الولاية تعني تنفيذ قوانين الإسلام بتوسط الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)وخلفائهم، وعلى هذا الأساس فإنّ الولاية هي أفضل وأسمى من الصلاة والصوم والحجّ والزكاة، الولاية هنا تعني الحكومة الإسلامية والولاية التي انبثقت من غدير خم في عملية نصب الإمام علي (عليه السلام) والياً على المسلمين.

 

2 ـ الولاية ذات جهتين

   وطبقاً للتفسير المذكور آنفاً فإنّ الولاية لها جهتان :

   فمن جهة يتكفّل الولي والإمام والقائد للاُمّة الإسلامية هداية المسلمين ويجيب على أسئلتهم الدينية ويقوم بتحصين الاُمّة من الأخطار والمؤامرات التي يحيكها الأعداء ويتحرّك على مستوى إقرار النظم والإنضباط في المجتمع الإسلامي ويعيد حقوق المستضعفين والمظلومين ويجري الحدود الإلهية ويقيم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

[ 50 ]

   ومن جهة اُخرى فإنّ الواجب على الناس هو السعي على مستوى الممارسة والنشاطات الفردية والإجتماعية لتجسيد أقوال وسلوكيات وأفكار ذلك الإمام والقائد ويتحركون في خطاهم بموازاة خطوات الإمام وإلاّ فلا يمكن إدعاء الولاية للأئمّة المعصومين بمجرد الكلام في حين أن الإنسان يرتكب أنواع الذنوب والخطايا.

   والملفت للنظر أن رئيس جهاز الساواك في حكومة الشاه قال لي يوماً حين التحقيق معي : «انني أعشق الإمام علي (عليه السلام) وأصرّح بحبّه وولايته ولكن إذا رأيت بعض الأشخاص الذين يخالفون الشاه فإني مستعد أن أقتل مليون شخص من هؤلاء». فهل أنّ مثل هذه السلوكيات والأفكار تتناغم وتنسجم مع ولاية أميرالمؤمنين أو أنّها ولاية كاذبة وزائفة ؟

   أجل ! فإنّ الولاية الحقيقية هي التي تعني إنطباق جميع الأعمال والأقوال والأفكار على أعمال وأقوال وأفكار المعصومين (عليهم السلام).

—–

[ 51 ]

 

 

آية الولاية

3

«سورة المائدة / الآية 55»

 

أبعاد البحث

   إنّ سورة المائدة تشتمل على قسم مهم من آيات الولاية لأنّ هذه السورة كما رأينا نزلت في أواخر عمر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ومن جهة اُخرى فإنّ مسألة الوصي والخليفة تطرح بشكل طبيعي في أواخر عمر القائد، ولهذا فإنّ هذه السورة تتضمن آيات متعددة من آيات الولاية، وعلى أية حال فإنّ الآية الشريفة أعلاه نموذج آخر من الآيات التي تدلّ بوضوح على ولاية أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

 

الشرح والتفسير

علائم الولي

   (اِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا).

   نحن نعلم أنّ كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر، وعليه فإنّ وليكم أيّها المؤمنون هم الثلاثة المذكورون في هذه الآية الشريفة لا غير، وهؤلاء الثلاثة عبارة عن :

   1 ـ الله عزّوجلّ.

[ 52 ]

   2 ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله).

   3 ـ الذين آمنوا.

   وبالطبع ليس المراد جميع المؤمنين بل بعضهم الذي يتمتع بالشروط المذكورة في نفس الآية.

   (الَّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ).

   فالطائفة الثالثة من أولياء الله المؤمنين ليس هم جميع المؤمنين بل المؤمنين الذين يقيمون الصلاة أوّلاً، ويؤتون الزكاة ثانياً، وأن يكون إيتاء الزكاة في حال الركوع ثالثاً.

