آيـات الولايـة في القرآن

آية الله العظمى الشيخ

ناصر مكارم الشيرازي «دام ظلّه»

 

آيـات الولايـة في القرآن

 

 

إعداد

ابوالقاسم عليان نژادي

 

[ 5 ]

 

 

المقدّمة

 

   سُمّي عام 1379 هـ . ش في الجمهورية الإسلامية بعام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)وذلك لأنه تضمّن عيد الغدير في بدايته وفي نهايته فتحقق فيه عيد الغدير مرتين(1).

   ولهذا كان من المناسب جدّاً أن يتحرك المفكّرون وعشّاق هذا الإمام الهمام على مستوى تعريف الناس بفضائله وأحاديثه وأخلاقه وسيرته وسائر شؤونه والقيام بدور فاعل في هذا المشروع الحضاري الإسلامي.

   ومن هذا المنطلق وطبقاً للمعتاد في شهر رمضان من كلّ عام شرع سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي مدّظلّه بالقاء محاضراته بعد صلاة الظهر والعصر بما يخصّ الأبحاث التفسيرية المتعلقة بولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام) لأن شهر رمضان هو شهر القرآن وهو الشهر الذي استشهد فيه الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) فكان البحث تفسيراً للقرآن من جهة، ودراسة متعمقة لمسألة الولاية والإمامة في دائرة المفاهيم القرآنية من جهة اُخرى.

   نأمل أن يشرق نور القرآن في قلوبنا أكثر وأكثر ببركة القرآن الكريم ومفسّره الأوّل أميرالمؤمنين (عليه السلام) ويساهم في ترشيد مسارنا في خطّ الرسالة والإيمان وهداية الاُمّة الإسلامية في حركتها الحضارية الصاعدة.


1 . لأن السنة القمرية أقل من السنة الشمسية في عدد أيّامها.

[ 6 ]

الكتاب الحاضر

   وهكذا تمّ بحمد الله تدوين تلك البحوث الجذّابة والشيّقة والعميقة المحتوى. وبعد إخراج المنابع والمصادر وإجراء بعض الاصلاح والتهذيب المتعلّق بتحويل الخطاب الكلامي إلى خطاب كتابي تمّ طبع الكتاب وإخراجه بالشكل المطلوب.

 

ملاحظات

   1 ـ لعلّ البعض يتصور أنه مع وجود الجزء التاسع من نفحات القرآن الذي يتحدّث عن مفهوم الولاية والإمامة في القرآن الكريم، وكذلك ما ورد في التفسير الأمثل ذيل الآيات المتعلّقة بمسألة الإمامة فما الداعي لتأليف كتاب آخر يتناول هذه المسألة بالذات ؟

   ولكن الحقيقة أن الأبحاث المطروحة في هذا الكتاب أوسع وأشمل ممّا ورد في ذينك الكتابين، والأهم من ذلك البعد العملي والتطبيقي للآيات الكريمة الواردة في هذا الكتاب ممّا يمنحه قدرة على معالجة مساحات واسعة من اهتمامات المجتمع الإسلامي المعاصر، مضافاً إلى المواضيع الجديدة التي تناولها هذا الكتاب لم تذكر في الكتابين السابقين، ولهذا وجدنا أن من الضروري نشر هذه البحوث القيّمة للقرّاء الأعزاء.

   2 ـ إن القرآن الكريم يتميّز بطراوة وحيوية على مدى الدهور والأعصار حيث يفيض على قارئيه في كلّ عصر وزمان مطالب جديدة، وعليه لا ينبغي القناعة والإكتفاء بما أورده المفسّرون من مفاهيم سامية في تفسير آياته الكريمة، بل علينا مواصلة البحث والتنقيب في معادنه الثمينة مع الإسترفاد من تفاسير الأعاظم وما تركه لنا العلماء من جهود فكرية في هذا السبيل وكذلك الإستفادة من العلوم والمعارف الجديدة في عملية استخراج المفاهيم القرآنية الكامنة واستجلاء مضمونها الحضاري.

   3 ـ تمّ تقسيم آيات الولاية والإمامة في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام وبحثها في ثلاثة فصول :

   الفصل الأوّل : آيات الخلافة والولاية على المسلمين.

   الفصل الثاني : آيات فضائل أهل البيت (عليهم السلام).

