[ 78 ]

[ 79 ]

آية اُولي الأمر

4

 

«سورة النساء / الآية 59»

 

أبعاد البحث

   الآية أعلاه تسمّى «آية الإطاعة» وهي آية اُخرى تدلّ على ولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام)، ومحور البحث في هذه الآية هي جملة «اُولي الأمر» حيث تتضمن نظريات وآراء مختلفة سيأتي شرحها وبيانها وما ذكر حولها من إشكالات.

 

الشرح والتفسير

من هم اُولي الأمر ؟

   (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولي الاَْمْرِ مِنْكُمْ).

   يخاطب الله تعالى في هذا المقطع من الآية الشريفة جميع المؤمنين في أقطار العالم وفي جميع الأزمنة والأعصار إلى يوم القيامة بتقديم الطاعة المطلقة لثلاثة من الأولياء :

   الأوّل : إطاعة الله تعالى، ثمّ إطاعة النبي، والثالث إطاعة اُولي الأمر.

   والقسم الثاني من الآية الشريفة يبيّن المرجع للمسلمين في حال نشوب الإختلاف

[ 80 ]

والنزاع وكأن الغرض هو تأسيس جهاز قضائي مستقل للمسلمين ويقول :

   (فَاِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الاْخِرِ) فلا ينبغي التوجّه في حلّ الإختلافات التي تحدث بين المسلمين إلى الأجانب ومرجعيات غير إسلامية.

   وبالإلتفات إلى قيد الإيمان بالله واليوم الآخر (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الاْخِرِ)يتضح جيّداً أن المسلمين الذين يتوجهّون في اختلافاتهم إلى غير المنابع والمحاكم الإسلامية فإنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

   والملاحظة الاُخرى الملفتة للنظر هي أن الآية الشريفة أوردت في صدرها وجوب إطاعة اُولي الأمر من جملة الأولياء الثلاثة ولكنها عند ذكرها لمرجع الإختلاف في المقطع الثاني لم تذكر اُولي الأمر، وهذا المطلب هو الذي أثار علامات استفهام مهمة في تفسير الآية الشريفة أعلاه وسوف يأتي تفصيل ذلك في المباحث القادمة.

   (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) هذه الجملة في الحقيقة هي تعليل للجملتين السابقتين، فلماذا يجب على المؤمنين إطاعة الله ورسوله واُولي الأمر ؟

   ولماذا يحرم على المسلمين اختيار مرجعية اُخرى في حلّ اختلافاتهم غير الله ورسوله ؟

   لأنّ الآية توضح ذلك وتقول إن هذا الحكم هو خير للمؤمنين وهو أفضل عاقبة لهم.

 

حدود إطاعة اُولي الأمر

   النقطة المبهمة في الجملة المذكورة أعلاه تكمن في المراد من اُولي الأمر وعندها يتّضح تفسير الآية بصورة جيّدة، ولذلك نجد أن المفسّرين قد اهتموا ببيان مصداق اُولي الأمر وطرحوا لذلك سبع نظريات.

   سؤال : قبل الدخول في تفاصيل نظريات المفسّرين حول معنى اُولي الأمر لابدّ من توضيح حقيقة مهمة لها دورٌ في فهم معنى اُولي الأمر، وهي : هل أن إطاعة اُولي الأمر مقيّدة ومشروطة، أو أنها مطلقة كما في إطاعة الله ورسوله ؟ وبعبارة اُخرى هل أنّ إطاعة اُولي الأمر مقيّدة بقيود زمانية ومكانية وغير ذلك، أو أنها واجبة على الإنسان في كلّ زمان ومكان وفي مختلف الظروف ؟

[ 81 ]

   الجواب : الظاهر أن الآية الشريفة أطلقت وجوب إطاعة اُولي الأمر ولم تقيّدها بقيد وشرط معيّن، وببيان آخر أن إطاعة اُولي الأمر في الآية الشريفة لم يقيد بعدم الإشتباه والخطأ الحاصل لدى اُولي الأمر، وببيان ثالث كما أن إطاعة الله ورسوله واجبة مطلقاً فكذلك إطاعة اُولي الأمر أيضاً قد وردت في الآية بصورة مطلقة، وعليه فلابدّ أن يكون اُولو الأمر من المعصومين لأن إطلاق وجوب الإطاعة لا يصحّ إلاّ إذا كان المطاع معصوماً، لأنه لا يصحّ فرض طاعة الشخص الذي يرتكب الخطأ والإشتباه في أحكامه، ولذلك نحن نعتقد بأن القاضي إذا أخطأ في إصدار حكمه وعلم أحد طرفي الدعوة بخطأ القاضي في صدور الحكم له على صاحبه، فلا يمكنه بمجرد إصدار القاضي لحكمه أن يتملك ما حكم له أو يلقي بالذنب على صاحبه.

