[ 22 ]

   3 ـ المراجعات للمرحوم السيّد «شرف الدين العاملي».

   4 ـ عبقات الأنوار للعالم الكبير «ميرحامد الحسيني الهندي» (من الأفضل مراجعة خلاصة العبقات، ج 7 و 8 و9).

   5 ـ دلائل الصدق، تأليف العالم الكبير المرحوم «المظفر»، ج 2.

 

مضمون روايات الغدير

   وهنا نأتي بقصّة الغدير بشكل مختصر كما يستفاد من مجموع الروايات أعلاه، (وطبقاً فإن هذه الواقعة قد وردت في بعض الرويات بشكل مفصّل ومطوّل، وفي بعضها بشكل مختصر وقصير، وفي بعضها اشير إلى جانب من هذه القصة وفي البعض إلى جانب آخر، ومنها جميعاً يستفاد ما يلي) :

   في السنّة الأخيرة من حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أقيمت مراسم حجة الوداع بكلّ جلال بمشاركة النبي(صلى الله عليه وآله)، وكانت الأفئدة تمتلئ بالمعنويات ولم تزل اللذة المعنوية لهذه العبادة العظيمة ينعكس إشعاعها في النفوس.

   وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين كان عددهم كثيراً للغاية لا تسعهم أنفسهم نتيجة لادراكهم هذا الفيض والسعادة العظيمة(1).

   ولم يكن أهل المدينة وحدهم الذين يرافقون رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا السفر، بل كان المسلمون من مختلف بقاع الجزيرة العربية برفقته (صلى الله عليه وآله) لنيل هذا الفخر التاريخي العظيم.

   وكانت شمس الحجاز تضفي على الجبال والأودية حرارة لا تطاق، إلاّ أن حلاوة هذا السفر المعنوي النادر كانت تيسّر كلّ شيء، وقد اقترب الظهر، وأخذت منطقة الجحفة، وصحراء «غدير خم» الجافة الرمضاء تبدو للعيان.

   وهذا المكان يعدّ مفرق طرق لأهل الحجاز حيث يتشعب إلى أربعة طرق، فطريق يتجه إلى الشمال نحو المدينة، وطريق إلى الشرق نحو العراق، وطريق إلى الغرب نحو مصر، وطريق


1 . ذكر البعض ان عدد الذين كانوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) 90 ألفاً، والبعض 112 ألفاً، وبعضٌ 120 ألفاً، وبعضٌ 124 ألفاً.

[ 23 ]

إلى الجنوب نحو اليمن، وهنا يجب أن تُطرح آخر المستجدات في هذا السفر، ويتفرق المسلمون بعد استلامهم لآخر حكم، وهو في واقع الأمر كان خط النهاية في الواجبات الناجحة للنبي(صلى الله عليه وآله).

   كان ذلك في يوم الخميس من السنة العاشرة للهجرة، وقد مضت عشرة أيّام على عيد الأضحى، وفجأة صدر الأمر من الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الذين معه بالتوقف، ونادى المسلمون بأعلى أصواتهم أصحابَهم الذين تقدّموا الركب بالتوقف والعودة، وأمهلوا المتأخرين حتّى يصلوا، وزالت الشمس وصدح صوت مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالأذان : الله أكبر، داعياً الناس إلى صلاة الظهر، وسرعان ما استعد الناس للصلاة، إلاّ أن حرارة الجو كانت إلى الحدّ الذي اُجبر البعض على أن يغطي أرجله بقسم من ازاره ويستر رأسه بالقسم الآخر، وإلاّ فإن حصى الصحراء وأشعة الشمس ستحرق أرجلهم ورؤوسهم.

   فلا خيمة في الصحراء، ولا خضرة، ولا نبات، ولا شجرة، سوى بعض الأشجار البرية الجرداء التي تقاوم حرارة الصحراء، والتي لاذ بها البعض، ووضعوا قطعة من القماش على أحداها وجعلوها ظلاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلاّ أن الرياح اللاهبة تهب تحتها وتلفها بحرارة الشمس المحرقة.