[ 7 ]

   الفصل الثالث : آيات الفضائل الخاصّة بأميرالمؤمنين (عليه السلام).

   وأخيراً أتقدم بالشكر الجزيل إلى جميع الاُخوة الذين أعانوني على انجاز هذه المهمة ولا سيّما أبنائي الأعزاء الذين تكفّلوا مهمة مطابقة الكتاب، وأرجو أن نتحرك جميعاً في خطّ الرسالة والصراط المستقيم بالاستنارة من الأنوار الإلهية للقرآن الكريم من أجل تحويل ولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلى واقع حيّ يشمل كلّ تطلعات الإنسان ويعيش أجواء العناية الربانية في آفاقها الواسعة.

رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ

 

قم ـ الحوزة العلمية

أبو القاسم عليـان نـژادي

ربيع الثاني 1422

[ 8 ]

[ 9 ]

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

آيات الخلافة والولاية

 

على المسلمين

 

 

 

 

         ü آية التبليغ

         ü آية إكمال الدين

         ü آية الولاية

         ü آية اُولي الأمر

         ü آية الصادقين

[ 10 ]

 

[ 11 ]

 

 

 

 

آية التبليغ

1

 

 

 

 

«سورة المائدة / الآية 67»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة المشهورة التي تُعرف بآية التبليغ تتحدث عن أهم مسألة وقضية في العالم الإسلامي بعد مسألة النبوّة، و تخاطب النبي الأكرم في أواخر عمره الشريف بإصرار بالغ أن يتحدث للناس بصراحة تامة عن مسألة الخلافة والخليفة الذي يليه، ويبيّن للناس تكليفهم الشرعي، وقد ذكر علماء السنة والشيعة مطالب مختلفة في تفسير هذه الآية كما سيأتي.

 

الشرح والتفسير

إنتخاب الخليفة مرحلة نهائية للرسالة

   إنّ القرآن الكريم يخاطب النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في آياته الشريفة بعناوين مختلفة منها:

   (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)(1).


1 . سورة المزمل : الآية 1.

[ 12 ]

   (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)(1).

   (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ)(2).

   (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)(3).

   فالخطاب الأول والثاني يشيران إلى حالة خاصة من حالات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)الظاهرية، ولكن الخطاب الثالث والرابع يشيران إلى الشأن المعنوي والمقام الإلهي لرسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث ورد هذا النحو من الخطاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ) مرات عديدة في القرآن الكريم.

   ولكن خطاب: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) لم يرد في القرآن سوى في آيتين أحدهما الآية محل البحث، والاُخرى الآية 41 من سورة المائدة والتي تنسجم في مضمونها مع هذه الآية الشريفة وهذا يدلّ على أهمّية الموضوع الذي يتضمنه هذا الخطاب الإلهي للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) حيث يقول بعده:

   (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ...) وهذه المهمّة التي اُمر النّبي بإبلاغها لم تكن سوى تعيين الخليفة من بعده.

   (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...) إنّ هذه المهمّة إلى درجة من الأهمّية بحيث إنّه لو لم يؤدّها للناس فكأنّه لم يؤدّ الرسالة الإلهية بشكل عام حيث تبقى أتعاب ثلاثة وعشرين سنة من تبليغ الرسالة ناقصة.

   ومن الواضح أنّ النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان يبلّغ جميع ما نزل عليه من الوحي للناس ويبيّن تعاليم الشريعة المقدسة ولكن هذا التعبير الذي يُفهم من سياق الآية يوحي للمسلمين بأهمية الموضوع الذي تضمنته الآية الشريفة.

   (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ...) فبما أنّ هذه المهمّة حساسة جدّاً وفي غاية الأهمّية فمن الطبيعي أن تحوطها الأخطار ومن المتوقع أن تكون هناك ردود فعل شديدة من قبل المنافقين ومن في قلوبهم مرض سواءً كان بصورة علنية أم بصورة سرّية،


1 . سورة المدثر : الآية 1.

2 . كرر هذا الخطاب في أكثر من 10 آيات قرآنية.

3 . ورد هذا الخطاب مرتين في القرآن الكريم.

[ 13 ]

ولذلك فانّ الله سبحانه وتعالى قد وعد نبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله) بأن يحفظه من هذه الأخطار المحتملة.