   وحتّى مراجع التقليد الذين يجب على المكلّفين تقليدهم لو أنهم أخطأوا في مسألة من المسائل فإنه لا يجب اتباعهم وطاعتهم في هذه المسألة كما في رؤية الهلال إذا لم يثبت لمرجع التقليد رؤية الهلال في الليلة الثلاثين من شهر رمضان المبارك وحكم بصوم اليوم الثلاثين ولكنّ بعض المقلِدين يرى بعينه هلال شوّال في الليلة الثلاثين، فهنا لا يمكنه التمسّك بفتوى مرجعه واتباعه في صوم اليوم الثلاثين بل يجب عليه أن يفطر في ذلك اليوم لأنه يعلم بخطأ المرجع في هذه الفتوى.

   وعلى هذا الأساس فإنّ الإطاعة المطلقة لا تصحّ إلاّ من المعصومين، وبما أن الآية الشريفة ذكرت إطاعة اُولي الأمر بصورة مطلقة فلذلك نعلم بأن اُولي الأمر يجب أن يكونوا من المعصومين.

 

اختلاف النظريات حول معنى اُولوا الأمر

   أما بالنسبة إلى تفسير ومعنى كلمة اُولي الأمر، فكما تقدّم هناك نظريات مختلفة في هذا المجال ونشير إلى بعضها :

   الأوّل ـ المراد من اُولي الأمر قادة الاُمّة : فإن كلُّ من استلم زمام الحكم في المجتمع الإسلامي يطلق عليه «اُولي الأمر» ويجب إطاعته بصورة مطلقة حتّى لو أنه تسلّم هذا

[ 82 ]

المقام بالقوّة والقهر ومن دون رضى الناس وحتّى لو كان من أفسق الناس فتجب إطاعته، وعليه فإن إطاعة الحكام حتّى لو كانوا من أمثال المغول والتتر فيما لو تسلطوا على المجتمع الإسلامي تكون واجبة.

   وقد ذهب إلى هذه النظرية جمع من علماء أهل السنّة.

   ولكن هل يصحّ الإلتزام بهذه النظرية عقلاً ؟

   أليس مراد الله ورسوله إقامة العدل والقسط في المجتمع الإسلامي(1) ؟ إذن فكيف يمكن للظالم والحاكم بالجور أن يصبح خليفة لرسول الله ويقلع اُسس العدالة من المجتمع الإسلامي ويقيم حكمه على الظلم والجور ؟

   إنّ هذا التفسير لمعنى اُولي الأمر لا ينسجم مع أيّ برنامج إصلاحي في الإسلام فهل أن القائلين بهذا الكلام يرون أنه لو تسلط الحاكم الظالم بقوّة السيف على المجتمع الإسلامي وسحق جميع القيم الإسلامية تحت قدمه وأشاع الفحشاء والمنكر وقضى على المعروف والقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية واستهان بالواجبات الإلهية، فمع ذلك يجب على المسلمين أن يعترفوا بأنه من اُولي الأمر وأنه خليفة رسول الله وعليهم أن يطيعوا هذا الإنسان الظالم والمنحرف ؟

   مع الأسف إنّ هؤلاء يرون وجوب إطاعة مثل هذا الشخص الفاسد والظالم كما هو الحال في معاوية وابنه يزيد حيث يرون أنهم من اُولي الأمر.

   ليت أن هؤلاء العلماء لم يذكروا مثل هذا التفسير للآية الشريفة.

   الثاني ـ وذهب بعض المفسّرين إلى عصمة اُولي الأمر ورفضوا النظرية السابقة وبما أن الناس بصورة عامة غير معصومين فلذلك يكون المراد باُولي الأمر مجموع الاُمّة الإسلامية، وبديهي أن الاُمّة الإسلامية معصومة من الخطأ فلا يمكن أن يقع جميع المسلمين في وادي الضلالة والخطأ رغم أن كلُّ فرد غير معصوم، وعلى هذا الأساس فكما أن إطاعة الله ورسوله واجبة فكذلك يجب اتباع الاُمّة الإسلامية أيضاً.


1 . ورد هذا المعنى في الآية 25 من سورة الحديد.

