بما أن الإمام علي (عليه السلام) كان عندما يصلّي خاصّة يتوجه إلى الله تعالى بكلّ قلبه ويغرق في صفات جلاله وجماله ولا يكون له التفاتٌ إلى غيره أبداً بحيث إنهم كانوا يخرجون السهام من بدنه الشريف في حال الصلاة(1) ولم يكن يتسنى لهم ذلك في الحالات العادية لصعوبته وشدّة ألمه، فمثل هذا الإنسان العارف والمتعلق بالله تعالى إلى هذه الدرجة كيف يلتفت أثناء الصلاة إلى كلام السائل ويتصدّق عليه في حال الركوع بالخاتم ؟ والخلاصة أن هذه المسألة


1 . ذكرنا تفاصيل هذه الحادثة مع وثائقها المعتبرة في كتاب «110 قصة من سيرة الإمام علي (عليه السلام)).

[ 64 ]

تتنافى مع حضور القلب في الصلاة لأميرالمؤمنين (عليه السلام).

   الجواب : أوّلاً : إن السائل بعد أن تملكه اليأس من الحصول على مساعدة الأصحاب توجه إلى الله تعالى بالشكاية وشرع بالقول «اللّهُمَّ أشهد....» وعليه فإنّ هذا الكلام وذكر اسم الله ألفت نظر الإمام عليّ إلى وجود السائل، وهذا لا يتقاطع مع حضور قلبه واستغراقه في عالم العبودية في الصلاة.

   مضافاً إلى ذلك ألا يعقل أن يسمع المأموم في صلاة الجماعة صوت المكبّر أو صوت الإمام ليتابعه في أعمال الصلاة ؟ إذا لم يكن يسمع ذلك فكيف يمكنه الاقتداء به في الصلاة ؟ وإذا كان يسمع فهل يعني هذا أن حضور القلب غير ممكن في كلّ صلاة جماعة ؟

   ثانياً : هل أن سماع صوت السائل الذي ورد التعبير عنه في الرواية الشريفة بأنه رسول من الله فيه إشكال ؟ إن سماع صوت الرسول الإلهي كيف يتقاطع مع حضور القلب في الصلاة ؟(1)

   ثالثاً : ألا يكون سماع صوت المظلوم وحل مشكلته حتّى في أثناء الصلاة من العبادة ؟(2)فلو كان هذا العمل عبادة فالإمام عليّ (عليه السلام) قد يستغرق في هذه العبادة ويأتي بها من دون أن يكون هناك إشكال في البين بل هي عبادة ضمن عبادة.

   أمّا ما يمكن أن يكون محل إشكال هو التوجّه إلى النفس والذات الفردية أثناء العبادة والصلاة، وأمّا التوجّه إلى المظلوم وقضاء حاجته الذي يعد في نفسه عبادة فلا إشكال فيه.

   والنتيجة هي أن هذا الإشكال مردود أيضاً، وفي الحقيقة أن هدف المغرضين من طرح هذا الإشكال والإشكالات الاُخرى هو تهميش هذا العمل وتضعيف دلالة الآية الشريفة


1 . ورد في الحديث عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «إن المسكين رسول الله إليكم فمن منعه فقد منع الله، ومن أعطاه فقد أعطى الله» (وسائل الشيعة : ج 6، أبواب الصدقة، باب 22، ح 11).

2 . هناك روايات كثيرة في فضيلة الصدقة وآثارها، منها ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : «لأن أحج حجّة أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة ورقبة حتّى انتهى إلى عشر ومثلها حتّى انتهى إلى سبعين، ولإن أعول أهل بيت من المسلمين اشبع جوعتهم وأكسو عورتهم وأكفّ وجوههم عن الناس أحبّ إليّ من أن أحجّ حجّة وحجّة حتّى انتهى إلى عشر ومثلها حتّى انتهى إلى سبعين. (وسائل الشيعة : ج 6، أبواب الصدقة، الباب 2، ح 3).

[ 65 ]

على ولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام).