   (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فعلى الرغم من أنّ الله تعالى يمنّ على جميع الناس بالهداية إلى الحق إلاّ أنّ الأشخاص الذين يصرّون العناد والإصرار على عقائدهم الزائفة وأفكارهم الباطلة لا يستحقون الهداية وسوف لا ينالون نعمة الهداية من الله تعالى.

—–

   ومع قليل من التدبر في مضمون وأجواء الآية محل البحث تتجلى هذه الحقيقة المهمة، وهي أنّ الآية الشريفة تتحرك نحو الإخبار عن موضوع مهم جدّاً، لأنّها تتضمّن في سياقها تأكيدات كثيرة لم يسبق لها مثيل:

   1 ـ تبدأ الآية الشريفة بخطاب (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) وكما تقدم أنّ هذا الخطاب يدل على الأهمّية الفائقة لمضمون هذا النص الشريف بحيث استلزم أن يقع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)مورداً للخطاب الإلهي مباشرة.

   2 ـ كلمة «بَلّغْ» إشارة اُخرى إلى خصوصية المضمون الذي تحمله الآية الشريفة لأنه :

   أوّلاً : أنّ هذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم سوى في هذه الآية الشريفة.

   ثانياً : كما يقول الراغب في كتابه «مفردات القرآن» إنّ هذه الكلمة في الواقع فيها تأكيد أشدّ من كلمة «أَبْلِغْ» لأنّه بالرغم من أنّ هذه الكلمة أيضاً لم ترد إلاّ مرّة واحدة في القرآن الكريم(1)، إلاّ أنّ كلمة «بَلّغْ» مضافاً إلى مفهوم التوكيد فيها تتضمّن التكرار أيضاً، أي أنّ
هذا الموضوع إلى درجة من الأهمّية بحيث يجب إبلاغه إلى الناس دفعات وبصورة مكررة(2).

   ثالثاً : جملة (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) شاهد ثالث على الخصوصية المهمّة في هذه الآية، فانّ النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) يُؤمر في هذه الآية بإبلاغ رسالة خاصة تمثّل أساس ومحور الرسالة والنبوّة، لأنّه لو لم يبلّغ النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) هذه الرسالة الخاصة فكأنّما لم يبلّغ الرسالة كلّها.


1 . سورة التوبة : الآية 6.

2 . وهكذا عمل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، حيث ذكر موضوع خلافة علي(عليه السلام) على الناس مراراً من الأيّام الاولى لظهور الإسلام وحتى وفاته.

[ 14 ]

   رابعاً : ومن العلامات الاُخرى على عظمة وأهمية مضمون هذه الآية الكريمة هو ما ورد فيها من ضمانات إلهية لحفظ الرسول الأكرم من الأخطار المحدقة به.

إنّ مضمون المأمورية التي كلّف بها النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في هذه الآية الشريفة إلى درجة من الأهمّية بحيث يخشى على النّبي من الخطر على حياته من جراء ردود الفعل المختلفة التي ستثيرها هذه المهمّة الرسالية، ولكن الله تعالى يعِد نبيّه الكريم بحفظه من جميع الأخطار وردود الفعل المحتملة.

   فما هو الموضوع المهم الذي تضمنته هذه الآية الشريفة؟

   ما هي المأمورية المهمّة للنّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) التي تستلزم ضمانات إلهية صريحة بحفظ النّبي من الخطر؟

   ما هو المطلب المهم الذي يجب أن يبلّغه النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) للناس بحيث يساوي جميع الرسالة الإلهية؟

   ماذا أراد الله سبحانه وتعالى من النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بحيث هدده من جهة ووعده بحفظ حياته من جهة اُخرى؟

   والخلاصة ما هو موضوع هذه الآية الشريفة الذي ورد بكل هذه التأكيدات الشديدة ؟

   ومن أجل استجلاء الجواب الصحيح على هذه الأسئلة هناك طريقان:

   الأوّل : هو التفكر والتأمل والتدبر في مضمون الآية نفسها بقطع النظر عن ما ورد من طرق الفريقين من السنة والشيعة من الروايات الشريفة في تفسير هذه الآية ومع قطع النظر عن كلمات المفسّرين والمؤرّخين.

