ثمّ إن النبي الأكرم استشار أصحابه بالنسبة إلى الرجوع إلى المدينة أو مواصلة الطريق والهجوم على العدو في الشام، وكانت نتيجة الشورى هي التصميم على العودة إلى المدينة لأن الإسلام لم يزل في بداياته ولم تكن للمسلمين القدرة الكافية والتجربة الوافية لفتح البلدان والمناطق الاُخرى، وعلى هذا الأساس كان هذا الاقدام العسكري في غاية الخطورة بالنسبة إلى الدولة الإسلامية الفتية.

   وبملاحظة ما تقدّم فإن غزوة تبوك كانت تختلف تماماً عن غزوات الإسلام الاُخرى «وخاصّة لطول مدّة عدم حضور النبيّ والمسلمين في المدينة وبُعد المسافة بين المدينة وتبوك» فكان من المحتمل جداً أن يتآمر المنافقون في المدينة بالتوافق مع الأعداء خارج المدينة، ولهذا كان من المفروض أن يخلف النبي الأكرم أقوى وأشجع المسلمين ليحفظ دار الإسلام وعاصمة البلد الإسلامي من شر الأعداء ومؤامرات المنافقين المحتملة، ولم يكن هذا الشخص سوى الإمام علي (عليه السلام) ولهذا فإن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عينه على المدينة كما تقدّم في رواية أبي بكر المؤمن الشيرازي المتقدّمة بعنوان أنه اُولوا الأمر.

   وعلى هذا الأساس فإن الإمام علي (عليه السلام) كان يتصف بصفة «اُولوا الأمر» حتّى في زمان النبي الأكرم رغم أن ذلك كان بشكل مؤقت فكانت طاعته مترادفة مع إطاعة الله ورسوله وواجبة على المسلمين في المدينة، وعليه فإن هذا الإشكال أي إشكال فعلية الإطاعة في الآية الشريفة يتضح جوابه ممّا تقدّم بيانه.

   السؤال الثاني : إن كلمة «اُولوا الأمر» تدلّ على الجمع والإمام عليّ شخص واحد،

[ 94 ]

فهل المراد من «اُولوا الأمر» هو الإمام علي لوحده ؟

   الجواب : صحيح أن كلمة «اُولوا الأمر» صيغة للجمع ولكن المراد ليس هو الإمام عليّ
فقط بل تشمل جميع الأئمّة الاثنا عشر للشيعة الذين يقول بهم الشيعة كما ورد ذلك في حديث الثقلين بعنوان «عترتي أهل بيتي» حيث لا تختص بالإمام علي بل تشمل جميع الأئمّة المعصومين.

   والشاهد على هذا الكلام الرواية التي وردت آنفاً في «ينابيع المودّة» حيث ذكر فيها أن اُولوا الأمر هم المقصودين من حديث الثقلين وقلنا أن المراد من «عترتي أهل بيتي» في حديث الثقلين هم جميع الأئمّة المعصومين (عليهم السلام).

   والنتيجة هي أن المراد من اُولي الأمر جميع الأئمّة الاثنا عشر كلّ واحد في زمانه الخاصّ حيث يجب إطاعته بدون قيد أو شرط على جميع المسلمين.

   السؤال الثالث : لماذا لم تتكرر كلمة «اُولوا الأمر» في ذيل الآية بحيث يرجع إليهم المسلمون في حلّ اختلافهم ومشاكلهم ؟

   الجواب : أوّلاً : إن هذا الإشكال لا يرد على الشيعة بالخصوص بل على أهل السنّة أيضاً لأنهم بأي معنى فسّروا كلمة «اُولوا الأمر» فهذا الإشكال وارد عليهم.

   ثانياً : إنّ علّت عدم تكرار «اُولوا الأمر» في المقطع النهائي من الآية الشريفة هو ما تقدّم من الفرق بين «الرسول» و «اُولوا الأمر» فالرسول هو المسؤول عن تقنين الشريعة و «اُولوا الأمر» هم المسؤولون عن تنفيذ هذه القوانين، ومن الواضح أنه إذا حصل شك لدى أحد الأشخاص في الحكم الإلهي لزم أن يراجع المقنن لا المنفذ للحكم.

   وعليه فإن عدم تكرار هذه الكلمة لا يعدُّ نقصاً في مفهوم الآية الشريفة بل يؤكد بلاغة القرآن الكريم وفصاحته المدهشة.