الإشكال الخامس : لماذا تعود الضمائر في الآية إلى الجمع ؟

   وكما تقدّم في الآية الشريفة أنها تقرر الولاية لثلاث طوائف، وفي الثالثة تعود الضمائر في الأفعال واسم الموصول إلى الجمع كما في قوله :

   1 ـ الَّذين 2 ـ آمنوا 3 ـ الّذين 4 ـ يقيمون 5 ـ يؤتون 6 ـ هم 7 ـ راكعون.

   فالكلمات السبعة المذكورة في الآية تتناسب مع الجمع، ومعنى هذه الكلمات هي أن هناك أشخاصاً متعددين قد تصدّقوا على الفقير في حال الركوع في حين أن جميع الروايات تذكر الإمام عليّ (عليه السلام) فقط كمصداق للآية الشريفة حيث تصدّق بخاتمه على الفقير في حال الركوع وبالالتفات إلى هذا المطلب فهل هناك روايات اُخرى وردت في شأن نزول الآية الشريفة تتناغم مع أجواء الآية ؟ ومن الواضح أنه لو كان هناك اختلاف وتباين بين الآية الشريفة والروايات التي تتحدّث في شأن نزولها فلابدّ من الإعراض عن الرواية أو الروايات والعمل بمضمون الآية الشريفة. إذن فالتعارض المذكور بين الآية الشريفة والروايات المذكورة يتسبب في عدم اعتبار هذه الروايات.

   الجواب : إنّ العلماء والمفسّرين من أهل السنّة قد أجابوا على هذا الإشكال فالفخر الرازي يقول في الجواب على هذا السؤال :

   «إنّ الجمع يطلق أحياناً على المفرد للاحترام وعلى سبيل التعظيم والآية مورد البحث من هذا القبيل»(1).

   ويذكر الآلوسي في روح المعاني جواباً آخر ويقول :

   «قد يستعمل الجمع في المفرد لبيان عظمة الشخص تارة، ولبيان عظمة العمل اُخرى، وهذا مشهور في لغة العرب ولكن بما أن هذا الإستعمال على سبيل المجاز فيحتاج إلى قرينة»(2).

   وأمّا جوابنا على هذا السؤال فهو :


1 . التفسير الكبير : ج 12، ص 28.

2 . روح المعاني : ج 6، ص 167.

[ 66 ]

   أوّلاً : أنه كما رأينا أن استعمال صيغة الجمع بدل المفرد قد يكون متداولاً لبيان احترام المخاطب وبيان عظمته، وفي الآية مورد البحث قد ورد مثل هذا الإستعمال في سياقها والقرينة على مجازية هذا الإستعمال الوارد في الآية هو أن أيّ واحد من العلماء حتّى المتعصبين من أهل السنّة لا يرون غير الإمام علي (عليه السلام)مصداقاً لها والذي تصدّق بخاتمه في حال الركوع، وهذا هو أفضل قرينة على استعمال لفظ الجمع في مورد المفرد.

   ثانياً : هناك موارد كثيرة وردت في القرآن الكريم واستعملت فيها صيغة الجمع للمفرد، وكمثال على ذلك نكتفي بذكر سبعة موارد منها :

   1 ـ نقرأ في الآية 215 من سورة البقرة قوله تعالى :

   (يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوالِدَيْنِ وَالاَْقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَاِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ).

   ففي هذه الآية الشريفة وردت جملة «يسألونك، ينفقون، انفقتم وما تفعلوا» بصورة الجمع، وفي البداية يظهر من الآية أن جماعة من المسلمين طرحوا السؤال المذكور ولكن طبقاً لشأن نزول الآية فلم يكن السائل سوى شخص واحد واسمه «عمرو بن جموح»(1)الذي كان رجلاً ثرياً، وعليه ففي هذه الآية الشريفة ورد لفظ الجمع واستعمل في المفرد إما على أساس بيان عظمة هذا العمل وهو الانفاق أو بيان الاحترام للسائل وهو عمرو بن جموح.

   ملاحظة : إنّ الموضوع الملفت للنظر في هذه الآية الشريفة هو أن الله تعالى في مقام جوابه على سؤال عمرو بن جموح ذكر مطلباً آخر لأن عمرو سأل عن نوع المال الذي يجب انفاقه، والله تعالى تحدّث عن الأشخاص الذين يجب الإنفاق عليهم، فعليه فمثل هذا الجواب يبين أهمية مصرف الإنفاق وأن الإنسان يجب أن يهتم بالدرجة الاُولى بأبيه واُمّه وأقربائه ثمّ يتوجّه إلى الآخرين في عملية الإنفاق.