   وانتهت صلاة الظهر، وعزم المسلمون على اللجوء إلى خيامهم الصغيرة التي كانوا يحملونها معهم، بيد أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوعز لهم بالاستعداد لسماع بلاغ إلهي جديد يُوضَّح ضمن خطبة مفصلة، ولم يكن بمقدور البعيدين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)رؤية وجهه الملكوتي وسط زحام الناس، لذا فقد صنعوا له منبراً من أربعة من أحداج الإبل، فارتقاهُ النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي البداية حمد الله وأثنى عليه واستعاذ به، ثمّ خاطب الناس قائلاً :

   أيّها الناس : يوشك أن اُدعى فاُجيب.

   أنا مسؤول، وأنتم مسؤولون.

   فكيف تشهدون بحقّي ؟

   فصاح الناس : نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً، ثمّ قال :

   ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله إليكم، وأن البعث حقّ، وأن الله يبعث

[ 24 ]

من في القبور ؟ ! فقالوا : نشهد بذلك، قال : اللّهمّ اشهد، ثمّ قال :

   أيّها الناس أتسمعوني ؟ قالوا : نعم، ثمّ عمّ السكوت الصحراء فلم يُسمع إلاّ صوت الريح، فقال (صلى الله عليه وآله) : فانظروا ماذا صنعتم بالثقلين من بعدي ؟

   فقال رجل من بين القوم : ما هذا الثقلان يا رسول الله ؟ !

   قال (صلى الله عليه وآله) : أما الثقل الأكبر فهو كتاب الله حبل ممدود من الله إليكم، طرفه بيد الله والطرف الآخر بأيديكم، فلا تدعوه، وأما الثقل الأصغر فهم عترتي وقد أخبرني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تتقدموهما فتهلكوا ولا تتأخروا عنهما فتهلكوا.

   ونظر الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يلتفت حوله، وكأنه يبحث عن أحد، ولما وقعت عيناه على علي (عليه السلام) التفت إليه وأخذ بيده ورفعها حتّى بان بياض أبطيهما، وشاهدهما جميع القوم، وعرفوا أنه ذلك الفارس المقدام، وهنا ارتفع صوت النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال : أيُّهَا النّاسُ مَنْ أَوْلَى النّاسِ بِالمُؤمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ؟

   قالوا : الله ورسوله أعلم،

   فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين وأولى منهم بأنفسهم، ثمّ قال : فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، وكرر هذا الكلام ثلاث مرّات، وكما قال أرباب الحديث : انه كرره أربعاً، ثمّ رفع رأسه نحو السماء، وقال :

   اَللّهمّ والِ مَنْ والاه وَعادِ مَنْ عاداهُ، وَأَحِبّ مَنْ أَحَبَّهُ وَاَبْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَه وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ وَأَدِرِ الْحَقَّّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ.

   ثمّ قال (صلى الله عليه وآله) : أَلا فَلْيُبلّغ الشّاهِدُ الْغائِبَ.

   هنا انتهت خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان العرق يتصبب من النبي (صلى الله عليه وآله) والجميع، ومازال الناس لم يتفرقوا من ذلك المكان حتّى نزل عليه الوحي وقرأ هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (اَلْيَومَ أَكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   اللهُ أَكْبَرْ، اللهُ أَكْبَرْ عَلَى اِكْمالِ الدِّيْنِ وَاِتْمامِ النِّعْمَة وَرِضَى الرَّبُّ بِرِسَالَتِي وَالْوِلايَةِ لِعَليٍّ مِنْ بَعْدي.

[ 25 ]

   في هذه الأثناء عم الناس النشاط والحركة، وأخذوا يهنئون عليّاً (عليه السلام) بهذا المقام، وكان من الذين هنئوه، أبو بكر وعمر حيث نطقا بهذه العبارة أمام أعين الحاضرين :

   بَخّ بَخّ لَكَ يَابْنَ أَبي طالِب أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلايَ وَمَوْلا كُلِّ مُؤمِن وَمُؤمِنَة.