   والجدير بالذكر أن الأئمّة المعصومين بأجمعهم هم القائمون على تنفيذ قوانين الإسلام، ولو تحركوا من موقع بيان أحكام الإسلام وتشريعاته فإن ذلك مقتبس من رسول الله (صلى الله عليه وآله)قطعاً.

   وهناك روايات وردت في «جامع أحاديث الشيعة» المجلد الأوّل، الصفحة 183 تقرر أن

[ 95 ]

أئمّة الهدى (عليهم السلام)قد أخذوا جميع علومهم في مجال الأحكام الشرعية من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

   والنتيجة هي أن «اُولي الأمر» لا تعني الأشخاص الذين يتولون تقنين الأحكام
وتشريعها بل بمعنى القيام على تنفيذها والعمل على إجراء القانون الإلهي، ولهذا لا داعي لذكره مرّة اُخرى في الآية الشريفة.

 

توصيات الآية

   1 ـ إنّ أهم توصية في الآية الشريفة هي أن المسلمين يجب أن يذعنوا تماماً في مقابل الأحكام الإسلامية ويعملوا بالتكاليف الإلهية ويطيعوا الله ورسوله بدون سؤال وترديد، ولا ينبغي لهم أن يختاروا ما هو الملائم لمزاجهم والمتناغم مع أهواههم من هذه الأحكام ليعملوا به ويتركوا الباقي بل عليهم أن يتحركوا في خط الطاعة والرسالة ولو كان على خلاف ميولهم ورغباتهم فإنّ مثل هذا الشخص هو المؤمن الحقيقي والمسلم الواقعي.

   ويحدّثنا القرآن الكريم بعبارة شيقة في الآية 65 من سورة النساء في هذا الصدد :

   (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

   هذه الآية الشريفة بإمكانها أن تكون معياراً جيداً ودقيقاً لتشخيص مقدار حالة التسليم والإذعان في واقع الإنسان، وطبقاً لهذه الآية الشريفة فإن المسلم الواقعي هو الذي يتحرك من موقع التسليم لحكم النبي حتّى وإن كان على خلاف مصلحته ورغبته فلا يكتفي فقط بعدم إظهار الإنزعاج والتبرم بل ينبغي أن يشعر بالرضا والتسليم في قلبه وأعماق نفسه، أي أنه يسلم نفسه لله تعالى في العمل والقول والعواطف القلبية وإلاّ فإنه لو أحسّ بالتبرم في نفسه من أحكام الإسلام فإن ذلك يدلّ على أنه لن يحقق الإسلام الواقعي في وجوده، لأن المسلم الواقعي يجب أن يرضى بما رضي به الله ورسوله لا بما ترضى به نفسه وأهواءه.

   الإمام علي (عليه السلام) يقول في حديث جميل :

   لاَنْسُبَنَّ الاِْسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْها أَحَدٌ قَبْلي : الاْسْلامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقينُ،

[ 96 ]

وَالْيقينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الاْقرارُ، والاْقرارُ هُوَ الأَداءُ، وَالأَداءُ هُوَ الْعَمَلُ.(1)

   فطبقاً لهذا الحديث الشريف فإنّ الإسلام يبدأ من واقع الإنسان وقلبه ثمّ يطوي المراحل المختلفة ليصل إلى مرحلة العمل والممارسة، أي أن الإسلام بدون الإعتقاد القلبي وبمجرد أداء بعض التكاليف والعبادات لا يكفي في تحقق الغرض كما أن الإعتقادات لوحدها لا تكفي من دون أداء العبادات والتكاليف العملية وعليه فإنّ الإسلام هو مجموعة من الإعتقادات والأعمال الأخلاقية والدينية.

   2 ـ كلمة «أمر» تدلّ على مفهوم إيجابي واسع، ففي هذه الكلمة تكمن القدرة والقوّة، وهذا يعني أن «اُولوا الأمر» يجب أن يتحركوا مع الناس من موقع القدرة والقوّة والحكومة لا أنهم يطلبون هذا المقام ويمارسون نشاطاتهم بالتوسل وحالة الإستعطاف من الناس، وهذا المعنى وارد أيضاً في كلمة «الأمر بالمعروف» فإنّ الأمر هنا يجب أن يكون من موقع القدرة ولكن لابدّ من الإلتفات إلى أن موقع القدرة لا يتنافى مع استخدام اُسلوب المرونة والمداراة مع الناس لتحقيق المعروف وكما ورد في القصة المعروفة عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) حيث تقول الرواية : «ومن حلمه ما روي عن الكامل للمبرّد وغيره أنّ شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن فسلّم عليه وضحك فقال : أيها الشيخ أظنك غريباً ولعلّك تشبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وان كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً. فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال : أشهد انّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ، وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبّتهم»(2).