   2 ـ يقول سبحان وتعالى في الآية 274 من سورة البقرة :

   (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا


1 . الكشّاف : ج 1، ص 257.

[ 67 ]

خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).

   ففي هذه الآية الشريفة نقرأ عبارات من قبيل «الّذين، ينفقون، أموالهم، فلهم، أجرهم، ربّهم، عليهم، هم، يحزنون» فكلّها جاءت بصيغة الجمع ولكنّ الكثير من المفسّرين قالوا بأن المراد منها هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان ينفق بالليل والنهار وسرّاً وعلانيةً، وطبقاً لرواية واردة في هذا المجال أن الإمام كان يمتلك أربعة دراهم فتصدّق بأحدها ليلاً وبالآخر نهاراً وبالثالث علانية وبالرابع سرّاً فنزلت الآية أعلاها لتشير إلى شأن هذا الإنفاق(1).

   سؤال : هل يعقل أن تنزل آية قرآنية على بعض الأعمال الجزئية من قبيل إنفاق أربعة دراهم ؟

   الجواب : إنّ المهم في نظر الإسلام هو كيفية العمل لا مقداره، وعليه فإذا كان العمل قد أتى به المكلّف بإخلاص بالغ فيمكن أن تنزل آية قرآنية حتّى على إنفاق أقل من أربعة دراهم ولو أن شخصاً أنفق جبلاً من ذهب ولكن لم يكن يتزامن مع الإخلاص والتوجّه القلبي إلى الله تعالى فليس له أية قيمة ولا تنزل في حقّه آية شريفة.

   3 ـ ونقرأ في الآية 173 من سورة آل عمران :

   (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

   هذه الآية الشريفة نزلت في حرب اُحد عندما تخلّف بعض المسلمين عن امتثال أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتركوا مواقعهم واشتغلوا بجمع الغنائم الحربية فاستفاد الأعداء من هذه الفرصة ومن غفلة المسلمين وداروا حول جبل اُحد وهجموا على المسلمين من ورائهم وحققّوا نصراً كبيراً على المسلمين وقتلوا سبعين مسلماً في تلك الواقعة.

   إن الكفّار والمشركين لم يقنعوا بهذا النصر على المسلمين فعندما كانوا يعودون إلى مكّة
قال أحدهم : نحن الذين حقّقنا هذا النصر فلماذا لم نقتل محمّداً لنختم على هذه الدعوة


1 . الكشّاف : ج 1، ص 319.

[ 68 ]

الجديدة ونقلعها من جذورها ؟ فإذا لم نفعل ذلك في هذا اليوم فالإسلام والمسلمين سوف يزدادون قوّة ويتفوّقون علينا في المستقبل.

   وقد أثر كلامه هذا في أفراد جيش المشركين وعزموا على العودة إلى المسلمين وقتالهم، ولكن كان بينهم شخص يدعى «نعيم بن مسعود» أو «معبد الخزاعي» الذي لم يقبل باستمرار القتال وقبل أن يصل الكفّار إلى المسلمين أخبر هذا الشخص المسلمين بعزم الكفّار وتصميمهم على القتال فخاف من ذلك بعض المسلمين واصابهم الرعب وقالوا : إننا قد خسرنا المعركة وكنّا أقوياء وسالمين ولكن الآن وبعد الهزيمة وكثرة القتلى والمجروحين كيف يمكننا الوقوف أمام جيش الكفّار، ولكن بعضاً آخر من المسلمين قالوا : «نحن لسنا على استعداد فقط لقتالهم بل سوف نذهب إليهم ونتحرك لقتالهم مع المجروحين من جيش الإسلام، فعندما فهم الأعداء ذلك وأن المسلمين توجّهوا إليهم مع المجروحين منهم دبّ في قلوبهم الخوف والرعب وقنعوا بذلك المقدار من النصر وانصرفوا عن قتال المسلمين مرّة اُخرى.

