهم في باب ضلالة، مع الترغيب والتشويق السامي الموجب لسعادة الدارين بقوله(صلى الله عليه و آله): مَن أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربّي وهي جنّة الخلد.

فلْيتول علياً وذرّيته من بعده (أهل بيته الطاهرين)، فأنهم لَنْ يخرجوكم باب هدىً، ولن يدخلوكم باب ضلالة(21).

ألم يقل النبي في عليّ خاصة؟ عليّ مع الحق والحق مع علي يدور معه الحق حيث ما دار، وفي نصٍ: علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، وفي نصٍ آخر: عن أم سلمة انها قالت: والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله(صلى الله عليه و آله) يقول: علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، إلى غير ذلك من نصوص أحاديث الحق وكونه مع عليّ وهي كثيرة، ومفادها ومعناها متواتر تواتراً قطعياً، راجع إذا شئت طرق تلك الأحاديث وما ذكرناه منها كقطرة من بحر(22).

بربّك قل لي: أيّ مسلم ذكيٍ أو غبيٍ لا يفهم معنى العصمة من تلك الأحاديث وغيرها وهي كثيرة، على ان الموافق والمخالف قد اجمعا معاً على أن الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام) كانوا على هدي جدهم الرسول(صلى الله عليه و آله) قولاً وعملاً، وان الناس كانوا يلْجأون إليهم في حلّ المشكلات والمعضلات، وكانوا يتقربون إلى الله سبحانه بتعظيمهم وتقديسهم، بل حتّى أعداؤهم وغاصبي حقوقهم ما كان يسعهم إلاّ التظاهر بتعظيم الأئمة وتقديسهم والخضوع أمام الناس لهم تماماً كما كانت الحال بالنسبة إلى رسول الله(صلى الله عليه و آله) في تعظيم حاله عند صديقه وعدوّه.

 

تساؤل مهم

وبودّنا أن نسأل الذين أنكروا على الشيعة القول في العصمة؟: هل تُنكرون أصل العصمة وفكرتها من الأساس؟ أو تنكرون عصمة الأئمة فقط؟ والأول إنكار لعصمة الأنبياء، والرسل التي اتفق عليها المسلمون الشيعة والسُنّة في الجملة، والثاني إنكار لسُنّة الرسول الذي ساوى بين عترته وبين القرآن، هذا بالإضافة إلى أنّ نصوص الشريعة جامدة لا حراك فيها، وإنما تحيى بتطبيقها والعمل بها، وإذا لم يكن القائم على الشريعة هو نفس الشريعة مجسّمة في شخصه لم يتحقق الغرض المقصود من تطبيقها على سائر الناس، لذلك قال الإمام(عليه السلام): ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق(23).

 

أفضلية الإمام وأكمليته

الثاني من شرائط الإمامة أن يكون الإمام أفضل رعيته وأكملهم بكل ما للكمال والفضل من معنىً مطلقاً، بمعنى أن يكون الإمام أعلمهم بجميع ما يحتاجون إليه، ولا سيما احتياجها إليه في أمور الدين، وإلاّ لم يؤمن أن يقلّب الحدود ويغيّر الفرائض، كما غيّرت وقلّبت بالفعل بسبب قيام غير الأعلم وبقيام أهل الجهل بالصالح الخاص والعام.

وقد قيل: الجهالة قائد الضلالة، والضلالة قائد البلاء والفتنة، وفي الفتنة الدمار والهلكة(24).

وان يكون أشجع الناس وأقواهم لدفع الفتن واستئصال أهل الباطل لأنّ فِرار الرئيس وضعفه يورثان ضرراً عظيماً ووهناً جسيماً، بخلاف الرعية، وأن يكون أسَدّهم راياً وأشدّهم حزماً، ليوصل الناس بسديد رأيه وشديد حزمه إلى صلاحهم وإصلاحهم، وأعرفهم بطرق السياسة الحقة الحكيمة، ليرقى بهم إلى روح السعادة في الدارين وأزهدهم وأطوعهم لله عَزّ وجَلّ، لكي يقتدي الناس به وبزهده.