   أثناء ذلك قال ابن عبّاس : «والله إنه عهد سيبقى في أعناقهم»، واستاذن النبي (صلى الله عليه وآله)الشاعر المعروف «حسان بن ثابت» لينشد شعراً بهذه المناسبة، ثمّ استهل قصيدته المعروفة :

يُنادِيْهِمْ يَوْمَ الْغَديرِ نَبيُّهُمْ *** بِخُمٍّ وَاَسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنادِيا

فَقالَ فَمَنْ مَوْلاكُمْ وَنَبيِّكُمْ ؟ *** فَقالُوا وَلَمْ يَبْدُوا هُناكَ التَّعامِيا :

اِلهُكَ مَوْلانا وَاَنْتَ نَبِيُّنا *** وَلَمْ تَلْقِ مِنّا فِي الْوَلايَةِ عاصِيا

فَقالَ لَهُ قُمْ يا عَلَيٌّ فَاِنَّني *** رَضيتُكَ مِنْ بَعْدي اِماماً وَهادِيا

فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا وَلِيُّهُ *** فَكُونُوا لَهُ اتْباعَ صِدْق مُوالِيا

هُناكَ دَعا اَللّهُمَّ وَالِ وَلِيَّهُ *** وَكُنْ لِلَّذي عادا عَلِيّاً مُعادِيا(1)

 

توضيحات

1 ـ معنى الولاية والمولى في حديث الغدير

   لقد اطلّعنا بشكل إجمالي على حديث الغدير المتواتر، والعبارة المشهورة التي جاءت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع الكتب وهي : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاهُ» توضح الكثير من الحقائق وإن أصرّ كثيرٌ من كتّاب أهل السنّة على تفسير كلمة «المولى» هنا بمعنى «الصديق والمحبّ والناصر»، لأنّ هذا أحد المعاني المعروفة لـ «المولى».

   ونحن نسلّم بأنّ إحدى معاني «المولى» الصديق والمحب والناصر، إلاّ أنّ ثمة قرائن عديدة تثبّت أنّ المولى في الحديث أعلاه تعني «الولي والمشرف والقائد» وهي كما يلي بإيجاز :


1 . روى هذا الشعر جماعة من كبار علماء السنّة منهم : الحافظ «أبو نعيم الاصفهاني»، والحافظ «ابوسعيد السجستاني»، و«الخوارزمي المالكي»، والحافظ «أبو عبدالله المرزباني»، و«الكنجي الشافعي»، و«جلال الدين السيوطي»، و«سبط بن الجوزي»، و«صدرالدين الحموي».

[ 26 ]

   1 ـ إن قضية محبة علي (عليه السلام) مع جميع المؤمنين لم تكن أمراً خفياً وسريّاً ومعقّداً، بحيث يحتاج إلى هذا التأكيد والإيضاح، وبحاجة إلى إيقاف ذلك الركب العظيم وسط الصحراء القاحلة الساخنة وإلقاء خطبة عليهم لأخذ الاقرار بالولاية له من ذلك الجمع.

   فالقرآن يقول بصراحة : (إنَّمَا المُؤمِنُونَ إخْوَةٌ)(1).

   وفي موضع آخر يقول : (وَالمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْض)(2).

   والخلاصة : إنّ الاُخوة الإسلامية ومودة المسلمين مع بعضهم من أكثر المسائل الإسلامية بداهة، حيث كانت موجودة منذ انطلاقة الإسلام، وطالما أكد عليها النبيُّ (صلى الله عليه وآله)مراراً، بالاضافة إلى عدم كونها مسألة تحتاج إلى بيان بهذا الاُسلوب الحاد في الآية، وأن يشعر النبي (صلى الله عليه وآله) بالخطر من البوح بها (تأملوا جيداً).

   2 ـ إن عبارة «ألَستُ أوْلى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» الواردة في الكثير من الروايات لا تتناسب أبداً مع بيان مودّة عادية، بل انه يريد القول بأن تلك الأولوية والتصرف الذي لي تجاهكم وأنني إمامكم وقائدكم، فإنه ثابت لعلي (عليه السلام) وأي تفسير لهذه العبارة غير ما قيل فهو بعيد عن الإنصاف والواقعية، لا سيّما مع الأخذ بنظر الإعتبار جملة «أنَا أوْلى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ».