   والنتيجة، هي أنّ ولي المؤمنين هم هؤلاء الثلاثة فقط :

   1 ـ الله عزّوجلّ 2 ـ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) 3 ـ المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

   سؤال : ما هو المراد من «الذين آمنوا» في هذه الآية ؟ وما معنى الولي هنا ؟

   إن الآية الشريفة أعلاه تتضمن نقطتين مبهمتين : الاُولى : ما هو المراد من كلمة «الولي» في هذه الآية ؟ حيث نعلم لكلمة الولي معان مختلفة ولهذا يجب السعي لتشخيص المعنى المراد من هذه الكلمة في هذه الآية.

   والآخر هو: ماالمراد بعبارة (الَّذِينَ آمَنُوا) والذين تتوفر فيهم الشروط الثلاثة المذكورة آنفاً ؟ هل المراد بهؤلاء شخص معين، أو أيّ شخص تتوفر فيه هذه الصفات الثلاث ؟

   الجواب : هنا بالإمكان أن نسلك طريقين للجواب عن هذا السؤال كما تقدّم فيما سبق، ثمّ نجيب على بعض الأسئلة الاُخرى الذي يطرحها بعض الأشخاص المتعصبين الذين أسدل حجاب التعصّب ستاراً على عقولهم ومنعهم من فهم العقائد الجلية.

 

الطريق الأوّل : تفسير الآية مع غض النظر عن الروايات الشريفة

   في البداية نأتي لكلمة «ولي» ونبين المراد منها لأنه لو اتضح معنى هذه الكلمة فإن الكثير من المسائل والتعقيدات في هذه المسألة سوف تجد لها طريقاً إلى الحلّ، فبعض

[ 53 ]

المفسّرين من أهل السنّة وبهدف إبعاد أذهان مخاطبيهم عن المعنى الواضح للآية الشريفة فإنّهم ذكروا معان كثيرة لهذه الكلمة وصلت إلى سبعة وعشرين معنى(1) لكي يقول أن هذه الكلمة هي لفظ مشترك بين معان مختلفة ولا نعلم مراد الله عزّوجلّ منها وأن أيّ معنى من هذه المعاني هو المقصود في الآية الشريفة، إذن فإنّ هذه الآية مبهمة ولا تدلّ على شيء، ولكن عندما نراجع كتب اللغة وكلمات ونظريات اللغويين نرى أنهم لم يذكروا لمعنى الولي سوى اثنين أو ثلاث معان، وعليه فإن سائر المعاني المذكورة لهذه الكلمة تعود إلى هذه المعاني الثلاثة وهي :

   1 ـ «ولي» بمعنى ناصر والولاية بمعنى النصرة.

   2 ـ «الولي» بمعنى القيّم وصاحب الإختيار.

   3 ـ أنها تأتي بمعنى الصديق والرفيق حتّى لو لم يؤد هذا الإنسان حقّ النصرة لرفيقه ولكن بما أنّ الصديق في دائرة الرفاقة والصداقة ينهض لنصرة صديقه غالباً فإن المعنى الثالث يعود للمعنى الأوّل أيضاً، وعليه فإنّ كلمة «ولي» في نظر أرباب اللغة تطلق على معنيين، وسائر المعاني المذكورة لها تعود إلى هذين المعنيين.

 

«ولي» في استعمالات القرآن

   والآن نعود إلى القرآن الكريم لنرى موارد استعمال هذه الكلمة في الكتاب الكريم.

   إنّ كلمة «ولي» و «أولياء» جاءت في سبعين مورداً في القرآن الكريم وبمعان مختلفة :

   1 ـ نقرأ في بعض الآيات الشريفة أن كلمة «ولي» جاءت بمعنى الناصر والمعين كما في الآية 107 من سورة البقرة حيث يقول تعالى :

   (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصير).

   2 ـ وجاءت هذه الكلمة في آيات اُخرى بمعنى المعبود كما في الآية 257 من سورة البقرة :


1 . وقد ذكر العلاّمة الأميني في كتابه القيّم «الغدير» : ج 1، ص 362 جميع هذه المعاني السبعة والعشرين.

[ 54 ]

   (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا... وَالَّذِينَ كَفَرُوا اَوْلِيائُهُمُ الطّاغُوتُ).

   فكلمة الولي في هذه الآية جاءت بمعنى المعبود، فالمعبود للمؤمنين هو الله عزّوجلّ، ومعبود الكفّار هم الطواغيت والشياطين والأهواء النفسانية.