وهكذا يكون أحلمهم وأعفهم وأسخاهم وأحسنهم في الأخلاق الحسنة كافة وان تكون إمامته عامة أيضاً على جميع الرعايا غير منحصرة في بعضٍ دون بعض، ليلاً يظهر الفساد فيمن لا ولاية له عليهم، وان يكون مبرأً من العيوب الموجبة لنفرة الخلق، في الخَلق والخُلق، كالجذام، والبرص، والعمش، والعرج وكالبخل، والحرص على الدنيا، والجفاء والغلظة على الرعية، كما يكون مبرءاً أيضاً من دناءة النسب والتولد من الزنا، إلى غير ذلك من الصفات الدنّية والذميمة، ليكون الإمام بتحليته بالأفضلية والأكملية المطلقة وتخليته عن المساوئ والعيوب المخزية أقرب للأتّباع له، والانقياد والتسليم لأِوامره و الاقتفاء لآِثاره لأن صلاح الرعية بصلاح راعيها ومن هنا جاءَ في الحديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه? أنه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): صنفان من أمتي إذا صَلحَا صَلَحَتْ أمتي، وإذا فسدا فسدت أمتي، قيل له: يا رسول الله ومَن هما؟ قال: الفقهاء والأمراء"(25).

وبكلمةٍ وجيزة: يلزم أن يكون الإمام أطوع خلق الله للهِ، وأكثرهم علماً وعملاً بالبر والخير، وأبرَأهم من العيوب والمساوئ: ذلك كلّه لِئلا يلزم تقديم المفضول على الفاضل، وخفض مرتبة الفاضل ورفع مرتبة المفضول.

 

إنكار القرآن تقديم المفضول على الفاضل

وقد أنكر القرآن المجيد تقديم المفضول على الفاضل استناداً إلى حكم العقل السليم بقوله تعالى:(أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس/36]،(أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) كـ(أمير المؤمنين(عليه السلام)) الذي يقول في بعض خطبه:

أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله(صلى الله عليه و آله) هذا ما زقني رسول الله زقا، فاسْألوني فإن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي وسادة وجلسْت عليها لافتيت أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الإنجيل بأنجيلهم، وأهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق كلّ كتابٍ من هذهِ الكتب فيقول: صَدق عليٌّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنْزل الله تعالى فيَّ، وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً فهل فيكم أحدٌ يَعْلم ما أنزلَ فيه(26).

قل لي بربّك: أهذا أحق أنْ يُتّبع،(أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَ أَنْ يُهْدَى) كالخليفة الأول الذي يقول في أول خطبةٍ خطبها ومن جملة ما قال فيها: ولقد قلّدتُ أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يد، واعْلموا أيها الناس أنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني قي استقمت فاتبعوني وان رغت فقوّموني، وإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني…الخ(27).

فإذا كان كما قال: قد قلّد أمراً ماله به طاقة ولا يد وأنه في حاجة إلى الهداية، وأنّ له شيطاناً يعتريه كيف يكون هادياً عاماً؟

 

الإمام الجامع للشرائط لا يعلمه إلاّ الله

ومعلوم أنّ الإمام الجامع لشرائط الإمامة التي ذكرنا بعضها من العصمة والأفضلية والأكملية لا يعلمه إلا الله العالم بالضمائر المطّلع على السرائر، وهو الذي يختاره ويعينّه حُجةً على خلقه، وهو الذي يفيض عليه الطافه وعناياته، وتسديده وتأييده بكل ذلك وغير ذلك، وما على الأمة إلاّ اختيار مَن اختار الله لها والأتّباع له، والاهتداء بهديه.

أمّا إذا اختارت الأمة غيره فقد ضلّت وأضلّت، ولقد أجاد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي المعاصر للإمام الصادق(عليه السلام) وهو أحد تلامذته حيث يقول:

وقـالوا رسول الله ما اختار بعده*** إماماً ولــــكنّا لأنفسنا اخـــــترنا

أقمــنا إماماً إنْ أقام على الهدى*** أطعنا وأن ضلّ الهداية قــــــوّمنا

فقلنا إذن أنتم أمام إمــــامـــــكم*** بحمد من الرحمن تهتم وما تــهنا

ولكــننا اخترنا الذي اختار ربّنا*** لنا يوم خمٍ ما اعتدينا ولا حُلـــــنا

ســـــيجمعـــنا يوم القيامة ربّنا*** فتجزَون ما قلتم ونجزى الذي قلنا

ونحن على نورٍ من الله واضحٍ*** فيا ربِ زدنا منك نوراً وقوّمنا(28)

 

ثبوت الإمامة يكون من طريقين النص والمعجز

أمّا ثبوت الإمامة وتعيينها للإمام الجامع للشرائط، والذي يُعلن للناس إمامته ويدعوهم إليها فيكون من طريقين:

الطريق الأول: النص على إمامته من الله تعالى بواسطة رسوله في نصوصٍ مشـتركة ومزدوجة من الكتاب والسُـنّة(29)، ومن الإمام السابق – الثابتة إمامته بالنص المشترك – على الإمام اللاحق.