[ 83 ]

   ولكن نقول في مقام الجواب على هذه النظرية : كيف يمكن تحصيل رأي جميع أفراد الاُمّة الإسلامية ؟ ألا يجب تحصيل جميع آراء ونظريات المسلمين ؟ وإذا لم يجب تحصيل رأي كلّ فرد من المسلمين وانتخب المسلمون وكلاء ونوّاب عنهم وقلنا بكفاية اتفاق وإجماع هؤلاء الوكلاء والنوّاب للاُمّة الإسلامية فإنه يقال : هل يمكن أن يحصل اتفاق في آراء هؤلاء الوكلاء للاُمّة الإسلامية ؟

   إنّ الغالب هو عدم إمكانية تحصيل الإتفاق في الآراء حتّى لوكلاء ونوّاب الاُمّة الإسلامية، فلو قيل إنّ اتفاق الآراء غير لازم بل المعيار هو الأكثرية، فكلما رأت أكثرية النوّاب للاُمّة الإسلامية في مسألة معيّنة الحلّ بصورة معيّنة فيجب اتباعهم بعنوانهم اُولي الأمر، فهل أن معنى اُولي الأمر يصدق حقيقةً على أكثرية النوّاب والوكلاء للاُمّة الإسلامية ؟

   الثالث ـ وذهب البعض إلى أكثر من ذلك وبسبب ضعفهم عن مواجهة الثقافة الغربية فإنّهم رأوا أن الديمقراطية الغربية هي مصداق اُولي الأمر ألا تكون مثل هذه النظريات من التفسير بالرأي ؟ ألا تكون هذه الآراء من قبيل تحميل المسبوقات الفكرية على القرآن ؟ ألا تعتبر مثل هذه النتائج ظالمة بحقّ القرآن ؟

   مضافاً إلى ذلك فإنّ الديمقراطية الغربية ليست سوى فكرة برّاقة وأنيقة في الظاهر فحسب والغربيون أنفسهم لا يرون أن ديمقراطيتهم منهج مثالي للحكومة بل وجدوا أنفسهم مضطرين لقبولها لأنهم رأوا أنهم لولم يتمسّكوا بالديمقراطية لعاشوا في ظروف أسوأ منها، فهي من قبيل قبول «أقل ضرراً» وألاّ فأيُّ إنسان عاقل يقبل أنّ 50% من أفراد الشعب يشتركون بالإنتخابات فيفوز مرشح 26% ثمّ يكون هذا المرشح هو الحاكم على جميع أفراد الشعب ! ! فهل هذا من العدالة والإنصاف ؟ !

   إنّ الأشخاص الذين يعيشون الإستيلاء وضعف الشخصية في مقابل الديمقراطية الغربية يرون في حكومة أمريكا النموذج الكامل للديمقراطية، ولحسن الحظّ ففي الآونة الأخيرة تجلت فضيحة كبيرة لهذه المزاعم في عملية الإنتخابات الأمريكية لرئاسة الجمهورية وتجلّت الماهية الحقيقية لهذا النوع من الديمقراطية لجميع الشعوب بالعالم حيث إن الحكومة

[ 84 ]

الأمريكية التي تقوم بإدارة جميع المصانع والإدارات بأحدث الأجهزة الالكترونية والكامبيوترية وصل بهم الحال أن يختلفوا في عشرة إلى خمسة عشر ألف رأي وأنه هل يحسبونها بجهاز الحاسوب أو باليد ؟ فماذا يعني هذا الإختلاف ؟ ولماذا كلّ هذه المناقشات والمنازعات على هذا الأمر بحيث أقاموا الدنيا وأحدثوا ضجة في العالم ؟

   إنّ هذه الاُمور تعدّ علامة على زيف المدّعين للديمقراطية بحيث إنهم لا يعتمدون حتّى على أجهزتهم الفنية ! ! يجب على العالم أن يضحك على هذه الإنتخابات الزائفة والديمقراطية الكاذبة ويجب على المحقّقين أن يدرسوا هذه الحادثة بدقّة حتّى يكشفوا حقيقة هؤلاء المدّعين للديمقراطية وخاصّة لمن يرى أن الغرب هو كعبة آماله وطموحاته، والإنصاف أن تفسير اُولي الأمر بالديمقراطية هو خلاف ظاهر الآية الشريفة بل ظلم كبير للقرآن الكريم.

   الرابع : نظرية جميع علماء الشيعة، وهي أن المراد باُولي الأمر هم المعصومون (عليهم السلام)ولا يمكن أن يكون في كلّ زمان إلاّ شخص واحد معصوم، وهذا الشخص كان في زمن نزول القرآن وبعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) هو أميرالمؤمنين (عليه السلام) وبعده أحد عشر من ذرّيته من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام).