   3 ـ وجاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم بمعنى الهادي والمرشد أيضاً كما نقرأ في آية 17 من سورة الكهف :

   (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً).

   فنرى في هذه الآية الشريفة أنّ كلمة «ولي» جاءت بمعنى الهادي والمرشد.

   4 ـ وقد وردت هذه الكلمة في كثير من الآيات الشريفة بمعنى القيّم وصاحب الإختيار كما في الآيات التالية :

   ألف ) نقرأ في الآية الشريفة 28 من سورة الشورى قوله تعالى :

   (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ).

   ب ) ونقرأ الآية 33 من سورة الإسراء في حديثها عن الولاية التشريعية :

   (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً).

   فالولي في هذه الآية جاء بمعنى القيّم وصاحب الإختيار لأن حقّ القصاص لم يرد في الشريعة لصديق المقتول بل لوارثه ووليه.

   ج ) ونقرأ في أطول آية من آيات القرآن الكريم وهي الآية 282 من سورة البقرة وهي تتحدث عن كتابة وثيقة الدَين والقرض(1) وتقول :

   (فَليُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعَدْلِ).

   أي أن من كان الحقّ في ذمته ولا يستطيع أن يملل على الكاتب فيجب أن يملل وليه نيابة عنه مع رعاية العدالة، ففي هذه الآية الشريفة وردت هذه الكلمة بمعنى القيّم وصاحب الإختيار.


1 . بالرغم من أن أطول آية في القرآن تتحدّث عن كتابة وثيقة الدَين والقرض ولكن المؤسف أن هذا الحكم    الإسلامي قد أصبح مهجوراً بين المسلمين وكانت النتيجة هي تورطهم بمشكلات كثيرة وبلايا جمّة بسبب تركهم لهذا الحكم الشرعي.

[ 55 ]

   د ) ونقرأ في الآية 34 من سورة الأنفال قوله تعالى :

   (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِيائَهُ اِنْ أَوْلِياؤُهُ إلاَّ الْمُتَّقُونَ).

   فالولي هنا بمعنى القيّم والمسؤول وصاحب الإختيار وإلاّ فمن الواضح أنّ الكفّار والمشركين ليست لديهم أدنى علاقة وصداقة مع هذا المكان المقدّس.

   هـ : ونقرأ في الآية 6 و 5 من سورة مريم :

   (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ).

   ومن الواضح أنّ الورثة يرثون المال بعد موت الولي فلا تأتي هنا بمعنى الصديق والناصر.

   والنتيجة هي أن كلمة «الولي» استعملت في الآيات الشريفة بمعان مختلفة ولكنّها وردت في أكثر هذه الموارد بمعنى القيّم وصاحب الإختيار.

 

المراد من الولي في الآية محل البحث

   ونظراً لما تقدّم آنفاً فما هو المراد من كلمة «ولي» في آية الولاية ؟ هل أنّ المراد منها هو الصديق والناصر ؟

   إنّ هذا المعنى يخالف أكثر موارد استعمال هذه الكلمة في جميع الآيات القرآنية. إذن فالإنصاف يدعونا إلى فهم الولي في هذه الآية بمعنى القيّم وصاحب اختيار لا بمعنى الصديق والناصر لأنّه :

   أوّلاً : كلمة «إنّما» الواردة في صدر الآية تدلّ على الحصر، أي حصر الولي للمؤمنين بهؤلاء الثلاثة لا غير، في حين أنّه لو كان المراد من كلمة الولي بمعنى الصديق فلا معنى للحصر حينئذ، لأنّ من الواضح وجود طوائف اُخرى غير هذه الطوائف الثلاثة المذكورة في الآية يمكن أن يكونوا من أصدقاء وأنصار المؤمنين، مضافاً إلى أنه لو كان كلمة «الولي» بمعنى الصديق أو الناصر فلا معنى لورود كل هذه القيود لكلمة «الّذين آمنوا» بأن يشترط فيهم دفع الزكاة في حال الركوع لأن جميع المؤمنين بل وغير المؤمنين من الذين لا يصلّون يمكنهم أن يكونوا من أصدقاء المسلمين، وعلى هذا الأساس فيستفاد من كلمة «إنّما» التي تدلّ على الحصر وكذلك القيود العديدة لكلمة «الذين آمنوا» أنّ الولاية في الآية الشريفة