والطريق الثاني: هو إظهار الله المعجزات وخوارق العادات على يده التي يعجز جميع الناس عن الإتيان بمثلها، والتي يجريها الله على يدهِ لِيعَلمَ العباد أنّ الله – الذي على كل شيءٍ قدير – هو الذي أيدّه بتلك المعجزات وخوارق العادات.

فالصادق بدعواه الإمامة مَن صَدّقه الله بإجراء المعجزات له، والكاذب مَن كَذَّبه الله بعدم إجراء المعجزات على يده، ومِن هذين الطريقين الَّذينِ بهما ثبتت الرسالة والنبوة للرسل والأنبياء، ثبتت أيضاً إمامة أئمتنا الهداة من أهل بيت النبي(صلى الله عليه و آله) وهم عليّ أمير المؤمنين وأبناؤه الطاهرون الحسن والحسين والأئمة التسعة من أبناء الحسين(عليهم السلام).

حيث أنّ النصوص – مِن الكتاب والسُنّة على إمامتهم، وظهور المعجزات على أيديهم ولا سيمّا الإمام الأول منهم وهو عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام) – ثابتة عند شيعتهم بالتواتر القطعي من طرقهم، ومن طرق غيرهم، ومعترَف بها عند الجميع، كما انهم هم الذين توفرت فيهم – دون غيرهم – شرائط الإمامة من العصمة والأفضلية بكل معانيها.

وقد برأهم الله مِن كلّ عيب كما قد طهرهم من كلّ رجس وهم كما قال فيهم أبو نؤاس الحسن بن هاني في أبياته الشهيرة:

مطــــــــــهّرون نقياتٌ ثيابهم*** تجري الصلاة عليهم أين ما ذكروا

مَنْ لَمْ يكن علوياً حين تنسبه*** فمــــــا له في قديم الــــدهر مفتخرُ

فــــــالله لّما برى خلقاً فأتقنه*** صفَّاكمُ واصــــــــطفاكم أيها البشرُ

وأنــــتم الملأ الأعلى وعندكمُ*** علم الكتاب ومــــا جاءَت بهِ السورُ

            وقال فيهم شاعر آخر:

سلام على آلِ النــــــبــي محــــــمّدٍ*** ورحــــــمة ربي دائماً أبداً تجري

وصلّى عليهم ذو الجــــــلال معظماً*** وزادهُمُ في الفضل فخراً علـى فخرِ

همُ خير خلق الله أصلاً ومحــــــمّداً*** وأكرمهم فرعاً على الفحص والعثرِ

وَأوْسَعهم علماً وأحسنهم هــــــدىً*** وأتقاهمُ للهِ في الــــــسّر والجْــــهرِ

وأفضلهم في كل فــــــضــلٍ مفضّلٍ*** وأقولهم في الحق في محــــكم الذكرِ

وأشجعهم في النازلات وفي الوغى*** وأجودهم للهِ في العـــــــسرِ واليسرِ

أناس علوا كل المــــــعاني بأسرها*** فدقّت معانيهم على كل ذي فكرِ(30)

الحجة للهِ قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق

والجدير بالذكر – الذي يلزم التنبيه عليه هو – أن الله سبحانه قد شاء – بحكمته البالغة، وقدرته الباهرة – أن لا يخلي الأرض وأهلها – في كلّ عصرٍ وجيل – من إمامٍ يكون حجةً عليها وعلى أهلها، إماماً مشهوراً، أو خائفاً مستوراً، لِئلاّ تبطل حجج الله وبيناته، ومجملاً:- كما قال الإمام الصادق(عليه السلام): الحجة قبل خلق الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق(31).

ومن هنا قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية(32).

وإمام زماننا الآن هو الحجة المهدي بن الحسن العسكري صاحب العصر والزمان، الغائب المنتظر الذي يملأ الله به الأرض كلها قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجورا، وهو الطالب بثار آبائه الطاهرين وخصوصاً ثأر جده الحسين(عليه السلام) يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر فلا يزال يقتل أعداء الله وأعداء رسوله والجبابرة والطواغيت، وبينما هو يقاتل ويبكي وينادي ألا يا أيها العالم إنّ جدي الحسين قتلوه عطشاناً.