1 . نهج البلاغة : الكلمات القصار، الكلمة 125.

2 . منتهى الآمال : ج 1، ص 417.

[ 97 ]

   القارئ المحترم يدرك جيداً أن الفاصلة بين أفضل الناس على الأرض وأشر الناس كم هي كبيرة، ولكن الإمام الحسن (عليه السلام) باتخاذه هذا الاُسلوب السليم والأخلاقي في عملية الأمر بالمعروف قد قطع كلّ هذه المسافة الشاسعة.

   ونحن أيضاً يجب علينا الإستفادة من هذا الدرس الكبير والإلتفات إلى أن المخالفين على قسمين :

   1 ـ الأشخاص الذين وقعوا تحت تأثير الإعلام المسموم والدعايات المغرضة فصدرت منهم ممارسات شائنة وكلمات لامسؤولة، فهؤلاء يجب التعامل معهم بالاُسلوب اللين لهدايتهم كما هو الحال في هذا الرجل الشامي الذي وقع تحت تأثير دعايات بني اُمية المضللة وأصبح من أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، وكما رأينا أن الإمام الحسن قد جذبه إلى الحقّ وهداه إلى الدين بأخلاقه الحميدة.

   2 ـ الأشرار المعاندون الذين يعاندون طريق الحقّ ويبغضون أهل الحقّ عن علم ودراية، فهؤلاء لا معنى للتساهل والتسامح في التعامل معهم بل ينبغي التعامل معهم من موقع القدرة والشدّة.

   إن معرفة الأشخاص وتشخيص هذين القسمين ثمّ التعامل مع كلّ طائفة بما ينبغي التعامل معها عمل دقيق ويستلزم الكثير من الدقّة والتدبّر.

   ربنا ! وفقنا إلى نيل التسليم الكامل في مقابل أحكامك وأوامرك ووفقنا لأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المقدسّة كما يريد منّا الإسلام.

—–

[ 98 ]

[ 99 ]

 

 

آية الصادقين

5

«سورة التوبة / الآية 119»

 

أبعاد البحث

   إنّ الآية أعلاه تسمّى بـ «آية الصادقين»، وهي إحدى الآيات المتعلقة بمسألة الولاية والإمامة الواردة في شأن الإمام عليّ والأئمّة الأحد عشر من أولاده المعصومين (عليهم السلام)، ففي هذه الآية الشريفة يأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين باتباع «الصادقين» فمن هم هؤلاء الصادقون ؟ وما هي خصوصياتهم وعلاماتهم ؟

 

معرفة إجمالية لسورة التوبة

   من الضروري أن نتعرف على سورة التوبة بصورة إجمالية لتتضح جيداً أجواء نزول آية الصادقين الواردة ضمن هذه السورة، ولأجل ذلك لابدّ من بيان عدّة اُمور :

 

ألف) أسماء السورة وعلة تسميتها

هذه السورة لها إسمان متباينان «التوبة» و «براءة» والسبب في تسميتها «براءة» أن هذه السورة تبدأ بهذه الكلمة «براءة» مضافاً إلى أن هذه السورة تتضمن إعلان البراءة من المشركين وأعداء الإسلام.

[ 100 ]

   ولهذا السبب فهذه السورة لم تبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» التي تتضمن الرحمة والرحمانية والحنان واللطف.

   وأمّا سبب تسمية هذه السورة بـ «التوبة» فهو أن الكثير من آيات هذه السورة تدعو الناس للتوبة والعودة إلى الله تعالى، أي أنها على الرغم من إعلانها الحرب على الكافرين والبراءة من المشركين وشرارات الحرب تملأ أجواء هذه الآية فإنّ آيات هذه السورة تتضمن كذلك مفهوم التوبة بصورة واسعة بحيث إنها بعد إعلان البراءة من المشركين تقول قبل نهاية الآية الخامسة(1) من هذه السورة :

   (...فَاِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلوةَ وَاتَوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رحيمٌ )

   أي بالرغم من أن الكفّار والمشركين قد تآمروا كثيراً على الإسلام والمسلمين وارتكبوا جرائم كثيرة ولكنهم لو تابوا وتمسّكوا بتعاليم الإسلام فإنّ توبتهم ستكون مقبولة.