[ 56 ]

لم تستعمل بمعنى الصديق والناصر بل بمعنى القيّم والقائد وصاحب الإختيار، لذلك يكون مراد الآية أن الله تعالى والنبي والمؤمنين الذين تتوفر فيهم الشروط المذكورة في الآية هم أوليائكم والقيميّين على اُموركم.

   ثانياً : أن الآية 56 من سورة المائدة التي وردت بعد الآية محل البحث أفضل قرينة وشاهد على المدّعى فإنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية الشريفة :

   (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنوا فَاِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ).

   الحزب هنا بمعنى جمع من الناس، ونصرة الحزب بمعنى تفوّقه ونجاحه في حركته السياسية والإجتماعية، وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الآية الشريفة ترتبط بالآية التي قبلها وهي الآية محل البحث، والظاهر أنّهما نزلتا سوية فيستفاد منها أنّ الولاية المذكورة فيها هي الولاية السياسية فيكون معنى الآية هو :

   إنّ الأشخاص الذين يقبلون بحكومة الله والنبيّ وحكومة الذين آمنوا فإنّ هؤلاء الأشخاص والطوائف هم الغالبون.

   والنتيجة هي أننا لو تدبرنا وتعمقنا في كلّ كلمة من كلمات هذه الآية الشريفة مع غض النظر عن الروايات الكثيرة الواردة في تفسيرها يتضّح جيداً أنّ الولي في هذه الآية جاء بمعنى الإمام والقائد والقيّم، وكلّ من يقبل حكومة الله والرسول والذين آمنوا، الذين تتوفر فيهم الشرائط المذكورة في الآية الشريفة هم الغالبون والمنتصرون.

 

مصداق «الّذين آمنوا» في الآية الشريفة

   لقد اتّضح فيما سبق معنى كلمة «إنّما» و«ولي» ولكن مازال الإبهام يحيط بمعنى وتفسير الآية الشريفة لأنه لم يتضح لحد الآن المراد من عبارة «والذين آمنوا» في هذه الآية.

   وللإجابة على هذا السؤال يجب القول بأنه ليس بين الرواة والمفسّرين وعلماء الإسلام من الشيعة وأهل السنّة إلا ويرى «الإمام عليّ» هو المصداق لهذه الآية الشريفة، وعلى هذا الأساس فهذه الآية تدلّ بالإجماع واتفاق جميع علماء الإسلام على أنّ الإمام علي (عليه السلام) هو المصداق لهذه الآية الشريفة، ومن جهة اُخرى فإنّ جملة «والذين آمنوا» لا تتحمّل سوى

[ 57 ]

مصداق واحد وليس هذا المصداق سوى عليّ بن أبي طالب.

   والنتيجة ممّا تقدّم آنفاً هو أنه يستفاد من الآية الشريفة ثلاثة اُمور «بغضّ النظر عن الآيات وروايات المفسّرين».

   1 ـ إن كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر والولاية هنا منحصرة في ثلاث طوائف.

   2 ـ إن هذه الولاية في الآيات الشريفة وردت بمعنى القائد والقيّم وصاحب الإختيار كما في أكثر موارد استعمالها في القرآن الكريم.

   3 ـ إن مصداق «الّذين آمنوا» في هذه الآية هو الإمام عليّ (عليه السلام) بلا شك.