هذا وقد بشرنا الله تعالى به، وبايراثه الأرض بقوله تعالى:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء/106].

 

1- راجع (تفسير الميزان) ج16 ص68 وص69.

2- راجع كتاب (الوصي) للعلامة السيد علي تقي الحيدري ص23، و(البحار) ج23 ص74 نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب ج1 ص220.

3- جفخ جفخاً: أي تكبر وتطاول على غيره، وفي بعض النصوص فتجخفوا الناس جخفاً، ومعنى أجخف أي مال، وجخف جخفاً أي افتخر بأكثر مّما عنده. راجع (المنجد) ص77 وص91.

4- راجع المحاورة بكاملها في (تاريخ الطبري) ط القاهرة سنة 1357هـ، و(تاريخ ابن الأثير) ط مصر سنة 1348هـ، و(قصص العرب) ط مصر ج2 ص357، و(شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد ج3 ص107 ط دار الكتب العربية مصر، و(الدرجات الرفيعة) لصدر الدين المدني الشيرازي ط النجف ص303، و(المراجعات) لشرف الدين ص319، و(المطالعات في مختلف المؤلفات) للسيد محمّد علي الحمّامي ط الأولى.

5- راجع تفسيرها في (الميزان) ج16 ص340 ط الأولى وغيره من التفاسير.

6- تجد الأبيات في مناقب ابن شهر آشوب ج1 ص259.

7- راجع( سيرة ابن هشام) ج2 ص32، و(السيرة الحلبية) ج2 ص3، و(السيرة الدحلانية) ج1 ص302، و(حياة محمد) ص152، و(الروض الانف) ج1 ص264، والغدير ج7 ص134.

8- (القبس) ص19-25 وص48-256.

9- لنا تحقيق حول الشورى ضمن شرح الخطبة الشقشقية نسأل الله تعالى ان يوفقنا لنشره.

10- راجع تذكرة الخواص ص85.

11- (أعيان الشيعة) ج3 القسم الثاني ص232.

12- راجع (الفصول المهمة) لشرف الدين ص127، و(الإمامة والسياسة) ج1 ص197.

13- المصدرين السابقين.

14- (سنن البيهقي) ج8 ص149، و(الرياض النضرة) ج2 ص98، (حلية الأولياء) ج1 ص44، (سيرة عمر) ص190، (الغدير) ج7 ص133، راجع مصادر الخطبة الكبرى وطرقها من الفريقين (كتابنا قبس من القرآن) من ص34-ص38، والخطبة الصغرى رواها الكثير من العامة ومنهم أحمد بن أبي طاهر في (بلاغات النساء)، وأحمد بن عبد العزيز الجوهري في (السقيفة)، وابن أبي الحديد في (شرح النهج)، ورواها من علمائنا الكثير راجع (البحار) ج43 من ص158-170.

15- راجع (الغدير) ج1 ص272-283، فقد اثبت التهنئة من ستين مصدراً.

16- راجع (الغدير) ج2 ص243 ط النجف، وقد نقل الأبيات وسبب انشائها عن أمالي الشيخ ص124 وفي ط النجف ص201.

17- راجع (أوائل المقالات) للشيخ المفيد ص76 ط الحيدرية النجف.

18- راجع (دلائل الصدق) للشيخ محمد حسن المظفر ج2 ص3 نقلاً عن نهج الحق.

19- (الكلمة الغراء) المطبوعة مع (الفصول المهمة) ص203-217، و(الأصول العامة) ص149-159، و(الإجماع) ص63-ص77.

20- راجع (القبس) من ص337-345، و(محمد وعلي وبنوه الأوصياء) ج1 ص117-239، و(حديث الثقلين) 30 صفحة، و(الثقلان) 110صحائف وغيرها كثير.

21- راجع كتابنا (قبس من القرآن في صفات الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله)) من ص58-63 في مصادر هذا النص وفي نصين آخرين.

22- راجع (إحقاق الحق) ج5 ص623-645.

23- راجع كتاب (الشيعة والتشيع) لمحمّد جواد مغنية ص40.