   الآية الشريفة أعلاها تتحدّث عن هذه الواقعة وتعبّر عن «نعيم ابن مسعود» أو «معبد الخزاعي» الذي أبلغ المسلمين بعزم الكفّار بكلمة «الناس» في حين انه لم يكن سوى نفر واحد ولكن بما أن عمله هذا كان عظيماً للغاية، فلأجل بيان أهمية هذا العمل ذكرت الآية الشريفة كلمة الجمع بدل المفرد.

   4 ـ يقول تعالى في الآية 61 من سورة آل عمران :

   (فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جائَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْنائَنا وَأَبْنائَكُمْ وَنِسائَنا وَنِسائَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ).

   هذه الآية الشريفة نزلت في واقعة المباهلة، ففي هذه الواقعة كما هو معروف لدى الجميع أن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاء مع عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)لميدان المباهلة، والمراد من «أبْنائنا» في الآية الشريفة هم الحسن والحسين (عليهما السلام)والمراد من «نِسائنا» فاطمة الزهراء(عليها السلام) والمراد من «أَنْفُسَنا» عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وهكذا ترى أنها كلمات وردت

[ 69 ]

بصيغة الجمع واُريد بها المفرد(1).

   5 ـ ونقرأ في أول آية من سورة الممتحنة قوله تعالى :

   (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ...).

   ذكر الكثير من المفسّرين أن هذه الآية الشريفة نزلت في «حاطب ابن أبي بلتعة» وكان رجلاً واحداً واستعملت في حقّه صيغة الجمع «الّذين، آمنوا، لا تتّخذوا، عدوّكم» وهذا يدلّ على العمل العظيم الذي أراد القيام به، وهو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)عندما عزم على فتح مكّة قام بسد المنافذ والطرق المؤدية إلى مكّة لكي لا يصل خبر تجهيز جيش المسلمين إلى الكفّار والمشركين في مكّة ليتم الفتح بسهولة ويسر ومن دون إراقة دماء ولكن (حاطب) الذي كان يمتلك بعض المال والثروة في مكّة قال في نفسه : إنني لو أخبرت أهل مكّة عن استعداد جيش المسلمين لقتالهم فأضمن سلامة أموالي وأتمكن من إخراجها من أيدي المشركين وكما يقول السياسيون في عصرنا الحاضر : «أربح امتيازاً».

   ولهذا كتب رسالته بهذا الغرض إلى رؤساء مكّة وسلّمها لأمرأة تدعى «سارة» لتوصلها إلى مكّة فاخفت الرسالة في طيات شعرها وتوجهت إلى مكّة.

   فنزل جبرئيل وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بالمؤامرة المذكورة فارسل الإمام عليّ (عليه السلام)وبعض الأشخاص لكشف هذه المؤامرة، فتوجّهوا نحو المرأة المذكورة وأخيراً استطاعوا أن يكتشفوا الرسالة ويعودوا إلى المدينة، وهنا نزلت الآية الشريفة في توبيخ حاطب وقال بعض الأصحاب : دعنا نقتل حاطب ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) الذي رأى حالة الندم على حاطب وكان من المجاهدين سابقاً واشترك في حرب بدر عفى عنه وأطلقه(2).

   ففي هذه الآية نرى أيضاً أن «حاطب» رجل واحد ولكنّ الآية وردت بصيغة الجمع.

   6 ـ نقرأ في الآية 52 من سورة المائدة :

   (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا


1 . الكشّاف : ج 1، ص 368.

2 . الكشّاف : ج 4، ص 511.

[ 70 ]

دائِرَةٌ...).

   حيث أمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) المسلمين بقطع علاقاتهم وروابطهم مع الكفّار والمشركين ولكن أحد المنافقين وهو «عبدالله بن اُبي» قال : إذا قطعنا العلاقة معهم فإنّ حياتنا ومعيشتنا ستتعرض للاهتزاز والإرتباك ونصاب بمشكلات عديدة، فنزلت الآية المذكورة في شأن هذا المنافق(1).