   3 ـ التهاني التي قدمها الناس لعلي (عليه السلام) في هذه الواقعة التاريخية، لا سيّما التهاني التي قدمها أبوبكر وعمر، إذ إنها تبرهن على أن القضية لم تكن سوى تعيين الخلافة التي يستحق التبريك والتهاني، فالاعلان عن المودة الثابتة لجميع المسلمين بشكل عام لا يحتاج إلى تهنئة.

   وجاء في مسند الإمام أحمد أن عمراً، قال لعلي بعد خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) :

   هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(3).

   ونقرأ في العبارة التي ذكرها الفخر الرازي في ذيل الآية : (ياأَيُّها الرسولُ بلّغْ مَا أُنزلَ


1 . الحجرات : الآية 10.

2 . التوبة : الآية 71.

3 . مسند أحمد : ج 4، ص 281 (على ضوء نقل الفضائل الخمسة : ج 1، ص 432).

[ 27 ]

إليكَ) أن عمراً قال : «هَنيئاً لَكَ يَابْنَ أبي طالِب أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤمِن وَمُؤمِنَة».

   وبهذا فإن عمراً يعدُ علياً مولاه ومولى المؤمنين جميعاً.

   وفي تاريخ بغداد جاءت الرواية بهذا الشكل :

   بَخّ بَخّ لَكَ يَا ابْنَ أبي طالِب ! أَصْبَحْتَ مَوْلايَ وَمَوْلى كُلِّ مُسْلِم(1).

   وجاء في «فيض القدير»، و«الصواعق»، أن أبا بكر وعمراً باركا لعلي بالقول : «أَمْسَيْتَ يَابْنَ أبي طالِب مَوْلا كُلِّ مُؤمِن وَمُؤمِنَة»(2).

   ومن نافلة القول إن المودة العادية بين المؤمنين ليست لها مثل هذه المراسيم، وهذا لا ينسجم إلاّ مع الولاية التي تعني الخلافة.

   4 ـ إن الشعر الذي نقلناه آنفاً عن «حسان بن ثابت» بذلك المضمون والمحتوى الرفيع، وتلك العبارات الصريحة والجلية شاهد آخر على هذا الادعاء، وتشير إلى هذه القضية بما فيه الكفاية (راجعوا تلك الأبيات مرّة اُخرى).

—–

 

2 ـ سورة المعارج تؤيد حديث الغدير

   روى كثيرٌ من المفسّرين ورواة الحديث في ذيل الآيات الاُولى من سورة المعارج : (سألَ سائلٌ بِعَذاب واقع * لِلْكَافِرِيْنَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِن اللهِ ذِي المَعَارِجِ) أنّ شأن النزول في هذه الآيات هو ما يلي :

   إن النبي (صلى الله عليه وآله) عيّن علياً خليفة يوم غدير خم وقال بحقّة : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَه»، فما لبث أن انتشر الخبر، فجاء «النعمان بن الحارث الفهري» ـ (وكان من المنافقين)(3) ـ إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال : لقد أمرتنا أن نشهد ان لا إله إلاّ الله وأنك محمّد رسول الله، فشهدنا، ثمّ


1 . تاريخ بغداد : ج 7، ص 290.

2 . فيض القدير : ج 6، ص 217، الصواعق : ص 107.

3 . جاء في بعض الروايات انه «الحارث بن النعمان» وفي بعضها «النضر بن الحارث».

[ 28 ]

أمرتنا بالجهاد والحجّ والصلاه والزكاة فقبلنا، فلم ترض بكلّ ذلك، حتّى أقمت هذا الفتى «مشيراً إلى عليّ (عليه السلام) خليفة لك، وقلت : مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه فهل هذا منك أم من الله» ؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله) «والله الذي لا معبود سواه انه من الله»، فالتفت إليه «النعمان بن الحارث»، وقال : «إلهي إن كان هذا حقّاً منك فأنزل علينا حجارة من السماء» !