24- نقلنا هذا القول عن (مفكرة ورق الشام) الصادرة بتاريخ 9/شعبان/1377هـ، المصادف 28/شباط/ 1958 ميلادية. وتنقل المفكرة قبل هذا القول ما دار بين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وبين حذيفة بن اليمان من "معارض الكلم" بقول حذيفة له حين سأله: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت والله أكره الحق، وأُحبّ الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأصلي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره غضباناً، وقد عزم على أذى حذيفة، وبينما هو في الطريق، إذ مرّ بعلي بن أبي طالب، فرأى الغضب بادياً في وجهه، فقال ما أغضبك يا عمر؟ فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أكره الحق، فقال: صدق، يكره الموت وهو حق قال الله تعالى: "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ" [ق/20]، فقال: يقول: وأحُبّ الفتنة، فقال: صدق، يحبّ المال والـولد، وقد قال الله تعالى: "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [التغابن/16]، فقال: يا علي يقول : وأشهد بما لم أره، فقال: صدق، يشهد للهِ بالوحدانية، والموت والبعث والقيامة، والصِراط، والجنة، والنار، ولم ير ذلك كلّه، فقال: يا علي ويقول: أصلي على غير وضوء، فقال: صدق، يصلّي على ابن عمي رسول الله على غير وضوء، فقال: يا ابا الحسن وقد قال أكبر من ذلك، فقال: ما هو؟ قال: قال: أن لي في الأرض ما ليس للهِ في السماء، قال صدق له زوجة وولد وتعالى الله عن ذلك، فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لو لا علي بن أبي طالب"، أخرجه الكنجي الشافعي في (كفاية المطالب) ص96، وقال: هذا ثابت عن اهل النقل. وذكره غير واحد بين أهل السير، وابن الصّباغ المالكي بتغيير يسير في (الفصول المهمة) ص17 والشبلنجي الشافعي في (نور الأبصار) ص72، وقد نقل الأميني هذهِ القصة في (الغدير) ج6 عن المصادر المذكورة.

25- (الخصال) ج1 ص36.

26- راجع (الأمالي) للصدوق ط قُم ص205 برواية الأصبغ بن نُباتة، وعن أبي البحتري كما في (المناقب) لأخطب خوارزم الحنفي ط النجف ص47 باختلاف يسير، وكذا في مقتل الحسين للخوارزمي أيضاً ج1 ص44، و(ينابيع المودّة) للشيخ سليمان الحنفي نقلاً عن الخوارزمي، والحمويني في (فرائد السمطين)، وكذا في (فضل الخطاب) لمحمد خواجة البخاري، راجع (الينابيع) ص74، وص264، وص373، وراجع (إحقاق الحق) ج7 ص610-623.

27- (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري ج1 ص16 ط مصر.

28- راجع (دلائل الصدق) للمظفري ط قُم ص205، وراجع (ترجمة الشاعر في الغدير) ج2 ص262-ص295 وتجد الأبيات في (مناقب ابن شهر آشوب) ج1 ص258.

29- النصوص على إمامة أئمتنا كثيرة ومتواترة من الكتاب والسُنّة ومن طرق الفريقين وأشرنا إلى بعضها، وقد يأتي بعضها.

30- تجد الأبيات في (نور الأبصار) للشيخ مهدي المازندراني ص106.

31- (إكمال الدين) للصدوق ص4.

32- هذا الحديث الشريف وما في معناه من النصوص العديدة ثابت عن النبيf من طرقٍ شتى، حيث أفاضه على أصحابه مراراً كثيرة، وشهرته تغني عن ذكر مصادره، وللتأكيد نشير إلى بعضها فنقول: روى الحديث جملة من الصحابة كعبد الله بن عمر، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعامر بن ربيعة، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، والمقداد بن الأسود الكندي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم، كما رواه جمع من أئمة الهدى أيضاً وقد روته بالاسانيد المعتبرة الصحاح والسنن والمسانيد كاحمد بن حنبل في مسنده ج3 ص446، وج4 ص96، والبخاري في ثاني أبواب كتاب (الفتن)، ومسلم في باب الأمر بلزوم الجماعة من كتاب الإمارة من صحيحه ج6 ص21 وص22، وأبي داوُد الطيالسي في مسنده ص256، والبيهقي في سننه ج8 ص156، والهيثمي في (مجمع الزوائد) من عدة طرق ج5 ص218، والتفتازاني في (شرح المقاصد) ج2 ص275، وأبي جعفر الإسكافي في (خلاصة نقض العثمانية) للجاحظ ص29، وغيرهم كثير. راجع (إحقاق الحق) ج2 ص297 وص298، و(دلائل الصدق) ج2 ص6، و(الغدير) ج10 ص358-ص362، و(إكمال الدين) للصدوق باب 42 في مَن أنكر القائم ص387-392، و(المحاسن) ص116، و(الشافي في شرح الكافي) ج4 ص459-ص460، و(الرجعة) للمؤلف ص11، والحمدُ للهِ.