   والآخر : هو أن نقوم بتفسير هذه الآية الشريفة مع ما ورد حولها من روايات وأحاديث في شأن نزولها.

 

الطريق الأوّل : تفسير الآية بغض النظر عن الشواهد الأخرى

   إنّ التدبّر والتعمق والدقة في الآية الشريفة نفسها وبدون الإستعانة باُمور أخرى بإمكانه أن يجيب على جميع الأسئلة الواردة أعلاه بشرط الإبتعاد عن التعصّب في تحكيم عقولنا لاستجلاء الحقيقة، لأنّه:

[ 15 ]

   أوّلاً : أنّ الآية مورد البحث هي الآية (67) من سورة المائدة وكما نعلم فإنّ سورة المائدة هي آخر سورة(1) نزلت على النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أو من أواخر السور التي جاء بها الوحي إلى الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله)، أي أنّ هذه الآية نزلت في السنة العاشرة من البعثة وهي آخر سنة من عمر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وبعد ثلاثة وعشرين سنة من تبليغ الرسالة الإلهية.

   والسؤال هو : ما هو الموضوع المهم الذي لم يبلّغه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) إلى الناس بعد ثلاثة و عشرين سنة من عمر النبوّة والرسالة؟

   هل أنّ هذا الموضوع المهم يتعلق بالصلاة، في حين أنّ المسلمين كانوا يصلّون قبل ذلك بعشرين سنة؟

   هل يتعلق بالصيام في حين أنّ حكم الصوم قد وجب بعد الهجرة وقد مضى على تشريعه ثلاثة عشر سنة؟

   هل يتعلق بأمر تشريع الجهاد ونحن نعلم أنّ الجهاد قد شُرّع في السنة الثانية للهجرة؟

   هل يتعلق بالحج ؟

   الجواب : كلاّ، إنّ الانصاف يدعونا إلى إنكار أن يكون هذا الموضوع يتعلق بواحدة من هذه الاُمور فلابدّ من التأمل في هذه الحقيقة، ونتسائل: ما هي المسألة المهمّة التي بقيت بعد ثلاثة وعشرين سنة من أتعاب الرسالة بدون تبليغ ؟

   ثانياً : ويستفاد من أجواء الآية الشريفة أنّ هذه المأمورية للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) إلى درجة من الأهمّية والخطورة بحيث تعادل الرسالة والنبوّة نفسها، وأمّا الإحتمالات التي ذكرها العلماء في تفسير واكتشاف مضمون هذه المأمورية كما تقدم آنفاً فانّها رغم أهمّيتها ولكنّها لا تعادل بثقلها الرسالة نفسها، فيجب أن نتفكّر في ماهيّة هذا الأمر المهم الذي يعادل الرسالة والنبوّة الذي لم يؤدّه النبي لحد الآن.

   ثالثاً : الخصوصية الأخرى لهذه المأمورية الإلهية هي أنّ بعض الناس سيتحركون من


1 . حسب الروايات، نزلت هذه السورة بصورة كاملة في حجة الوداع (الحجة الاخيرة للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)) بين مكة والمدينة (المنار : ج 6، ص116).

[ 16 ]

موقع الرفض والإعتراض ويكون اعتراضهم إلى درجة من الشدّة والجدّية بحيث أنّهم مستعدون لقتل النبي والقضاء عليه ونحن نعلم أنّ المسلمين لم يعترضوا على تشريعات سابقة من قبيل الصلاة والصوم والحج والجهاد وأمثال ذلك.

   إذن هذه المأمورية تتضمن مسألة سياسية بحيث تدفع بالبعض إلى الإعتراض والإستنكار والتحرك نحو القضاء على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) لمنعه من إمتثال هذا التكليف الإلهي.

   وعندما نأخذ بنظر الإعتبار جميع هذه الأبعاد المذكورة في أجواء الآية الشريفة ونتدبّر في هذا الموضوع من موقع الانصاف والحياد التام ونسعى لفهم الحقيقة بعيداً عن التعصّب والعناد لا نصل إلاّ إلى مسألة الولاية والخلافة بعد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) والتي قام النبي بتبليغ هذه الرسالة في غدير خم بصورة رسمية.