   وفجأةً نزلت حجارة من السماء على رأسه وقتلته، فنزلت آية «سأل سائل بعذاب واقع».

   ما ورد أعلاه هو ما ذكره صاحب «مجمع البيان» عن أبي القاسم الحسكاني(1) وقد نقل هذا المضمون الكثير من مفسّري أهل السنّة ورواة الأحاديث مع شيء من الإختلاف، مثل : القرطبي في تفسيرهِ المعروف(2)، والآلوسي في تفسير روح المعاني(3)، وأبو إسحاق الثعلبي في تفسيره(4).

   وينقل العلاّمة الأميني هذه الرواية في كتاب الغدير عن ثلاثين من علماء السنّة (مع ذكر المصدر ونص العبارة)، منها : «السيرة الحلبية»، «فرائد السمطين» للحمويني، «درر السمطين» للشيخ محمّد الزرندي، و«السراج المنير» لشمس الدين الشافعي، «شرح الجامع الصغير» للسيوطي، و«تفسير غريب القرآن» للحافظ أبوعبيد الهروي، و«تفسير شفاء الصدور» لأبي بكر النقاش الموصلي، وكتب اُخرى.

   وقد أورد بعض المفسّرين أو المحدّثين الذين يُقرّون بفضائل علي (عليه السلام) على مضض اشكالات مختلفة على شأن النزول هذا، أهمها الإشكالات الأربعة التالية التي أوردها صاحب تفسير المنار وآخرون بعد ذكرهم للرواية أعلاه.

الإشكال الأوّل : إن سورة المعارج مكية، ولا تتناسب مع واقعة غدير خم.

   والجواب : إن كون السورة مكية لا يعتبر دليلاً على أن جميع آياتها نزلت في مكّة،


1 . مجمع البيان: ج 9 و 10، ص 352.

2 . الجامع لأحكام القرآن : ج 10، ص 6757.

3 . روح المعاني : ج 29، ص 52.

4 . وفقاً لنقل نور الأبصار للشبلنجي : ص 71.

[ 29 ]

فلدينا العديد من سور القرآن الكريم التي تدعى بالمكية وكتبت في جميع المصاحف على أنها مكية، بيد أن عدداً من آياتها نزلت في المدينة، وكذا العكس، فعلى سبيل المثال : إن سورة العنكبوت من السور المكية، والحال أن آياتها العشر الاُولى نزلت في المدينة، على ضوء قول الطبري في تفسيره المعروف،والقرطبي في تفسيره وآخرين من العلماء(1).

   أو سورة الكهف المعروفة بأنها مكية بينما نزلت آياتها السبع الاُولى في المدينة استناداً لتفسير «القرطبي»، و«الاتقان» للسيوطي، وتفاسير عديدة(2).

   وهكذا فهنالك سورٌ عُدت بأنها مدنية بينما نزلت آيات منها في مكة، مثل سورة «المجادلة» فهي مدنية كما هو معروف، إلاّ أن الآيات العشر الاُولى منها نزلت في مكّة، طبقاً لتصريح بعض المفسّرين(3).

   وموجز الكلام أنه توجد حالات كثيرة بأن تذكر سورة على أنها مكية أو مدنية، ويكتب عليها في التفاسير والمصاحف هذا الاسم إلاّ أن جانباً من آياتها قد نزل في موضع آخر.

   وعليه فلا مانع أبداً من أن تكون سورة المعارج هكذا أيضاً.

   الإشكال الثاني : جاء في الحديث أن الحارث بن النعمان جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)في الإبطح، ومعلوم أن الأبطح اسم لوادي في مكّة، وهذا لا يتلائم مع نزول الآية بعد واقعة الغدير بين مكّة والمدينة.

   الجواب : أوّلاً إن عبارة الإبطح وردت في بعض الروايات فقط لا في جميعها.

   وثانياً : إن «الإبطح والبطحاء» تعني الأرض الرملية التي يجري فيها السيل، وهنالك مناطق في المدينة وغيرها يطلق عليها اسم الأبطح أو البطحاء أيضاً، واللطيف انه قد اشير إليها مراراً في الشعر العربي.