   وهكذا نرى أن الشخص الذي كان يتحدّث عن ضرورة إبقاء الرابطة مع الكفّار والمشركين شخص واحد، ولكن الآية الشريفة وردت بصيغة الجمع «الّذين، قلوبهم، يسارعون، يقولون، نخشى وتصيبنا» وهذا يعني أن استخدام صيغة الجمع في حقّ المفرد لا بأس به.

   7 ـ ويقول تبارك وتعالى في الآية 8 من سورة المنافقين :

   (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَْعَزُّ مِنْهَا الاَْذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).

   الآية أعلاها نزلت بعد غزوة بني المصطلق في السنة السادسة للهجرة في منطقة «قديد» وكان هناك اختلاف بين أحد المهاجرين وأحد الأنصار فما كان زعيم المنافقين «عبدالله بن اُبي» إلاّ أن قال : أوقد فعلوها ؟ قد كاثرونا في بلادنا، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل(2).

   وهكذا نرى أن القائل لم يكن سوى رجلاً واحداً ولكن الآية تحدّثت عنه بصيغة الجمع «يقولون، رجعنا».

   والنتيجة هي أن القرآن الكريم أورد في هذه الآيات السبعة المذكورة آنفاً وفي آيات اُخرى أيضاً صيغة الجمع بدل المفرد، وهذا يدلّ على أن مثل هذا الإستعمال شائع في أجواء الآيات القرآنية.

   وعلى هذا الأساس فإنّ آية الولاية إذا ذكرت صيغة الجمع في حقّ المفرد وهو «عليّ بن


1 . الكشّاف : ج 1، ص 643.

2 . انظر تفاصيل هذه القصة في التفسير الأمثل : ج 18، سورة المنافقين، الآية 5، ص 356.

[ 71 ]

أبي طالب» الذي تصدّق في ركوعه فلا يوجد محذور في مثل هذا الإستعمال بل يدلُّ على عظمة هذا العمل الذي قام به الإمام علي (عليه السلام).

الإشكال السادس : ماذا تعني ولاية الإمام عليّ (عليه السلام) في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ؟

   الإشكال الآخر الذي أورده الفخر الرازي وآخرون هو : «أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال. أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف»(1).

   الجواب : وجواب هذا الإشكال واضح لأن ولاية الولي والوصي والخليفة تكون بالقوّة لا بالفعل، وأساساً فإنّ هذا المطلب موجود ضمن سياق الآية الشريفة حيث إنّ زكريّا الذي طلب من الله تعالى الولي والوارث واستجاب الله تعالى لطلبه وأعطاه يحيى(2)فهل أنّ يحيى كان وارثاً وولياً لأبيه في حياة زكريا أو أن ذلك تحقّق له بعد وفاة الأب ؟

   من الواضح أن هذه الاُمور تحققت له بعد وفاة أبيه.

   وهذه المسألة سائدة في العرف وسيرة العقلاء، فمن يكتب وصية ويعين وصياً له فهل أن هذا الوصي له ولاية واختيار قبل وفاة صاحب الوصية أو أن هذه الوصية تتعلق بما بعد الوفاة ؟ الفخر الرازي كان قد كتب وصيته حتماً وقد عيّن وصياً له، فهل أن ذلك الوصي وهذه الوصية كانت فعلية في زمن حياته أو بعد مماته ؟ وأكثر من ذلك فإنّ جميع القادة والزعماء والملوك في العالم يتحركون في أواخر حياتهم لتعيين خليفة لهم، ولكنّ هؤلاء الخلفاء لهم لم يكونوا أصحاب قدرة فعلية في حياة هؤلاء الملوك والزعماء بل كانت قدرتهم ومسؤولياتهم تتحقق لهم بعد وفاة القائد الفعلي.

   وعلى هذا الأساس فإن الولاية في الآية الشريفة جاءت بمعنى القيّم وصاحب الإختيار


1 . التفسير الكبير : ج 12، ص 28.

2 . سورة مريم : الآية 5 و 6.

[ 72 ]

وإمام الاُمّة ولكن جميع هذه المعاني لا تكون فعلية للإمام عليّ (عليه السلام) إلاّ بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).