 

الطريق الثاني : تفسير الآية بلحاظ الروايات الشريفة

   ينقل المحدّث البحراني في «غاية المرام» أربع وعشرين حديثاً من منابع أهل السنّة، وتسعة عشر حديثاً من منابع الشيعة فتشكل بمجموعها ثلاثة وأربعين حديثاً، وعليه فإنّ الروايات الواردة في شأن هذه الآية متواترة(1)، ومضافاً إلى ذلك فإنّ العلاّمة الأميني أورد في كتابه القيّم «الغدير» روايات من عشرين مصدراً من المصادر الروائية المعروفة لدى أهل السنّة تتحدّث في شأن الآية الشريفة محل البحث من قبيل تفسير الطبري، تفسير أسباب النزول، تفسير الفخرالرازي، التذكرة لسبط ابن الجوزي، الصواعق لابن حجر، نور الأبصار للشبلنجي، وكذلك تفسير ابن كثير وغيرها من المصادر المعتبرة لدى أهل السنّة، وأما رواة هذه الأحاديث فهم عشرة أشخاص من الصحابة المعروفين.

   1 ـ ابن عباس، 2 ـ عمّار بن ياسر، 3 ـ جابر بن عبدالله الأنصاري، 4 ـ أبوذرّ الغفاري «الذي نقل أدقّ وأطول رواية في هذا المجال»، 5 ـ أنس بن مالك، 6 ـ عبدالله ابن سلام، 7 ـ سلمة بن كهيل، 8 ـ عبدالله بن غالب، 9 ـ عقبة بن حكيم، 10 ـ عبدالله ابن أُبي.

   ومضافاً إلى ذلك فإنّه قد وردت روايات من الإمام علي (عليه السلام) أيضاً في شأن نزول هذه


1 . عندما تكون الروايات في مورد معيّن من الكثرة بحيث يحصل للشخص اليقين بمضمونها فمثل هذه الروايات تسمى «متواترة» ولا حاجة حينئذ للتحقيق في سندها.

[ 58 ]

الآية الشريفة وقد استدلّ بها الإمام عليّ كراراً.

   وأما مضمون الروايات أعلاه فهو أنه : كان الإمام علي (عليه السلام) يوماً يصلي في مسجد النبي، فدخل سائل إلى المسجد وطلب حاجته من المسلمين فلم يعطه أحد شيئاً(1)، وكان الإمام في حال الركوع فأشار للسائل إلى خاتمه فجاء وانتزع الخاتم من إصبع الإمام وخرج من المسجد، فنزلت حينئذ الآية الشريفة.

   وهذا المضمون للروايات الشريفة ورد في أكثر من أربعين رواية من الروايات التي وردت في شأن نزول الآية محل البحث، ونحن نقتصر هنا على استعراض ثلاث روايات منها، وهي ما أورده الفخر الرازي في تفسيره :

   1 ـ رَوى عَطا عن اِبْنِ عَبّاسْ أَنها نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ بْنِ أَبي طالِب(2).

   2 ـ روي أن عبدالله بن سلام قال : لَمّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ، قُلْتُ : يا رَسُولَ اللهِ أَنَا رَأَيْتُ عَلِيّاً تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ عَلى مُحْتاج وَهُوَ راكِعٌ فَنَحْنُ نَتَوَلاّهُ(3).

   3 ـ وهي الرواية الأهم من بين الروايات في هذا الباب وهي نقلاً عن أبي ذرّ الغفاري وهذه الرواية أوردها الفخر الرازي عن أبي ذرّ أنه قال :

   قالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يَوْماً صَلاةَ الظُّهْرِ، فَسَأَلَ سائِلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ فَرَفَعَ السّائِلُ يَدَهُ إلَى السَّماءِ وَقَالَ : «اللّهُمَّ اشْهَدْ اَنِّي سَأَلْتُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ فَما أَعْطانِي أَحَدٌ شَيْئاً !» وَعَلِيٌّ كَانَ راكِعاً، فَأَوْمَأ إلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنى وَكَانَ فِيها خَاتَمٌ فَأَقْبَلَ السّائِلُ حَتّى أَخَذَ الْخاتَمَ بِمَرْأى النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) فَقالَ (صلى الله عليه وآله) : اللَّهُمَّ اِنَّ أَخِي مُوسى سأَلَكَ فَقالَ : (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْري * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(4)فَأَنْزَلْتَ قُرْآناً ناطِقاً : (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِاَخيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً)(5) اللّهُمَّ وَأَنَا مُحَمَّدٌ


1 . حيث كان الوضع المادي والإقتصادي للمسلمين في ذلك الوقت عسيراً وكانوا يعيشون في ضائقة شديدة حتّى في ضروريات الحياة.