   أجل! إنّ الموضوع الذي لم يبلّغه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) للمسلمين إلى آخر عمره الشريف بصورة رسمية والذي يعادل الرسالة والنبوّة والذي تمادى الكثير من الناس لمنع الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) من أداء هذه المهمّة والذي وعد الله عزّ وجلّ نبيّه الكريم بأن يحفظه من الأخطار التي تكتنف أداء هذه الرسالة هي المسألة المصيرية والمهمّة في دائرة الخلافة، لأنّه بالرغم من أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد ذكر للناس مسألة ولاية الإمام علي في السابق إلاّ أنّه لم يبلّغها لجميع المسلمين بصورة رسمية لحد الآن، ولهذا السبب فانّه عندما كان عائداً من حجة الوداع قام بتبليغ هذه المأمورية الإلهية الكبيرة في صحراء غدير خم بأفضل صورة حيث أعلن لجميع المسلمين عن نصبه للإمام علي(عليه السلام) خليفة على المسلمين، وبتبليغ هذه المأمورية كمُلت رسالته.

—–

 

تطبيق العلامات الثلاث على مسألة الولاية

   إنّ مسألة خلافة أمير المؤمنين(صلى الله عليه وآله) تنطبق عليها العلائم الثلاث الواردة في آية التبليغ تماماً لأنّها :

[ 17 ]

   أوّلاً : إنّ الرسول الأكرم كما مرّ آنفاً لم يعلن عن مسألة الخلافة بعده طيلة عمره المبارك بشكل صريح ورسمي وبتلك الأبعاد الواسعة، وهذه هي المسألة المهمة التي بقيت على عاتقه في الأيّام الأخيرة من عمره الشريف.

   ثانياً : إنه ليس من بين القضايا والاُمور الإسلامية مسألة تعادل في أهميتها وشأنها مسألة النبوة سوى مسألة الخلافة والولاية التي تعتبر استمراراً لمسار النبوة، ومقام الإمامة يرادف مقام النبوة حيث يتكفل الإمام بأداء الوظائف والمسؤوليات التي كانت على عاتق النبي.

   ثالثاً : منذ زمان طرح مسألة الإمامة لأميرالمؤمنين بدأت ردود الفعل والمخالفات المتعددة تبرز على السطح بل قد ظهرت في غدير خم أيضاً حيث جاء شخص إلى النبي
الأكرم معترضاً عليه وقال : «اللّهم إن كان هذا من عندك فأنزل علينا حجارة من السماء» فنزلت عليه حجارة فأهلكته.

   وهكذا هلك هذا الشخص كما سيأتي تفصيل القصة لاحقاً.

   وإذا ضممنا الآية 41 من سورة المائدة إلى هذه الآية يتضح المطلب بصورة جيدة.

   والنتيجة هي أنّ الآية الشريفة محل البحث مع غض النظر عن الروايات والأقوال وآراء المفسّرين وما أورده المؤرخون في كتبهم تدلّ على خلافة وولاية الإمام علي (عليه السلام).

—–

   سؤال : قد يقال المراد بالمسألة المهمة في هذه الآية هو إشارة إلى الخطر الكامن في عدوّين كبيرين للإسلام والمسلمين وهما : اليهود والنصارى الّذين كانوا يتحركون دوماً من موقع العداء للإسلام ومنع تقدّم المسلمين ومع هذا كيف تكون هذه الآية مرتبطة بشأن الولاية والخلافة ؟

   الجواب : إنّ من كانت له أدنى مطالعة ومعرفة بتاريخ الإسلام يعلم جيداً أنّ مشكلة اليهود والنصارى تم حلّها في السنة العاشرة للهجرة حيث تم إخراج قبائل اليهود من بني قريظة وبني النظير وبني قينقاع ويهود خيبر وسائر قبائل اليهود والنصارى من الجزيرة العربية حيث أسلم الكثير منهم واُجبر الباقي على الهجرة إلى مناطق اُخرى، وعلى هذا

[ 18 ]

الأساس فطبقاً لما ورد في الآية 41 من سورة المائدة أن خوف النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكن من خارج دائرة المسلمين بل كان خوفه يتمثل في الأفراد الذين دخلوا الإسلام.