   والسبب في أن لهذه السورة اسمين متضادين هو كثرة الآيات التي تشير إلى التوبة ضمن الآيات التي تعلن الحرب والبراءة من الأعداء والمشركين ولعلّ ذلك لغرض بيان هذه الحقيقة، وهي أن الإسلام لم يغلق باب العودة وخط الرجعة على المذنبين والمجرمين حتّى في حال الحرب والقتال مع المسلمين فإنّ الإسلام لا يقصد الإنتقام منهم بل يهدف من تعاليمه حتّى من إقامة الحرب إصلاح الناس، ولهذا فلو أن الأعداء رغبوا في التوبة في أثناء الحرب وأظهروا عملاً التزامهم بالتوبة فإنّ الإسلام سوف يرفع عنهم حكم القتل بل سيتحرك نحو حمايتهم وتأييدهم.

   وبعبارة اُخرى إنّ تركيب الآيات لهذه السورة واختيار اسمين لها، يشير إلى حقيقة مهمة على المستوى التربوي للناس وهي :

   إنّ الإنسان يحتاج في عملية التعليم والتربية إلى عنصر الخشونة والمداراة سويةً، فلو اتخذت الحكومة في تعاملها مع الناس اُسلوب الخشونة لأدى ذلك إلى نفور الناس وتفرقهم، ولو تحدّثت الحكومة معهم من موقع المداراة واللطف فقط لأساء المجرمون والذين في قلوبهم


1 . بل إن مسألة التوبة وردت قبل هذه الآية أي في الآية الثانية.

[ 101 ]

مرض الإستفادة من هذا اللطف والمداراة وأمعنوا في توغلهم في أعمال الشر والجريمة، ولكنّ استخدام اُسلوب يجمع بين الخشونة والمداراة كلٌّ في موقعه المناسب بإمكانه أن يحلُّ الكثير من المشكلات، ولذلك كان من اللازم استخدام «الشدّة» و«اللطافة» وأيضاً «العقوبة» و«التوبة».

 

ب) زمان نزول آيات سورة التوبة

   إنّ الآيات الاُولى من سورة التوبة نزلت في أواخر السنة التاسعة للهجرة يعني سنة واحدة قبل وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وطبقاً لما ذكره المفسّرون فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله)في هذه السنة وعلى أساس التعليمات الواردة في هذه الآيات أمر الإمام علي (عليه السلام)(1) بالتوجه إلى مكّة في مراسم الحجّ والإعلان عن أربعة اُمور :

   1 ـ أنه لا يحقّ بعد هذا العام وهو العام التاسع للهجرة أن يطوف بعض الناس وهم عراة.

   سؤال : وهل أن البعض يطوف حول البيت عارياً إلى ذلك الزمان ولماذا ؟

   الجواب : نعم فإن بعض الرجال وحتّى بعض النساء كانوا يطوفون حول البيت وهم عراة تماماً لأنّ أحد عقائد الوثنيين الخرافية هي أنه إذا طاف الشخص بثيابه يجب عليه أن يتصدّق بهذه الثياب على الفقير، ولهذا السبب فإنّ الأشخاص الذين لم يكن لديهم سوى ثوب واحد كانوا يقومون باقتراض ثوب لهم من شخص آخر حين الطواف ويطوفون به لكي لا يشملهم الحكم المذكور. وأما الأشخاص الذين لم يتهيأ لهم اقتراض ثوب من شخص آخر ولا يرغبون في التصدّق بثوبهم كانوا يطوفون وهم عراة تماماً.

   2 ـ انه لا يحقّ للمشركين وعبّاد الأوثان الطواف بالكعبة بعد هذا العام.

   سؤال : أليس الإسلام يرى الحرية في العقيدة، إذن لماذا منع أتباع سائر الأديان بالطواف حول الكعبة ؟


1 . يتفق جميع المفسّرين والمؤرّخين تقريباً على أنه لما نزلت الآيات الاُولى من سورة براءة وفيها الغاء للعهود مع المشركين، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في البداية أبابكر بابلاغها إلى الناس في وقت الحجّ في مكّة، ثمّ أخذها منه وسلّمها إلى علي (عليه السلام) وأمره بابلاغها في مراسم الحجّ (وتفصيل الواقعة التاريخية التي أراد البعض إخفاءها، مذكورة في التفسير الأمثل : ج 5، بداية سورة التوبة).

[ 102 ]

   الجواب : إنّ الإسلام يرى حرية المذاهب والأديان ولكن الشرك وعبادة الأوثان لا يحسب ديناً ومذهباً بل هو مجموعة من العقائد التي تقوم على أساس خرافي.