   التوضيح : ألف) كما تقدّم في أن اُولي الأمر (وبمقتضى الآية الشريفة أن إطاعة الله ورسوله واُولي الأمر واجب بصورة مطلقة) يجب أن يكونوا معصومين ليتسنّى للمكلّفين إطاعتهم بدون سؤال وترديد، أي أن وليّ الأمر يجب أن يكون مصوناً من الخطأ والذنب والإشتباه، وبعبارة اُخرى أن العصمة هي قدرة معنوية ومرتبة سامية من التقوى بحيث إن الشخص المعصوم لا يصدر منه أي ذنب أو خطأ أو اشتباه بالرغم من أنه مختار في سلوكه العملي وغير مجبر ويمكنه ارتكاب الذنب والخطأ، ولكنه ببركة هذه المرتبة السامية من التقوى فإنه لا يقدم على ذلك.

   وبعبارة ثالثة أن التقوى لها مراتب مختلفة، أحدها هو التقوى من الذنوب الكبيرة وعدم ارتكابها بحيث أنه لو اتفق وأن أذنب في بعض الأحيان فإنه يتوب فوراً من ذلك، وفي المرحلة الثانية مضافاً إلى عدم ارتكابه للذنوب الكبيرة فإنه يجتنب الذنوب الصغيرة أيضاً، فلو صدر منه أحياناً ذنب صغير فإنه يتوب كذلك، والمرحلة الثالثة هي أعلى ممّا تقدّم بأن

[ 85 ]

يكون مضافاً إلى اجتنابه الذنوب الكبيرة والصغيرة فإنّه يجتنب المكروهات أيضاً، وهكذا يتدرج الإنسان المؤمن في مراتب التقوى إلى أن يبلغ الذروة وهي مرتبة العصمة المطلقة من الذنوب والخطأ والإشتباه، وعليه فإنّ العصمة لا تعني الجبر كما يتوهم البعض بل هي أعلى مرتبة من مراتب التقوى.

   ب) إنّ اُولي الأمر المعصومين كما تقدّم آنفاً لا يمكن أن يكونوا جميع الاُمّة الإسلامية أو العلماء والمفكرين من وكلاء ونوّاب الاُمّة أو أكثريتهم بل يجب أن يكون المعصوم شخصاً خاصاً وفرداً معيناً منهم.

   ج) بما أن العصمة مرتبة معنوية عالية ودرجة كاملة من التقوى فإنّه لا يمكن للناس تشخيص المصداق لهذا المعيار، ولذلك فإنّ اُولي الأمر يجب أن يعيّنوا من قبل الله تعالى أو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وهكذا يقوم كلّ معصوم بتعيين المعصوم الذي يليه للناس.

   والنتيجة هي أوّلاً : يجب أن يكون اُولوا الأمر معصومين.

   ثانياً : يجب أن يكون المعصوم فرداً خاصاً ومعيّناً.

   ثالثاً : إنّ تعيين المعصوم من اُولي الأمر يجب أن يكون من قبل الله تعالى.

—–

   وهنا يجب التوجه إلى القسم الثاني من هذا البحث، أي الروايات الواردة في شأن نزول الآية الشريفة لنرى هل أن هذه الروايات عيّنت مصداق اُولوا الأمر للمسلمين ؟ وهل أن الله تعالى أو نبيّه الكريم قد نصب هذا القائد المعصوم للناس ؟

 

تفسير الآية في ظلال الروايات

   هناك روايات متعددة في دائرة تعيين المعصوم المراد من الآية (اطيعوا الله...)وأهمها «حديث الثقلين».

   وطبقاً لما ورد في هذا الحديث فإنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) صرّح للمسلمين في أواخر عمره الشريف وقال :

   «إنّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ ما إنّ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي... كِتابَ اللهِ... وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».(1)


1 . ميزان الحكمة : الباب 161، حديث 917.

[ 86 ]

   ومعنى هذا الحديث أن القرآن الكريم مصون من الخطأ والإشتباه، ولذلك فإنّ الشخص الذي يتحرك في خط القرآن فإنّه مصون من الوقوع في الخطأ أيضاً، إذن فلابد أن يكون أهل البيت معصومين أيضاً من الخطأ والإشتباه كيما يصحّ التمسّك بهم ويكون التحرّك في خطّهم مصوناً من الوقوع في أشكال الزلل والزيغ وإلاّ فلا معنى أن يكون أهل البيت غير معصومين والشخص الذي يسير في خطّهم ويتبعهم يكون مصوناً من الوقوع في الخطأ.