2 و 2 ـ التفسير الكبير : ج 12، ص 26.

4 . سورة طه : الآيات 25 ـ 32

5 . سورة القصص : الآية 35.

[ 59 ]

نَبِيُّكَ وَصَفِيُّكَ فَاشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، عَلِيّاً، اُشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي. قَالَ أَبُو ذَر : فَوَاللهِ مَا أَتَمَّ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) هِذِه الْكَلِمَةِ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَئيلُ، فَقالَ : يا مُحَمَّدُ : إِقْرَأ (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...).(1)

   وبعد أن ينقل الفخرالرازي هذه الروايات الثلاثة يقول : إنّ جميع الروايات الواردة في هذه المسألة هي هذه الروايات الثلاثة فقط.

 

ملاحظتان

   1 ـ إن رواية أبي ذرّ تشير إلى أنّ صدقة الإمام علي (عليه السلام) في حال الصلاة لم تكن صدقة عاديّة لمسكين من الناس بل أدّت إلى حفظ وجاهة وقدسيّة مسجد النبيّ الذي يعد مركز الإسلام والصحابة والمسلمين لأنّ المسكين عندما خرج من مسجد النبي لم يجد من يمدّ له يد العون، ولهذا اشتكى إلى الله من ذلك، فعليه فإنّ صدقة الإمام في حالة الركوع مضافاً إلى أنها رفعت حاجة السائل فإنّها أدّت إلى حفظ اعتبار مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)وقداسته وحرمة أصحاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أيضاً.

   2 ـ إنّ ادعاء الفخرالرازي المبني على أنّ مجموع الروايات الواردة في هذا الباب ليس بأكثر من ثلاث روايات هو كلام بلا أساس لأنّه كما تقدّم آنفاً أن الوارد من الروايات في هذا الباب أكثر من أربعين رواية، والملفت للنظر أنّ أكثر هذه الروايات وردت في كتب ومصادر أهل السنّة ولكنّ التعصّب والعناد إذا أخذ بناصية الإنسان أدّى إلى أن ينطق بكلمات غير مسؤولة وغيرمتوقعة رغم كونه علاّمة كبير مثل الفخر الرازي، مضافاً إلى أنه يمكننا أن ندّعي أنّه إذا قد وصلت لنا أكثر من أربعين رواية في شأن نزول الآية محل البحث فإنّ هناك عدد أكثر من هذا قد اختفى في طيّات التاريخ ولم يصل إلينا وخاصّة في فترة الحكم الاُموي الذي كان بنواُمية يتحركون بصراحة وشدّة في حذف فضائل ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)وطمس معالمها فلم يتجرأ أحد على بيان هذه الفضائل ونشرها.

   وكم من الأشخاص الذين لم يكونوا يمتلكون الجرأة على بيان فضائل ومناقب


1 . التفسير الكبير : ج 12، ص 26.

[ 60 ]

أميرالمؤمنين (عليه السلام) وذهبت تلك الفضائل معهم إلى القبر ! ! إنّ أجواء الإرهاب كانت إلى
درجة من الشدّة بحيث إن من يذكر فضيلة واحدة لأهل البيت كان يتعرض للعقاب الشديد بل لو أنّ أحداً سمّى ابنه عليّاً كان يتعرض للعقاب أيضاً.

   ومع هذه الظروف الصعبة فعندما تصل إلينا أربعين رواية فيمكن أن نحدس أنّ أضعاف هذا المقدار قد تلف في طيّات التاريخ.

   والنتيجة هي أنه مع الأخذ بنظر الإعتبار كثرة الروايات التي تصل إلى حدّ التواتر وقد أوردنا بعضها بالتفصيل فلا يبقى شكّ أن الآية الشريفة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ) نزلت في شأن أميرالمؤمنين وأنه (عليه السلام) هو الولي بعد الله ورسوله.

 

شبهات واشكالات

   وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية الشريفة على ولاية أميرالمؤمنين فإنّ بعض العلماء قد ذكر بعض الشبهات والإشكالات حول دلالة هذه الآية، وفي الواقع فإنّ الكثير من هذه الإشكالات ليست سوى ذرائع وحجج واهية(1).