   3 ـ إنّ المسلمين يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم مع المشركين إلى آخر المهلة المقررة في الميثاق ولكنهم بعد ذلك لا يقومون بتجديد هذا العهد والميثاق مع المشركين.

   4 ـ إنّ المشركين الذين لا تربطهم مع المسلمين رابطة عهد وميثاق سوف يُمهلون لمدّة أربعة أشهر لأصلاح عقائدهم ونبذ الشرك وعبادة الأوثان وإلاّ فإنهم سيتعرضون لقتال المسلمين.

   وعلى أيّة حال فانّ الآيات الاُولى من سورة التوبة والتي وردت الإشارة إلى مضمونها نزلت في أواخر السنة التاسعة للهجرة، ويحتمل قوياً أن بقية سورة البراءة ومنها هذه الآية محل البحث نزلت في السنة التاسعة للهجرة، أي في السنة الأخيرة من عمر النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله).

   وعلى هذا الأساس فإنّ «آية الصادقين» نزلت في أواخر عمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)وبذلك عملت على تهيئة الأرضيّة اللازمة لولاية وخلافة أميرالمؤمنين (عليه السلام).

 

الشرح والتفسير

   (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ) نرى في هذه الآية الشريفة أن الله تعالى يخاطب المؤمنين والمسلمين ويأمرهم بأمرين :

   الأوّل : أن يلتزموا بتقوى الله تعالى والتي تعدُّ أهم رأس مال المؤمن وميزان القرب من الله تعالى، وكلّما ازدادت حالة التقوى في السالك إلى الله فإنه سيكون أقرب إلى الله تعالى، وكلّما قلّ منسوب التقوى في الإنسان كان ذلك علامة على ابتعاده من الله تعالى حيث نقرأ في الآية 13 من سورة الحجرات :

   (يا أَيُّهَا النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَاُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ اَتْقاكُمْ إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ).

   ونقرأ في الآية 63 من سورة مريم أن التقوى هي بمثابة جواز عبور الإنسان على الصراط ودخوله الجنّة :

[ 103 ]

   (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيّاً).

   فالتقوى في نظر الإسلام مهمة في عملية الصعود بالإنسان إلى مدارج الكمال وتعني أن يعيش الإنسان الخوف والخشية من الله تعالى بحيث يدفعه ذلك إلى اجتناب الذنوب ولا يحتاج معها إلى ضوابط خارجية.

   الثاني : هو أن الله تعالى يأمر المؤمنين في هذه الآية الشريفة أن يكونوا مع الصادقين.

 

من هم الصادقين ؟

   سؤال : هل أن المراد من «الصادقين» في هذه الآية الشريفة، والذين أمر الله تعالى المسلمين باتباعهم هم أشخاص معيّنون، أو أن المراد هو المعنى اللغوي لهذه الكلمة، أي أن يتبع الإنسان كلُّ شخص صادق ؟

   الجواب : نحن نرى أن المراد من «الصادقين» في هذه الآية الشريفة ليس كلُّ إنسان صادق بل أفرادٌ مخصوصون، والشاهد على ذلك وجود قرينتين في هذه الآية :

   1 ـ أنه لو كان المراد من كلمة «الصادقين» هو المعنى العام لا الخاصّ فيجب أن يقول «كونوا من الصادقين» لا «مع الصادقين» لأن الواجب على جميع المسلمين أن يكونوا صادقين لا مجرد أن يكونوا مع الصادقين، وعلى هذا الأساس يتّضح من وجوب اتباع الصادقين والكون معهم أن المراد بهم هم أشخاص معيّنون بحيث يجب على المسلمين إتباع هؤلاء الأشخاص.

   2 ـ والشاهد الآخر على هذا المعنى أن ظاهر الآية يدلّ على أن إتباع هؤلاء غير مقيّد بقيود أو شروط، وعليه فإنّ إطلاق وجوب إتباعهم يدلُّ على ضرورة أن يكون هؤلاء الصادقون معصومين ومصونين من الخطأ والإشتباه والزلل لأنه لولم يكونوا كذلك فلا يصحّ للمسلمين إتباعهم مطلقاً بل عليهم الإبتعاد عنهم في حالات الزيغ والخطأ والمعصية.

   وعلى هذا الأساس فبما أن وجوب اتباع «الصادقين» ورد بصورة مطلقة لزم أن يكون هؤلاء الصادقين أشخاصاً معينين ومعصومين من الخطأ والذنب ليتسنّى للآخرين اتباعهم بصورة مطلقة.