   إذن فطبقاً لهذه الرواية فإنّ أهل البيت معصومون، وكما تقدّم في شرح الآية الشريفة (اطيعوا الله...) يجب أن يكون هذا الفرد المعصوم معيّن من قبل الله تعالى،وهذا يعني أن الأئمّة المعصومين معيّنون ومنتخبون بأفرادهم من قبل الله تعالى.

 

أهمية حديث الثقلين

   إن حديث الثقلين يعتبر من الأحاديث المهمّة جدّاً في دائرة موضوع الولاية والإمامة بحيث لا نجد نظيراً له بين الروايات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، فهذا الحديث من جهة الدلالة قويٌّ جدّاً وصريح، ومن جهة السند فإنّ الرواية متواترة ومذكورة في جميع مصادر الفريقين (السنّة والشيعة) بشكل واسع، ويستفاد من مجموع الروايات الواردة في هذه المصادر أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يتحدّث بهذا الحديث مرّة واحدة بل تكرر منه ذلك مرّات عديدة، والرواية أعلاه وردت في المصادر الأصلية والمعتبرة للشيعة (تهذيب الأخبار، الإستبصار، الكافي، من لا يحضره الفقيه)(1) وفي مصادر أهل السنّة (الصحاح الستّة) أيضاً. وهذه الصحاح الستّة عبارة عن :

   1 ـ «صحيح البخاري» الذي يعدُّ أهم كتاب من بين هذه الصحاح الستّة وكاتبه هو «البخاري» الذي توفي سنة 256 هجرية.


1 . «التهذيب» و«الاستبصار» من تأليف الشيخ الطوسي، و«من لا يحضره الفقيه» من تأليف الشيخ الصدوق، و«الكافي» للشيخ الكليني، وهؤلاء الثلاثة من أساطين علماء الشيعة، والجدير بالذكر أن ما يقال من أن هذه الكتب الأربعة من المصادر المعتبرة لدى الشيعة لا يعني أن جميع رواياتها صحيحة ومعتبرة ولا حاجة إلى التحقيق في سندها، بل المراد أن أغلب روايات هذه الكتب معتبرة، ويتبيّن ذلك بعد التحقيق في اسنادها.

[ 87 ]

   2 ـ «صحيح مسلم» الذي يأتي بعد صحيح البخاري في الأهمّية، ومؤلفه هو «مسلم ابن حجار» الذي توفي سنة 261 هجري ويسمى هذين الكتابين بالصحيحين، ويطلق على مؤلفيهما لقب «الشيخين».

   3 ـ «سنن ابن داود» وقد توفي ابن داود سنة 275 هجري.

   4 ـ «سنن الترمذي» الذي توفي سنة 279 هجري.

   5 ـ «سنن النسائي» الذي توفي سنة 303 هجري.

   6 ـ «سنن ابن ماجة» الذي توفي سنة 273 هجري.

   إنّ جميع الروايات المذكورة في هذه الكتب الستّة هي من الصحاح ومن الروايات المعتبرة لدى أهل السنّة، ولكن جميع الروايات المعتبرة لديهم لا تنحصر في هذه الكتب الستّة، ولذلك كتب «الحاكم» كتاباً باسم «مستدرك الصحيحين» وذكر فيه روايات معتبرة اُخرى لم تذكر في صحيح البخاري ومسلم(1).

   ويذكر مؤلف هذا الكتاب : إنّ جميع الروايات المذكورة في مستدرك الصحيحين متطابقة مع المعايير المذكورة في البخاري وصحيح مسلم.

   وقد ذكرت رواية الثقلين في ثلاث من هذه الكتب السبعة أي صحيح مسلم وسنن الترمذي(2) ومستدرك الصحيحين(3) وكمثال على ذلك نذكر ما ورد في صحيح مسلم :

   «يقول يزيد بن حيان : انطلقت أنا وحصين بن مسيرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلمّا جلسنا إليه قال حصين : لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت معه، حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقال يا ابن أخي كبر سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)فما


1 . يقول ابن أبي الحديد : سألت استاذي عبدالوهاب : هل أن جميع الأحاديث الصحيحة واردة في الصحاح الستّة، أو هناك روايات صحيحة اُخرى في غيرها من الكتب ؟ فقال : هناك روايات صحيحة كثيرة لم تذكر في الصحاح، فقلت : هل أن حديث (لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي) صحيح ؟ فقال : نعم هو صحيح ومعتبر.