1 . تفسيرالطبري : ج 20، ص 86، القرطبي : ج 13، ص 323.

2 . للمزيد من الاطلاع على الموضوع : راجعوا الجزء الأوّل من كتاب الغدير : ص 356و257.

3 . تفسير أبي السعود الذي كتب على هامش تفسيرالرازي : ج 8،ص 148، والسراج المنير : ج 4، ص 310.

[ 30 ]

   منها الشعر المعروف الذي انشده «شهاب الدين» المشهور بـ «حيص بيص»(1) في رثائه لأهل البيت (عليهم السلام)، عن لسانهم في مخاطبة قاتليهم :

مَلَكْنا فَكانَ الْعَفْوُ مِنّا سَجِيَّةً *** فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّمِ أَبْطَحُ

وَحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الاُسارى وَطالَما *** غَدَوْنا عَنِ الاَسْرى نَعْفُوا وَنصْفَحُ(2)

   ومن الواضح أن مقاتل أهل البيت (عليهم السلام) كانت على الأغلب في العراق وكربلاء والكوفة والمدينة، وما اُريق دمٌ في ابطح مكّة أبداً، نعم إن بعض أهل البيت (عليهم السلام)استشهدوا في واقعة «فخ» التي تبعد عن مكّة ما يقرب من فرسخين، والحال أنّ الابطح يجاور مكّة.

   وشاعرٌ آخر يرثي الإمام الحسين (عليه السلام) سيّد الشهداء قائلاً :

وَتَاِنُّ نَفْسي لَلرُّبُوعِ وَقَدْ غَدا *** بَيْتَ النَّبِيِّ مُقَطَّعُ الاَطْنابِ

بَيْتٌ لاِلِ المُصْطَفى فِي كَرْبَلا *** ضَرَبُوهُ بَيْنَ أَباطِح وَرَوابي(3)

   وثمة أشعار اُخرى كثيرة ورد فيها تعبير «الابطح» أو «الاباطح» لا تعني منطقة خاصة في مكّة.

   وملخّص الكلام، صحيح أن أحد معاني الابطح هو بقعة في مكّة، إلاّ أنّ معنى ومفهوم ومصداق الابطح لا ينحصر بتلك البقعة.

—–

 

3 ـ كيفية ارتباط هذه الآية بما قبلها وبعدها

   إن بعض المفسّرين ومن أجل مجانبة الحقيقة الكامنة في هذه الآية توسّل بمبرر آخر


1 . اسمه «سعد بن محمّد بن سعد بن صيفي التميمي» ويلقّب بـ «شهاب الدين» ومشهور بلقب «حيص بيص»، وكان من فقهاء الشافعية وله معرفة واسعة بالعلوم ولكنه كان أعلم بالشعر والبلاغة، أما السبب في شهرته بلقب «حيص بيص» فقد ذكروا أن الناس كانوا في عسر وضيق فقال : ما للناس في حيص وبيص ؟ فعرف بهذه الكلمة، توفي عام 554 أو 574 أو 577 هـ . ق، ودفن في مقابر قريش. (ريحانة الأدب : ج 2، ص 97).

2. الغدير : ج 1، ص 255.

[ 31 ]

وهو : إن سياق الآيات السابقة واللاحقة بشأن أهل الكتاب لا تنسجم مع قضية الولاية والخلافة والإمامة، ولا تتناسب هذه الاثنينية في الخطاب مع بلاغة وفصاحة القرآن(1).

   الجواب : إن كافة المطّلعين على كيفية جمع آيات القرآن يعرفون أن آيات القرآن نزلت تدريجياً وبمناسبات مختلفة، من هنا فكثيراً ما تتحدث سورةٌ ما حول قضايا مختلفة، فجانبٌ منها يتحدث عن الغزوة الفلانية، والجانب الآخر حول الحكم والتشريع الإسلامي الفلاني، وجانبٌ يخاطب المنافقين، وآخر يخاطب المؤمنين، فمثلاً لو طالعنا سورة النور لوجدناها تحتوي على جوانب متعددة، كلٌّ منها ناظرٌ إلى موضوع، بدءاً من التوحيد والمعاد ومروراً بتنفيذ حدّ الزنا وقصة «الافك»، والقضايا المتعلّقة بالمنافقين، والحجاب وغيرها، (وكذلك سائر السور الطوال إلى حد ما) بالرغم من وجود ارتباط عام بين مجموعة أجزاء السورة.