   مضافاً إلى ذلك فإنّ مسألة تعيين الخليفة لا تختص بهذه الآية الشريفة بل إنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) وطيلة زمن نبوته 23 سنة كان يذكر مسألة الوصية بالخلافة للإمام علي (عليه السلام)دائماً، وأوّل مورد لذلك هو ما ورد في حديث يوم الدار، وذلك عندما تحرك النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)بعد ثلاثة سنوات من الدعوة السرية إلى الإعلان والإجهار بإبلاغ الرسالة وفي أوّل خطوة لذلك جمع قادة قريش ودعاهم إلى ضيافته وبعد أن انتهوا من تناول الطعام طرح مسألة النبوّة والرسالة وقال لهم في آخر المطاف :

   أَيُّكُمْ يُوازِرُنِي عَلى هذَا الاَْمْرِ.

   فلم يكن يجيب بالإيجاب على هذا الطلب سوى أميرالمؤمنين (عليه السلام)، فما كان من رسول الله إلاّ أن قال له في ذلك المجلس :

   «اَنْتَ وَصِيّي».

   في حين أن النبي الأكرم كان على قيد الحياة، وماذا يصنع بالوصي والخلافة في ذلك الوقت ؟

   النتيجة أن الجواب على مثل هذه الإشكالات والشبهات واضح، وفي الحقيقة أنها لا تعدو سوى حجج وتبريرات غير منطقية وبعيدة عن خط الحقّ والإنصاف.

 

الإشكال السابع : ما هو المراد من الزكاة ؟

   رأينا أنّ البعض أورد حجج وشبهات مختلفة حول دلالة آية الولاية بحيث أنهم ذكروا شبهات لكلِّ كلمة من كلمات الآية محل البحث من قبيل «إنّما»، «وليّ»، «راكعون»، «الزكاة» فكلّها وردت في حقها إشكالات وشبهات.

   ويتساءل الفخرالرازي وآخرون : ما المراد من الزكاة في هذه الآية الشريفة ؟ هل المقصود الزكاة المستحبة أو الواجبة. ومعلوم أنه ليست لدينا زكاة مستحبة، وعليه فإنّ المراد من الزكاة هنا هو الزكاة الواجبة، وإذا كان كذلك وقلنا بأن الآية الشريفة نزلت في

[ 73 ]

عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) سنقع في تناقض لأنّ الإمام علي لم يكن من حيث التمكّن المادي والاقتصادي بحيث تجب عليه الزكاة وتتعلق الزكاة الواجبة في أمواله لأنه طبقاً لما ورد في شأن نزول سورة الإنسان (سورة الدهر) بأن الإمام علي وأهله كانوا قد صاموا في ذلك اليوم وجاء سائل على الباب وطلب منهم طعاماً فأعطوه طعامهم الذي كانوا قد أعدّوه للافطار وأفطروا ذلك اليوم بالماء القراح، والخلاصة أن الإمام علي لم يكن يمتلك طعاماً ليوم آخر، فكيف تتعلق في ماله الزكاة الواجبة حتّى يؤديها في حال الركوع ؟

   الجواب : في مقام الجواب على هذا الإشكال وبالأحرى هذه الشبهة نقول :

   أوّلاً : إنّ الأحكام الشرعية في الإسلام تتضمن الزكاة الواجبة والمستحبة لأن جمع الزكاة تم بعد هجرة النبي إلى المدينة في حين أن السور المكيّة تتحدّث عن الزكاة أيضاً وكانت تحث المسلمين على أداء الزكاة في مكّة، والمراد منها حتماً الزكاة المستحبة أو الزكاة الواجبة التي لم تكن تجمع قبل زمن تشكيل الحكومة الإسلامية.

   ونلفت النظر إلى ثلاث نماذج من الآيات الشريفة النازلة في مكّة :

   ألف) نقرأ في الآية الرابعة من سورة المؤمنون التي هي سورة مكيّة :

   (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ).

   في هذه الآية الشريفة ذكرت صفة من صفات المؤمنين وهي أداء الزكاة، وبما أن هذه السورة مكيّة والآية نزلت قبل تشريع حكم الزكاة فنعلم أن المراد من الزكاة هنا هي الزكاة المستحبة.

   ب) ونقرأ في الآية الثالثة من سورة النمل في وصف المؤمنين :

   (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).