2 . سنن الترمذي : ج 5، ص 662، الحديث 3786 (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9).

3 . مستدرك الصحيحين : ج 1، ص 93 و ج 3، ص 109.

[ 88 ]

حدثتكم فانقلوه وما لا فلا تكفلونيه ثمّ قال (رضي الله عنه) : قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً خطيباً فينا بماء يدعى خماً بين مكّة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثمّ قال :

   «أَيَّهَا النّاسُ ! فَإنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوشَكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ أَوَّلُهُما كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتابِ اللهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِه «فَحَثَّ عَلى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ» ثُمَّ قَالَ : «وَأَهْلُ بَيْتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي....»(1).

   مضافاً إلى هذه الكتب الثلاثة فإنّ الرواية محل البحث وردت أيضاً في خصائص النسائي(2)، والملفت للنظر أن ابن حجر وهو رجل متعصب جدّاً وقد كتب كتاباً ضد الشيعة باسم «الصواعق المحرقة» قد أورد الرواية أعلاه أيضاً(3).

   والأهم من ذلك أن ابن تيميّة مؤسس فرقة الوهابية المنحرفة أورد رواية الثقلين أيضاً في كتابه «منهاج السنّة»(4).

   والخلاصة أن هذا الحديث الشريف والعميق المغزى «حديث الثقلين» هو رواية متواترة في كتب الشيعة وأهل السنّة(5).

   وهذا المطلب يدلّ على أن الرواية المذكورة تتمتع بأهمية خاصّة، ولهذا نجد الإمام الراحل بدأ في وصيته التاريخية بهذا الحديث الشريف لأنه محدّث خبير ويعلم أن هذا الحديث هو رواية محكمة لا يدخل فيها الشكّ والريب.

   ومن خلال حديث الثقلين يثبت أن المراد من اُولي الأمر هم الأئمّة الأطهار الذين يجب إطاعة كلّ واحد منهم في زمانه ولا يشترط في إطاعتهم واتباعهم أي شرط.

   ومضافاً إلى حديث الثقلين هناك روايات اُخرى واردة في شأن هذه الآية الشريفة ولكننا نذكر هنا اثنين منها :


1 . صحيح مسلم : ج 4، ص 1873.

2 . خصائص النسائي : ص 20 (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 66).

3 . الصواعق المحرقة : ص 226، طبع عبداللّطيف مصر (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 67).

4 . منهاج السنّة : ج 4، ص 104 (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 69).

5 . ومضافاً إلى ما ذكر أعلاه من الكتب والمصادر، فإن هناك كتب مهمة اُخرى لدى أهل السنّة تذكر حديث الثقلين، ولمعرفة المزيد من التفاصيل يراجع «نفحات القرآن : ج 9»، و«احقاق الحقّ : ج 4، ص 438).

[ 89 ]

   1 ـ يقول الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في «ينابيع المودّة» الصفحة 116 :

   «سمعت عليّاً صلوات الله عليه يقول : وأتاه رجل فقال : أرني أدنى ما يكون به العبد مؤمناً وأدنى ما يكون به العبد كافراً وأدنى ما يكون به العبد ضالاً، فقال له : قد سألت فافهم الجواب : أما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أن يعرفه الله تبارك وتعالى نفسه فيقر له بالطاعة ويعرفه نبيه (صلى الله عليه وآله) فيقر له بالطاعة ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة.... قلت يا أميرالمؤمنين : صفهم لي، قال : الذين قرنهم الله تعالى بنفسه وبنبيه، فقال : يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم، فقلت له جعلني الله فداك أوضح لي. فقال : الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مواضع وفي آخر خطبة يوم قبضه الله عزّوجلّ إليه :

   إنّي تَرَكُتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلّوا بَعْدِي إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما كِتابَ اللهِ عَزَّوَجَلَّ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتي.

   فنرى في هذه الرواية الرابطة الوثيقة بين حديث الثقلين واُولي الأمر.

   2 ـ ينقل أبوبكر المؤمن الشيرازي عن ابن عبّاس قوله :

   «إن هذه الآية ]آية الإطاعة[ نزلت في علي (عليه السلام) حيث خلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المدينة (في غزوة تبوك) فقال يا رسول الله : أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   أَما تَرْضى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزَلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى، حِينَ قالَ : اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ، فَقالَ عَزَّوَجَلَّ وَاُولُوا الاَْمْرِ مِنْكُمْ».(1)

   يعني أن الآية الشريفة ناظرة إلى عملك وسعيك وأنت مصداق اُولي الأمر.