   وعلى هذا الأساس فإنّ تفسير الآية باليهود والنصارى لا يكون منسجماً مع أجواء الآية، وكذلك سائر التفاسير الاُخرى التي أوردها البعض سوى القول بأن المقصود هو خلافة أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وعليه فإنّ الآية الشريفة محل البحث تمثّل جواباً قاطعاً ومستدلاًّ ومتيناً على جميع الأشخاص الذين أنكروا إمامة وخلافة الإمام علي بن أبي طالب بعد رسول الله.

 

الطريق الثاني : تفسير آية التبليغ في دائرة الروايات

   الطريق الثاني لتفسير الآية الشريفة يتم بالاستعانة بالأحاديث والروايات الشريفة الواردة في شأن نزول هذه الآية وكذلك نظريات وآراء المفسّرين وعلماء الإسلام والمؤرخين الذين دوّنوا هذه الحادثة...

   هناك العديد من المحدّثين في صدر الإسلام ذهبوا إلى أن الآية أعلاه نزلت في شأن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ومن هؤلاء :

   1 ـ «ابن عباس» الراوي والمفسّر المعروف كاتب الوحي الذي هو مورد قبول الشيعة وأهل السنّة.

   2 ـ «جابر بن عبدالله الأنصاري» وهو الشخصية المعروفة والمقبولة لدى جميع الطوائف الإسلامية.

   3 ـ «أبو سعيد الخدري» الذي يعدّ من كبار صحابة النبي ويتمتع باحترام بالغ.

   4 ـ «عبدالله بن مسعود» وهو أحد كتّاب الوحي وأحد المفسّرين المعروفين.

   5 ـ «أبو هريرة» الراوي المعروف والمقبول لدى أهل السنّة.

   6 و 7 ـ «حذيفة» و «البراء ابن عازب» صحابيان من مشاهير صحابة النبي، وهناك جمع آخر من الصحابة والعلماء الذين يذعنون بهذه الحقيقة وهي أنّ الآية الشريفة محل البحث نزلت في ولاية الإمام علي.

[ 19 ]

   والجدير بالذكر أنّ الروايات الواردة في هذه الاسناد والتي أشرنا إلى بعض رواتها آنفاً وردت من طرق مختلفة، فمثلاً الرواية أعلاه وردت بأحد عشر طريقاً عن ابن عبّاس وجابر بن عبدالله الأنصاري.

   ومن بين المفسّرين من أهل السنّة جماعة ذكروا الرواية المتعلّقة بولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام)ومن بينهم «السيوطى» في «الدرّ المنثور» / الجزء الثاني / الصفحة : 298، و«أبوالحسن الواحدي النيشابوري» في «أسباب النزول» / الصفحة : 150، و«الشيخ محمّد عبده» في «تفسير المنار» / الجزء السادس / الصفحة : 120، و «الفخر الرازي» في «التفسير الكبير»، وغيرها من التفاسير الاُخرى.

   وهنا نورد مقطعاً من كلام الفخر الرازي الذي أورده في تفسيره كنموذج منها :

   يعتبر الفخر الرازي من أساطين المفسّرين وعلماء الإسلام بين أهل السنّة ويعتبر تفسيره متين ومفصّل ويحكي عن كثرة علمه واطّلاعه على الاُمور «بالرغم من تعصبه الشديد الذي اسدل على فكره حجاباً في بعض الأحيان» فإنّه بعد استعراض تسعة احتمالات في تفسير الآية أعلاه يذكر ولاية أميرالمؤمنين في الاحتمال العاشر ويقول :

   نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب ولمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه، فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يابن أبي طالب ! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة...(1)

   وطبقاً لما ورد في كتاب شواهد التنزيل يقول زياد بن منذر :

   كنت عند أبي جعفر محمّد بن علي (الباقر) (عليه السلام) وهو يحدّث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له : عثمان الأعشى ـ كان يروي عن الحسن البصري ـ فقال له : يا ابن رسول الله جعلني الله فداك إن الحسن يخبرنا أنّ هذه الآية نزلت بسبب رجل ولا يخبرنا من الرجل. فقال : لو أراد أن يخبر به لأخبر به ولكنه يخاف (من حكومة بني اُمية مضافاً إلى أنه


1 . التفسير الكبير : ج 11، ص 49.

[ 20 ]

لم تكن له علاقة جيدة مع الإمام علي (عليه السلام))... إلى أن قال : فلما ضمن الله ]له [بالعصمة وخوّفه أخذ بيد علي بن أبي طالب ثمّ قال : يا أيّها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه...(1).