   ومعلوم أن سورة النمل من السور المكيّة، وعليه يكون المراد من الزكاة هنا هي الزكاة المستحبة.

   ج) ونقرأ في الآية 39 من سورة الروم :

   (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).

   فهذه السورة من السور المكيّة أيضاً والمراد من الزكاة هنا الزكاة المستحبة.

[ 74 ]

   وعليه فطبقاً لما ورد في القرآن الكريم أن الزكاة تشمل الواجبة والمستحبة كما ورد في فقه الشيعة أن بعض الأجناس تتعلق بها الزكاة الواجبة وبعضها تتعلق بها الزكاة المستحبة.

   ثانياً : أنه ليس من الصحيح قياس الحالة الاقتصادية للإمام علي (عليه السلام) عند نزول آية الولاية التي نزلت في أواخر عمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مع زمان نزول آيات سورة الدهر لأن وضع المسلمين في بداية ظهور الإسلام في مكّة لم يكن وضعاً مناسباً بصورة عامة وكان أغلب المسلمون يعيشون في ضائقة مالية وخاصة أنهم كانوا في مكّة يعيشون الحصار الإقتصادي، ولكنهم عندما هاجروا إلى المدينة وتخلّصوا من الحصار الإقتصادي الذي فرضه عليهم المشركون في مكّة واشتغلوا بالزراعة والتجارة تحركت حالتهم الإقتصادية وانفتحت عليهم أبواب الرزق وتحسنت حالتهم المعيشية بحيث إن وضع أغلب المسلمين في أواخر عمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)كان جيداً من الناحية الإقتصادية، ونظراً إلى أن آيات
سورة المائدة نزلت في أواخر عمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فإنه لم يكن من البعيد أن تتعلق الزكاة الواجبة بأموال الإمام علي (عليه السلام) ولا ينبغي قياس حالة الإمام عليّ (عليه السلام) الإقتصادية في هذا الزمان الذي كان المسلمون يعيشون في حالة الإنفتاح الإقتصادي والتمكّن المالي مع زمان نزول آيات سورة الإنسان (التي نزلت في أوائل الهجرة كما يقول الشيعة أو قبل الهجرة كما يقول بعض أهل السنّة).حيث كان المسلمون يعيشون أزمة اقتصادية ومالية لأن ذلك يعني أن التناقض المزعوم يفتقد بعض شروط الوحدة وهي الوحدة في المكان والآخر الوحدة في الزمان لكي يصح دعوة التناقض، وهنا لا يوجد مثل هذا التوحّد في الزمان والمكان.

   مضافاً إلى كلّ ذلك فقد ورد في الروايات الواردة في شأن أميرالمؤمنين (عليه السلام)أنه «اَعْتَقَ اَلْفَ مَمْلُوك مِنْ كَدِّ يَدِه»(1).

   فمن الواضح أن الإمام عليّ (عليه السلام) لم يتسنى له العمل والكسب في زمان خلافته لكي يمكن
القول بأنه أعتق هذا المقدار من العبيد من كدّ يده، إذن فهذا العمل كان قد صدر منه قبل تصديه للحكومة والخلافة قطعاً.


1 . بحار الأنوار : ج 41، ص 43.

[ 75 ]

   والنتيجة هي أن دفع الخاتم من قبل الإمام علي (عليه السلام) حتّى لو قلنا بأنه من قبيل الزكاة الواجبة لم يكن ذلك بمستبعد وعجيب.

   والحقيقة أن هؤلاء المخالفين وقعوا في تناقض بيّن، فإنهم من جهة يذكرون أن الإمام علي قد دفع خاتماً ثميناً جداً إلى الفقير بحيث يدخل في دائرة الإسراف والتبذير، ومن جهة اُخرى يشكّون في أصل هذا العمل بسبب عدم التمكّن المالي للإمام علي (عليه السلام).

—–

   والنتيجة هي أنه على رغم الإشكالات والشبهات الكثيرة التي احتفت بدلالة آية الولاية والتي ذكرنا أهمها آنفاً وأجبنا عنها فإن دلالة الآية الشريفة على الولاية لا تخفى على أحد حيث تقرر الآية الشريفة الولاية والقيادة والإمامة لثلاث أولياء : 1 ـ الله تعالى 2ـ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) 3 ـ أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

 

ملاحظة مهمة جداً !