   والنتيجة هي أن الآية الشريفة مع قطع النظر عن الروايات تدلُّ على أن اُولي الأمر يجب أن يتحدد بمصداق معيّن ومعصوم ومنصوب من قبل الله تعالى، وكذلك يفهم من خلال الروايات الشريفة أن المراد هو فرد معيّن ومنصوب بالنصب الإلهي، وهم الأئمّة الاثنا عشر، أي الإمام عليّ وأحد عشر من ذرّيته وأبنائه الطاهرين.


1 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 425.

[ 90 ]

أسئلة وأجوبة

   هناك أسئلة وعلامات استفهام عديدة قد تثار حول مدلول هذه الآية الشريفة وأهمها ثلاثة أسئلة :

   السؤال الأوّل : إذا كان الإمام عليّ (عليه السلام) هو مصداق اُولي الأمر كما يقول الشيعة إذن فلماذا لم تكن إطاعته واجبة في زمان حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حين أن الآية الشريفة تقرر وجوب إطاعة اُولوا الأمر كما هو الحال في وجوب إطاعة الله ورسوله ؟

   وبعبارة اُخرى أن الإمام عليّ (عليه السلام) كان في عصر النبي مأموراً أيضاً ولم يكن آمراً وقائداً تجب إطاعته على المسلمين، وعليه فإنّ التفسير المذكور للآية لا ينسجم مع وجوب الإطاعة الفعلي لاُولي الأمر.

   الجواب : ويمكن الجواب عن هذا السؤال بنحوين :

   ألف) لابدّ في البداية من معرفة المراد من «الرسول» و «اُولوا الأمر»، فلو فهمنا الفرق بين هاتين الكلمتين سيتضح لنا الجواب على السؤال أعلاه، «الرسول» هو الشخص المرسل من قبل الله تعالى لبيان أحكامه وإبلاغ دينه وإنذار الناس، أي أنه مضافاً إلى «النبوّة» وتبليغ الأحكام فإنه مرسل لإنذار الناس من العذاب الإلهي وببيان أوضح أن الرسول هو الشخص المأمور لبيان الأحكام وتبليغ الرسالة.

   وأمّا «اُولوا الأمر» فلا يتحملون مسؤولية التقرير والتشريع بل مسؤولية حراسة هذا القانون وتجسيده على مستوى الواقع الإجتماعي، وبعبارة أوضح يمكن القول أن «النبي» يمكن تشبيهه بالمشرّع والمقنن، بينما «اُولوا الأمر» هم القائمون على تنفيذ وإجراء هذه القوانين.

   ومع الإلتفات إلى هذا البيان فإنّ المقنن في زمن الرسول هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)وكذلك كان النبي الأكرم مسؤولاً عن تنفيذ القانون وإجرائه في الوسط الإجتماعي، وعلى هذا الأساس ففي زمن حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان (صلى الله عليه وآله)رسولاً وفي نفس الوقت «ولي الأمر» أيضاً كما في مورد النبي إبراهيم (عليه السلام) أيضاً حيث يقرر القرآن الكريم هذه الحقيقة وهو أنه قد نال مقام الإمامة مضافاً إلى مقام النبوّة، أي أنه مضافاً إلى مرتبة التشريع والتقنين نال مرتبة

[ 91 ]

مسؤولية إجراء القانون، إذن فمقام الرسالة هو مقام التقنين، ومقام الإمامة واُولوا الأمر هو مقام إجراء القانون، وفي زمن حياة النبي (صلى الله عليه وآله) كان النبي «رسولاً» و «ولي الأمر» ولكن بعد رحلت النبي (صلى الله عليه وآله) فإنّ الشخص المعصوم المنصوب من قبل الله تعالى ورسوله هو المعني بـ «اُولي الأمر» ولم يكن ذلك إلاّ الإمام علي (عليه السلام) ومن بعده سائر الأئمّة المعصومين واحداً بعد الآخر، لأنه لم يرد إدعاء النصب الإلهي لهذا المقام إلاّ للإمام علي وذريته الطاهرين.

   والنتيجة هو أن ادّعاء فعلية الإطاعة لا يضر بتطبيق كلمة «اُولوا الأمر» على الإمام علي (عليه السلام) بعد رحلة الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلى أبنائه الطاهرين بعد رحلة الإمام علي (عليه السلام)كما هو المستفاد من الأحاديث الشريفة.