[ 104 ]

   والنتيجة هي أنه إما أن يكون اتباع هؤلاء الصادقين ورد بصورة مطلقة فيكون «الصادقون» يراد بهم أشخاص معينون، أو أن ترد كلمة «الصادقين» بصورة مطلقة وتشمل جميع من كان صادقاً فيلزم التقيد في إتباعهم، ونظراً لما تقدّم من القرينتين في هذه الآية الشريفة فإنّ الاحتمال الأول هو الصحيح، فعليه فإنّ كلمة «الصادقين» مقيّدة والإتّباع مطلق، والمراد منه أشخاص معيّنين الذين يمكن للمسلمين إتّباعهم بصورة مطلقة.

 

نظرية علماء أهل السنّة

   أما المفسّرون من أهل السنّة فقد أنقسموا في تفسيرهم لهذه الآية إلى قسمين، فبعضٌ لم يبحث هذه المسألة بصورة جيدة ولم يهتم لتفسير كلمة «الصادقين» فيها ومرّ عليها مرور الكرام.

   وبعض آخر ذكر مطالب متنوعة في تفسيرها حتّى أنهم ذهبوا إلى أن «الصادقين» يجب أن يكونوا معصومين أيضاً لأنّ الاطاعة والإتباع ورد بصورة مطلقة ولا يصحّ ذلك إلاّ بإتباع المعصوم ولكن مع ذلك فإنّ المسبوقات الفكرية والأحكام الذهنية لم تسمح لهؤلاء أن يصلوا إلى الحقيقة في تفسيرهم لهذه الآية.

   الفخر الرازي من جملة المفسّرين من الطائفة الثانية فمضافاً إلى أنه يرى أن «الصادقين» يجب أن يكونوا معصومين يعتقد كذلك أن هذه الآية لا تختص بعصر نزول النصّ وزمان حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بل في كلّ زمان يكون هناك شخص صادق معصوم في الاُمّة الإسلامية يجب على المسلمين إطاعته شرعاً.

   ولكنه عندما أراد تشخيص مصداق «الصادقين» تورط في مسبوقاته الذهنية وابتلى بالتفسير بالرأي وقال : «نحن نعترف بأنه لابدّ من معصوم في كلّ زمان، إلاّ أنا نقول : ذلك المعصوم هو مجموع الاُمّة».

   أي أن الاُمة الإسلامية لو اتفقت على رأي واحد في مسألة معيّنة فيجب على الجميع إتباع هذا الرأي، والنتيجة هي أن قوله تعالى «كونوا مع الصادقين» هو أن يكون المسلمون في كلّ عصر وزمان يسيرون جنباً إلى جنب مع مجموع الاُمّة الإسلامية.

[ 105 ]

   ولكننا نسأل من الفخرالرازي : هل أن هذا التفسير كان يتبادر إلى ذهن المسلمين في عصر نزول الوحي وفي أذهان الصحابة في وقت نزول الآية ؟ وأساساً فإنّ مسألة «الإجماع» طرحت بعد قرون من عصر النزول فكيف يستنبط الفخر الرازي من هذه الآية «إجماع الاُمّة» ؟

   ولا شكّ أن هذا التفسير مجانب للصواب وأن أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يفهموا من كلمة «الصادقين» سوى عدّة من الأشخاص المعينين الذين يتمتعون بمقام العصمة.

   وعلى هذا الأساس، فلا شكّ في أن «الصادقين» يتمتعون بمقام العصمة من الذنوب والأخطاء، هذا أوّلاً...

   وثانياً : أنهم موجودون في كلّ عصر وزمان ولا يختص وجودهم في زمان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله).

   ثالثاً : أن عددهم معيّن ومحدد.

   فالاُمور الثلاثة أعلاه تستفاد من نفس هذه الآية الشريفة كما مرّ تفصيل الكلام عنه آنفاً(1) ولكنّ مصداق «الصادقين» لا يتضح ويتبين من الآية نفسها بل لابدّ من الإستفادة من الروايات الشريفة.

 

تفسير آية الصادقين بضميمة الآيات الاُخرى

   لو جلسنا في مقابل القرآن جلسة التلميذ وأبعدنا أذهاننا عن المسبوقات الذهنية والمذهبية وتدبرنا في آيات هذا الكتاب العظيم بإخلاص ورغبة صادقة فإنّ القرآن الكريم يعرّف لنا الصادقين في آيات اُخرى حيث يقول تعالى في الآية 15 من سورة الحجرات :

   (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بأَمْوالِهِمْ


1 . لو تخلّى الإنسان من قيود التعصّب والمسبوقات الذهنية وتدبّر في مفهوم الآية الشريفة والآيات المشابهة لها لحصل على نتائج جيدة، ومن هؤلاء الأشخاص الدكتور التيجاني الذي كان من علماء أهل السنّة وقد اهتدى إلى الحقّ بعد التدبّر في الآية الشريفة وأمثالها وفي جوابه لمن سأله : لماذا اخترت مذهب التشيع ؟ كتب كتاباً باسم «لأكون مع الصادقين» حيث يدور البحث فيه حول الآية الشريفة المذكورة أعلاه.