   إذا كان من المقرر أن تطرح مثل هذه الشبهات والإشكالات التي مرت آنفاً حول كلّ آية من آيات القرآن الكريم فإنّ أوضح الآيات وأحكمها كآيات التوحيد لا تتخلص من الإشكال، فلا يبق شيء يصلح للاستدلال، في حين أننا نرى أن مثل هذه الإشكالات والشبهات لا تطرح حول سائر الآيات القرآنية، والظاهر أن هذا الاُسلوب من طرح الشبهات يختص بالآيات المتعلقة بفضائل أهل البيت (عليهم السلام)وولايتهم فقط.

   وإذا أردنا استكشاف السبب في مثل هذه المواجهة المتباينة مع الآيات القرآنية فلابدّ من القول أن مثل هؤلاء الأشخاص لم يذعنوا للقرآن الكريم ولم يتعاملوا معه بأدب ونزاهة كما هو المتوقع، والمفروض على المسلم أن يجلس أمام القرآن كالتلميذ أمام اُستاذه بل يريد هؤلاء أن يكونوا أساتذة للقرآن ويستخرجوا منه ما يؤيد مسبوقاتهم الفكرية، وهذا هو التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه بشدّة في الروايات الإسلامية(1).


1 . انظر تفاصيل هذا الموضوع في كتاب (التفسير بالرأي) لمؤلفه آية الله العظمى مكارم الشيرازي «مدّ ظلّه».

[ 76 ]

   أيها القارئ الكريم ! إذا أردنا أن نستفيد من القرآن والوحي أو روايات المعصومين (عليهم السلام)استفادة صحيحة ونتوصل من خلالها إلى كشف الحقيقة فيجب علينا أن نتتلمذ على يد القرآن والأحاديث الشريفة ونستوحي مفاهيمنا الدينية من هذين المنبعين الغنيين بتعاليم الوحي والدين حتّى لو كانت على خلاف رغباتنا وميولنا وإلاّ فإنّ التفسير بالرأي وبذر الإشكالات والشبهات حول مدلول الآيات الشريفة سينتهي إلى عواقب وخيمة وإنكار المسلّمات الدينية.

   وورد في رواية شيّقة تتحدّث عن عاقبة نوعين من أنواع التعامل مع القرآن الكريم حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   «... مَنْ جَعَلَهُ اَمامَهُ قادَهُ اِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ ساقَهُ إلَى النّارِ».(1)

   والحقيقة أن هذه الرواية الشريفة يجب أن تهز كيان الأشخاص الذين يتعاملون مع القرآن من موقع التفسير بالرأي وإسقاط مفاهيمهم وأحكامهم المسبقة على الآيات الشريفة.

 

توصية آية الولاية

   إنّ الآية الشريفة محل البحث مضافاً إلى أنها تثبت ولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام)فإنها تتضمن توصية مهمة لشيعة وأتباع هذا الإمام بل لجميع المسلمين في العالم وهي :

   إن الإمام علي (عليه السلام) لم يكن ولياً وإماماً للمسلمين وخليفة للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)بصورة اعتباطية بل وصل إلى هذا المقام بسبب عوامل مهمة قد ذكرت في الآية نفسها، فالإيمان الراسخ وإقامة الصلاة والمحافظة على الإرتباط الوثيق بين العبد وخالقه ودفع الزكاة وتوثيق العلاقة بين الإنسان وأفراد المجتمع كلّها من الأسباب التي رشّحت الإمام عليّ (عليه السلام)ليكون أميراً للمؤمنين(2).


1 . بحار الأنوار : ج 74، ص 134.

2 . كما في اصطلاح الفقهاء «أن التعليق على الحكم مشعر بالعليّة» أي إذا ورد حكم لوصف، فمفهومه أن هذا الوصف علّة لهذا الحكم، مثلاً لو قيل : احترم العلماء. فمعنى ذلك أن العلم في هؤلاء الأشخاص هو السبب في لزوم الإحترام.

[ 77 ]