   والسرّ وراء هذا التنوع في المحتوى ما قيل من أن القرآن نزل تدريجياً وحسب المتطلبات والضرورات وفي مختلف الأحداث، وليس على هيئة كتاب كلاسيكي أبداً بحيث يتابع موضوعاً معداً سلفاً، على هذا الأساس لا مانع على الاطلاق من أن تنزل مقاطع من سورة المائدة بشأن أهل الكتاب، ومقاطع منها في واقعة الغدير، بالطبع فمن وجهة النظر العامة انهما يرتبطان معاً إذ انّ تعيين خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يترك أثره على قضايا أهل الكتاب أيضاً، لأنه سيؤدي إلى يأسهم من انهيار الإسلام برحيل النبي (صلى الله عليه وآله)(2).

—–


1 . تفسير المنار : ج 6، ص 466.

2 . نفحات القرآن : ج 9، ص 175.

[ 32 ]

[ 33 ]

 

آية إكمال الدين

2

«سورة المائدة / الآية 3»

 

أبعاد البحث

   تتحدّث هذه الآية الشريفة عن يوم عظيم جداً لدى المسلمين حيث يمثل نقطة عطف في تاريخ الإسلام، وهو اليوم الذي عاش فيه أعداء الدين اليأس الكامل، وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة الإلهية ورضى الله تعالى، فأي يوم هو هذا اليوم المبارك ؟

   فيما يلي نجيب على هذا السؤال :

 

الشرح والتفسير

يوم إكمال الدين والنعمة

   (اَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِين كَفَرُوا مِنْ دينِكُمْ) فبالرغم من أنّ أعداء الإسلام والكفّار المعاندين لم يتوانوا في التصدي للدعوة السماوية منذ بدايتها وإلى آخر أيّام حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)وبوسائل مختلفة، وفي كلّ مرّة كانوا يهزمون ويولّون الأدبار ولكنهم مع ذلك لم يفقدوا الأمل في الإنتصار على الإسلام والمسلمين، ولكن عند نزول هذه الآية الشريفة ندرك جيداً وقوع حادثة مهمة بحيث إنّ هؤلاء الأعداء لم ينهزموا فقط بل فقدوا أملهم بالنصر نهائياً.

[ 34 ]

   وعلى هذا الأساس فإنّ هؤلاء الكفّار والمشركين قد تملّكتهم حالة من اليأس المطبق في تحقيق النصر على هذه الدعوة الجديدة.

   (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِ) فمع هذا النصر الكبير الذي حصل لكم في هذا اليوم فلا ينبغي لكم بعد ذلك أن تعيشوا حالة الخوف والخشية من الأعداء لأنهم سوف لا يشكلون خطراً عليكم إطلاقاً بل عليكم أن تتحركوا في امتثال أوامر الله سبحانه وتعالى من موقع الخشية لله والتقوى لأنّ الخطر الأساس في هذه المرحلة يتمثل في الأهواء والشهوات والإبتعاد عن خط الطاعة والتقوى والمسؤولية.

   (اَلْيَوْمَ اَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَاَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) ففي هذا اليوم العظيم والمهم أكمل الله لكم دينكم وأتم نعمته عليكم.

   (وَرَضيتُ لَكُمْ الإسْلاَمَ دِيناً) إنّ عظمة هذا اليوم وأهمية هذه الحادثة إلى درجة بحيث إنّ الله عزّوجلّ رضى لكم الدين الإسلامي إلى الأبد.

 

أيّ يوم هو ذلك اليوم ؟

   إن اليوم الذي تتحدث عنه الآية الشريفة له خصائص مهمة أربع :

   1 ـ إن هذا اليوم هو اليوم الذي شعر فيه الكفّار والمشركون باليأس الكامل.