[ 106 ]

وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبيِلِ اللهِ اُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُون).

   فطبقاً لهذه الآية الشريفة فإن «الصادقين» مضافاً إلى إيمانهم بالله ورسوله أو إيمانهم بالمبدأ والنبوّة التي يشترك في هذه العقيدة جميع المسلمين فإنّهم يختصون بخصوصيات اُخرى لا يشترك معهم سائر المسلمون :

   1 ـ إنهم بعد الإيمان بالله ورسوله لم يعيشوا الريب والشك ولا للحظة واحدة بل كانوا يعيشون الإيمان واليقين الراسخ في جميع مراحل حياتهم.

   2 ـ والآخر أن هذا الإيمان المذكور لم ينحصر في عالم القلب واللسان فحسب، بل إنّ آثاره تجلت بوضوح على مستوى الممارسة والعمل، ولهذا فإنّهم يتحركون في جهادهم في سبيل الله من موقع القرب من الله وبدافع من طلب رضاه فقط لا بدوافع اُخرى فيبذلون المال والأنفس في هذا السبيل.

   ومع الإلتفات إلى هاتين الخصوصيتين النادرتين يجب علينا التفتيش والفحص بين أصحاب الرسول الأكرم لنعثر على الشخص الذي يتمتّع بهذه الصفات والخصوصيات ويكون من الصادقين.

   ولدى رجوعنا لتاريخ صدر الإسلام نصل إلى هذه الحقيقة، وهي أن الشخص الوحيد الذي يتمتع بهذه الصفات هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لأن جميع حياته كانت مليئة بالجهاد بالمال والنفس ولم يشك أو يتردد طرفة عين في إيمانه وعقيدته.

   ومن أجل إثبات هذه الحقيقة نذكر ثلاث وقائع مختلفة مما يذكره التاريخ الإسلامي عن حياة هذا الإمام وجهاده بالمال والنفس وإيمانه الراسخ بالله ورسوله :

   1 ـ عندما تحرك المشركون في مكّة للقضاء على الإسلام وتآمروا في كيفية الطريق إلى تحقيق هذه الغاية وصممّوا على تنفيذ مؤامرة قتل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). ومن أجل أن لا تقوم عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بالإنتقام من القاتل أو الإقتصاص منه قرّروا أن يقوم بهذه العملية عدّة أشخاص من جميع القبائل فاختاروا لذلك أربعين شخصاً من الأقوياء والشجعان في القبائل العربية ليهجموا على بيت النبوّة ليلاً وينفّذوا هذه العملية.

   ولكنّ الله تعالى أخبر نبيّه الكريم بواسطة الوحي بهذه المؤامرة الخطيرة، فقام النبي

[ 107 ]

لأجل التخلص من هذه المؤامرة بالهجرة إلى المدينة ولكن من أجل أن لا يلتفت الأعداء إلى غيبته لزم أن يختار شخصاً شجاعاً مستعداً للموت لينام على فراش النبي في الليلة المقررة فكان أن اختار النبي الإمام علي (عليه السلام) لهذه المهمة.

   وطبقاً للروايات(1) الواردة في هذه الحادثة فإن رسول الله قال لأميرالمؤمنين (عليه السلام)عندها :

   إنني قد اُمرت أن اُهاجر إلى المدينة ولكنّ هناك أربعين رجلاً مسلّحاً من أربعين قبيلة يحاصرون هذا البيت وينتظرون طلوع الفجر ليهجموا على هذا البيت ويقتلونني فهل أنت يا عليّ مستعد لتنام في فراشي لأتمكن من التحرك نحو المدينة ؟

   فأجاب علي (عليه السلام) الذي ملأ قلبه العشق للنبيّ وللرسالة ولم يتردد أو يشك لحظة في إيمانه وعقيدته : «يا رسول الله إذا أنا نمت في فراشك فهل تصل سالماً إلى المدينة ؟»

   كان هذا السؤال مهماً جداً بالنسبة إلى الإمام علي (عليه السلام) فلم يسأل عن مصيره هو والخطر المحدق به في هذه الليلة بل كان فكره مشغولاً فقط بسلامة معشوقه وحبيبه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

   وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : نعم سأصل سالماً إن شاء الله.