   ب) أما الجواب الآخر فهو أن الإمام علي (عليه السلام) كان في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً من اُولي الأمر، وعلى الأقل في فترة معيّنة من حياته الشريفة، وذلك عندما توجه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)إلى غزوة تبوك وأبقى الإمام علي (عليه السلام) على المدينة بعنوان خليفته. ولتوضيح المطلب أكثر لابدّ من إلقاء بعض الضوء على واقعة تبوك :

 

غزوة تبوك

   إن هذه الغزوة هي آخر غزوة من غزوات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) طيلة فترة رسالته حيث وقعت أحداثها في السنة الأخيرة من سنوات عمره الشريف، ومكانها يقع في أعلى نقطة من منطقة الحجاز وفي الحدود المشتركة بين الجزيرة العربية والروم الشرقية.

   عندما اتسعت رقعة الإسلام واستحكمت دعائمه في المدينة وانتشر خبره في أرجاء المعمورة أحست الدول المجاورة لدولة الإسلام ومنها الروم الشرقية «سورية وفلسطين» بالخطر من هذه الدعوة الجديدة وفكروا في الهجوم على المسلمين لصد هذا الخطر الذي يهدد عروشهم وتيجانهم(1) ولذلك أقدم الروم على تشكيل جيش مقداره أربعين ألف


1 . لم تكن بلاد الحجاز مطمعاً للدول الكبيرة في ذلك الزمان، لأنها لم تكن تشكل خطراً مهماً من جهة سكّانها ولا يوجد فيها موارد اقتصادية مهمة ولا حضارة متفوقة، بل كان أهل الحجاز نصف متوحشين حيث يعيشون الحروب الدائمة بينهم، فلم تكن والحال هذه تشكل خطراً على البلدان المجاورة، فحتّى لو اُعطيت الحجاز مجاناً إلى البلدان الاُخرى لم تقبل بها، ولهذا كانت بعيدة عن أهداف الحكومات الاستعمارية، ولكن مع ظهور الإسلام واتحاد القبائل العربية فيما بينها تحت لواء الإسلام وظهور حضارة جديدة، أحسّ الأعداء بالخطر.

[ 92 ]

جندي بكامل العدّة والعدد وتحركوا باتجاه الحجاز.

   وعندما وصل هذا الخبر إلى المسلمين وإلى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله)المسلمين بأن يستعدوا لمواجهة هذا العدو وبالتحرك باتجاهه ولا يجلسوا في المدينة بانتظار قدومه، وكانت هذه الاستراتيجية العسكرية مناسبة جدّاً لهذه الواقعة لأنه ليس من المناسب التقوقع في حالة دفاعية وانفعالية اتجاه هذا الخطر بل ينبغي أن يقابل هذا الهجوم بهجوم آخر.

   واتفق في زمن وقوع هذه الحرب أنها كانت في أجواء صعبة وغير مناسبة لأنها من جهة كانت حرارة الصيف على أشدها في الحجاز، ومن جهة اُخرى فإن المحصولات الزراعية لهذه السنة على وشك النضج وقد فرغت المخازن الغذائية للسنة الماضية لدى المسلمين، ومن جهة ثالثة فإنّ الفاصل بين المدينة ومنطقة تبوك فاصلة كبيرة جداً حيث ينبغي على المسلمين طي هذا المسير مشياً على الأقدام غالباً لأنه لم يكن لكلّ عشرة أشخاص سوى مركب واحد، وعلى هذا الأساس عليهم أن يتناوبوا في الركوب، وعلى أية حال فقد صدر الأمر بالتوجه إلى منطقة تبوك فجمعوا ما تبقى لديهم من الأغذية من قبيل بعض التمر اليابس وقد يكون فاسداً أيضاً وتوجه المسلمون بجيش بلغ مقداره ثلاثين ألف شخص بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك. وكان العطش والجوع يلم بجيش الإسلام وقد تورمت أقدام الكثير منهم بسبب المشي في الصحراء المحرقة ولكنهم وبالرغم من هذه الصعاب والمشاكل استمروا في طريقهم وقد تحمل جنود الإسلام في ذهابهم وإيابهم الكثير من الصعاب وواجهوا تحديات الواقع المفروض عليهم ولهذا سمّي هذا الجيش بـ «جيش العسرة»(1).


1 . بدون شك لولا تلك الإستقامة والصبر من المسلمين في تلك الواقعة لم يكن الإسلام يصل إلينا بالتأكيد. ولهذا لا ينبغي التساهل في أمر حفظ هذا الدين لأنه لم يصل إلينا بيسر.

[ 93 ]