   2 ـ اليوم الذي أكمل الله لكم الدين.

   3 ـ اليوم الذي أتم الله تعالى نعمته على جميع المسلمين.

   4 ـ اليوم الذي رضى به الله تعالى أن يكون الإسلام ديناً خالداً لجميع الناس فأيّ يوم هذا اليوم المبارك الذي يتمتع بهذه الخصوصيات الأربعة ؟

   وللإجابة على هذا السؤال يمكننا اختيار طريقين :

   الطريق الأوّل : التأمل والتدبّر في مضمون الآية الشريفة نفسها ومطالعة ما يمكن استيحاؤه من أجواءها بغض النظر عن الروايات والأحاديث الشريفة الواردة في تفسير هذه الآية وبغضّ النظر كذلك عن آراء المفسّرين وعلماء الإسلام وسائر العلائم والقرائن الاُخرى التي تحيط بهذه الآية الشريفة.

[ 35 ]

   الطريق الثاني : تفسير الآية الشريفة بالاستعانة بالروايات الواردة بشأن النزول وكذلك آراء ونظريات المفسّرين وعلماء الإسلام.

 

الطريق الأوّل : تفسير الآية بدون الاستعانة بالقرائن الخارجية

   نتساءل مع أيّ حادثة من الحوادث التاريخية في زمن النزول يمكن تطبيق هذه الآية الشريفة ؟

   وفي مقام هذا الجواب على هذا السؤال فالفخر الرازي له رأيان والمرحوم الطبرسي ذكر رأياً ثالثاً، ونحن بالتوكل على الله تعالى وبالإستعانة بالعقل والمنطق والإبتعاد عن التعصّب ولغة الأحساسات والإبتعاد عن كلّ ما يخلّ بوحدة المسلمين نبحث هذه الآراء والنظريات الثلاث بدقّة :

   النظرية الاُولى : وهي أحدى النظريات التي ذكرها الفخرالرازي في تفسيره للآية الشريفة، وهي أنّ كلمة «اليوم» الواردة في هذه الآية لم ترد بمعناها الحقيقي بل وردت بالمعنى المجازي، أي أنّ كلمة «اليوم» هنا تعني «المرحلة» أو البرهة من الزمان لا مقطع خاص منه بما يحكي عن ليلة ونهار واحد.

   وطبقاً لهذه النظرية فإنّ اليوم هنا لا يقصد به يوم معين أو حادثة خاصّة بل يشير إلى بداية مرحلة تحكي عن عظمة الإسلام ويأس الأعداء والكفّار من تحقيق النصر على هذه الدعوة السماوية، لا سيّما وأن هذا الإستعمال المجازي لكلمة «اليوم» هو استعمال متداول بين الناس كما يقال مثلاً «كنت بالأمس شاباً واليوم أصبحت شيخاً» أي أنني كنت في مرحلة سابقة من عمري شاباً وفي هذا الزمان أصبحت شيخاً، فلا تعني كلمة اليوم أو الأمس يوماً معيناً من الأيّام الزمانية.

   ولكن الجواب على هذه النظرية واضح لأنّ المعنى المجازي يحتاج إلى قرينة لصرف الإستعمال عن المعنى الحقيقي، فما هي هذه القرينة الواضحة التي استند عليها الفخرالرازي للقول بالمعنى المجازي ؟

   النظرية الثانية : أن المراد بكلمة اليوم في الآية الشريفة هو المعنى الحقيقي، أي هو يوم

[ 36 ]

خاصّ ومعين وهو «يوم عرفة» الثامن من شهر ذي القعدة، في حجّة الوداع في السنة العاشرة للهجرة.

   ولكن هذه النظرية بدورها لا تتضمن إقناعاً كافياً لأنّ يوم عرفة في السنة العاشرة للهجرة لا يختلف عن أيّام عرفة الاُخرى في السنة التاسعة والثامنة للهجرة، ولولم تحدث في هذا اليوم حادثة خاصة فكيف ذكرته الآية الشريفة بلغة التعظيم والتبجيل ؟