   فوقع الإمام علي (عليه السلام) من فوره على الأرض ساجداً لله تعالى سجدة الشكر على سلامة الرسول ولعلّ هذه كانت أوّل سجدة شكر في الإسلام.

   فهل نجد شخصاً غير علي ابن أبي طالب يعيش العشق والحبّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله)إلى هذه الدرجة ؟

   نحن بدورنا نعشق هذا الإمام ونتّبع في عقيدتنا وسلوكنا هذا الإنسان الكامل.

   وهكذا نام الإمام علي (عليه السلام) في فراش النبي ووصل النبي سالماً إلى المدينة فلما أصبح الصباح هجم الأعداء على بيت النبي فنهض الإمام علي (عليه السلام) عندما سمع الضجة من فراشه، فوجد الأعداء أن هذا النائم ليس هو مرادهم ومقصودهم فسألوا عليّاً : أين محمّد ؟

   وبدون أن تتخلل ذرة من الخوف في قلب الإمام علي (عليه السلام) قال : وهل أودعتموه عندي حتّى تسألوا هذا السؤال ؟


1 . وقد أورد المحدّث القمّي (رحمه الله) في منتهى الآمال : ج 1، ص 110 هذه الواقعة بالتفصيل.

[ 108 ]

   فبهت الأعداء من هذا الجواب القاطع لهذا الشاب الشجاع وقالوا فيما بينهم : إنّ هذا شاب ساذج وقد خدعه محمّد (صلى الله عليه وآله).

   فلمّا سمع الإمام علي (عليه السلام) ذلك منهم وأنهم يتحدّثون عن حبيبه بلغة الإهانة قال لهم كلاماً جميلاً جداً وعميق المغزى :

   إنّ اللهُ قَدْ أَعْطانِي مِنَ الْعَقْلِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَمِيع حُمَقاءِ الدُّنيا وَمَجانِينها لصارُوا بِهِ عُقَلاء وَمِنَ القُوَّةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَمِيعِ ضُعَفاءِ الدُّنْيا لَصارُوا بِهِ أَقْوياءَ، وَمِنَ الشُّجاعَةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَميعِ جُبَناءِ الدُّنْيا لَصارُوا بِهِ شَجْعاناً.(1)

   عندما سمع الأعداء هذا الجواب تملكهم اليأس وأطرقوا برؤوسهم خارجين من المنزل.

   فلو كان لدى الإمام علي (عليه السلام) ذرة من الشك والتردد بالنسبة إلى إيمانه بالله والرسول فهل يعقل أن يخاطر بحياته مثل هذه المخاطرة ؟

   2 ـ في واقعة اُحد تمكن الأعداء من تحقيق نصر عسكري على المسلمين بسبب غفلة المسلمين وطمعهم في حطام الدنيا ومضافاً إلى ذلك فقد استفاد الأعداء من هذه الغفلة وتحركوا من موقع الحرب النفسية ضد المسلمين حيث صاح أميرهم لما رأى النبي (صلى الله عليه وآله)جريحاً في ميدان القتال «لقد قُتل محمّد !» ولما سمع المسلمون هذا النداء هرب الكثير منهم من ميدان القتال كما تقول الرواية، ولكنّ الإمام علي (عليه السلام)الذي كان مؤمناً بانتصار الإسلام وبوعد الله تعالى ولم يتردد لحظة في هذه العقيدة الراسخة لم يلتفت إلى هذا النداء وبقي مستمراً في قتال الأعداء حتّى أصاب جسده الشريف جراح كثيرة ولكنه استمر في القتال والدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحيث أدّت شجاعته وإيمانه وسعيه البالغ في دفع الخطر عن النبي(صلى الله عليه وآله) إلى إجهاض كيد العدو وأدرك المسلمون أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقتل لحد الآن، ولذلك عاد الكثير منهم إلى ميدان القتال، وعلى أيّة حال انتهت الحرب بكلِّ ما تضمنته من صعوبات وتحديات واندحر الأعداء وهم مصابون باليأس من الغلبة على الإسلام وتوجهوا إلى مكّة، وهكذا اُصيب الإمام علي (عليه السلام)في هذه المعركة بما يقارب من 90 جرحاً فأرسل له النبيّ (صلى الله عليه وآله)طبيبين ليعالجاه ويضمدا جراحه ولكنهم سرعان ما عادوا إلى