   وعلى سبيل المثال :

 

الإشكال الأوّل : كلمة إنّما لا تدلّ على الحصر

   رأينا في عملية الإستدلال بالآية أعلاه أنها تقوم على ثلاث دعائم : أحدها أن كلمة «إنّما» في الآية الشريفة تدلّ على الحصر وأنّها تحصر الولاية بثلاث موارد، وعليه فإنّ


1 . طبعاً لاشك في أن السؤال نافذة للعلم ومفتاح حلّ المشكلات والمجهولات، ولذا ورد الحث عليه في القرآن الكريم بصورة مطلقة، حيث يقول تعالى في الآية 43 من سورة النحل، وكذلك في الآية 7 من سورة الأنبياء : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)

هذه الآية الشريفة مطلقة من كلّ جهة، فكلّ من لديه سؤال يمكنه أن يسأل أهل العلم والخبرة، وقد ورد في هذا المورد روايات عديدة، ولكن المهم هو أن يكون السؤال بقصد التوصل إلى الحقيقة لا بدافع من العناد والتعصّب كما في الكثير من أسئلة علماء أهل السنّة حول آية الولاية.

[ 61 ]

الولاية مورد البحث لا تثبت لغيرهم.

   ولكنّ بعض المفسّرين من أهل السنّة قالوا بأنّ «إنّما» في الآية لا تدلّ على الحصر لأن في القرآن آية اُخرى أيضاً وردت فيها كلمة «إنّما» وليس لها دلالة على الحصر. وهي الآية الشريفة 20 من سورة الحديد حيث يقول الله تعالى :

   (اِعْلَمُوا أَنَّما الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الاَْمْوالِ وَالاَْوْلادِ...).

   فهنا نرى أنّ كلمة «أنّما» في الآية أعلاه لا تدلّ على الحصر لأننا نعلم أن الحياة الدنيا لا تنحصر في هذه الموارد المذكورة في الآية الشريفة بل تشمل لذاّت اُخرى وعبادات ونشاطات وتحصيل علم وغير ذلك من الاُمور، وعليه فكما أنّ كلمة «أنّما» في هذه الآية لا تدلّ على الحصر فكذلك في آية الولاية لا تدلّ على الحصر، فالإستدلال بهذه الآية على المطلوب ناقص.

   الجواب : هذا الإشكال من جملة الإشكالات الواهية التي لا تقوم على أساس متين لأننا نعتقد بأنه :

   أوّلاً : إنّ كلمة «إنّما» في هذه الآية أيضاً وردت بمعنى الحصر، فالدنيا في نظر الإنسان المؤمن والعارف ليست في حقيقتها سوى اللهو واللعب وأمثال ذلك، وقد يتصور الإنسان المتورط في حبائل الدنيا اُموراً اُخرى في هذه الدنيا ولكن لو نظر بعين الحقيقة لرأى أنّ جميع أشكال الحكومات والمقامات الدنيوية والقصور الفخمة وأمثالها من مظاهر الدنيا ليست سوى لهو ولعب حيث يلهو بها أبناء الدنيا.

   ثانياً : وعلى فرض أنّ كلمة «إنما» هنا لم ترد في معناها الحقيقي فهذا لا يدلّ على أنّ الموارد الاُخرى في استعمال هذه الكلمة تحمل على غير معناها الحقيقي.

   والنتيجة هي أنّ كلمة «إنّما» الواردة في الآية الشريفة تدلّ على الحصر بلا شكّ والإستدلال بهذه الآية كامل.

 

الإشكال الثاني : إعطاء الخاتم فعل كثير مبطل للصلاة

[ 62 ]

   أمّا الإشكال الثاني الذي ذكره بعض المفسّرين من أهل السنّة فهو أننا سلّمنا أن الآية الشريفة نزلت في شأن الإمام عليّ (عليه السلام) ولكن القيام بهذا الفعل من قبل عليّ بن أبي طالب في الصلاة «إنّما هو فعل كثير» والفعل الكثير يؤدي إلى بطلان الصلاة فهل يعقل أن الإمام علي(عليه السلام) يتصرف في صلاته بما يؤدي إلى بطلان الصلاة.