   والملاحظة الملفتة هنا هي أنّ الحاكم الحسكاني مؤلف كتاب شواهد التنزيل الذي أورد الرواية أعلاه هو من أهل السنّة، كما ذكر هذه الرواية جمع آخر من أهل السنّة.

—–

   والنتيجة هي أن الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة والروايات وآراء المفسّرين والعلماء كلّها تحكي أنّ آية التبليغ نزلت في موضوع ولاية أميرالمؤمنين الإمام علي (عليه السلام).

 

توصيتان في آية التبليغ

   وبإمكاننا أن نستوحي ملاحظتان أو توصيتان من أجواء الآية الشريفة :

   1 ـ أنّه بالرغم من أنّ المخاطب في هذه الآية الشريفة هو رسول الله بشخصه إلاّ أنّ وظيفة تبليغ مسألة الولاية والإمامة والإجابة على علامات الإستفهام والشبهات التي تثار حولها لا تختص بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بلا شك، بل هي وظيفة جميع العلماء وأهل النظر على طول التاريخ.

   2 ـ الاُخرى في هذه الآية الشريفة هي أنّ المؤمنين الواقعيين هم الأشخاص الذين يتحركون في خط الطاعة لله تعالى من موقع التسليم والاذعان للحقّ لا من موقع التعصّب والعناد والميول الفئوية والطائفية والحزبية بحيث يسلّمون أحياناً ويخالفون أحياناً اُخرى.

   وأساساً فإنّ السرّ في وصول نبي الإسلام لتلك المقامات العالية والمنازل المعنوية الرفيعة تكمن في عبوديته وتسليمه المحض لله تعالى وهو ما نشهد به في كلّ صلاة قبل الشهادة برسالته ونقول : «اشهد أن محمّداً عبده ورسوله».

   ونحن إذا أردنا نيل تلك المرتبة السامية من القرب الإلهي وأردنا أن نعيش الإيمان


1 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 253، ح 248.

[ 21 ]

الحقيقي والواقعي وتطبيق إدعائنا في الإستنان بسنّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)فيجب أن نسلّم لأمره على كلّ حال حتّى لو كان على خلاف رغباتنا ومزاجنا وميولنا العاطفية.

—–

   ولغرض تكميل هذا البحث نستعرض خلاصة لقصّة الغدير كما وردت في تفسير «نفحات القرآن»....

 

واقعة الغدير

   أدركنا من البحث الآنف بشكل إجمالي أن هذه الآية وعلى ضوء الشواهد التي لا تحصى قد نزلت بحقّ علي (عليه السلام)، وانّ الروايات التي نُقلت في الكتب المعروفة لأهل السنّة ـ فضلاً عن كتب الشيعة ـ أكثر من أن يستطيع أحدٌ انكارها.

   وبالاضافة إلى الروايات أعلاه، فلدينا روايات اُخرى تفيد بصريح القول : إنّ هذه الآية وردت أثناء واقعة الغدير وخطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في التعريف بعلي (عليه السلام) على أنه الوصي والولي، وعددها يربو على الروايات السابقة، حتّى أنّ المحقّق الكبير العلاّمة «الأميني» ينقل في كتاب الغدير، حديث الغدير عن 110 من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالاسناد والوثائق الحية، وكذلك عن 84 من التابعين و360 من مشاهير علماء المسلمين ومؤلفيهم.

   إنّ كلّ من يلقي نظرةً على مجموعة هذه الأسانيد والوثائق يدرك بأنّ حديث الغدير من أكثر الروايات الإسلامية جزماً، ومصداقاً واضحاً للحديث المتواتر ومن يشك في تواتره، فعليه أن لا يؤمن بأيّ حديث متواتر.

   وحيث إنّ الولوج في هذا البحث بنحو واسع يخرجنا عن اُسلوب كتابة تفسير موضوعي، فنكتفي بهذا القدر بشأن اسناد الرواية وشأن نزول هذه الآية، ونتطرق إلى مضمون الرواية، ونحيل الذين يريدون المزيد من المطالعة حول اسناد الرواية إلى الكتب التالية :

   1 ـ كتاب الغدير، ج 1.