   الجواب : أوّلاً : إن فعل الكثير كما هو الظاهر من هذه الكلمة يطلق على أداء أعمال كثيرة لا ربط لها بالصلاة بحيث تهدم هيئة الصلاة للمصلّي كأن يقوم شخص في أثناء الصلاة وبسبب سماعه لخبر مفرح بالتصفيق والقفز ويمتلكه الهياج وأمثال ذلك، وأما أن يشير إلى السائل والمسكين ليأخذ خاتمه من يده بحيث إنّ الإمام نفسه لم يخرج الخاتم من يده، فهل يقع ذلك في دائرة «الفعل الكثير»(1) ؟

   كيف يكون مثل هذا العمل فعلاً كثيراً في حين أنّ الروايات الشريفة تبيح للمصلّي بأن يغسل أنفه فيما لو خرج الدم منه بالماء في أثناء الصلاة ويستمر في صلاته ؟ ولو أنه واجه حيواناً خطراً على مقربة منه جاز له قتله والاستمرار في الصلاة.

   هل هذه الأفعال ليست بأفعال كثيرة ولكن الإشارة هي فعل كثير ؟

   ثانياً : إنّ أمثال هذه الحجج والمعاذير ترد على الله أيضاً لأن الله تعالى مدح الإمام عليّ (عليه السلام)في هذه الآية على عمله، فلو كان ذلك العمل باعثاً على بطلان الصلاة فهل أن الله تعالى يمدحه ويثني عليه وينزل في حقّه آية من القرآن ؟ !

   النتيجة هي أن هذا الإشكال بمثابة ذريعة وتبرير نابع من التعصّب واللجاجة لا أكثر.

 

الإشكال الثالث : الخاتم الثمين

   طبقاً لبعض الروايات أن ذلك الخاتم كان ثميناً جداً حتّى أنه ورد أن ثمنه يعادل خراج منطقة بكاملها مثل الشام، ألا يعتبر تملك مثل هذا الخاتم الثمين من قبل عليّ بن أبي طالب من الإسراف المحرّم ؟


1 . وقد اعترف الزمخشري في تفسيره «الكشاف» : ج 1، ص 649 أن هذا العمل ليس من الفعل الكثير.

[ 63 ]

   أمّا جواب هذه الشبهة فواضح لأنه :

   أوّلاً : لم يرد هذا المطلب في أيّة رواية معتبرة بل الظاهر أن الخاتم المذكور لم يكن سوى خاتماً عادياً لأنه لم يتم للمسلمين في ذلك الزمان فتح ايران والشام وأمثال ذلك ولم تصل مثل هذه الثروات الكبيرة إلى أيدي المسلمين بل الفتوحات المذكورة حدثت بعد رحلة الرسول وفي عصر الخلفاء، مضافاً إلى أن الإمام علي (عليه السلام) الذي كان طعامه في أيّام حكومته وخلافته بسيطاً إلى درجة أنه لا يأكل سوى من اِدام واحد والغالب انه كان يكتفي بقرص الشعير ويلبس الثياب البسيطة من الكرباس والليف فكيف يعقل أن يمتلك مثل هذا الخاتم الثمين ؟ !

   وعلى هذا الأساس فلا شكّ في ضعف الرواية التي لا تنسجم مع روايات الباب ولا مع سيرة الإمام علي (عليه السلام) ولا تتناغم مع أجواء تاريخ النزول، ولذلك فانها قد وضعت تحت ظروف خاصّة.

   ثانياً : كيف يعقل أن يمتلك الإمام علي مثل هذا الخاتم الثمين بحيث يدخل في باب الإسراف المحرم ثمّ يتصدّق به في سبيل الله وينال الثناء الإلهي ؟ وعليه فإنّ المستفاد مما ورد من المدح والثناء في هذه الآية الشريفة على هذا العمل كذب هذه الرواية وزيفها وأنها وضعت لتحقيق أغراض معيّنة.